دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس السادس والستون | القود فيما دون النَّفس /الدِّيات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

حيّاكم الله في مجلس جديد من مدارس التعليق على «أخصر المختصرات». وصلنا ونحن ما زلنا في باب الجنايات إلى باب العفو عن القصاص، وأظن وصلنا إلى هذا الباب وأخذنا منه، وصلنا إلى القود فيما دون النفس كالقود فيها.

مر معنا قضية أن أول شرط من شروط ثبوت حق القصاص هو تكليف الجاني، وعصمة المجني عليه، والتكافؤ. أهم شيء أركز عليه قضية المكافأة، وقلنا ما ضابطها؟ ألا يكون القاتل أفضل من المقتول في ماذا؟ في حال الجناية؛ في دين أو حرية، فالعبرة بالدين والحرية، وليس بالذكورة والأنوثة، هذا ننتبه له، أنه لا يكون أفضل في الدين أو الحرية، هذا التفاضل الذي يجب أن يتبع.

وهذا بالتالي يقتضي أنه لو كان حرًا مسلمًا قتل حرة مسلمة يقتل، وطبق العكس، حرة مسلمة قتلت حرًا مسلمًا تقتل. ولو كان أحدهما أعلى في خصلة وأدنى في خصلة والمقتول بالعكس، يعني القاتل عبد مسلم والمقتول حر ذمي، ركزوا في هذه المسألة؛ القاتل حر ومسلم، والقاتل عبد وهو مسلم، والمقتول أعلى في جزئية وأوطأ في جزئية، أعلى أنه حر، وأوطأ في جزئية أنه ذمي، فهنا ماذا نقول؟ لا يقتل مسلم بكافر، فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، أنه لا يقتل مسلم بكافر.

هذه من المسائل التي تحتاج إلى نظر؛ لأن الأصل في هذه المسائل أنه إذا كان أحدهما أوطأ في جزئية والثاني أعلى في جزئية، أن يكون هناك نوع من التكافؤ، هذا الأصل. فإذا كان أحدهما أعلى في جزئية وأدنى في جزئية، فالأصل أنه لا يتم القصاص، لأنه لم يحصر التساوي أو أن المقاتل أدنى تمامًا، بل هنا القاتل أدنى في جزئية، لكن المشكلة أنه أعلى في جزئية أخرى، فهذه ينظر إليها من هذه الناحية.

وصلنا إلى قول: «والقود فيما دون النفس»، قال رحمه الله: «والقود فيما دون النفس كالقود فيها، وهو نوعان: أحدهما في الطرف، فيؤخذ كل من عين وأنف وأذن وسن ونحوها بمثله».

القصاص في جناية ليست على النفس، بل على ما دون النفس، أي جناية ما أدت إلى إزهاق روح، الجناية التي لا تؤدي إلى إزهاق روح. قالوا هي أحد أمرين: يا جناية أدت إلى فقدان طرف، كقطع اليد أو الرجل، يا جناية أدت إلى جرح، كأن يحط سكينة في فخذك فيجرحك دون أن يفقد عضوًا.

وقد نعتبر هناك نوعًا ثالثًا وهو جناية أدت إلى فقدان منفعة، كأن أضربك كفًا على أذنك فتصبح أطرش من شدة الكف، هنا لم يحدث فقدان طرف ولا جرح، بل صار فقدان منفعة، فقدت حاسة السمع أو فقدت حاسة البصر، أو فقدت حاسة الشم بضربة على الأنف فتعطلت المنفعة. ففعليًا إذا قلت الجناية فيما دون النفس، فهي ثلاث: فقدان طرف، أو جرح، أو فقدان منفعة.

ولكن لماذا لم يذكر الثالثة هنا؟ لأنها تحت فقدان الطرف، لأن هذه لا يمكن فيها القصاص؛ فإذا لم أقطع لك عضوًا ولم أجرحك، كيف أقتص منك؟ إذا شلت الحاسة بدون قطع عضو أو جرح، فهذه تذهب مباشرة إلى الدية، لأن هذا الأمر لا ينضبط، فكيف أشيل الحاسة بدون قطع عضو أو جرح؟ هذا أمر لا ينضبط.

لذلك هو دقيق هنا، يتكلم عن الأمور التي فيها قود بالتحديد، وهي إما قطع طرف أو جرح، وحتى قطع الطرف والجرح ستأتي ضوابط معينة فيها القصاص. أما الحالة الثالثة، فقدان الحاسة، فإذا لم يحصل فيها قطع عضو أو جرح، نذهب مباشرة إلى الدية.

قال: «أحدهما في الطرف، فيؤخذ كل من عين وأنف وأذن وسن ونحوها بمثله بشرط مماثلة وأمن حيف واستواء في صحة».

أول نوع من أنواع الجناية فيما دون النفس التي يمكن أن نعمل فيها قصاصًا هو القود في الأطراف. ومن حيث شروط الاستحقاق، فنحن نحتاج ثبوت الشروط الأربعة: تكليف الجاني، وعصمة المجني عليه، والتكافؤ، وعدم الولادة. فمعنى قوله «والقود فيما دون النفس كالقود فيها» هذا التشبيه المراد به أنه من حيث شروط الاستحقاق ثم شروط الاستيفاء.

ودخل بعد ذلك في أنه نوعان؛ لأن شروط الاستيفاء في ما دون النفس سيكون فيها تفصيل أكثر. فقال: «أولاً النوع الأول في الأطراف»، والمراد بالأطراف هنا قطع الأطراف وليس مجرد كسرها، فإذا انكسرت عظمة الإيد مثلاً فهذا كسر ينظر فيه بأمر آخر، أما هنا فالمراد قطعها.

ولذلك قالوا لا يوجد قصاص في الكسور إلا في كسر السن، قال: «إلا إذا كسر لك سنًا»، هذا هو الوحيد الذي أثبتوا فيه القصاص، لقول ربنا في القرآن: ﴿... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ...﴾ [المائدة: 45].

الآن الطرف هنا إخواني حتى يجوز القصاص فيه، كما قال الشيخ عثمان النجدي: هو ما له مفصل، يعني على وزن المز، ما له مفصل أو له حد ينتهي إليه. إذاً ما تعريف الطرف هنا؟ الطرف الذي يمكن أن يكون قصاص فيه هو كل طرف له مفصل يُقطع من مفصله، أو قد لا يكون له مفصل زي هنا، الأنف؛ مآرن الأنف هذا لكن له حد ينتهي إليه، بحيث لو أنا قطعته خلص معروف لوين رح ينصل القطع. هذه الأطراف المقصودة هنا.

بالتالي لاحظوا هنا، هذه العقد عبارة عن ايش؟ فواصل، هي الأنامل عبارة عن ايش؟ مفاصل، هنا الكوع وهذا عبارة عن مفصل، المرفق عبارة عن مفصل، المنكب عبارة عن مفصل، الركبة عبارة عن مفصل، هنا نفس الشيء الزنار، فهذه تسمى مفاصل. ممتاز. سيأتي معنا أنه الطرف حتى يكون في قصاص لابد أن يكون القطع من وين؟ من مفصل، تم القطع من المفاصل، أو إذا كان طبيعته ليس له مفصل يكون طرف له حد ينتهي إليه، أمثل له بمآرن الأنف هذا، هذا يسمى مآرن الأنف بحيث لو أنا قطعت العظمة القصيبة خلص يوجد حد ينتهي إليه، بعد ذلك يوجد حد ينتهي إليه. لو واحد قطع هذه المنطقة خلص في حد، يعني يعتبر واحد جاب السكين وشاله، تمام، معروف ما هو الحد الذي ينتهي إليه.

