السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى على آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم فقهنا في الدين، اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا وبصرنا وأرشدنا، واجعلنا اللهم من طلبه العلم المتعلمين المتبصرين يا أرحم الراحمين.
حياكم الله في درس جديد من دروس أخصر المختصرات، واليوم إن شاء الله لعلنا ننهي التعليق على كتاب المناكحات، ولعلنا ندخل أيضاً في باب الجنايات إن أسعفنا الوقت. وصلنا إلى قوله: «فصل في نفقة الأقارب والمماليك والبهائم».
وهذه من عدالة الإسلام سبحان الله، إن الإنسان النفقات التي أنت ملزم بها أمام الله عز وجل ليست فقط نفقة الزوجة، بل أيضاً أنت مسؤول عن نفقة أقاربك ومماليك وعبيدك وبهائمك. وهذا من التوزيع العادل للثروات؛ أنه لا تبقى أنانياً فقط تهتم بأنك تنفق على نفسك وعلى زوجتك وعائلتك، بل أحياناً قد يلزم عليك نفقة والدك ووالدتك، أو أحياناً نفقة أقارب من الإخوة والأخوات على حسب الضوابط التي تأتينا. فالإسلام يشعرك بالاهتمام بالآخرين وأن لا يبقى الإنسان يفكر في نفسه فقط.
أقرأ ماذا قال: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ولعبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: «وتجب عليه بمعروف لكل من أبويه وإن علوا وولده وإن سفلوا ولو حجبه معسر، ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب».
فنقول إذاً أيها الكرام، قال: «وتجب عليه بمعروف»، الآن سنتكلم عن نفقة الأقارب. أولاً، من هم المقصودون بالأقارب هنا؟ الأقارب هنا كل من يرثك في باب المواريث بفرض أو تعصيب. أما من لا يرثك بفرض أو تعصيب من ذوي الأرحام، فهؤلاء ليسوا هم المقصودين هنا، مثل الخال والخالة مثلاً؛ هؤلاء بينهم علاقة بالميراث، لكنهم أساساً ليسوا من أصحاب الفروض والتعصيب، وإنما يرثون بميراث ذوي الأرحام عند الحنابلة، فهؤلاء ليسوا هم المقصودين.
المقصود إذاً بكلمة الأقارب من يرثك إما بالفرض أو بالتعصيب. طبعاً ستقول لي: ما معنى الفرض أو التعصيب؟ هي في بعض المفاهيم ستبقى متعلقة بفهمك لباب المواريث الذي قفزنا عنه؛ أحياناً أشياء تحفظها وتبقى تصورها على الوضوح والجلاء لما تأخذ دورة في علم المواريث.
ومقدار النفقة المطلوبة، لما نقول النفقة على الأقارب أيضاً، المطلوب هو قدر الكفاية؛ أن تحقق لهم قدر الكفاية من المأكل والمشرب كما قلنا، والمسكن واللباس، هكذا النفقة للزوجة كذلك هي النفقة للأقارب. قال: «وتجب عليه بمعروف»، أي بما هو متعلق بالعادة والعرف، ما هو متعارف عليه. لذلك قال: «فجنس ما تنفقه على أقاربك»، هل هو جنس راقٍ؟ ليس بالضرورة، كما حكينا في الزوجة إذا كانت من صنف معين، يجب تعطيها مثلاً لحماً كل أسبوع، وإذا كانت من طبقة بعيدة يكفيها اللحم كل شهر، فجنس ما تنفقه على الأقارب أيضاً يعتمد على العادة والعرف. لاحظوا ما علقه باليسار والعسر، علقه على العادة والعرف بعبارة عامة.
قال: «وتجب عليه بمعروف لكل من أبويه وإن علوا»، الآن سنتكلم أولاً عن الأصول والفروع. فقال: «لكل من أبويه وإن علوا»، الأب، الأم، الجد، الجدة. وهنا فرق بين باب المواريث وباب النفقات؛ في باب المواريث الجد الذي يرث هو من جهة الأب، والجد من جهة الأم لا يرث، أما في باب النفقات فعليك أن تنفق على الجد مطلقاً، سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم. فجدك من جهة أمك أنت مسؤول تنفق عليه إذا كان فقيراً، فجدك من جهة أبيك وجدك من جهة أمك أنت مسؤول عنه في كلا الجهتين؛ «لكل من أبويه وإن علوا».
