دخولتسجيل الدخول

أخصر المختصرات | معهد ملكة | المجلس الخامس والستون | كتاب الجنايات/شروط القصاص/ العفو عن القصاص

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الكرام والكريمات في مجلس جديد. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاةً تتراوى على آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله في مجلس جديد لمدرسة «الأخصر المختصرات» لابن بلبان الدمشقي الحنبلي، زادنا الله وإياكم فقهاً في دينه وعملاً بما نتعلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلنا أيها الكرام إلى الربع الأخير من كتاب الأخصر، ألا وهو ربع الجنايات والحدود والأقضية.

هذا الربع الأخير يتكلمون فيه عن الجنايات التي تكون على الأنفس والأطراف والجروح، ويتكلمون عن العقوبات التي فيها حدود، ثم يتكلمون بعد ذلك عن الأقضية؛ وهي شروط القاضي، وعن شروط الشهادة وآدابها وأحكامها، وعن شروط الإقرار وآدابه وأحكامه إلى غير ذلك. هذا هو القسم الأخير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الإتمام.

قال: «كتاب الجنايات». الآن ما معنى الجناية في الفقه الإسلامي؟ الجناية هي تعدٍ إما على نفس وإما على مال، هذه هي الجناية لغةً. وحتى شرعاً يضيفون عليها ماذا؟ التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً.

الجناية بمفهومها اللغوي العام هي أي اعتداء على نفسٍ أو مال يسمى جناية، لكن هنا في هذا الباب في الفقه لما يتكلموا عن باب الجنايات يقصدون به التعدي على البدن، طبعاً التعدي على البدن إما كلياً وإما جزئياً، يعني التعدي على بعض الأطراف والجروح، هذا كله يدخل في باب الجناية؛ التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً، فهذا هو المعنى المراد به هنا. وإن كان أحياناً تجدونهم يستعملون الجناية حتى في الفقه على الجناية على المال، فيقولون: جنا عليه، ويقصدون جنى على ماله أو على بيته أو ما شابه ذلك، لكن هنا نقول الأغلب في الأغلب بالمفهوم الشرعي إنما تطلق على الجناية على البدن.

الآن سيبدأ بأعلى الجنايات على البدن، ما هي أعلى جناية على البدن؟ القتل. فقال: «بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ولإخواننا المستضعفين من المؤمنين، آمين».

قال رحمه الله تعالى: «القتل عمدٌ وشبه عمدٍ وخطأ». بدأ بتقسيم القتل، والقتل عند الجمهور (الحنابلة والشافعية والحنفية) ينقسم إلى ثلاثة أنواع: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ. إذاً أنت لما تقتل شخصاً إما أن تقتل عمداً أو شبه عمد أو خطأ، فما الفرق بين هذه الثلاث؟

قال: «فالْعَمْدُ يَخْتَصُّ الْقَوَّادُ بِهِ»، وهو أن يقصد. «القواد» يعني القصاص، وهي من الألفاظ التي يجب أن تحفظها لأنها تتكرر في كتب كثيرة في العقيدة وفي التفسير، كلمة «القواد» لا يصلح لطالب علم أن يكون إلى الآن جاهلاً بما معنى كلمة «القواد»، القواد يعني القصاص.

إذاً القصاص لا يوجد إلا في العمد، فلا يوجد في شبه العمد ولا في الخطأ. ما تعريفه؟ قال: «وهو أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به». هذا تعريف العمد.

أول نقطة فيه هي القصد؛ نحن اليوم في العمل الجنائي يسمونها مع سبق الإصرار والترصد، فهو نوع من القصد. تقصد من؟ من تعلمه؛ يعني أنا أعلم أنه آدمي معصوم، لأنني ممكن أقصد قتل شخص ولكن والله كنت أظنه حربياً، ثم طلع مسلماً، فأقول إني ما كنت أعرف، أنا فعلاً قصدت قتله ولكن لا أعلمه آدمياً معصوماً.

طبعاً لاحظ هل اشترط أن يكون مسلماً؟ لا، ليس مسلماً فقط؛ لأنه قد يكون معصوم الدم ذمياً، أو مستأمناً، والبعض يقول أو أن يكون معاهداً كأن تكون بينك وبين دولة حربية عهد أو هدنة. فمعصوم الدم يشمل أربع صور: المسلم، والذمي الذي يعيش معنا في الدولة المسلمة ويدفع الجزية، والمستأمن الذي دخل علينا وأعطيناه فترة يتاجر ويروح، والمعاهد الذي هو قرية كافرة بيننا وبينهم عهد، ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.

فهؤلاء هم الأربعة، ونحن سنعرف في أي صورة من هذه الصور يأتي القصاص، وحتى بأهل الذمة ممكن يكون بينهم قصاص عادي كحكم مسلم، فالقصد أعم. إذاً أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً؛ فكلمة «معصوماً» أخرجت مهدر الدم.

ومين مهدر الدم؟ غير الأربعة الذين ذكرناهم، فتشمل الحربي، والمرتد، وتشمل أيضاً من فعل جناية أهدرت دمه في الإسلام، كأن يثبت أنه زانٍ محصن، فهذا مهدر الدم، أو أن يثبت أنه مطالب بقضية قتل قصاصه وفار من العدالة.

النبي ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ». فالنفس بالنفس الذي قتل شخصاً متعمداً، والزان المحصن الذي حكمه الرجم، فهؤلاء غير معصومي الدم. فلو قتلت واحداً منهم، لا يسمى قتلك تصنيفه قتل عمد، كونك لست الحاكم، ولكن الحاكم قد يعزرك على هذا الفعل.

الافتيات على السلطان، الافتيات على ولي الأمر. إنه واحد من المواطنين هو الذي يقيم الحد بيده، لكن في النهاية ما اسمه قتل عمد، لأن القتل العمد هو أن تقصد من تعلمه آدميًا معصوم الدم، فتقتله بما يغلب على الظن موته به.

الآن، ما هذا الذي يغلب على الظن موته به؟ قال: «جرحه بما له نفوذ في البدن، وضربه بحجر كبير». الآلة التي يغلب على الظن أن يموت بها أحد نوعين: محدد، أو مثقل. هذا بتذكروه لما حكينا عنه في الأمثلة؛ المحدد هو الذي يجرح بحدّه، والمثقل هو الذي يجرح أو يقتل بثقله ووزنه.

الآن، المحدد، كما عندكم في الحاشية يقول: «ولو كانت إبرة صغيرة». المحدد ولو إبرة، متى جرح بها شخص فمات من ذلك فيعتبر عمدًا. يعني يكفي في المحدد أن تقصد من تعلمه آدميًا معصومًا فتعتدي عليه بمحدد، سواء هذا المحدد يغلب على الظن موته به أو لا يغلب على الظن موته به، ما يهمنا.

أما المثقل، فهو الذي يحتاج إلى ضابط بما يغلب على الظن موته به. إذًا قوله: «ما يغلب على الظن موته به»، هذا نحتاجه في المثقلات لا في المحددات. فنأتي مثلًا ونقول: الحجر الذي رميته به، حجر صغير أم كبير؟ نقول: الحجر الكبير يغلب على الظن أنه يموت به، أما إذا رميته بحجر صغير، فنقول: لا يغلب على الظن موته به. والعصا التي ضربته بها، هل هي عصا رقيقة أم عصا حديد؟ إذا كان يغلب على الظن موته بها، فهذا مثقل. وممكن يقول لك: لا والله يا شيخ عصا خشب خفيفة ومات منها، فنقول: هذا مثقل لا يغلب على الظن موته به.

فالمثقلات التي تقتل بثقلها، أي بحجم ضربتها، نحتاج أن ننظر في العرف؛ هل هي في العرف مما يغلب على الظن الموت بها أم لا؟ أما المحددات التي تقتل بحدها الجارح، فهذه مطلقًا، سواء غلب على الظن الموت بها أو لا، متى تقصدت بها آدميًا معصومًا فجرحته بها فمات، يعتبر عمدًا. واضح مشايخنا؟

إذًا هو أن يقصد من يعلمه؛ أي أن تكون على علم أنه الذي أمامك آدمي معصوم، تقتله إما بمحدد، أو بمثقل يغلب على الظن موته به. لو قال ابن بلبان في البداية: «أن يقتله إما بمحدد أو بمثقل يغلب على الظن موته به»، هكذا خلصنا من الحاجة إلى ذكر الاستثناء لاحقًا. ثم ذكر لك مثالًا، قال: «جرحه بما له نفوذ في البدن»، هذا المحددات، و«ضربه بحجر كبير»، هي المثقلات.

هل نعتبر مكان الضرب بالمثقل؟ على الرأس سواء كان مقتلاً أو لا؟ لا، لا نعتبر، الأصل النظر إلى الآلة نفسها. هو الأصل، لكن أحيانًا يذكرون بعض الأمثلة التفصيلية، كأن تكون الآلة صغيرة لكن يتبع ذلك مكان الضرب، فيمكن أن ينظر لهذا البعد في بعض السياقات والأمثلة، لكن الأصل هو النظر في الآلة.

نيجي لشبه العمد، اقرأ: «وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا». ومن باب الفائدة، صور القتل العمد عند الحنابلة في العادة التي تذكر في المتون تسعة صور، ذكرها عندكم في الحاشية، نذكرها سريعًا حتى تعرفوا ما الذي يدخل فيها.

أولًا: كما قلنا أن يجرحه بالمحدد، هذه مباشرة تعتبر قتل عمد. ثانيًا: أن يضربه بالمثقلات، أن يضربه بحجر كبير ولو في غير مقتل؛ لأنه الحجر الكبير يقتل بثقله، وكل مكان مختلف، فلا يعتبر مكان الضرب في الأصل، وإنما الاعتبار بثقل الآلة. لكن هل يمكن أن تكون الآلة غير مثقلة ويعتبر قتل عمد؟ باعتبار مكان الضرب أو تكرار الضربة، فهذا له ملحظ آخر.