فلذلك قال: «أحدهما في الطرف فيؤخذ كل من عين وأنف وأذن وسن ونحوها بمثله». وزي ما نعرف معنى المثلية، العين اليمين بالعين اليمين، العين الشمال بالشمال، الأنف هو يمين شمال الأنف، الأذن نفس الشيء، أذن يمين بتؤخذ بأذن يمين، ما بتؤخذ أذن يمين بأذن شمال، أذن يمين بأذن يمين، تمام، أذن شمال بأذن شمال. ونفس السن نفس الشيء، أخذ ثانية بأخذ ثانية، أخذ رباعيات بأخذ رباعية، شال هذا بشيل هذا، جزء السن، نعم جزء السن، إذا صار في كسر سيأتي معنا.

والطرف كما قال الشيخ عثمان إذاً بشرط مماثلته، هذا هو الشرط الذي ذكره المماثلة. المماثلة، اكتب هنا، لابد أن تكون مماثلة في الاسم والمماثلة في الموضع، فالمماثلة مشتركة في أمرين زي ما حكينا، قطعت يد بدنا نعرف إذا اليد بتؤخذ مكانها يد، بصير واحد قطع يدي أقطع رجله؟ اختلف الاسم، اسم العضو كله اختلف، فلا بد من المماثلة في اسم العضو، قطع عيني أو شال عيني أروح أقطع دانه؟ أقول اختلف الاسم هنا، كل اسم العضو اختلف، فلابد من مماثلة في اسم العضو؛ يد يد، سن سن، أي أذن أذن، والمماثلة في الموضع؛ أذن يمين بأذن يمين، أذن شمال بأذن شمال، عين يمين بعين يمين، حتى يكون في قصاص.

شوف قد ايش الأمور دقيقة، أنا شال لي عيني اليمين وهو ما عنده عين يمين، اللي أجا عليّ رايحه بقدر أخذ عينه الشمال؟ أقول والله ما عندك عين يمين خلص رح أروح أشيل عينك الشمال، قصاص ما بزبط، رح يجي معنا شو الحال؟ رح يصير بس ما في قصاص، ليش؟ لعدم المماثلة في الموضع. فالمماثلة تشترط في الاسم وتشترط في الموضع، إذاً هذا هو الشرط الأول.

الشرط الثاني حتى يتم القصاص قالوا: «وأمن من الحيف»، أي من الجور والظلم. فإذا كان أي قطع سيؤدي إلى جور أو إلى ظلم فإن القاضي يوقفه، فإن القاضي يوقفه. وأصلاً نحن لماذا اشترطنا ابتداءً في الطرف حتى يتم القصاص فيه أن يكون القطع من مفصل؟ حتى نمنع الحيف، لأنه قالوا لو أن أنا قطعت طرف بس قطعته من المنتصف، تخيل واحد قطع إيدك مش من عند المفاصل، قال قطعها من منتصفها، هل سنضمن ونأمن الحيف في حال القصاص؟ لأنه سنتي واحد راحت السكينة هون أو هون، نحن ظلمنا أحد الأطراف، يعني هو قطع من الساعد عشرين سم، لو بدنا نيجي نختص ممكن السكينة زادت السكينة قطع واحد وعشرين سم، آه والله بتفرق شي سم، بس زيادة مش مشكلة، هي مشكلة في علم الدين، القصاص عدل.

فإذا أنا أنت لما قطعت الطرف ما قطعته من المفصل، ما بقدر أعمل قصاص ليه؟ لأنني لا أضمن العدالة عند القصاص، لا أضمن العدالة، بخلاف لو كان القطع من عند المفاصل، هي واضحة خلص، قطع يدك ما ضل إلا المرفق، خلص بنقدر بسهولة نقطع يده ونخلي المرفق، فلذلك قالوا أي الأمن من الحيف، وهذا يكون بأن يكون الطرف المقطوع قطع من مفصله أو أن يكون له حد ينتهي إليه كالمآرن الأنف.

طيب، الشرط الثالث حتى يحصل القصاص في الأطراف قال: «واستواء في صحة وكمال». الاستواء في ماذا؟ قال في الصحة والكمال. فمثلاً الاستواء في الصحة ما هو ضابطه؟ وجود المنفعة. الاستواء في الصحة مثلاً أنا أنت عندك عين ما بتشوف فيها، يعني موجودة هي بسموها العين القائمة هي موجودة بس ما بتشوف فيها، رحت أنا قلعت لك إياها، ما بصير اقتص منك لأني لو شلت عينك أنا بشيل عين فيها منفعتها، عين أنت عم بتشوف فيها، بقول لك أنا صح شلت عينك بس شلت عين أنت لا ترى بها، فليس من العدل أن تشيل عيني التي أنا أرى بها، نروح على الدية ساعتها.

فلذلك حتى يكون قصاص قالوا استواء العضوين من حيث الصحة بأنه كلاهما فيه نفس الشيء، تمام هذا صحيح. إذاً طب هذه عاطلة وعينه عاطلة، لا بقدر أشيلها لأنه أنا عيني اللي خلع عليّ إياها ما بتشتغل، وقدر الله قدر الله أن عينه اليمين نفس عين اليمين عاطلة، فاستويا في الصحة تمام.

وأما في الكمال بأن تكون عين العضو مكتملة فلا تؤخذ، قال: «يد صحيحة بيد شلاء». أنت الآن أنا قطعت لك يدك من هنا من المرفق بس يدك أصلاً هي مشلولة كانت قبل ما أنا أقطعها، فانا قطعتها ماشي، بعرف أني أنا قطعتها بس هي ما كانت شغالة، ما كانت دخلت في المنفعة، ما كانت كاملة عفواً، هو ذكر مثال الشلاء بس أنا أعتقد أنه هذا المثال ربما لا يصح، قال فلا تؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، أنا أعتقد الكمال في كمال العضو، يعني أنا قطعت يدك من هنا بس يدك أصلاً كان فيها قطع سابق، كان فيها قطع سابق تمام أو بعض أصابعها مش موجودة، ممتاز، فانا ما بصير اقطع ايدك اليمين اللي هي كاملة وفيها أي قطع سابق.

زمان بحادث أو شيء فقطعت يده من المرفق، هل بيجي بيقول لي بدي أقتص منك أشيل يدك؟ أقول: أنا يدي كاملة ما في فيها نقص، ما بتقدر. لو كانت يدي فيها نفس النقص اللي في يدك فيش مشكلة، لكن ما دامت يدي أنا صحيحة، فيش فيها انقطاعات، ويدك أنت اللي أنا قطعت لك إياها يد أصلاً أصابعها رايحة من زمان، فهنا لا يوجد مساواة في الكمال، فلا تستطيع أن تطالب بالقصاص، لكن تنتقل إلى الدية. ممتاز، وكذلك العكس؛ حيث إنه أنا مثلاً كانت القطع لليد الصحيحة، فهو يقتص من يد شلاء أو يد غير صحيحة.

معنا سيأتي معنا، طيب شيخ، في تعليق على الشرط الثاني في الحاشية 4؛ اعتبر أنهم يفرقون بين شرط الوجوب وشرط الاستيفاء. اعتبر المؤلف الأمن من الحيف شرطاً لوجوب القصاص، أي تبعاً لما في المقنع، شرط وجوب القاص هو شرط، لكنه شرط لجواز الاستيفاء لا لوجوبه. قال في كشف الفائدة: «إننا إذا قلنا إنه شرط الوجوب أي تعينت الدية إذا لم يوجد الشرط، وقلنا شرط للاستيفاء؛ الوجوب إن بني على الأصوب». ماذا؟ إذا قلنا القصاص عيناً لم يجب شيء إلا أن المجني عليه إذا عفا يكون قد عفا عمن يحصل ثوابه، وإن قلنا موجب العمد أحد الشيئين انتقل الوجوب إلى الدية كغيره. يعني لم يذكر حقيقة فرق كثير مؤثر وإن كان هذا الكلام، نعم نحتاج أن ننظر فيه، لكن لم يذكر إلى الآن هنا بالنسبة لمعتمد المذهب، فخليها كما هي عليه الآن.