ثم قال: «وولده وإن سفلوا»، أي تجب النفقة كلها أو كمالها على الأولاد وإن سفلوا، فيدخل فيها من الأب الأبناء والبنات وأولادهم. لاحظوا هنا، دخل فيها الأبناء والبنات وأولادهم، فبرضه أولاد بنتك؛ في باب المواريث داخلين أم لا؟ أولاد البنت ليس لهم علاقة بالميراث، لكن هنا في باب النفقة، نعم، ابنك يقول لك: لماذا أنفق عليه وهو محسوب على الغريب؟ أو بنتي متزوجة من عشيرة خارج عشيرتنا وجابت أولاد، فهل أنا مسؤول أن أنفق عليهم في حال كانوا فقراء ولا يجدون كفايتهم؟ نعم، فكما أنك مسؤول تنفق على أولاد ابنك، أنت مسؤول أن تنفق على أولاد بنتك، وإن كانوا في النسب ليسوا محسوبين عليك وإنما محسوبين على جهة الزوج. شفت هذا الفرق بين باب النفقات وبين باب المواريث؟
لكن شرط النفقة عليهم هو كما قلنا أن يكونوا فعلاً محتاجين للنفقة، بأن كانوا يفقدون كفايتهم تماماً، أو كانوا يفقدون جزءاً من كفايتهم. يعني النفقة تجب عليك على أصولك وفروعك إذا كانوا فاقدين للكفاية تماماً، أو كان مدبراً لنصف كفايته، مثلاً مدبر أجرة البيت ولكن ليس مدبراً طعامه وشرابه، فهنا أنت مطلوب أن تكمل هذا الموضوع.
قال: «فلا ينظر إلى الإرث»، أكمل: «ولو حجبه معسر». أي في نفقة الأصول والفروع هنا لا ينظر كونك أنت ترث منهم أو لا ترث منهم، كما ظهر لكم. نفقتي على الأصول أو الفروع لا تتوقف على كوني أنا وارثاً منه أو لا، فأنا قد يجب عليّ أن أنفق على أحد أصلي أو أحد فرعي مع أنني لا أرث منه أصلاً أو هناك من يحجبني عنه.
هنا ذكر الشيخ أحمد قضية أن يكون هناك جد موسر وأب معسر وابن؛ هذا الابن محتاج من يغطي له كفايته، وأبوه معسر ما عنده قدرة، فتنقل الفرض إلى من؟ إلى الجد. سؤال: هل هذا الجد الآن يرث من هذا الابن؟ لا، لأنه هناك من يحجبه وهو وجود الأب في المنتصف، فالأب وإن كان يحجب الجد عن الميراث، لكن مع ذلك الجد ملزم بأن ينفق على حفيده.
الجد في هذه الصورة لا يرث من حفيده بسبب وجود الأب، لكن حتى ولو كان لا يرث من حفيده في باب المواريث، لكن يجب أن ينفق عليه في باب النفقات. فالنفقة في مسألة الأصول والفروع ليست متوقفة على كونك ترث منه أو لا؛ فيمكن أصلاً أنك لست من أهل أن ترث منهم، كما حكينا كأولاد البنات؛ أولاد البنات، عفواً، هل هم من أصحاب الميراث؟ ابن البنت ليس من أصحاب المواريث، فمع ذلك أنت تنفق عليهم وهكذا.
قال: «ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي نسبه». الآن إذا القسم الأول من الأقارب هو عمود النسب، فعمود النسب يجب أن تساعد في تحقيق كفايته ولو كنت لا ترث منه أو هو لا يرث منك، ما لها علاقة بالإرث؛ هذه قاعدة عمود النسب للأصول والفروع.
طبعاً الأولى بالنفقة هي الأقرب فالأقرب، فإن عجز الأقرب تنتقل للأبعد. يعني الحفيد كما قلنا، الصغير من الأصلي ينفق عليه أبوه، ما قدر أبوه أو ما حقق له الكفاية تنتقل للجد؛ في حال وجود الأب ما ننتقل للجد في عمود النسب.