ثالثًا: أن يلقيه في حفرة مع أسد أو حيوان مفترس، أو أن يلقيه في الفضاء وهو مكتف ومربط في حضرة أسد أو حيوان مفترس. فإذا ألقيتك في حفرة وأنا أعلم أن فيها أسدًا، أو ألقيتك في صحراء وأنت مكتف وأنا أعلم أن أمامك أسدًا، فهذا يعتبر تسببًا، والتسبب عندنا يأخذ حكم المباشر في هذه المقامات.

رابعًا: أن يلقيه في نار تحرقه أو في ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما، سواء كان ألقاه مكتفًا أو مسجونًا. أما لو كنت تستطيع التخلص، فلا يعتبر قتل عمد. خامسًا: أن يخنقه بحبل أو أي آلة أخرى تخنق. سادسًا: الحبس مع منعه من الطعام والشراب. سابعًا: أن يقتله بسم يقتل غالبًا. ثامنًا: أن يقتله بسحر يقتل غالبًا.

تاسعًا: أن يشهد عليك رجلان بأنك مرتد أو قاتل عمد فتُقتل، ثم يكتشف أن الشاهدين كذبا واعترفا بالكذب، ثم يعودان ويقولان: «شهدنا زورًا تعمدًا لقتله»، فعندئذٍ يعتبران قاتلين عمدًا. أو أن يحكم عليه الحاكم بالقصاص ظلمًا، ثم يقول: «والله تعمدت قتله مع أنه ليس أهلًا للقصاص»، فهذا أيضًا يعتبر الحاكم قاتل عمد، وبالتالي الأمر الذي أصدره قتل عمد ويقتص من الحاكم نفسه.

بناءً على هذا صارت صور القتل العمد تسعة: محدد، مثقل، حفرة أو فضاء مع أسد، نار تحرق أو ماء يغرق، خنق بحبل، حبس ومنع طعام وشراب، سم يقتل غالبًا، سحر يقتل غالبًا، والشهادة الزور أو حكم الحاكم ظلمًا.

أو يشهد عليه رجلان بقتل عمد أو ماذا؟ أو ردة فيقتل بسبب ذلك، ثم يعود الرجلان الشاهدان فيعترفان أنهما شهدا زورًا مشان ينقتل. والحاكم كذلك لو أصدر أمرًا أن يقتل رجلًا وهو عارف أنه ظلم هذا القرار، فإن الحاكم يطبق عليه القصاص؛ إذا اعترف هو أمام الشعب أنه: «أنا والله هذا فلان قتلته عمدًا، مع أني أعلم أن الأمر الذي أصدرته ظلم»، يطبق عليك القصاص.

هذه التسع صور للقتل العمد، نلاحظ أن أدوات القتل أوسع من المحدد والمثقل، أوسع من المحدد والمثقل. الآلة ستأتي معنا إن شاء الله، كمل.

قال: «وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا ولم يجرحه بها، كضرب بسوط أو عصا». ما هو قتل شبه العمد؟ أن تقصد الجناية، قالوا لكن لا تقصد القتل، مثل الهوش الذي ترونه في الطرقات؛ هو متقصد يباكس، متقصد جناية لكنه لم يتقصد القتل. كيف عرفنا أنه لم يتقصد القتل مع أن القصد -كما حكينا في أصول الفقه- أمر داخلي، كيف بدي أعرف؟ ما في مجال. قالوا إلا أن ننظر إلى الآلة التي استعملها.

إذًا أن يقصد الجناية لكن لا يقصد القتل، كيف بدنا نعرف هذا؟ قال بأن يستعمل آلة لا تقتل غالبًا ولم يجرحه بها. وضع قيدين: آلة لا تقتل غالبًا، ولم يجرحه بها. قال: «كضرب بسوط أو عصا». لماذا أضاف «ولم يجرحه بها» برأيكم؟ إذا جرحه سنعتبره محددًا؛ لأنه إذا كانت محددة حتى ولو لم تقتل غالبًا، مجرد ما جرحه فيها تعتبر عمدًا إذا مات. فلذلك ذكر الشرطين حتى يشمل أنه الآلة لا تقتل غالبًا، فبيجي يقول لك: «خلص، أنا استعملت إبرة»، بقول لك: هي صح لا تقتل غالبًا، جرحته ولا لا؟ جرحته، لا خلص صارت عمد، فلا بد أن تكون الآلة لا تقتل غالبًا ولم يجرحه بها. مثل ماذا؟ قال: «كضرب بسوط أو عصا»، فلو نحن بمشكلة، اثنين في الشارع واحد ماسك عصاية يضرب الثاني، أو واحد ماسك قشاط يضرب فيه، أو واحد ماسك سوط يضرب فيه، نقول مثل هذه الآلات.

النت فصل، سيكون في شيء هنا في الوصلة. لكن هنا في الحاشية، هناك قيد جيد أن نناقشه في ذكره في الإقناع. وإحنا قلنا إن شبه العمد هو أن يقصد الجناية ولا يقصد القتل، ومع ذلك في الإقناع كما يقول الشيخ أحمد، ماذا يقول في الإقناع؟ في شبه العمد قد يكون تقصد العدوان أو بقصد التأديب لكن مع الإسراف فيه.

ففي الإقناع اعتبر؛ إذا أنت تريد تأديب ابنك، أو حاكم يريد تأديب واحد من الرعية، أو معلم يريد أن يؤدب طالبًا في الكتاب أو في المدرسة، الآن أنا ابتداءً كمعلم مع طلابي، أو أب مع ابني، أو حاكم مع الرعية، هل لنا حق التأديب ابتداءً؟ نعم، لنا حق التأديب. قال: «أو الزوج مع زوجته الناشز مثلًا»، إنه حق التأديب لهم. قال: «فكل شخص له حق التأديب لكنه أسرف وتجاوز الحد فأدى تأديبه عندئذٍ إلى القتل»، جعله في الإقناع أيضًا شبه عمد.

بناءً على هذا، إذا صح هذا الكلام، يكون في شبه العمد أنه يشمل أنك تقصدت الجناية ولكن لم تتقصد القتل. الآن لما نقول تقصد الجناية ولم يتقصد القتل، هذا ممكن ندخل فيه تقصد الجناية أن يكون تقصد العدوان ابتداءً، أو يدخل تحت تقصد الجناية أنه قصد التأديب ولكنه أسرف فيه؛ يعني أصبحت كلمة تقصد الجناية لا تعني فقط أنه من البداية يريد عمل عدوان، بل قد يدخل تحت تقصد الجناية أنه قصد التأديب المشروع له ولكنه تجاوز الحد المسموح فيه، فأصبح جناية. أنت لما تتجاوز الحد المسموح فيه فتسرف، مش صار جناية؟

هذا فقط أريد أن نفهم أنه لما نقول أن يتقصد الجناية ولم يتقصد القتل، يدخل تحت تقصد الجناية صورتان: إنك أنت من البداية كل ما عملته عدوان، أو من البداية كان صح لأنه لك حق التأديب، لكنك أسرفت فتحولت إلى جناية. إذا أسرف وضربه بما يجرح أو بمثقل، الذي يظهر مذهبيًا أن هذا قتل عمد؛ إذا أصبح فيها ضابط الاستعمال المحدد، هذا ما عاد تأديبًا.

هي فقط أضافت فكرة أنه لما تقول تقصد الجناية، هل يشمل أيضًا من كان له حق التأديب فتجاوز فيه؟ أنه ممكن الواحد يقول لك: «هذا ما تقصد الجناية يا شيخ، هذا تقصد التأديب بس تجاوز شوية»، منقول: لا، هذا يعتبر من شبه العمد؛ لأن أحكام شبه العمد تختلف عن أحكام الخطأ. أنا يهمني تصنيفه، أني أريد أن أظهره أنه هذا شبه عمد وليس خطأ؛ أنه من أعطي حد التأديب فتجاوز عن المقدار فأدى إلى القتل، هذا تصنيفه هنا على كلام الإقناع شبه عمد وليس خطأ، تجاوز ما لم يصل إلى ضابط العمد.

قال: «والخطأ أن يفعل ما له فعله كرمي صيد ونحوه فيصيب آدميًا». طيب، أما القسم الثالث وهو الخطأ؛ الآن الخطأ يقولون له صورتان. قال: «خطأ في القصد أو خطأ في الفعل». خطأ في القصد: أنه أنا المفروض نريد أن نعدم هذا الشخص لأنه القاتل عمدًا، فأعدمنا واحدًا ثانيًا مكانه بالخطأ. فهنا أنا متقصد القتل لهذا الآدمي، بس أنا أخطأت الشخص؛ المفروض هذا هو الذي يجب أن يُقتل، راح انقتل أخوه التوأم فرضًا، فمنقول هذا خطأ، يعني لم يقصد الحاكم أو السياف هذا الشخص.

قال: «أو خطأ بالفعل». ايش يعني خطأ في الفعل؟ أنه هو لم يتقصد أصلًا عملية القتل. كان مثلًا يصيد، يرمي على عصافير أو يرمي شيئًا، فوقع هذا على رأس واحد بالخطأ، فهذا لم يقصد أصلًا قتل أي شخص، كان يريد هدم شيء في الدار، يريد هدم سور منزله، ولم يكن يعرف أن هناك أحدًا وراء السور، هدم السور فوقع على شخص فقتله، هذا اسمه خطأ في الفعل. إذًا القتل الخطأ إما خطأ في القصد: أنه أنا أريد أن أقتل فلانًا فقتلت ثانيًا، أو خطأ في الفعل: أنه أنا أصلًا لا أريد القتل.

أشياء كثيرة في الحياة تكون معك، فماذا لو قتلت شخصاً؟ حوادث السير، هل هي خطأ في القصد أم خطأ في الفعل؟ هي خطأ في الفعل. في حوادث السير، أنت ماشي بالسيارة ولا بدك تقصد حدا تقتله ولا شيء، ماشي في هالطريق، بس الخطأ أنك ضربت سيارتك في شخص فمات؛ هذا اسمه خطأ بالفعل. واضح؟

وقس عليها كثيراً من الحالات التي تعتبر من الخطأ بالفعل، لأنها هي أكثر صور الخطأ بالفعل. أكثر صور القتل الخطأ هو خطأ في الفعل، وقد يكون خطأ في القصد، وهي قليلة؛ أن يكون يريد قتل شخص فقتل ثانياً مكانه، هذه قليلة وليس من السهل أن توجد.