الشرط ممكن نزيد على قضية الأطراف شرطاً رابعاً؛ إذا قلنا القصاص في الأطراف يتوقف على أولاً: المماثلة في الاسم والموضع، ثانياً: الأمن من الحيف، وبالتالي لا يجوز أن يقتص من الأطراف إذا قطعت من منتصفها أو ثلثها، ثالثاً: استواء الأطراف في الصحة والكمال، وهنا يزاد شرط رابعاً: أن يكون عمداً وليس شبه عمد أو خطأ. وهذا الأصل يعرف تلقائياً، يعني ذكره الشيخ أحمد كشرط؛ أن تكون الجناية عمداً محضاً، فلا قصاص في شبه العمد والخطأ. لاحظ حتى في الأطراف في شبه العمد، وهذه الفائدة التي تهمنا أنه في الأطراف في شبه عمد وفي أيضاً خطأ.

قال: «والثاني في الجروح بشرط انتهائها إلى عظم كما موضحة، وجرح عضد وساق ونحوهما». الآن النوع الثاني مما دون النفس الذي يمكن القصاص فيه: الجروح. النوع الأول الأطراف وعرفنا شروط استيفائها، خلينا نحكي النوع الثاني في الجروح. قال: «بشرط انتهائها إلى...»، قال الجرح حتى يجوز القصاص فيه لازم الجرح يوصل لعظم. أنا ممكن أجرحك جرحاً خارجياً، هذا ما فيه قصاص؛ لأنه لا ينضبط كما قلنا، ويخشى من الحيف فيه، ممكن أجرحك وأدخل السكين شوية، بس برضه ما بقدر أقتص منك لأنك ما وصلت لعظم. بخلاف ما لو أنا دخلت السكين فضربت السكين في العظم، هنا بقدر أقتص منك، أني أدخل السكينة في فخدتك وأوصل للعظم، أنت جرحتني هنا جرح صغير ما وصل للعظم ما بقدر أقتص منك، لكن إذا دخلت السكين ضربت بالعظم، الساعد هنا سهل أني أقتص منك وأوصل السكين إلى عظم الساعد.

فقالوا في الجروح حتى لا يكون هناك ظلم أثناء القصاص، يشترط في الجرح حتى يتم القصاص فيه أن ينتهي إلى عظم، ثم ذكر قال: «كالموضحة»، والموضحة ستأتي معنا، هي أحد أنواع الجراحات في الرأس، وسميت موضحة لأنها جرح يوضح عظام الرأس، سمي موضحة لأنه يوضح عظم الرأس. قال: «وكذلك وجرح عضد وساق ونحوهما»، لابد أن تكون الجناية تصل إلى عظم وإلا فلا قصاص، وعندها سنتحول إما إلى الدية أو إلى الحكومة، كما سيأتي معنا إن شاء الله. ونفس الشيء نقول أيضاً: ولا بد أن تكون الجناية عمداً وليست شبه عمد ولا خطأ، وهذا أيضاً مفهوم تلقائياً.

تفضل، أعضاء مثلاً البطل أو مثلاً واحد ما فيها قصاص، اللي يصل هذا اسمه... خلاص ميت الله يرحمكم، هذه ما فيها قصاص، هي سيأتي معها دية مباشرة؛ لأنك أنت ما بتضمن السكين لما تدخل في هذه الأعضاء أنها ما تزيد شوية، بتقدر تضمن لي؟ لأن هذه عملية إدخال، بدك تدخل سكين ببطنه، تضمن لي أن السكينة رح تدخل وترن على المسافة التي دخلت فيها السكين ببطنه؟ صعب، فهنا العدالة تقتضي، قالوا أن يأخذ القصاص أو الدية.

أكمل، قال: «وتضمن سراية جناية لا قود». الآن، ما معنى السراية؟ أنني لما جنيت عليك جنيت على يدك، فسرى الألم إلى كل جسدك. يعني أنا الآن قطعت يدك أو عملت لك جرحاً في الساعد، ودخلت أنت على المستشفى وقعدت في المستشفى يومين، قدر الله عز وجل أنه يتفشى معك إكلة معينة أو مرض معين بسبب الجرح الذي أنا عملته، فمات الرجل، هل نعتبر هنا الجناية أصبحت جناية على النفس ويضمن بالتالي كأنه قاتل عمد؟ نعم.

فيقول السراية هي: تطور واستفحال تأثير الجناية على العضو أو تعدي أثرها إلى غير العضو المجني عليه. فإذا سرت جناية الجاني إلى النفس مثلاً، كأن يكون كسر يد المجني عليه عمداً فمات من ذلك، أنا قطعت يدك عمداً بس أنت حولوك على المستشفى، ما كنت أصلاً ناوي تقتلك، أخذوك على المستشفى بس كانت جناية عمدية على يدك، مش شبه عمد ولا خطأ، حملوك على المستشفى فمت في المستشفى بسبب تعدي المرض، قالوا في هذه الحالة يُقتل كأنه قاتل عمد، تعامل على أنك قاتل عمد.

تنتبه، أما السراية إذا كانت أثناء القصاص؛ أنه ثبت لي حق القصاص في الأطراف أو الجروح، فبينما أنا آخذ حقي منك بدي أقطع يدك زي ما أنت قطعت يدي، قطعتها، قدر الله أنه صار سراية وما تلجاني بسبب القصاص، هل يضمن الذي يأخذ حقه السراية؟ لا، لأنني لست معتدياً ابتداءً، أنا طالب حق، وقدر الله أن القطع أدى إلى انتشار مرض معين في جسدك فمت، لا تضمن السراية. وفي موضوع القصاص، قال: «وتضمن السراية في الجناية»، لأنه هو غلطان أولاً من البداية أنه فكر يجني، فليتحمل نتيجة السراية، أما المقتص فهو ليس غلطاناً، هو يأخذ حقه، فلا نحمل نتيجة السراية، فهمتم إيش معنى سراية؟

طيب، قال: «ولا يقتص عن طرف وجرح ولا يطلب له دية قبل البر». هذه قاعدة عامة أن القصاص وطلب الدية في الأطراف والجروح لا يكون...

إلا بعد أن نعرف إلى أين ينتهي الأمر ما دام الرجل في المستشفى ويأخذ العلاج، وممكن تتطور الأمور وتصير سرايا. ما دام في إمكانية لتطور الأمور ولسه الجرح ما اندمل، لا يطالب بقصاص. ولا بدي نقول خلينا نشوف الأمور لوين بدها توصل بعد ما تنتهي القضايا العلاجية ويأخذ تقرير طبي كامل، حينها سنعرف لوين وصلت السرايا، فبتقدر نطالب بالقصاص أو بالدية بناء على التقرير الطبي الذي نأخذه؛ فلا يجوز المطالبة بالقصاص أو الدية قبل حصول البرء.

هنا مسألة جميلة ممكن نبحثها، وهي حكم إرجاع العضو بعد قطعه في القصاص. بتعرف أحيانا اليوم حتى في غزة -الله يفرج عنهم- كانت تنقطع أعضاء فبتروح تنجاب من أماكن القطع وترجع مباشرة يتم خياطتها، فهل بترجع طبياً وتعيش؟ حتى اليوم أنا بذكر أحد أصدقائنا -الله يعافينا- انقطعت أصابعه أثناء نجار، جاء الصاروخ على يده فقطع أصابعه، أخذوه على مستشفى البشير فحكوا لهم الطب مباشرة: «جيبوا أصابعه»، تذكروا؟ حكوا له: «جيب أصابعه من الأرض روح جيبوها لأنه ممكن تربط وتخلص وترجع تشتغل». سبحان الله، من رحمة الله بالإنسان كأن الأعصاب لا تموت مباشرة.