ونفس الشيء مثلاً، أب فقير عنده ابن وعنده حفيد، من المسؤول ينفق على هذا الأب الفقير؟ ابنه ولا حفيده؟ ابنه؛ في حال أن القريب عجز عنها أو لم يحقق الكفاية تنتقل للدرجة التي بعدها للحفيد، فهم مش مطالبين مع بعض ينفقوا، الابن والحفيد لا يشتركان في الإنفاق على الجد، بل في حال كان الجد فقيراً المطلوب وجوباً ينفق عليه هو الابن المباشر؛ إذا كان غنياً وقادراً يسد حاجته. إذا كان مثلاً مجموعة إخوة، هو مع باقي إخوانه، إذا هي الطبقة الأولى مش قادرة تنفق، ينتقل الوجوب للطبقة الأبعد الذين هم الأحفاد.
فأنا إذا كان جدي فقيراً، أنا لست المسؤول عنه وحدي، بل أنا وأبي ننفق عليه. من المسؤول الأول؟ والدك؛ صحيح إذا والدك عجز أو لم يحقق الكفاية هو مع إخوانه ما استطاعوا، تنتقل المسؤولية.
قال: «وأما النوع الثاني من الأقارب وهو كل من ترثه بفرض أو تعصيب». كل من ترثه بفرض أو تعصيب؛ الآن خلص عمود النسب حطيناه على جنب، ماذا بقي غير عمود النسب؟ الحواشي دائماً، الأقارب ينقسمون إلى أصول وفروع وحواشي. الأصول والفروع إذا وجب عليك النفقة لازم تنفق حتى ولو كنت لا ترث، انتهينا. أما الحواشي فمن هم الحواشي؟ الإخوة والأخوات، أولاد الإخوة، الأعمام والعمات، وأولاد العم؛ لأنهم الحواشي الذين ترثهم بفرض أو تعصيب: أخت، أولاد أخ، أبناء أخ، عم، وعمات، وأولاد عم؛ هؤلاء هم عموماً الذين يدخلهم هذا.
فقال: «كل شخص من الحواشي أنت الآن ترثه بفرض أو تعصيب لا برحم»، لأنه في ميراث بالأرحام هذا ليس داخلاً معنا، «لا برحم»، فهذا يجب عليّ أن أنفق عليه بقدر ميراثي منه.
كثير من الناس تسأل: أخي فقير لازم أنفق عليه؟ أختي فقيرة لازم أنفق عليها؟ عمي فقير لازم أنفق عليه؟ ابن عمي فقير لازم أنفق عليه؟ الجواب: لا، ليس بالضرورة. تقول: أنت الآن ترث منه أم لا؟ لو مات الآن هل أنت أحد الورثة أم لا؟ طبعاً كيف ستعرف أنه أنت أحد الورثة أم لا؟ هنا سنحتاج لقواعد علم المواريث؛ هل هناك شخص يحجبني عن أن أرث منه؟ نعم، إذا كان له أولاد ذكور، الأولاد الذكور يحجبونك أنت كأخ، فإذا كانوا أولاداً ذكوراً بالتالي هم حاجبون لك، إذاً لا يجب عليّ أن أنفق عليه؛ لماذا؟ لأنه لو مات الآن أنا لا أرثه، والنفقة في الحياة هي مقابل الإرث في الممات، هكذا القاعدة. احفظها: وجوب النفقة عليك في الحياة على أخيك هي مقابل أنك ترثه إذا مات، فإذا كان إذا مات الآن لا أرثه بسبب وجود من يحجبني، فلا يلزمني الآن أن أنفق عليه.
إذا حفظت القاعدة سترتاح. نفس الشيء أختك، هل يجب عليّ أن أنفق عليها إذا كانت فقيرة؟ أول سؤال أسأله لمن يستفتيني: هل عندها من يحجبها أم لا؟ أقول له: أختك أبوها عايش؟ نعم، الأب يحجبها، هل لها أولاد ذكور؟ نعم، الأولاد الذكور يحجبونها، إذا أختك لو ماتت الآن أنت لا ترثها، إذاً لا يجب عليك أن تنفق عليها. وعلى ذلك فقص عمي، ابن عمي، ابن أخي؛ نفس الفكرة. طيب ابن أختي؟ أحسنت، هذا لا يرث لا بفرض ولا بتعصيب، بالتالي هذا من ذوي الأرحام ما يدخل معنا أصلاً، فلا يجب عليّ أن أنفق عليه، ابن أختي حتى لو كان فقيراً.