إذًا والخطأ إذا قال: أن يفعل ما له فعله؛ لاحظ هذا يشمل الصورتين، سواء في الخطأ في القصد أو خطأ في الفعل، أنا فعلت شيئاً مسموحاً لي أفعله، لكن ماذا حصل؟ فأصبت آدمياً معصوماً.

تفضل.

إيه، دعست بالسيارة؛ يعني إذا أدى إلى القتل، الأصل يعني في المواجهات سلام ورحمة. شو هو؟ دعست بالسيارة. يعني الأصل يدرج هذا ضمن القتل بالمثقل. كيف نفرق فيما بين هذه الصورة وصورة القتل بالمثقل؟

لا يا شيخ، أصلاً في النهاية لما أنا هنا في القتل الخطأ لا ننظر إلى الآلة. في القتل الخطأ، ضع كل الآلة على جنب، ينظر إلى الواقعة؛ سواء بمحدد، بمثقل، بسكين، بسيف، وأنا في القتل الخطأ ما لي علاقة بالآلة أبداً، لي علاقة أنه أنا فعلت ما لي أفعله بالخطأ، قصدت شخصاً خلاف الشخص المقصود، أو بالخطأ كنت أفعل شيئاً، كنت أمسك السكينة ولا وقعت السكينة على شخص فجرحته فمات، وأنا لم أتقصد أصلاً الفعل، الفعل كله خطأ.

فهنا لا ينظر أبداً إلى الآلة في موضوع الخطأ، وإنما ينظر إلى ماذا؟ إلى خطأ القصد أو خطأ الفعل. ما دام ثبت للحاكم أنه في خطأ في القصد أو خطأ في الفعل، مباشرة يدرجها في موضوع القتل الخطأ، ما له علاقة بالآلة التي استُعملت.

الشيخ، يعني الفرق فيما بينهما حتى لا يكون القتل بالسيارة عبارة عن ذريعة للقتل، لا يكون أنه قتل بالخطأ. هنا أحياناً أخي الكريم الحاكم ليس له مجال إلا أن يبحث عن الشهود والبينات، فهو سيتعامل مع الأصل أنه خطأ، وإذا ظهر لك أن هناك قصداً للجناية من خلال شهود شهدوا بذلك، عدول، أو بينات ظهرت، مش هنا بتيجي الملفات الجنائية؟ يفتح ملف تحقيق، وتصير التحقيقات وكذا، وأنه هذا الزوج أصلاً هو بيترصد لزوجته من زمان، بتنفتح ملفات أخرى. لكن أنا أصنف الموضوع على حسب الكلام العام، ما ستثبته الأدلة والبينات أنه والله القتل بالسيارة لا، هو أراد فعلاً أنه هذا هو عمل حاله بيهدم السور، وهو عارف أن زوجته وراه، راح طبها هيك.

كيف بدي أفرق أنه هذا قتل خطأ ولا شبه عمد ولا عمد كمان؟ السور مو هذا عبارة عن مثقل كبير يعني. هذا كله سيظهر لك بعد ذلك من خلال القرائن والبينات والأدلة، ما في مجال غير ذلك.

الشيخ، أن يفعل ما له فعله من ضمن الحقوق؛ أنه يحق له أن يفعل هذا الشيء، صح؟ نعم، إذا كان مثلاً ماشي بالسيارة في الطريق مثلاً 60 وماشي 120، هذا مش من حقه، فالأصل يخرج من القيد لو فعل فعلاً ليس من حقه، كذلك إطلاق النار فوق رؤوس الناس، فيخرج بهذا القيد؛ أن يفعل ما له فعله.

بس السؤال، هذا ليس من حقه في هذه... يعني هو شوف، نقول خطأ التصرف. هل يعود على تصنيف القتل؟ يعني في النهاية واحد نعم والله أنك تطلق نار في الأعراس هذا تصرف عبثي لا يسمح به النظام. أنت كلمة «أن يفعل ما له فعله» يتكلموا بها أحياناً باللغة الفقهية، بدك تعرف أنه قد يكون المؤلف لما ألف هذا الكتاب ما خطرش في ذهنه الصورة اللي بتحكي عنها، أو ما كانش مقصوداً في ذهنه ابتداءً، يتكلم عن هذه الصور المخلة بالآداب والنظام العام بس ما خطر بباله أن هذه تقتل شخصاً، فهمت علي؟

يعني هذه تبحث بحثاً آخر. صعب أقول بناءً على هذا التعريف أن الخطأ هو أن يفعل ما له فعله، بالتالي إذا فعل ما ليس له فعله مباشرة نرجعها على شبه العمد، لأنه هنا شبه العمد برضه حدد لك إياه، قال: «أن يقصد الجناية»، أنت قصدت جناية على شخص.

نعم، هنا ينظر في باب إلى الآلة المستعملة وقرائن الحادثة. فقضية إطلاق النار في الأعراس كعادات اجتماعية، خطأ كتصرف سلوكي ومخل بالنظام وفيه مخالفات شرعية، الآن في اعتقادي أن ولي الأمر لو أراد أن يعزر هذا الشخص فيصنف جريمته أنها شبه عمد من باب لأنه سيأتي معنا أن شبه العمد ديته مغلظة وليست كدية الخطأ، من باب أن يعزرهم ممكن ينظر في هذا الجانب، لكن مباشرة أقول أنها تعتبر قتل شبه عمد، يعني بدها دراسة أكثر على الأقل ما بدي أعطي رأياً فيها الآن. لأنه هو زي ما قلت لك لا قاصد يقتل أحداً ولا له علاقة بأنه يقتل ولا بده يجني على أحد، هو شاف الشارع تجاوز القانون، شاف الشارع فاضياً وأخرها قال بدل 100 هي 120، طب ولو قاتل له شخص.

يعني برجع أقول هذا لا يعفي من المسؤولية، التصرف أن يعزره الحاكم عليه، أنه أنت أخللت بالنظام العام، وأن يعتبر أن هذا الإخلال يترتب عليه كذا وكذا يسجنه ويعمل فيه، لكن من ناحية فقهية هل هذه صور من صور قتل شبه العمد؟ في النفس منها شيء لأنه لا أجد أنه في تقصد للجناية، يعني تقصد الجناية كلنا بنعرف أنه يطلق نار في الأعراس ولم يتقصد جناية على أحد، هو بس بطريقة غير قانونية وغير شرعية قبل ذلك، وكذلك الذي يسوق، هذا لا يعفي من التعزير، لا يعفي من إنزال أقصى العقوبات التي تتناسب مع قانون التعزير، لكن تصنيفها أنها فقهياً شبه عمد، لا يظهر لي ذلك والله أعلم.

الآن عرفنا ما هو الفرق بين القتل العمد وشبه العمد والخطأ، وضحت الصورة يا إخواني؟ إذاً ماذا يترتب... بس نرجع نذكر ماذا.

يترتب على كل واحد منهما أحكام، نرجع على العمد؛ ماذا يترتب عليه من الناحية الفقهية؟

أولاً: الإثم، أنه آثم. ثانياً: القود وهو القصاص، لكن سنعرف أن القصاص له شروط؛ فهل كل قتل عمد يقتص من فاعله؟ لا، لأنه قد يكون قتل عمد لكن شروط القصاص لم توجد، وسنذكر شروط القصاص لاحقاً، فنقول هو كأصل نعم فيه قصاص لكن بشرط وجود أو استكمال شروط القصاص التي ستأتي معنا. ثالثاً: الدية، ووجود الدية وهي مغلظة في مال الجاني، يعني الجاني يجب أن يدفعها في حال عدم حصول القصاص. الحكم الثالث إذاً ما هو؟ وجود دية مغلظة، وستكون على الجاني وحده، ليست على عاقلته ولا عشيرته، بل يتحملها في حال عدم تطبيق القصاص والعدول عنه إلى الدية، لأنه ممكن يصير عفو، وكفى الله المؤمنين القتال، لكن في حال لم يحصل قصاص وذهبنا إلى الدية، فهي دية مغلظة وعلى الجاني.

الرابع والأخير: الحرمان من الميراث، الحرمان من الميراث إذا كان القاتل قتل شخصاً يرثه، والنبي ﷺ قال: «ليس للقاتل من الميراث»، إذا كان القاتل قتل شخصاً يرثه، كأن يقتل ابن أباه، أو أخ أخاه؛ فنحرم القاتل من الميراث. إذاً: إثم، وقصاص بشرطه، ودية مغلظة على الجاني في ماله، والحرمان من الميراث إذا كان القاتل قتل من يرثه.

نيجي على شبه العمد، ما هي أحكامه يا مشايخ؟ أولاً: الإثم، لأنه تقصدت الجناية، أنت تقصدت الجناية لكن ما تقصدت القتل. ثانياً: الكفارة، وهذا أول حكم انضاف في العمد؛ حكينا كفارة؟ لا، لأن العمد عند الحنابلة ما فيه كفارة، وإنما الكفارة التي ذكرها ربنا في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]، وعتق رقبة مؤمنة، ثم في آخرها: ﴿فَإِن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]، هذه توجد في شبه العمد والخطأ، والكفارة المسؤول عنها هو الجاني. ثالثاً: دية مغلظة لكن على العاقلة؛ ففي شبه العمد -الذي يأتي بالنص بين العمد والخطأ- توجد دية مغلظة مثل العمد، لكن من يتحملها؟ العاقلة. رابعاً: الحرمان من الميراث، هل فيه حرمان من الميراث؟ نعم، في شبه العمد، فإذا اعتدى أخ على أخيه بالضرب فمات أخوه، كان قتل شبه عمد وفيه حرمان من الميراث، إذا كان القاتل وارثاً من المقتول.