بيرجع بيعيش، فهنا لو قال لكم الواحد: «نطبق عليه القصاص، اقطعوا يدي»، بس بعد ما تقطعوها والله إنكم ترجعوا تركبوها، بنوافق على هذا أو لا؟ القضية أننا نريد تطبيق القاصاص عليه لأننا قطعنا الطرف، والآن طبياً بسهولة ممكن مباشرة -خاصة أن اليد موجودة- يرجع يقول: «خلاص خذ حقك مني، بس بدي أرجع يدي من العملية الجراحية».

في المنتهى وتبعه الغاية: «لو أعادها اقتُص منه مرة أخرى». ما بنقدر ترجع لك، اقتُص منه مرة أخرى. وذهب الإقناع، وفي الإقناع قال: «لا يقتص منه»، وذهب الحجاوي في الإقناع إلى أنه إذا أعادها لا يقتص منه؛ لأنه استعمل الطب في قضية معالجة النفس. فالمعتمد في المذهب فيما يظهر أنه لا نعطيه مجالاً أن يرجع العضو المقطوع، لكن هل هذا متفق عليه؟ لا، هي مسألة خلافية اجتهادية، وهذا يهمك تفهمه، أنك داخل المذهب في كتب المتأخرين مختلفين فيها، ففي الإقناع يقول: «لا يقتص منه».

قال فصل: «ودية العمد على الجاني، وغيرها على عاقلته». الآن في موضوع الديات، وهو أحد أبرز المسائل المهمة التي يجب أن يضبطها طالب العلم في باب الجنايات. لأننا كما قلنا، العمد إما في قصاص أو في دية، وشبه العمد والخطأ ليس فيه إلا دية، بالتالي لا بد أن نعرف ضابط الدية. قال: «دية العمد يتحملها الجاني سواء كانت عمداً في النفس كاملة أو فيما دون النفس، وغيرها وهي شبه العمد والخطأ تتحملها العاقلة»، وسياتي معنا إن شاء الله تعريف من هم العاقلة بعد قليل.

قال: «ومن قيد حراً مكلفاً وغله، أو غصب صغيراً فتلف بحية أو صاعقة فدية». أنت قيدت حراً مكلفاً، و«غله» يعني جعل عليه أغلالاً ووضع في عنقه وأثقله بشيء يمنعه من المشي. ما الحكم؟ «أو غصب صغيراً فتلف هذا الصغير بحية أو صاعقة، فالدية عليك». كأنه هنا لم يعتبر هذا بمجرد قتل العمد؛ فلو قيدتك وحبستك ومنعت عنك الطعام والشراب، فهذا أحد صور القتل العمد، لكن هنا قيدتك ووضعت أغلالاً حتى في عنقك وأثقلتك فلم تعد قادراً على المشي.

قالوا في الأيدي والأرجل والغل والأغلال: التقييد يكون في الأقدام، والأغلال تكون في الأيدي والأعناق، سواء ربط اليد في العنق أو جعل شيئاً من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ [يس: 8]. فالأغلال توضع في جهة العنق، والبعض يقول إن هناك ثلاثة: الأصفاد في الأرجل، والقيود في الأيدي، والأغلال في الأعناق، لأنه وردت الأصفاد في القرآن في سورة إبراهيم. فالأصفاد في الأرجل، والقيود (الكلبشات) توضع في الأيدي، والأغلال توضع في الأعناق كطوق يوضع في العنق.

وقرر الشيخ منصور أنه لو قيده ولم يغله، أو غله ولم يقيده، فلا ضمان؛ فكأن هذين شرطان. والظاهر لي أن القيد هنا عام يشمل الأيدي والأرجل. وإذا جعل الشيخ منصور البهوتي «غله» شرطاً، فمعنى ذلك أنه إذا قيده فقط فلا ضمان، وإذا غله فقط فلا ضمان، الضمان لا يحصل إلا باجتماع هذه الصورة كاملة؛ أني قيدتك وغليتك.

ولاحظ في الصغير: «سواء غليته ولا ما غليته نفس النتيجة»، أنه صغير لا يعرف كيف يدبر حاله، أما الكبير فالأصل أنه يعرف يدبر حاله، حتى لكي يكون عليك الدية اشترطت أن آخذك وأقيدك وأضع الغل فيك. أما الصغير فاكتفينا بمجرد الاستيلاء عليه ووضعه في الحبس حتى لو لم نقيده ولم نغله؛ لأنه لا يعرف كيف يدبر حاله كالكبير. ففي هذه الحالة، سواء الأولى أو الثانية، إذا تلف بسبب حية دخلت عليه، فالدية عليّ؛ لأنني لم أكن ناوياً قتله، أنا فقط ناوي أسره. وكذلك الذي غصب صبياً، قد يكون ناوياً أخذ فدية من أهله، فهي جريمة ولكن ليست جريمة قتل، فالقتل صار بشيء خارج عن الإرادة.

أنا شو دوري هون؟ أنا تسببت أنه ما أعطيتك مساحة تهرب، فأنا هنا متسبب ولست مباشرًا للقتل. الذي باشر القتل هي الحية أو الصاعقة التي ربنا أنزلها، وهو كان يعرف أنه في صاعقة ستنزل من السماء، ما كان عارف قدر الصاعقة، بس هي لماذا اعتبروني أنني مسؤول؟

لأني لما أشوف صاعقة في السماء وأنا كإنسان حر، الأصل لما أشوف الدنيا برق ورعود وفي صواعق أهرب منها وأتخبأ في مكان آمن، أنت لما حطيت لي القيود في يدي والأغلال في عنقي، لست قادرًا على الهروب، فأنت متسبب في أنني لم أستطع الهروب من الحية أو لم أستطع الهروب من الصاعقة، فحملوني مسؤولية التسبب، فقالوا عليك الدية.

فهمنا المسألة، بس في الحر لازم يكون الحر من قيد حراً مكلفاً. تمام، الحر لازم يكون مكلفاً وتم تقييده وغله، أما الصغير فمجرد أني غصبته، حتى هو لو لم أقيده، لأنه ما بيعرف يدبر حاله أو يتحمل مسؤولية نفسه، فبالتالي أنا اعتبرت قسوتي عليه أكثر من الحد اللازم فتلف بحية أو صاعقة.

فعليه ماذا الدية؟ لا، إن مات بمرض أو فجأة، بخلاف ما لو أنا هذا الحر المكلف الذي أنا مقيده ومغله مات بسكتة قلبية، أو هذا الصبي الذي أنا غصبته مات بسكتة قلبية، مرض أو فجأة، موت فجأة هنا أنا مش قاتل، أنا ما علي شيء.

الآن هنا تتداخل طبعاً الأمور، طب لو كان هو مات بسبب خوفه منك؟ أن الخوف الذي عملته هو الذي عمل له هذه الحالة؟ هنا ممكن الطب الشرعي يتدخل أو أطباء يتدخلوا؛ إذا ثبت أنك متسبب حتى بهذا المرض، يعني كان المكان الذي وضعته فيه مكاناً غير مؤهل، فصار في رطوبة، والرطوبة سببت مرضاً، هنا أنت أصبحت أيضاً متسبباً.

الكلام إذا مات بمرض، أنت ليس لك علاقة به، أنه هو أصلاً مريض سكري وأنا أعطيه الإبر وكذا، بس خلص قدر الله، بدنه بدأ ينزل ومرض ومات، أو مات فجأة، ممكن يكون قدره أنه يموت في هذه الساعة، قدره مش بسبب شيء أنا تسببت به، ففي هذه الحالة بدنا نفرق بين المرض الذي أنت تسببت به والمرض الذي أنت لم تتسبب به.

شيخ، لو كان عبد هنا القيمة، حتى الصغير، شيخ ممكن سؤال؟ حتى الصغير أو غصب صغيراً حراً، الآن لو وضع في السيارة مكره، هل هذا غصب صغير؟ في سيارته، هو كبير وضع السيارة صغيراً في سيارته مكرهاً، أريد نقل مكان أثناء السيارة، اجت حية وعقرب لسعته، يعني مثلاً قبل ذلك وعليها سؤال آخر، لكن مبدئياً هل وضع في السيارة مكره هذا غصب؟

نعم، نعم. طيب هل يضمن لو مات بحادث؟ يعني هو غصبه مات بحادث؟

لا يضمن، لأنه أنا ما... نعم، ما هو نفس الشيء المرض، يعني في النهاية إذا كان النصيب قدر أنه ما تفادى، وهو في السيارة وضربنا بالخطأ، يعني الحادث جعله مثل المرض أو الفجأة، أو جعله مثل الحية والصاعقة؟

لا، الذي يظهر لي أنه أقرب للمرض أو الفجأة، تمام، الذي يظهر لي، بس برضه محتاج لنظر أكثر.

قال: «وإن أدب امرأته بنشوز أو معلم صبيانه أو سلطان رعيته بلا إسراف».

أنه ممكن في الحادث أيضاً يعتبروا في جانب تسبب، يعني ليش؟ هي أحياناً بعض المسائل تتراوح النظر فيها أنك متسبب أو لا، ممكن شخص يقول لي: لا يا شيخ، هو متسبب لأنه لو ما غصبه في السيارة ما كان... يعني هو مش برضه مرض خارج إطار الموضوع أو موت فجأة، هو سيموت، يعني هو القدر بذاته، بس مش موت الفجأة الطبيعي الذي هو كذا فجأة ومات بسكتة قلبية أو جلطة ومات، في جانب من التسبب من جهة الحادث، فيمكن فعلاً ينظر إليها من جانب السببية، يعني بدها نظر.

«أو سلطان رعيته بلا إسراف فلا ضمان بتلف من ذلك».

أيضاً من صور الأمور التي يعتبر فيها الدية ولا يعتبر فيها القصاص، وهي ذكرناها قبل قليل أنها من صور ماذا؟ شبه العمد. حتى الصورة السابقة التي ذكرها من غصب صغيراً يمكن تدخل في شبه العمد أنه في تقصد للجناية، صحيح؟ فهذه الصور التي يذكرها الذي يظهر لي كلها من صور شبه العمد: من قيد حراً مكلفاً وغله، أو غصب صغيراً فتلف بحية أو صاعقة.

كذلك هذه المسائل؛ إذا أدب الرجل امرأته بسبب نشوزها، هل أنا لي حق أن أؤدب امرأتي بسبب نشوزها؟ نعم، مبدئياً الحق، أو أدب معلم صبيانه في الكتاتيب أو دار التحفيظ، أو أدب السلطان رعيته، هؤلاء الثلاث لهم حق التأديب، فإذا أسرف في التأديب، يعني تجاوز الحد، فهذا كما قلنا يعتبر من قبيل شبه العمد كما قال في الإقناع، ولكن ما في ضمان، قال: «بلا إسراف فلا ضمان»، إذا صار إسراف صار شبه عمد ويعتبر فيه الدية، ولا يعتبر من قبيل العمد لأنه أنا ابتداءً لي أحقية أن أؤدب.

قال: «ومن أمر مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمن».

طب لو أدب شخصاً؟ لا يحق له أن يؤدبه بدون إسراف، تضمن. يعني واحد زوجته ناشز عليك، جاء شخص طرف خارجي بده يؤدب زوجتك، فإذا فعل الشيء الذي أنت تفعله ولكن أدى ذلك إلى هلاكها، يضمن؛ ليه؟ لأنه ليس له حق التأديب، ضمان قوته.

الضمان هنا كله دية، لأننا أصلاً في باب الديات، فإذا كان الشخص ليس له أحقية أن يؤدب فأدب فأهلك، يعتبر تصرفاً من البداية تعدياً. فلذلك حتى تعرفوا لماذا ذكروا «وإن أدب امرأته بنشوز»، حتى «بنشوز» هذا قيد، إذا أدب امرأته ليست بناشز أنت ما لك دخل، إذا هي لم تنشز ما يصير تؤدبها بالضرب، فإذا أنت أدبتها بالضرب، فإذا هلكت أنت ضامن في دية، عليك دية.

يعني لا يعتبر هذا، لأنه هو يتكلم عن قضية دقيقة، أنني متى أعتبر فعلي أتحمل نتيجته ومتى لا أتحمل نتيجة فعلي؟ يعني هو إذا أدب امرأته بنشوز فهلكت، هو لا يعتبر قاتلاً لا خطأً ولا عمداً ولا شبه عمد ولا شيء، لا ضمان، يقول لك لا ضمان، لماذا؟ لأنه أنا فعلت المشروع وموته يعتبر قدراً.

فأنا لا أتحمل نتيجة وعاقبة فعلي، لا خطأ ولا عمد ولا شبه عمد. نفس الشيء؛ معلم مع صبيانه ضربته بعصاي، زهق الصبي ومات، أقول أنا ماذا فعلت؟ فهنا أنا لا أعتبر خالياً من المسؤولية تماماً، لكن يجب أن يثبت ذلك.

طبعاً هو يريد أن يثبت ذلك، فهل حصل إسراف؟ يريد أن يثبت أنه معلم، وهل الصبيان في حالة إسراف؟ كل هذا نعم. كيف سيثبت إذا كان كل شهوده مؤمنات؟ شهادة الصبيان تعتبر في مثل هذه الأمور والحوادث، وممكن إذا لم يثبت ذلك يعتبر قاتلاً.

وهنا القاضي سيتحرى، لكن نحن بالنسبة لنا نقول له: صف ما فعلت. نحن نقول له: صف ما فعلت. أنا لا آخذ فيه بسوء الظن، أنا أقول له: صف ما فعلت، فإذا وصف ما فعله بأنه ضربته بالعصا على يده حتى تقتله، فأنت تريد أن تثبت أنه فاعل شيء، هو الذي يريد أن يثبت، أما الأصل أنك ضربته.

فوق الزائد أنت تريد أن تثبت أنه ليس فوق الزائد، لا، هذا لا يصح، فمعناه أن كل أساتذة المدارس هكذا يذهبون فيها؛ لأنني في النهاية أقول لك صف، وأي شخص يريد أن يثبت أنني فعلت خلاف ذلك فهو عليه أن يأتي بالبينة. أما إذا أنا وصفت شيئاً هو من البداية إسراف، فكأني أقررت على نفسي، صح أم لا؟ فإما أن تقر أنت على نفسك بأنك فعلت شيئاً فيه إسراف، أو لا تقر على نفسك إلا بشيء يحق لك أن تفعله، لكن تأتي شهود وبينات أو كاميرات مراقبة مثلاً فتثبت له أنك لست صادقاً وأن ما فعلته كان زيادة عن الحد.

فالأصل أنه إذا وصف شيئاً ضمن الحد المسموح فيه، فلا يقام عليه شيء ولا يطالب بالضمان. أنت كيف تريد أن تقتله؟ ممكن أن يتعدى، وممكن ألا يتعدى. أنا أريد القتل باليقين لا بالشك، والله ممكن أن تكون قد تعديت، فإذا قلت عليك الدية بالشك، تقول لي: كيف تريد أن تحملني بالشك؟ أنت كقاضٍ هل أنت متأكد أنني جنبت؟ لا، لا يصح أن أحمل بالشك، أنا أقررت بشيء ليس فيه أي اعتداء، والذي يريد أن يحملني غرامة ودية عليه أن يأتي بشهود، هكذا العدل. كيف أحمل شخصاً قصاصاً أو دية أو شيئاً دون أن يثبت ذلك عليه، لا بإقراره ولا بشهود؟ لا يجوز.