طيب، نيجي على قتل الخطأ؛ هل فيه إثم؟ لا، ما فيه إثم. هل فيه كفارة؟ نعم، قتل الخطأ فيه كفارة، هذا واحد. اثنين: هل فيه دية؟ نعم، دية مخففة على العاقلة؛ هنا الدية مخففة وليست على الجاني، بل يتحملها عاقلة الجاني، وعليه هو يتحمل الكفارة. إذاً: لا يوجد إثم، بل دية مخففة على العاقلة، وكفارة يتحملها الجاني. وإذا كان القاتل من يرثه يحرم من الميراث؟ نعم، المذهب عندنا حتى قتل الخطأ يحرم من الميراث؛ سداً للذريعة، حتى لا يقول لك أحدهم: "قتلتُه بالخطأ، السيارة صدمته، حادث سير قدر الله وما شاء فعل"، وهو في الحقيقة يريد التخلص من الوالد ليأخذ ميراثه، أو الأخ يقتل أخاه ويقول حادث سير عفوي، أو الزوجة تقتل زوجها بوضع السم في الشاي وتقول قضاء وقدر لتأخذ ورثته؛ فهذه أسباب كثيرة، فلذلك قالوا عندنا يحرم من الميراث.

إيش الأحكام المترتبة على كل شكل من أشكال القتل؟ يشترط في القاتل أن يكون غير محجوب أثناء القتل حتى يحرم من الميراث. العبرة عند موت المورث؛ يعني يهمني لحظة القتل، هل أنت وارث في تلك اللحظة أم لا؟ إذا كنت وارثاً لحظة موت المورث فلن ترث. مثلاً، لو واحد قتل أخاه، وكان لهذا الأخ أبناء، فإذا مات الأب وأبناؤه موجودون، فالميراث لهم، حتى لو مات أبناؤه بعده. إذا مات الشخص ولم يكن له وارث إلا الأخ القاتل، فإنه يحجب ويمنع من الميراث. وهنا أين سد الذريعة؟ سد الذريعة هو في حال كنت أنت الوارث الوحيد، فقتلتني بحجة أنه قتل خطأ وأنا في الحقيقة متقصد، بينما كان يوجد في الأصل من يحجبك أصلاً. أنا يهمني في لحظة القتل: هل أنا وارثك أم لا؟ إذا كنت أصلاً لا أرثك، فكل هذا الحكم لا أحتاجه، انتهينا. أما إذا كنت وارثك فستُحجب.

ثم قال: «وعمد صبي ومجنون خطأ»، الصبي والمجنون لو تعمدوا القتل باستخدام الضابط السابق، بمحدد أو بمثقل يقتل غالباً، فعمدهم يعتبر خطأ باعتبار أنهم غير مكلفين، فغير المكلف باختصار عمدة يعتبر خطأ.

قال: «ويقتل عدد بواحد ومع عفو تجب دية واحدة»، إذا قتلت مجموعة أشخاص شخصاً واحداً، فإنهم يقتلون جميعاً، ولكن هناك شروط؛ الشرط الأول أن يصلح فعل كل واحد منهم للقتل إذا لم يكن هناك تواطؤ، فإن كان هناك تواطؤ قتلوا ولو لم يصلح فعل واحد منهم للقتل. إذاً أول شرط هو قدرة فعلهم على القتل، لأن الجماعة عندما يقتلون شخصاً قد يكونون عصابة متواطئة مع بعضهم، أو اجتمعوا قدراً عليه بدون تواطؤ مسبق؛ فإذا كانوا عصابة متواطئة على القتل فهنا لا نشترط أن يصدر...

من كل واحد منهم فعل القتل. لو واحد قاعد بس على الحراسة، وواحد ماسك، وواحد هو اللي ماسك السكين، الثلاثة بنقتلوا. ليه؟ لأنهم عصابة متواطئون على القتل؛ فالحارس والماسك والضارب كلهم سيقتلوا.

لكن لو كانوا اجتمعوا مثلًا بخلاف داخل بتعرف مثلًا بخلاف الجامعات ولا في هالباصات، كذا الناس هيك متفرقين انقهروا من شخص، قالوا له انزل من الباص نتفاهم معك، ونزلوا فيه من الباص، وهذا ضارب وهذا مسك وهذا فعل وهذا كذا، وواحد بيراقب من بعيد، يلا اجت الشرطة. الفكرة أن الرجل مات في أيديهم.

بنقول هدول الجماعة اللي ضربوا هذا الشخص بآلة محددة أو إيه، هل هم متواطئون مسبقًا على القتل؟ لا، هي القضية بالعكس، هم متفرقين بس هذا الرجل استفزهم بتصرف معين، التموا عليه مرة واحدة. الآن هنا في هذه الحالة، عدم التواطؤ وإنما هو الضرب العفوي من الجميع لشخص، لا نقتل الجميع، وإنما نقتل من صدر منه فعل لو استقل يعتبر قتل عمد.

فبالتالي واحد مسك فيهم والثاني جرح بالآلة، مين الذي سيقتل؟ الجارح. اللي ماسك هنا لا يقتل، ليه؟ لأنه هنا ما في تواطؤ مسبق. واحد ضرب بوكس، واحد ضرب بصخرة ومات، مين الذي سيقتل؟ اللي ضرب بصخرة، لأنه لو ضرب بوكس وفي الوضع الطبيعي فعله لا يعتبر قاتل، هذه ما بيقتل. واحد ضرب بعصا، وواحد بإبرة، تخيل مين الذي سيعتبر قتل عمد؟ اللي حط الإبرة، لأن العصا لا تقتل غالبًا.

فلذلك إذا اشترك جمع قتل شخصًا واحدًا، نفرق بين أن هم متواطئون كعصابة إجرامية، ولا هم اجتمعوا فزعة يعني بشكل عفوي. إذا كانوا متواطئين كعصابة إجرامية الكل سيقتل حتى اللي ما لمسوش، اللي كان قاعد بس بحرس هذا بده يقتل معهم. والذين كانوا غير متواطئين لا، الذي سيقتل منهم هو كل شخص صدر منه فعل يؤدي إلى القتل.

فهذا حط سكين هون وهذا حط سكين هون وهذا حط سكين هون، بنقول كل اللي حطوا سكاكين بدهم ينقتلوا، ليش؟ لأنه كل واحد فعله يعتبر جارح بآلة عادة تؤدي إلى القتل فالكل سيحاسب.

بالنسبة للغير متواطئين، نرجع للغير متواطئين؛ قال: «وألا يكون أحدهم فعل ما لا تبقى معه الحياة كأن يخرج أحدهم أمعاءه ثم يذبحه الآخر، فالقصاص إذًا على الأول وحده». هذا الشرط الثاني، أنا كنت أتمنى الشيخ أحمد يرتبها أكثر من هيك، هو كان الأصل في ترتيب الكتاب حتى يكون الكلام واضح، إنه المتواطئين قال هدول قتل كلهم، غير المتواطئين يضع لهم شرطين حتى يقام عليهم الحد كلهم: أن يصدر من كل شخص منهم ما يعتبر قتلًا، وأن يكون في نفس الوقت حصل الأمر.

إيش يعني؟ قال: «فإن كان أحدهم الأول هو اللي حط سكين وحطها في مقتل بحيث لا تبقى معه الحياة، إجى بعديه الثاني إيش عمل؟ مثلًا حز رأسه». مين يعتبر فيهم قاتل هدول غير المتواطئين؟ الأول، لأنه الثاني إجى بعد ما فعل الأول فعل لا تبقى معه الحياة. مثلًا المثال الذي ذكره: إذا الأول أخرج أمعاءه فتح بطنه أخرج أمعاءه، والثاني إجى قطع رأسه.

كلامنا عن غير المتواطئين، مين اللي يعتبر فيهم؟ هسا كل واحد منهم صدر منه فعل لو نظرنا إليه وحده يقتل به، لكن هنا لأن هذه الأمور حصلت على أزمان، يعني الأول خطوة خرجت الأمعاء، نقول خروج الأمعاء لا تبقى معه الحياة غالبًا، فالثاني صحيح أجهز عليه، بس اللي فعل الفعل الذي لا تبقى معه الحياة مين هو؟ ابتداءً الأول.

فهذا أيضًا ضابط ثاني في غير المتواطئين، إذًا هيك بترتب: متى يقتل الجماعة بالواحد؟ إذا كانوا متواطئين مباشرة الكل حتى الذي لم يفعل فعل هذا، وإذا كانوا غير متواطئين لا بد من أمرين: الشرط الأول أن يفعل كل شخص منهم فعلًا يؤدي إلى القتل، الكل هذا حط سكين، هذا حط سكين، هذا جاب دبش مثقل. اثنين أن يكون حصل هذا في دفعة واحدة أو في أوقات متقاربة.

فإن كان أحدهم هو الذي فعل أولًا الفعل الذي لا تبقى معه الحياة، ثم من بعده أيضًا ذبح أو قتل أو بس إنه أجهز إجهازًا، بنحمل المسؤولية العمد لمين؟ مسؤولية العمد بنحملها للأول؛ لأنه الثاني أمام القاضي شو ممكن يحكي؟ والله يا قاضي أنا قطعت رأسه بس هو أصلًا كان مفرغ، يعني أنا ذبحته بس هو كان فيه ثلاث سكاكين ببطنه وواحدة في قلبه، أنا بس شلت النفس الأخير، فهو أصلًا لو أنا ما ذبحته هو ميت ميت. رح يحكي للقاضي: لو أنا ما ذبحته هو ميت ميت، خلص كل الأمر الذي فعل به قبلي أنا إجيت في اللحظة الأخيرة. فهذا ينظر فيها بهذا التدقيق الفقهي في هذا الموضوع.

طيب، تفضل. شيخنا إحنا بس ما نحصلها في فعل الأول، يعني لو ما يتم الضربة القاتلة تأتي من الثالث أو الرابع ويأتي بعده كذلك الناس يضربون؟ طبعًا، طبعًا. يعني الأول هنا مثال، ممكن الأول فعل فعل لا يقتل غالبًا، واللي فعل فعل اللي يقتل غالبًا الثاني أو الثالث.

وهنا ليش بقولك أهمية الأمر الجنائي؟ بتيجي الأدلة الجنائية. مش بتعرفوا لما معاذ ومعوذ ضربوا أبو جهل؟ فذهبوا بسيفيهما إلى النبي ﷺ، كل واحد منهم قال أنا قتلته، فضرب في سيفيهما فقال: «كلاكما قتله». إيش يعني؟ الخبرة، يعني إنه كل واحد ضربته كانت قاتلة.