لذلك ركزوا في هذه القضية يا إخوان، القواعد العامة تقول: إذا فعلت ما يحل لي، ولم أتعسف في استعمال الحق، ولم أتجاوز، فلا أعتبر جانياً بشكل من الأشكال، لا خطأ ولا عمداً ولا شبه عمد، فلا شيء عليّ. أما إذا فعلت ما يحل لي ولكنني تعسفت وتجاوزت، لأعتبر شبه عمد، وإذا فعلت شيئاً من البداية لا يحق لي أن أفعله مطلقاً.

أيضاً ننظر هنا إلى الآلة التي استعملها؛ فإذا كان الدسوط أو العصا يعتبر شبه عمد، فالإسراف في استعمال الحق أو عدم وجود حق كلاهما يجعلك تتحمل الدية وتعتبر جانياً، أما ضمن الحق والحد المسموح فيه فأنت تعتبر خالياً من المسؤولية تماماً. لذلك قال: «وإن أدب امرأته بنشوز، أو معلم صبية، أو سلطان رعيته، بلا إسراف، فلا ضمان». أنت لا تعتبر فاعلاً لأي شيء خطأ بسبب ذلك.

طيب، إذا كان باليد؟ حتى باليد، ليس هناك فرق بين الجنائي والقتل في الفصل، جني وقتل. الآن مثلاً المعلم، أو الزوج؛ لو أراد الزوج أن يؤدب زوجته بطريقة ليست نشوزاً، لأنه لا يقصد جناية، بل يقصد أدب زوجته، ضربها، تعال يا عمي ضربها. إذا ضربها بصوت أو عصا بدون نشوز، نحن نرى ماذا يقصد؟ هل هي جناية؟ إذا ظهر للحاكم أنه لا يقصد جناية، كأن يكون يمازحها، فربما يكون خطأ، ليس عندي مشكلة، لكن الأصل أن شخصاً يمسك عصا ويضرب، فالأصل فيها أنها جناية، وتثبت لاحقاً أنها خطأ بشهادة شهود، هذه قضية أخرى.

ثم قال: «ومن أمر مكلفاً أن ينزل بئراً، أو يصعد شجرة، فهلك به، لم يضمن». هذه المسائل تثير التفكير؛ متى تكون مسؤولاً عن النتيجة ومتى لا تكون مسؤولاً؟ أنا أتيت لشخص مكلف، جئت للشيخ عثمان وقلت له: يا عثمان، اصعد هذه الشجرة وأحضر لي بعض الدراق. طلع عثمان، فوقع عن غصن ومات، هل أنا مسؤول عنه؟ لا، لأنه عاقل له قراره، كما قال: «يرد عليّ»، أنا لم أكرهه.

لاحظ قوله: «من أمر»، وليس «من أكره»، هم دقيقون هنا؛ «من أمر»، أنا أمرتك، لم أكرهك ولم أضع مسدساً على رأسك، أنا أمرتك وقلت لك أنت رجل محترم وفاضل، فطلعت ووقعت، أنت مكلف تتحمل نتيجتك. قلت له: انزل يا عثمان في هذا البئر لتنظفه، فنزلت في البئر وبدأت تنظف وأنت على السلم، فوقعت ومت، لا تتحمل نتيجته. لكن لو أمرت غير مكلف، غير المكلف لا يجوز أن تؤمره بهذا الأمر، وبالتالي أنا أتحمل نتيجته.

إذا رأيت صبياً في الشارع، غير بالغ، فقلت له: اصعد على هذه الشجرة، فهذا الصبي لا يعتبر عاقلاً في تمام عقله حتى يتحمل نتيجة أفعاله، فالغير بالغ لا يتحمل نتيجة أفعاله، فأنا الذي أمرته يجب أن أتحمل النتيجة؛ لأنني قد جازفت به، وقلت له اطلع على شجرة النخيل تلك، وهو مسكين يظن الأمر سهلاً فطلع ووقع، من يتحمل نتيجة هذا القرار؟ أنت، لأن هذا غير مكلف. الصبي الذي لم يبلغ يعتبر في حالة عدم نضوج عقلي، فقد يتصرف قراراً اندفاعياً حماسياً، فإذا نزلته في بئر لينظفه وهو لا يعرف ما ينتظره تحت، فأنت تتحمل نتيجة أنك أمرته.

أما لو كان عاقلاً، فالمسألة لا يوجد فيها قصاص أصلاً، أما إذا كان كما قلنا مكلفاً، فالمكلف ربنا أعطاه عقلاً.

أنت تحدد هذا الشيء الذي أمرني فيه فعلاً، يستحق ولا أقدر أو ما أقدر، لذلك قال: «ومن أمر مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة، فهلك به لم يضمن».

أكمل: «قال ولو ماتت حامل أو حملها من ريح طعام ونحوه ضمن ربه إن علم ذلك عادةً». هنا في النسخة «إن علم»، وهنا عندي «إن علم»، أي أنه سيختلف الحكم؛ لأنه إذا قلت إنه علم، فممكن يقول لك: أنا لا أعرف أنها تتأذى، هي للقتل، ولكن نقول هذا معلوم عادةً. فإذا قلنا إنه علم، يكون الحكم مرتبطاً بعلمه هو، أما إذا قلنا إنه علم القضية بالعرف المجتمعي، فهناك فرق بين أن يعلم هو، وبين أن يعلم ذلك عادةً.

هذه الأمور تحتاج لتقيق مذهبي: «ضمن ربه إن علم ذلك». وفي الغاية أعاد العلم ليس إلى الرائحة، بل أعاد العلم إلى الحامل، أي بوجودها. يعني لو ماتت حامل أو حملها من ريح طعام ونحوه، كنت أطبخ طبخة تطلع رائحة في المنزل، فدخلت حامل فماتت هي أو مات حملها بسبب رائحة الطعام، أو رائحة مثلاً ممكن تكون تسليح طعام، أو الدهان وأنت تدهن في هذا الدار ودخلت حامل، متى يضمن الدهان أو صانع الطعام ذلك؟ قال: «إن علم ذلك»، أي علم أنها حامل.

والظاهر أيضاً نضيف "علم وجودها"، يعني أنا عالم أنها موجودة وأنها حامل، وكان ريح الطعام يقتل الحامل أو حملها عادةً. فهنا "إن علم ذلك" راجعة إلى أنه إذا كان الذي يطبخ أو يدهن يعلم أن هناك امرأة في البيت وأنها حامل، وكانت هذه الرائحة في العادة تؤثر على الحوامل وتؤدي إلى الإجهاض، لم يشترط العلم بأن هذه الرائحة تؤدي إلى الإجهاض، اكتفى بالعادة؛ فإذا كان معروفاً في العادة أن رائحة هذا الطعام أو رائحة هذا الدهان تؤدي إلى أن تموت الحامل أو يموت حملها، وأنت تعلم بوجود المرأة في المنزل وأنها حامل، وتكون الرائحة تقتل غالباً، فإذا حصلت هذه الأمور، فأنت تتحمل النتيجة والمسؤولية.

أحسنت، هذا الذي يظهر، أنه لم يعلق هنا على أن تكون الرائحة تقتل الحامل في العادة لما فيه من الأضرار. قال: «وإن لم يعلم بها، فليس عليه ضمان، كريح الدخان يتضرر به صاحب السعال». هذه المسألة خطيرة؛ كريح الدخان يتضرر به صاحب السعال وضيق النفس، هذا مثال.

يقول: إذا أنا شخص أدخن، وأعلم أن هذا الدخان في هذا المكان معلوم أنه يضرر صاحب ضيق التنفس أو الأمراض، فجاء شخص من الناس الجالسين وبعد يومين ذهب إلى المستشفى بسبب التهاب قصبات ومات. هو يركز على هؤلاء، يريد أن يقيس رائحة الطعام للحامل، كرائحة الدخان لمن عندهم ربو أو أزمات تنفس.