ابن مسعود رضي الله عنه إجى متى؟ إجى بعد ما خلص مع أبو جهل مستوي، يعني ميت ميت، فإجى فحز رأسه. النبي ﷺ أعطى السلب لمين؟ طب هو أعطاه لمعاذ قال لأنه كان أفقر، والبعض قال لأنه كان ضربته أكثر إدماءً، لكن باختصار ابن مسعود لم يُعطَ السلب لماذا؟ لأنه ابن مسعود متى إجى على أبو جهل؟ في الرمق الأخير، خلص هو أصلًا ضرباته مجهزة، فهو إجى في الرمق الأخير، فأعطى النبي ﷺ سيف أبي جهل لمعاذ، وإلا فالذي قتله مش ابن مسعود، ابن مسعود هذه فكرة إنه إجى في اللحظة الأخيرة.

تفضل. شيخنا لو كان القتل ليس فعلًا وإنما امتناع، مثلًا امتناع عن إسعاف محتاج أو كذا، يعني لو رأى شخص محتاج إلى إسعاف وهو قادر على إسعافه فامتنع فمات الرجل؟ لا، هذا لا يعتبر قتل عمد.

ولا شيء هذا؛ لأنني لم أتقصد شيئًا، أنا من النهاية مالي شغل، كنت ماشيًا في الشارع ورأيت رجلًا مثلاً يزهق أنفاسه. قلت لازم أوديه على سيارة الإسعاف، بس أنا كنت مستعجلاً وظللت ماشيًا. هل أعتبر أنا قاتل عمد؟ أنا لا ضربته ولا جرحته ولا كذا، أنا لست قاتل عمد ولا شيء.

الآن ممكن تعزر لأنك فعلت حرامًا؛ لأننا قلنا إنقاذ الأنفس من الهلاك، ماذا أخذنا في أصول الفقه؟ فرض كفاية. مش قلنا ولو رأى في أثناء الصلاة إنسانًا يغرق أو إنسانًا كذا، يجب فرض كفاية أن ينزل أحدهم إلى البحر وينقذه، لكن إذا لم ينزل أحد فهم آثمون، بس هم لا يعتبرون قاتل عمد؛ لأنني لم أقل له انزل في البحر، ولم أقل له اذهب اسبح، لم أعتدِ عليه شخصيًا، لكنني آثم وقد يعزرني الحاكم، هذا شيء آخر، لكنني لست قاتل عمد.

أه بس خلينا نشرح حتى لا نشوش على الإخوة الذين يسمعوننا. قال: «ومن أكره مكلفًا على قتل معين أو على أن يكرهه عليه، ففعل، فعلى كل القود أو الدية». هذه المسألة سألت عنها يا عدي؟ لا، ليست هذه المسألة، لا زلنا في المسألة الثالثة، وإن كانت هي تشمل حتى هي، وهي ستكون موضع الحاكم. نعم، ومع عفو تجب الدية. ما أحسن ما علقنا، لم أعلق على الجملة الأخيرة هناك.

«ويقتل جماعة بواحد ومع عفو»؛ في مسألة قتل الجماعة بالواحد، إذا شاركت جماعة في قتل واحد، قال: «ومع عفو من ولي الدم»، إذا عفا أولياء المقتول، الآن هل نقول الجميع يريد كل واحد أن يخرج دية أم دية واحدة؟ دية واحدة. هم الآن في حالة قتل الجماعة بالواحد، وأي حالة قتل جماعة بالواحد حكمنا فيها بالقصاص على الجميع، إذا ولي المقتول قال أنا لا أريد القصاص، أريد الدية، كم دية ستدفع؟ هل نقول ما دام القصاص على الجميع، إذاً الدية ستكون على كل واحد من الجميع؟ لا.

نقول إذا خلص ولي المقتول قال أنا أريد دية، نقول لك لك دية واحدة يشترك هؤلاء جميعًا في دفعها. فصحيح إذا كان في قصاص يقتص من الجميع، لكن إذا في دية، فدية واحدة توزع على الجميع. أكمل.

قال: «ومن أكره»، أو «من أكره مكلفًا»، إذا أنت أكرهت مكلفًا، وكلمة مكلف قيد؛ أنه فرق بين أن أكره مجنونًا أو صبيًا، وبين أن أكره مكلفًا. إذا أكرهت مكلفًا على قتل معين، وكلمة قتل معين مقصودة. في المذهب عندنا، لو قلت لك يا شيخ عدي اقتل زيدًا أو عبيدًا، خيرتك، بس أنا لم أكرهك، أنا وضعت مسدسًا على رأسك وقلت لك اقتل زيدًا أو عبيدًا، فأنت اخترت، قلت لنقتل زيدًا؛ إذا أنت اخترت أيهما تصبح أنت القاتل، بس أنا ليس عليّ شيء، أنا أُعزر، أنا أُعزر لكن لا يقام عليّ القصاص. لابد في المذهب أن أكره مكلفًا على قتل معين، أو على أن يكره عليه.

يعني أنا وضعت مسدسًا على رأسك، قلت لك أكره محمد أن يقتل شخصًا، صارت تسلسل في الإكراه؛ أنا أكرهتك ووضعت المسدس وقلت لك يا إما تجعل محمدًا يقتل يا أقتلك، فأنت قلت أمسكت محمدًا وقلت له يا محمد أقتلك إذا لم تقتل فلان، فصرت أنا أكرهك على أن تكره غيرك أن يقتل. قال: «ففي هذه الحالة، فعلى كل القود»، الذي هو القصاص، أو الدية في حال ما أردنا قصاصًا.

إذاً ما الصورة؟ كما قلت، إذا أنا أكرهت شخصًا مكلفًا على أن يقتل آدميًا معصومًا معينًا، الآن على من سيطبق القصاص؟ على المباشر أم على المتسبب؟ المكره متسبب والمكره مباشر، هنا على من نقيم القاص؟ على الجميع، على الجميع. هذه من استثناءات قاعدة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب فالضمان يكون على المباشر، مش هكذا القاعدة؟ لكن هي قاعدة لها استثناءات، وهذا مثال على استثناء منها. كيف؟ هنا اعتبر المتسبب بمنزلة المباشر؛ في هذا المثال المتسبب اعتبر في منزلة المباشر لأنه أكره المباشر، فالمباشر يقتل والمتسبب يقتل.

واضح يا إخوان؟ هذا استثناء من القاعدة، ومهم جدًا. وهذه حالة، وهذا يدل على أن المكره مكلف، أليس كذلك في أصول الفقه؟ مكلف. تمام؟ مش نحن قلنا ضابط المذهب عمومًا أنه غير مكلف في الأقوال ويحاسبونه في الأفعال؟ قلنا هذا من أظهر الضوابط عندنا، أنه يعفى من أقواله لكنه لا يعفى عن أفعاله؛ فلو طلقت وأنت مكره، ماذا مر معنا في الأقراء؟ تطلق؟ لا تقع، مش قلنا لابد أن يكون مختارًا؟ من شروط المطلق أن يكون مختارًا، فإذا طلقت وأنت مكره لا تقع، مرت معنا.

لكن إذا قتلت وأنت مكره، لا بد أن نقتلك. إن القضاء الأصل في المذهب أن الإكراه يؤدي إلى عفو عن أقوالك، لكن لا نعفو عن أفعالك. فإذا «من أكره، أو من أكره عفواً، مكلفًا على قتل معين، أو على أن يكره عليه غيره، ففعل»، قال: «فعلى كل القود أو الدية». وإن أمر به غير، طبعًا الدية الذي يظهر لي أنه يقصد ماذا؟ في حال أننا لم نقتص، فهناك دية، لكن هل كل واحد يدفع الدية أم على الجميع؟ دية واحدة. الذي يظهر لي دية واحدة على الجميع توزع، إذا كان من ثلاثة: أنا والمكره الأول والمكره الثاني والمباشر، توزع أثلاثًا.

المسألة الأولى متعلقة بالإكراه، المسألة الثانية الأمر. قال: «وإن أمر به غير مكلف»، طبعًا في المسألة السابقة إذا أكرهت غير مكلف، فالآمر والمكره هو الذي سيتحملها كاملة، وغير المكلف ما له علاقة، ممكن طبعًا يعزره الحاكم إذا كان يقبل التعزير.

قال: «وإن أمر به غير مكلف، أو من يجهل تحريمه، أو سلطان ظلمًا، من جهل ظلمه فيه، لزم الآمر». هنا غير كلمة أكره إلى «أمر»، حط عليها دائرة، «أمر» هنا. «وإن أمر به غير»، إذا أنا أمرت به غير مكلف، جئت لمجنون فاقد العقل، أو جئت لصبي عمره عشر سنين، أحداث يسموهم اليوم، وقلت له اذهب اقتل فلانًا وراح وقتله. أو من يجهل تحريمه، يعني هؤلاء قالوا يتصور أن يكون رجلًا جديد العهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة ويجهل تحريم القتل، فرضًا، وإن كانت صعبة قليلًا، فأمرت شخصًا يجهل تحريم القتل قلت له اقتل فلانًا.

فذهب فقتله. نعتبر أنه هو مفكر أنه دين، في اعتقادي قد تكون القضية ليست أنه يجهل تحريم أصل القتل، وإن كان ظاهر كلام الشيخ أحمد أنني في اعتقادي يجهل تحريم أنه مثل هذا الشيء لا يقتل عليه.

هو رجل أسلم واشتغل جندي، أو يشتغل في دار القضاء، مسكين أسلم حديثاً واشتغل في دار القضاء، فالقاضي قاله: اسمع روح اقتل فلان. فهو فكر أن هذا الشيء، روح اقتل فلان، طلق زوجته فرضا، فهو فكر أن الطلاق في الإسلام شكله يوجب القتل، فذهب وأمسك السكين وذهب وقتله. هو ليس جاهلاً بأن القتل خطأ، كما حكى فطرة، فلا يوجد أحد يقول لك القتل، لكن هو يجهل تحريم ماذا؟ أنه لا يظن أن الطلاق في الإسلام، إذا رجل طلق زوجته يجب قتله فرضا. رجل مسلم حديث، ولا يعرف أحكام الإسلام، واشتغل في دار القضاء، وحاطينه سيافاً حيثما جاءت يده يضرب.