إذا أردنا تطبيق المسألة بالضبط حتى يضمن المدخن، ماذا يجب أن يكون؟ يجب أن يعلم أن فلاناً موجود، ويعلم أنه عنده ضيق نفس أو ربو، ولا يشترط أن يعلم أنه يقتل، بل يكفي أن العرف يعرف ذلك. إذا قال الطبيب إن هذا الرجل مات بسبب الدخان، نقول للمدخن: أنت تعلم أن عنده ربو، فتتحمل النتيجة وتضمن الدية. أما إذا كان لا يعلم أنه موجود، أو يعلم بوجوده لكن لا يعلم أن عنده مشاكل تنفس، ففي هذه الحالة الظاهر أنه لا يتحمل النتيجة.

لكن لو جاء شخص وقال: هناك فرق؛ لأن الدخان مؤذٍ على كل الأحوال، فالحباني يتكلم عن الدخان بناءً على التصور الذي كان في زمنهم، وهو أنه يؤذي فقط من عنده ضيق نفس. بجوز اليوم الأبحاث الطبية أثبتت أن الدخان قد يقتل ويؤدي إلى التهاب قصبات حتى لمن ليس عنده ضيق نفس، فيختلف الحكم. لا أقول إنه يجب أن يعرف أن الذي أمامه عنده ضيق نفس، لأن ريح الطعام معلوم في العادة أنها تقتل الحامل، لكن إذا كانت الرائحة التي تستعملها معلوم في العادة أنها تقتل الجميع وتسبب لهم التهاب قصبات، فالذي يظهر أن هذه فتوى قديمة قبل مائتين سنة، واليوم مع الطب الحديث قد تختلف؛ فنقول إذا علم بوجود فلان بجانبه، وقد ثبت في العرف أن الدخان يؤثر حتى على الناس العادية وقد يقتلها، فذهب...

إلى المستشفى صاحبك، وثبت بالطب الشرعي لما مات أنه مات بسبب التهاب قصبات دخان، الأصل أنه يضمن. هذه فتوى، ليش بقول لك الفتوى غير العلم؟ أنت ما يصير تأخذ هي الفتوى وتطبقها فقط، والله هيك رح يجي لك رد.

قال بناء على شو كان تصورهم قبل 200 سنة عن الآثار الصحية للدخان؟ أنتم بتعرفوا قبل 200 سنة أو 300 سنة كان بعض الحنابلة يتبوج الدخان. قبل 300 سنة تقريبًا، ورد في بعض كتب الحنابلة هذا، أحد المسكين هذا الذي خرج على المقطع، وبتعرف يدعي أنه حنبلي وأنه رأس الحنابلة، وعمل لك مقطع في جواز الدخان، وهذا أفتى في السفر، صار يعمل، صار يدخن قدام الناس، حتى على السوشيال ميديا اعتبارًا أن هذا رأي الحنابلة، وهي نوع من المناكفة، وهذا لا يفعله إنسان متزن في الفقه.

بنقول أخي، قبل 300 أو 400 سنة شو تصور الحنابلة والشافعية عن الدخان؟ وشو تصورنا اليوم عنه؟ أنت بتيجي على زمان ما كان فيه أبحاث ولا أمور، وإنما كانت مظاهر عامة، كان فكر الدخان زيه زي أي رائحة عامة، تسلية وعبث، بتيجي تسقط عليه فتوى بعد ما أثبت الطب الحديث كثير من القضايا المختلفة. وهذا ليس اختلافًا مما اخترعه المشايخ أنه مؤذٍ، هذا يقول به الكفار قبل المسلمين، هم نفسهم الكفار يحذروا منه قبلنا. فبالتالي الفتوى تظهر أن المدخن إذا تسبب بقتل شخص، حتى ولو لم يقصر هو، أكيد تسبب بدخانه وقتل شخص، ماذا يضمن؟ يضمن.

وهي المسألة إخواني ترى ممكن نطورها، يعني أنا بحب من باب إثارة الذهن، شو في مسائل في الواقع قريبة من مسألة الدخان؟ أو ممكن نعمل من يعطيني ضابطًا فقهيًا لهذه المسألة؟ من فعل فعلًا لا يجوز له فعله فيضمن إذا تسبب.

وضع باب بيته مثلاً، حوادث الشارع العام ليس الرصيف الخاص في بيته، القضية أعم من ذلك، لأن رائحة الطعام هي يجوز لي أن أفعلها، كل من فعل فعلًا سواء فعل ابتداءً جائز أو غير جائز؛ جائز زي طبخ الطعام أو الدهان، غير جائز زي الدخان، كل من فعل فعلًا كان جائزًا ابتداءً أو غير جائز ابتداءً، ومعلومنا عادة أن هذا الفعل يؤثر على صحة بعض المرضى أو بعض الناس اللي عندهم أوصاف معينة، فأنت فعلت هذا الفعل مع علمك بوجود هذا الشخص وأنه يعاني من هذه الإشكالية فأدى إلى تلفه، فأنت ضامن.

شوف هي شو بتعطيك أمثلة في الواقع، إذا فعلت فعلًا لكن القيد متعلق فقط؛ القيد أنه يعلم، متعلق فقط بالأمر المباح. الأمر الذي لا يجوز له، حتى لو لا يعلم، حتى لو يعلم يضمن.

يعني قصدك الدخان حتى لو لا يعلم بوجهه يضمن؟ ليس الدخان، شيء آخر. مثلاً وضع باب بيتي مثلاً كلب حراسة، ولا يجوز له أن يضع كلب الحراسة أو حواجز مدة، ولا يجوز له أن يضعها ويضمن حتى لو لم يعلم بشخص. يعني مسألة القيد أنه يعلم بوجوده في الأمر المباح، أما الأمر غير المباح فغير معمر، غير المباح لا يجوز له أساسًا أصلاً، لا يجوز له.

يعني بدها تفكير بصوت مرتفع، هسه الآن بالنسبة للأمر المباح، أتفق معك واضح، أصلاً من ضوابط المسألة أن يعلم بوجود الشخص ويعلم أن فيه المرض الذي تؤثر عليه هذه الرائحة. لكن بالنسبة للأمر غير المباح، تريد أن تلغي حتى قيد العلم بوجود الشخص؟ فقط يعلم عادة أن هذا يقتل وهذا يضر وهذا كذا.

نعم، حتى ولو لم يعلم بوجود الشخص. هسه قضية أنه لا يعلم وجود الأزمة الصحية أتفق معك فيها، يعني وجود المرض، لأنه كما قلنا بعض الأمور، لكن قضية أن يعلم، يعني حفر بئراً، هذه موجودة عندنا؛ حفر بئراً ولا يحق له أن يحفر، مر الشخص وقع، هو ما أصلاً أنه سيمر الشخص أو سيقع، يضمن. إذاً احفر بطريقة.

لا، هذه مسألة البئر مفهومة، البئر في الطريق العام، هل نحمل مسألة الدخان؟ أنت تريد أن تحمل مسألة الدخان حتى على مسألة البئر في الطريق العام؟ لا، الدخان لما يقتل ما يقتل مباشرة، إحنا في النهاية اعتبر شخص قعد ثلاث أيام في بيت عزا مع مدخنين وراح التهاب قصبات ومات، لا نريد أن نقول ما يقتل، أنا بدي أعتل هذا تصور المسألة.

هل نقول لا يشترط حتى أن المدخن يعلم بوجود أشخاص باعتبار أن الفعل هذا غير مشروع ابتداءً؟ وبالتالي حتى لو لم يعلم بوجود أشخاص، أو علم بوجود أشخاص ولكن لا يعلم أنه عنده مثلاً أزمات تنفس أو ما شابه ذلك، إذا حصل التلف نضمنه بناءً على أن الفعل غير مشروع ابتداءً؟

نعم، الكلام له حق. يعني إذا بدنا نقيسها حتى على مسألة التأديب، إذا بتذكروا قلنا إذا أدب من له حق التأديب في السقف المعقول فهلك لا يضمن، لكن إذا كان ليس له حق التأديب أصلاً وأدب في السقف المعقول يضمن، ليش؟ لأنه أنت فعلت شيئًا ابتداءً لا يحق لك أن تفعله. بخلاف الزوج له أن يؤدب زوجته، بس أنت كشخص أجنبي ليس لك أن تؤدب زوجته الناشز.