فهذا الشخص إذا كان يجهل تحريم القتل، وإنه هذا القتل في هذه الحالة حرام، ومن قال له إنه حلال؟ مثل هذا يعذر بجهله في هذه المسألة.

قال: أو سلطان ظلماً، من جهل ظلمه فيه. يعني حتى هذه الصورة التي ذكرتها تناسب حتى هذا المثال الثالث، أن السلطان أو القاضي أمر على وجه الظلم التابع له، أو الجندي التابع له، أن يقتل رجلاً، والجندي التابع يجهل الظلم، يعني يفكر أن السلطان أو القاضي يتكلم بالحق والعدل وأنه لم يجرِ ظلم. ففي هذه الحالات الثلاث، من الذي يلزم بالقود أو الدية؟ الآمر وحده، إذا أمرت شخصاً غير مكلف، أو أمرت شخصاً يجهل التحريم.

من الممكن مثلاً من يجهل تحريمه، ممكن واحد مع صاحب له، وليس ضرورياً أن يكون قاضياً حتى نفرق بين المثالين. والحالة الثالثة: أو سلطان ظلماً، إذا أمر جندياً بأن يقتل شخصاً، والجندي يجهل ظلم الحاكم، فالذي يلزم هنا القود أو الدية؟ الآمر.

لكن أيها الكرام، صراحة هنا في كلام لابن تيمية يحسن الوقوف عليه في الحاشية، حتى تفهم قضية الثالث، قضية الجندي الذي يقول له السلطان: روح اقتل فلاناً، فراح الجندي وقتله وقال: أنا لا أعرف أنه مظلوم، أنا اتبعت أمر سيدي فقتلته. هل هذا الجندي يعفى عنه بكل بساطة؟ هل نقول والله أنت جاهل بالظلم؟ ماذا يقول ابن تيمية؟

ذكر شيخ الإسلام كلاماً نفيسًا يتعلق بهذه المسألة، نقله عنه الشيخ منصور في الكشاف. منصور البهوتي نقل هذا الكلام عن ابن تيمية في الكشاف لأنه أمر دقيق، وهذا ما يثبت، وأنا أتمنى أن يعطينا الله عمراً ونستقرئ أحياناً الفرق بين العلم والفتيا. إخواني العلم شيء والفتيا شيء آخر، ولماذا نقل منصور البهوتي هذا الكلام في الكشاف؟ حتى لا يأتي أحد يفتي بظاهر المذهب هكذا، فيقولوا: انتظروا يا جماعة، صحيح قاعدة المذهب، ولكن نريد أن ننظر ما الذي يحصل في الواقع، وهذا مهم.

قال الشيخ ابن تيمية: «هذا بناءً على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول وفيه نظر، بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذٍ تكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم، وهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة».

فهمتم هذا الكلام إخواني؟ ابن تيمية يرى أن مجرد جهل الجندي بسبب القتل لا يعفي من المسؤولية. الآن ظاهر المذهب هو أن الجندي إذا كان يجهل سبب القتل فقتل، أنه معفو عنه، وأن المسؤول عن القصاص أو الدية هو الآمر وحده. لكن ابن تيمية يقول لا، قال الجندي يجب عليه قبل أن يذهب للقتل وتنفيذ الأمر أن يعرف لماذا سيقتله، لا يصير بمجرد أن الحاكم قال لك روح اقتل فلاناً على عماها تذهب وتقتله، بل يجب أن تعرف هل هذا الشخص فعلاً فعل ما يستوجب القتل أو لا؟

فيقول ابن تيمية: «وهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة». جهلك بأنه يستحق القتل أو لا كأنك تعلم حرمة قتله، وليس عندنا الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا، بل هنا الجهل بجواز القتل كالعلم بحرمته، فتتحمل المسؤولية، وبالتالي تقتل مع الحاكم أو السلطان، أو إذا عفي عن القتل إلى الدية تدفع الدية، خاصة كما قال: «خاصة مع أئمة الجور»، لما يكون معروفاً مثلاً الحاكم بجوره وظلمه.

لا يصح أن تقول لشخص كان يشتغل عند الحجاج: الحجاج قال لي أنا لا أعرف أنه مظلوم، الحجاج قتل خمسين ألف شخص مظلومين، فلا نبيح لهم هذا الكلام، لكي لا تسهل على نفسية الجندي المسؤولية. لو قلنا للحنابلة إنه إذا جهل يعذر، سيصبح الجندي يتعمد أنه لا يسأل، ويقول: أنا أريد أن أقتله وأنا لا أعرف لماذا. لكن لما قلت للجندي أنت مسؤول أمام الله أن تعرف لماذا ستقتله، يصبح مهتماً وحريصاً أن يعرف: والله هذا الشخص الذي أمرني الحاكم أن أقتله، لماذا يريد قتله؟ هل السبب فعلاً يستوجب؟ فيذهب الجندي ويسأل أهل العلم.

فهذا كلام مهم في الفتيا إخواني حتى لا تعطوا لهم الذريعة. اليوم كم من العلماء خلف القضبان، وتأتي لتقول: والله لا أعرف لماذا هؤلاء مسجونون، عادي أنا ليس لي دخل، لا أعرف. أحياناً في أشياء ليس مقبولاً أن مجرد جهله يعفيه من المسؤولية، لأنك يجب أن تفكر وتشغل دماغك وتسأل، فإذا سألت فعلاً أهل العلم وقالوا لك خلاص، أنت بذلت مجهودك وعرفت ما تفعله، أما أنت فلا تبذل مجهودك وتقول: الحنابلة يقولون من جهل ظلمه لزم الآمر فقط، أنا ليس علي إثم، فهذا كلام غير دقيق. هذه هي الفائدة.

لو كان السلطان الآمر اشتهر بالظلم، وليس عادلاً وظالماً بين أهل العلم والناس، وهذا الجندي المأمور جهل الظلم هنا، هل يطبق عليه نفس القاعدة؟ أصلاً ظاهر كلام ابن تيمية أن الأمر عام.

أنه جعل خاصة إذا كان الحاكم، ما جعل كأصل عام؛ أنت كجندي بدك تعرف. الوحيد الذي قالوا: إذا أمرك بقتل شخص فإنك تقتل دون أن تسأل، هو النبي ﷺ، أما الحاكم مهما كان في عدله فيتصور منه الهوى.

قال أبو بكر رضي الله عنه في قضية أنه لما شخص آذاه، فقال: هذا ليس إلا للنبي ﷺ، هو الذي إذا أمرك أن تقتل تقتل.

قال: فصل، وللقصاص أربعة شروط. الآن سنرجع على القتل العمد، نحن قلنا يا إخواني إن القتل العمد أحد الأحكام الأساسية المترتبة عليه هو القصاص، لكن بأي شروط؟ فليس كل قتل عمد سيطبق فيه قصاص، قد يكون لم يستكمل شروط القصاص فينتقل إلى الدية أو العفو، فهنا سيعقد فصلاً: ما هي شروط القاص؟

قال: أولاً، تكليف القاتل؛ أن يكون القاتل مكلفاً، لأننا حكينا عمد الصبي والمجنون خطأ. ثانياً، عصمة المقتول؛ أن يكون المقتول معصوماً، فإذا كان غير معصوم فهو مهدر الدم، فإذا كان حربياً مثلاً لا يعزر، وإذا كان غير حربي كأن يكون زانياً محصناً، فهنا يعزر على افتيات على السلطان لكنه لا يطبق عليه القصاص.

ثالثاً، مكافأته للقاتل بدين وحرية. ومكافأته هذه ليست أن تعطيه مكافأة، بل هي مساواته للقاتل بدين وحرية. ما معنى المكافأة هنا؟ اكتب الضابط: أن لا يكون القاتل أفضل من المقتول حال الجناية في دين أو حرية. العبارة هي: أن لا يكون القاتل أفضل، أي أعلى من المقتول، والعبرة بوقت القتل.

هذه تشمل صورتين؛ لما أقول لك أن لا يكون أفضل، فهذا يشمل أن يكون القاتل مساوياً تماماً للمقتول، أو أن يكون أدون منه. فإذا كان القاتل مساوياً للمقتول أو أدون منه، ففي هذه الحالة ما الحكم؟ يقتص منه.

قال: وعدم الولادة. هل أهل الكتاب أعلى ديناً من المشركين؟ نعم. قال: وعدم الولادة، وهو الشرط الرابع؛ لأنه سبق معنا أن الوالد لا يقتص منه إذا قتل ولده، فأن لا يكون المقتول ولداً للقاتل. لكن الضابط هنا أن المقصود بالولد هو الولد من النسب دون الذي من الرضاع.

فإذا كان الوالد قتل ولده، وهذا يظهر لي كأن كلمة الولادة تشمل الأب والأم، أب قتل ولده أو أم قتلت ولدها، هذه تحتاج لنظر، فقط أريد أن أنظر في هذه المسألة التي طرحها.

الشرط الرابع يقول هنا: كون المقتول ليس بولد وإن سفل لقاتل، ولا حتى بولد بنت وإن سفلت لقاتل. فإذاً العبرة ليست بالولادة المباشرة فقط، بل حتى لو كان الجد أو جد الجد، فالحكم داخل هذه المسألة أن العبرة ليست بالولادة المباشرة فقط بل يكفي أن يكون أحد فروعك، حتى ولو كنت أنت الجد السادس له، لأن القاتل لا يقتص منه إذا كان المقتول من فروعه وإن سفل. بخلاف الفروع إذا قتلوا الأصول، فالفروع إذا قتلوا الأصول يقام عليهم القصاص، العبرة أن الأصول إذا قتلوا الفروع.