والله أنا رائع، شيخ ناشز أنا بدي أؤدبها! يا أخي أنت شو دخلك؟ هو الزوج يؤدب زوجته، الإسلام أعطى تفويض تأديب الزوجة للزوج، مش يجي أخو الزوج داخل على زوجة أخوه بده يؤدبها لأنها ناشز، أنت ما لك كأخو الزوج.

نعم، أبوها، هذه قضية أخرى ينظر فيها إذا وليها له الحق، لكن الأصل هذا حق الزوج وليس حق الأب. كمان هذا حق الزوج وليس حق الأب تأديب الناشز. هذا أمر يتعلق بالمسلمين عمومًا. قضية أنه لما حبست الناس، أما نتقدم في قضية النشوز، ليس هذا موطن الأب، هذا حق الزوج. هو الذي ربنا عز وجل قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]. الكلام خطاب لمين؟ للأزواج، أنت لك الحق، ما شخص آخر حقك، ممكن أنت تتنازل عنه.

طيب الآن الأب، ليش أنا قلت لك الأب في نظر لأنه الأب ممكن نعتبر حقه من جهة ماذا؟ أنه له حق تأديب أبنائه، له حق تأديب الأبناء عمومًا، بس إلى متى هذا الحق وكذا؟ هذه نقاشات تطويل. لكن نرجع لهذه المسألة، أنه نفرق بين مسألة الدخان أنه فعل غير مشروع ابتداءً، وبين مسألة رائحة الطعام والدهان أنه فعل مشروع ابتداءً، فالفعل المشروع ابتداءً إذا أنا كنت أعلم بوجود من يتأثر به، ساعتها...

وكان معلوماً أنه يفعل به عادةً أتحمل الضمان، لكن الفعل غير المشروع ابتداءً إذا أدى إلى إتلاف أرواح الآخرين، أتحمل أنا مسؤوليته حتى لو قلنا قتل خطأ، ما عندي مشكلة. وإن كان البعض قد يعتبر الدخان نوعاً من الجناية التي يُقتص منها، فلنعتبره مثل لطخ العرس؛ أنه في النهاية يعتبر شيئاً غير مشروع يؤدي إلى إتلاف حياة الآخرين، فبالتالي تتحمل أنت الضمان مطلقاً.

نعم، الذي يُبنى على قواعد المذهب يمكن أن يقال هذا، ولكن هنا تبقى قضية كلام الرحيباني لما قال: «ولا ضمان»، ثم قال عفواً: «كريح الدخان يتضرر به صاحب السعال وضيق النفس». إذاً، يكون الرحيباني لما قال «كريح الدخان يتضرر به صاحب السعال وضيق النفس» قد يكون ماشياً على فتوى أن الدخان أصلاً كان مثل ريح الطعام على الفتوى القديمة للحنابلة؛ أول ما طلع الدخان أنه جائز، لأنه الآن يقيس ريح الدخان على ريحة الطعام.

قد يكون فعلاً رأي الرحيباني أن الدخان في الوقت الذي كان فيه الرحيباني موجوداً لم يكن يعتقد أنه فعل غير مشروع، أي أن أكثر أحواله عنده الكراهة، وبالتالي إذا أنت فعلته بحضرة شخص عنده سعال أو ضيق نفس فقتلته، كريح الطعام بحضرة المرأة الحامل، حتى نفهم كلام الرحيباني في سياقه.

مثلاً في مسألة حفر بئر في نصف مكان طريق عام مثلاً، لكنه يغلب على ظنه أنه لا يسلكه الناس. إذا كان الطريق عاماً، قالوا: ليس لك أن تحفر فيه حفرة، ماشي، بس هو طريق غير مسلوك مثلاً، هو عارف أنه لا يسلكه الناس. الطريق العام يختلف عن الطريق غير المسلوك؛ الطريق العام هو المسلوك الذي تذهب فيه الناس عادةً، أما الطريق الصحراوي فهو مش واضح أنه في أصل ناس تعرفه ونادر أن يمر فيه، فحفرت فيه، هنا لا أتحمل النتيجة.

يعني لو كنت أعلم أني أحفر في طريق الناس لا ترتاده، فإن قضية إمكانية احتمال عقلي أن يأتي شخص يمر فيه فيقع، هذه لا تحملني نتيجة فعلي، بخلاف الطريق المسلوك. الدخان، هل من النادر أن الناس تموت بسببه أم غالباً؟ ليس نادراً كثيراً، كثيراً من يموت بالدخان، لا أريد أن أقول غالباً، لكن كثيراً.

نحن لو حددنا هذه المسألة قد يكون عندنا إشكال؛ هل الدخان يقتل غالباً؟ أنت الآن تريد أن تتابع الإحصائيات كم عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب الدخان سنوياً؟ فقد ثبت أن الدخان بمواده الموجودة فيه هو أحد الأمور التي تسبب السرطانات والتهابات الرئة والقصبات وكذا، وما دام أنه سبب يؤدي إلى كثير من الموت، فلا يشترط أن أقول غالباً، ومن قال إن الأمر لا يتعلق إلا بغالباً؟ ففي العادة كثيراً ما تكون هناك حالات وفاة للمدخنين، وثبت من خلال الدراسات والأبحاث والطب أنه أحد أسباب الأموات الرئيسية في العالم.

يكفي هذا حتى أعلق الحكم عليه، لا يشترط أن أصل لدرجة أن 90% من المدخنين يموتون، الدخان لا يقتل فوراً وليس مثل السم، لكن يمكن في حالات ضيقة أن يصير مثل السم بشخص عنده أزمة شديدة، بالفعل يقتل. لذلك لما علق الرحيباني على الموت السريع قال لك شخص عنده ربو أو كذا وهو عنده قابلية، فالدخان جاء كالقشة التي قصمت ظهر البعير.

أنت سرعت بهذا الموضوع، لكن في النهاية العادي لا يقتلهم من أول مرة، لكنه يسبب أمراضاً مزمنة، وهذه مشكلة. أنا ليس تحريمي له لأنه يؤدي للموت فقط، بل لأنه يؤدي لأمراض مزمنة، فقد تعيش حتى سن الثمانين ولكن بصحة رئوية ضعيفة وبدن رث، وهذا كله أيضاً حرام؛ سواء أدى إلى الموت أو أدى إلى أمراض مزمنة أو أدى إلى صحة ضعيفة. كثير من المدخنين يقول: أنا صحتي ضعيفة من حيث الركض والممارسة، وهذا البدن ليس لك، هذا لله، فليس لك أن تفعل فيه ما يوهنه أو يمرضه حتى ولو لم يؤدِ إلى القتل، فالأمر أوسع من ذلك.

هل يشترط العلم بأن الدخان يؤثر على هذا الشخص تحديداً؟ لا، ما قلنا في ريح الطعام، يكفي أنه عادةً مؤثر، ونفس مسألة المرأة الحامل، يكفي أن الرائحة معلوم أنها تؤثر على الحامل حتى نضمنك، ففي نفس الشيء معلوم أن هذا الدخان بشكل عام يؤثر على الناس صحياً حتى نضمنك، لا يشترط أن تعرف أن هذا الشخص بحد ذاته سيتأثر به.

خاصة كما قلنا في النقاش، إن كان هو فعل غير مشروع ابتداءً، فالآن الفتوى المستقرة أنه فعل غير مشروع ابتداءً فله معاملة غير المشروع. نكتفي بهذا، وصلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.