قال: ولإستيفائه ثلاثة شروط. إذاً حتى تأخذ أحقية القصاص هناك أربع شروط، وحتى تأخذ الاستيفاء هناك ثلاث شروط. ما الفرق؟ الشروط الأربعة الأولى حتى يثبت لك أصلاً حق القصاص، أكتب: الشروط الأولى حتى يثبت لك حق القصاص هي: تكليف القاتل، عصمة المقتول، مكافأة القاتل بدين وحرية، وعدم الولادة. إذا ثبت لك حق القصاص، متى تستطيع أن تستوفي هذا الحق؟ الاستيفاء له شروط.

أولاً: تكليف المستحقين له. وهنا نحن نتكلم عن قتل، فمن المستحق له؟ ورثة أولياء الدم، ورثة المجني عليه، أولياء الدم حتى الزوجين يدخلون هنا. فإذا كان المستحق أو أحد المستحقين -إذا كانوا جماعة- فيه واحد منهم غير مكلف كصغير أو مجنون، ننتظر حتى يبلغ الصغير ويعقل المجنون ويحبس الحاكم القاتل.

لأن بعض القضايا، كما نرى في هذا الحرمين، شخص معروف على اليوتيوب قصته أنه انحبس فترة طويلة حتى بلغ أولياء الدم، كانوا صغاراً فبلغوا على سن الـ 14 مثلاً، فيكون القاتل قد انحبس 12 أو 13 سنة حتى بلغ أولياء الدم. إذا كان أحد أولياء المقتول طفلاً عمره يوم، ينحبس القاتل حتى يبلغ هذا الطفل ويقرر هو باختياره حقه، وهنا لا ينوب عنك أحد، لو قال أعمامه يشيلوا عنه، لا، هذا حقه الشخصي.

وإذا كان المجنون لم يأتِ عقله، فالأصل أنه لا يتم القصاص حتى يعاد إليه عقله. قال: وإتفاقهم عليه. قال: فإن مات مثلاً قبل البلوغ أو مات المجنون قبل أن يعود إليه عقله، قام وارثهما مقامه. هنا يأتي الفرج للقاتل؛ إذا مات المجنون أو مات الصبي قبل أن يبلغ، يقوم ورثة الصبي أو ورثة المجنون مقامه في قضية استيفاء الحق، لكن إذا كان أحد ورثة الصبي صبياً، يبدأ العداد من جديد.

والآن ننتقل لحق المطالبة لمين؟ لورثة الصبي. واحد من ورثة الصبي طلع طفل، بده يفتح عداد جديد، ولذلك بعض القصص ممكن تكون على فترات طويلة. وبيني وبينك، إذا قاتل عم، خليه يتعلم والمجتمع يتربى فيه؛ لأنه إذا ما تربى في المجتمع ما بـ... طبعا هذا رح نكتشف إنه في حل واحد ممكن يحل هذه الأمور، سيأتي معنا المجنون، نعم، ينتظر حتى يعقل.

كمل: «وإتفاقهم عليه». إتفاق جميع أولياء الدم هنا ممكن يخلي القاتل تتيسر عليه الأمور؛ إنه لابد جميع أولياء الدم يطالبوا بالقصاص. فإذا واحد فقط من أولياء الدم، عموما إذا واحد من أولياء الدم قال: ما بدي قصاص، سقط حق القصاص على الجميع وتحولت كلها للدية.

ولذلك هنا ممكن يكون في متنفس للقاتل إذا كان أولياء الدم بعضهم صغار وبعضهم كبار؛ إذا واحد من الكبار عفا، خلص انتهت، يطلع ونقول له: ادفع دية وخلصنا. ولذلك عادة في هذه القضايا يذهبوا للكبار فيهم، إنه لازم واحد من الكبار يعفو، لكن إذا عفى انتهى، خلص بيطلع القاتل من هذا ونطالبه بالدية وخلصنا، ويتحول الجميع للدية حتى الصغار والمجانين يأخذوا الدية. فهذا الحل الوحيد، أما إذا الكبار كلهم معاندين بدهم قصاص، فالصغار والمجانين ننتظر حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون، فإذا كبروا وطالبوا أيضا بالقصاص مع الكبار يُقتل، وإذا عفوا يذهب إلى الدية.

قال: «وأن يؤمن في استيفائه تعديه إلى غير جان». هذه يمثلون لها بقضية ماذا؟ الحامل؛ إذا كانت المرأة التي بدنا نطبق عليها القصاص حامل بجنين، هنا لا يجوز أن يستوفى القاص، قالوا: حتى يخرج الجنين من بطنها؛ لأنه أنا إذا اقتصيت منها أخشى أن القتل مباشرة يقطع النفس عن الجنين الذي في بطنها، فيقولون هنا لا تقتل الحامل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ. قالوا كمان: تسقيه هذا اللبأ، وإيش هو؟ أول اللبن الذي يخرج من ثدي الأم.

قال: «ويحبس لقدوم غائب وبلوغ وإفاقة» كما قلنا؛ يحبس القاتل عمدا إذا كان واحد غائب حتى يرجع، أو على الأقل نعرف خبره، ممكن واحد غائب غيبة طويلة. وهنا نحتاج أن ننظر هل يُنظر في الغيبة كما يُنظر إليها في باب المفقود؟ يعني إذا كانت غيبة ظاهرة على السلامة أم غيبة ظاهرها الـ... هذا يحتاج أن ينظر في هذا. بعض المسائل سبحان الله تخطر في ذهنك وأنت تقرأها.

يعني هنا لم يذكر تفصيل في قضية غائب، بس ذكر قالوا: ينتظروا قدوم وارث غائب، وبلوغ وارث صغير، وإفاقة وارث مجنون، يعني لم يذكر هنا ضابطا في ذلك.

ثم قال: «ويحبس لقدوم غائب وبلوغ وإفاقة، ويجب استيفاؤه بحضرة سلطان أو نائبه». فالقصاص لا يطبق إلا بحضرة السلطان أو القاضي أو نائبهم، باختصار ما بيصير واحد يأخذ حقه بيده، حتى ما تصير فوضى في البلد. لابد أن يكون أمام الهيئات القضائية، لا يجوز أن تأخذ حقك بيدك حتى ما تصير غابة. ليس قصدي أنا آخذ حقي بيدي يعني إنه يأخذ حقه لحاله، يروح: "هذا قتل ابني أروح اقتله لحاله"، لا، ارتفعت القضية للحاكم ولا للسلطان، ولا تأكدنا ويقول لك: أنا متأكد من استيفاء الشروط. ونقول له: أنت أفيت؟ حتى لو ثبت أمام القاضي بعد ما انتهى أنك فعلت أمور يحق لك أن تفعلها، أنه جميع الأولياء بدهم القصاص، لو ثبت أنكم كلكم بدكم القصاص، ما بيصير تعمل هذا بدون أن تكون الجهات القضائية متدخلة. ليه؟ حتى لا تصبح البلد فوضى ويصح للحاكم أن يعزرك. حتى لو أنت مستكمل الشروط الأربعة وشروط الاستيفاء السبعة، لو كانت السبعة عندك لا يجوز أن تقيم القصاص بدون وجود الجهات القضائية؛ لأن الجهات القضائية هي التي تتأكد وتتوثق من استكمال الشروط الأربعة الأولى ومن الشروط الثلاثة الثانية، ثم بعد ذلك يقول لك القاضي: خلص ثبت لدينا، تفضل قم بالقصاص إن أحببت.

قال: «ويجب استيفاؤه بحضرة سلطان أو نائبه». الآن السلطان بيعطي لأولياء الدم إنه هم اللي يقيموا القصاص، بيسمح لهم إنه هم يمسكوا السيف ويقتلوه، بس أمام مرأى الحاكم أو نائب السلطنة أو الجهات القضائية. بعطيك إنك تقتص حتى تشفي غليلك، لكن بحضرتي. فإذا كان الأولياء المقتول ما بيعرفوا يقتصوا، بيكون الحاكم عنده سياف هو اللي بيطبق الأمر.

القضية الثانية في الاستيفاء الواجبة أن تكون عند الحنابلة بآلة ماضية؛ أن تكون الآلة إيش؟ حادة، ولا تكون بآلة تعبانة، الرجل يتعذب وهو عم ينقتل فيها، لازم تكون سيف حاد وآلة حادة. ثالثا، وهذا ركزوا عليه: «وفي النفس». وهذا لاحظوه في النفس، يعني إذا كان القصاص لقتل النفس بخلاف ما لو كان فيما دون النفس. إذا كان القصاص لقتل نفس، مش قصاص لقطع يد أو لقطع رجل، إذا كان في النفس فلا يقتص عند الحنابلة إلا بالسيف، حتى ولو كان القاتل قتل بطريقة أخرى غير السيف. مش إحنا حكينا القتل العمد له تسع صور عندنا؟ السم والسحر واللي يلقيك عند أسد والحرق، عند الحنابلة في القصاص لا يوجد عندنا مماثلة؛ لا نقول والله يقتل بالمثل، لا، عندنا يقتل بالسيف فقط. خلافين مثلا، لكن عند الحنابلة لا يقتل إلا بالسيف حتى ولو كان القاتل قتله بأبشع قتلة، إحنا لما نقيم القصاص لا نقيمه إلا بالسيف.

وإذا كان في الجرح، لذلك هو قال: «وفي النفس»، طيب إذا كان فيما دون النفس فلا يقام إلا بالسكين. إذا كان في النفس بالسيف، وإذا كان في الأطراف والجروح لازم بالسكين.

في الجرح، هل يصح إنه الأولياء يطبقوا القصاص؟ والله إذا كان يحسن بمراقبة السلطان ووجود المختصين. إذا قال تتمة لولي الدم: مباشرة قتل الجاني إن كان يحسن القصاص، وإذا فيما دون النفس أنت أصلا مش الولي، أنت نفسك أصلا أنت الجاني، أنت عايش إذا بس انقتلت شيء منك، فإذا كنت تحسن أن تطبق، بيعطيك الحاكم الصلاحية ما في مشكلة، بس إذا كنت لا تحسن ضبط الأمور، لا بقول لك اسحب.

السكين، السكين لو كان من مفصل القدم أو مفصل الكوع أو كذا، هذه تأتي معنا. أنت لست مضطراً لأن تخطر ببالك سكين تقطيع الجزر والخيار، بل قد تكون سكين فارس، أي مثل الساطور، شيء فيه لبسة، ليست أي واحدة تستخدم لتقطيع البندورة.

المسألة الماضية هي الإكراه؛ لو أُكره مكلف على ما هو دون النفس، كقطع أو جرح، فهل يجوز للمكره أن يفعل؟ وهل يكون هنا مكلفاً أم غير مكلف؟ لا يصح القول بأن الفكرة عامة في النفس وفيما دون النفس، بل الأحكام السابقة لمن أُكره أو أُمِر، سواء في النفس أو فيما دون النفس، يطبق فيها نفس القضية.

لا ينظر في قول القائل: "اضرب فلاناً كفاً أو اصفعه، أو أقتلك". لا نقول له: "والله اصفعوا هذا الكف أو اقتله"، وبعد ذلك هو يقتص منك في الكف أو القتل. لا نقول: "ممنوع حتى لو قتلت". لا، ليس هناك مشكلة هنا؛ لأنه يرى أن هذا أهون، فأيهما أشد: أن تصفع كفاً وتحمل المسدس، أم أن يقتلك بالمسدس؟ أما لو صفعته كفاً فلن يحدث شيء، أما لو لم تصفعه فستقتل.

هناك صور كثيرة فيما دون النفس، منها ما هو عالٍ جداً ومنها ما هو متدني، ويجب النظر فيها بميزان المصالح والمفاسد؛ أي حجم المفسدة المتوقعة. حتى قضية قطع اليد قد تسري إلى النفس فيموت، فبعض الناس لو قطعت يده سريت المفسدة إلى نفسه، وأنت كمكره لا تعرف مآلات الأمور، بخلاف الأشياء الخفيفة مثل ضرب الكف أو شد الشعر.

فأنا اعتقادي أنها تخضع لقانون المصالح والمفاسد، أي أيهما أعظم المفسدتين؟ فإذا استوتا، فلا، فنفسك يا أيها المكره ليست أعز من نفس من أمامك، حتى تفضلها عليها فتموت أنت وينتهي نصيبك؛ كن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل.

فصل في العفو عن القصاص سريعاً؛ قال: «ويجب بالعمد القود أو الدية، فيخير، والعفو مجاناً أفضل». فيخير ولي الدم بين القود والدية، ومتى اختار الدية أو عفا مطلقاً. وأولياء الدم هم من يرث المقتول بفرض أو تعصيب، وهذا هو ضابط أولياء الدم، فلا يدخل معنا المحجوبون ولا ذوو الأرحام.

فإذا وجب القود في العمد، يخير أولياء المقتول: هل تريدون القود أم الدية؟ وكذلك يخيرون في العفو، قال: «والعفو مجاناً أفضل ثواباً وأعلى». والنبي ﷺ كما جاء في الأثر ما رُفع إليه أمر فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو. وأنا أقول هذا أفضل ما دام الأمر يسمح بذلك، لكن إذا أدى هذا إلى انتشار الجرائم كما يحصل في مجتمعاتنا المعاصرة؛ حيث يُقتل الشخص وتنحل القضية بفنجان قهوة، فتكثر عمليات القتل والاستهانة بالدماء، هنا إذا رأى الحاكم أن العفو أصبح غير منطقي ولا يقوم على الأخلاقيات وإنما على العشائريات، فقد يدفع أولياء المقتول إلى أخذ حقهم لكي تتربى الناس.

متى اختار ولي المقتول الدية أو عفا مطلقاً؟ إذا قال: "عفوت مطلقاً"، فما معنى الإطلاق هنا؟ أي عفا دون أن يحدد جهة العفو. لو قال: "خلص ما بدي أقتل"، فهذا اسمه عفو مطلق، وهو يحتمل أمرين: إما أنه عفا عن القتل ويريد الدية، أو عفا عن القتل وعن الدية معاً. فإذا عفا مطلقاً ولم يحدد، يبقى له مجال لأن يأخذ الدية.

أما متى يكون العفو ليس لك فيه مجال لتأخذ الدية؟ إذا نصصت على أنك عفوت عن القتل والدية، عندئذ نقول: أنت عفوت مجاناً، ولا يخرج لك بعد ذلك أن تطالب بقود ولا بدية. أما إذا اختار الدية بشكل علني، أو عفا مطلقاً دون أن يحدد شيئاً، كأن قال: "عفوت" وسكت، فهذا يحتمل كلا الأمرين.

وإذا هلك جان؛ يعني نحن نريد أن نأتي بواحد الأصل عليه القصاص، فإذا مات هذا الشخص بسكتة قلبية أو بحادث سيارة، فليس عندنا ثارات، بل تعينت الدية، أو يمكن العفو مجاناً. فإذا اختار الدية أو عفا دون أن يحدد طبيعة العفو، أو هلك الجاني، تعينت الدية.

ولو سألنا: هل يجوز أن يصالح الولي على دية أكثر من الدية المحددة شرعاً؟ لو قال الولي: "أنا لا أعفو إلا على مائتي إبل" (والدية المحددة شرعاً مائة من الإبل)، فصالحوا عليه وقالوا: "نعطيك ثلاثمائة إبل بدل مائتين بشرط ألا تقتل الرجل"، فهل يجوز المصالحة على أكثر من الدية؟ نعم، يجوز.

قال: «ومن وكل ثم عفا ولم يعلم وكيله حتى اقتص...»

فلا شيء عليه. إذا أنا وكلت الشيخ عدنان أنه هو يقتص، يعني ترفع أنت، ترفع قضية للحاكم، أولياء المقتول وكلوا شخصًا، قالوا: «إحنا برا البلد، مش فاضيين نتبع، وكلناك يا شيخ عدنان إنك أنت تروح تشوف القضية وتستوفي حقنا في القصاص». وفعلاً توكل فيها وراح، وفعلاً صدر الأمر بالقصاص، فعدنان الآن هو أمام القاضي بده يقتص، قبل ما عدنان يقتص ويقطع رأس الرجل، أولياء المقتول، واحد منهم أو كلهم عفوا، قالوا: «خلص بدناش نقتل»، بس عدنان ما كانش عارف.

الآن نتذكر معنا باب الوكالة؛ أن الوكيل ينعزل ولو لم يعلم، بس هنا هو أنت انعزلت صحيح، بس أنت ما بحملك نتيجة تصرفك حتى ولو كنت معزول، ليه؟ لأنك لما فعلت لم تكن تعلم أنك معزول، ولا يجوز أن نحملك، هذا أصبح من التكليف بما لا يطاق؛ أن تأتي تحملني الدية، لأنك تقول: «يا زلمة أنا ليش قتلته؟ أنا عفوت عنه»، فيقولون: «طيب أنت ما خبرتوني؟»، أنتم وكلتوني وعفوتوا بينكم في الأروقة السرية.

فإذا من وكل ثم عفا، عفواً من وكل ثم عفا ولم يعلم الوكيل أنه تم عزله أو أنه عفا، فممكن أنا ما عزلتك تمامًا، بس أنا عفوت، أنا ما عزلتك لكن أنا عفوت عن وكيلك. من وكل شخصًا ثم عفا، ولم يعلم الوكيل حتى كان الولي قد أخذ القصاص، فلا شيء عليهما؛ لا علي أنا كعافي، ولا على الوكيل الذي أقام القصاص لأنه معذور، وأنا أصلاً كان القصاص حقي بس أنا عفوت، بس لما عفوت ما كنتش مبلغ أخونا الذي سيقتص.

وإن وجب لقن قود أو تعزير قذف، فطلبه وإسقاطه له. القن الذي هو العبد الخالص في العبودية، إذا كان هناك عبد له حق القصاص، وإن وجب لقن قصاص؛ إما لأنه انقتل أحد أولاد القن، أو أنه هو نفسه مثلاً قطع عضو منه، لأن القصاص قد يكون في النفس، وقد يكون فيما دون النفس، فهذا القن مثلاً انقطعت يده، فهو بده يقتص من الذي قطعها، واستكملت شروط القصاص وشروط الاستيفاء.

من الذي له أن يطالب به؟ سيد القن ولا القن نفسه؟ قال: «فطلبه وإسقاطه له»، القن هو الذي يطالب لأنه هذا حق شخصي مش حق مالي، هذا حق شخصي. وإن وجب لقن قود أو تعزير قذف، يعني القن الآن لو واحد قذف عبد، هذا ما فيش فيه حد، لأن شروط إقامة الحد -وسيأتي معنا حد القذف- أن يكون المقذوف حرًا، فإذا أنت قذفت عبدًا، العبد له حق أن يطالب بالتعزير بس، عشان هيك قال: «أو تعزير قذف» ما قال «حد قذف»، لأن القن إذا قذف ليس له أن يطالب بالحد، لكن له أن يطالب بالتعزير لمن قذفه.

فيكون هو الذي يطالب بالتعزير ولا سيده برضه؟ قال: هو، لأنه هذا حق شخصي أيضًا. وإن وجب لقن قود أو تعزير قذف، فطلبه وإسقاطه؛ يعني هو الذي يطالب وهو الذي يسقط، هو صاحب الأحقية، وإن مات القن، هل السيد له اعتبار هنا؟ قال: نعم، وإن مات فالسيد يطالب بحق القن، سواء بالقصاص أو الدية.

يعني عبد قتل عبد، عبد قتل عبدي، اعتبر أنا عندي عبد وإجا واحد من العبيد قتل عبدي، وفي كل شيء وجدت الشروط الأربعة، لازم مين يطالب بحق عبدي المقتول؟ أنا السيد، أقاتل وأطالب بحق عبدي المقتول. أما إذا كانت جناية على ما دون النفس زي ما حكينا، فالجناية على ما دون النفس والعبد ما شاء الله على قيد الحياة، روح أنت طالب حقك، واحد قطع يدك، أنت العبد بتروح على الجهة القضائية بترفع قضية، أنا كسيد ما لي علاقة.

إذا مات، خلص بيصير السيد هو فزعته، سواء مات أو قتل ما دام في حق موجود، السيد الآن يستطيع أن يطالب به. ثم قال: «والقود فيما دون النفس كالقود فيه»، هذا بعد الصلاة، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سؤال، أو هلك جان في القصاص.