فالحواشي، يجب أن تركز أن الذي يلزمني أن أنفق عليه من الحواشي قاعدته في المذهب هي: «النفقة في الحياة بدل الورثة بعد الموت». فبالتالي إذا كنت أرثه لو مات يلزم أن أنفق عليه، وإذا كان لو مات لا أرثه لا يلزم أن أنفق عليه. وهذه ترى ممكن تتقلب؛ يعني ممكن الآن هو عنده ابن فهو حاجبني، بالتالي أنا الآن لازم أنفق عليه، مات ابنه بطل في أحد يحجبني، صرت أنا لازم أنفق عليه، فقد تتغير الأمور والمعادلات في الحياة.
ما هو المقدار الذي يجب أن أغطيه من النفقة؟ خلص، أنا الآن أرثه إذا مات، لازم أنفق عليه، كم المقدار؟ بقدر ميراثه؛ بمعنى هذا الشخص لو مات الآن كم سيطلع لي من ميراثه؟ السدس؟ الخمس؟ ثلاثة أرباع ميراثه؟ بقدر ما يطلع لك من الميراث يلزمك أن تنفق عليه. فمثلاً لو أنك ستأخذ من ميراث أختك، لنقل قرابة نصف فرضاً، أختك ماتت وعندها بنت، وأنت، كم ستأخذ؟ البنت لا تحجبك، البنت تأخذ النصف، وأنا سآخذ النصف؛ إذاً وهي على قيد الحياة لازم أغطي لها النصف كفايتها، والنصف الآخر لمن؟ لبنتها. إذا كان معها مال مثلاً. بنتها ليست موجودة، الأصل في النظام الإسلامي...
أحمل فوق طاقتي لمرحلة معينة، لمرحلة معينة. قل دبر حالك، بيت مالين كذا، أما أنا أستطيع أن أعطيك نصف كفايتك؛ ليه؟ لأنه أنا هذا الذي سألته منك، إذا مت فلا أطالب بأكثر من ذلك، وعلى ذلك فقس. يا ربنا الوسط، الحمد لله.
إذا أكمل شيخ عمر، أكمل: قال: «مع فقر من تجب له وعجزه عن كسب، إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته».
الآن يشترط لوجوب النفقة على الأقارب، والشرط الأول كون المنفق وارثًا من المنفق عليه بفرض أو تعصيب، لا بذوي الأرحام؛ هذا إذا كنا نتكلم عن الحواشي، أما الأصول والفروع فهذا الشرط لا يحتاج إليه؛ ليه؟ لأن يجب أن تنفق عليهم حتى ولو كنت لا ترث منهم، حتى ولو كانوا من ذوي الأرحام.
الشرط الثاني، وهذا في كلا النوعين سواء الأصول والفروع أو الحواشي، أن يكون المنفق عليه فقيرًا عاجزًا عن الكسب؛ بده يكون في وصفين، الوصف الأول أن يكون المنفق عليه -سواء من الأصول أو الفروع أو الحواشي- فقيرًا عاجزًا عن الكسب. فإذا كان فقيرًا لكن يقدر يشتغل بس هو حضرته نايم في الدار، لا، أنا مش لازم أنفق عليك، روح حضرتك اشتغل. بعض الناس هو فقير ويجي يشكي، بس أنا عارف أنه لو طلع اشتغل ونزل على السوق بلاقي حدا يشغله. والله إذا كان فقرك سببه كسلك، ما حدا مسؤول ينفق عليك في هذه الحالة. فإذا كان فقيرًا وعاجزًا عن الكسب، كونه مشلولًا مثلا في البيت، أو كونه واضحًا أن عقله ضعيف -وأنا قيمت حالته في جانب برضه- كون تقييمي أنا قيمت حاله ووضعه مثل هذا صعب حتى يشغله، فعلاً هو عاجز عن الكسب لضعف عقله أو ضعف ذهنه أو ضعف مهاراته إلى غير ذلك؛ فإذا كان فقيرًا عاجزًا عن الكسب وإلا لم تجب عليك النفقة، لا على الأصول ولا على الفروع ولا على الحواشي.
الشرط الثالث حتى تجب عليك النفقة على الأصول أو الفروع أو الحواشي، شيء قالوا غنى المنفق، أن تكون أنت الذي تريد أن تنفق غنيًا، فهذا شرط متعلق بك. طيب، ما ضابط الغنى؟ ضابط الغنى هنا قريب من ضابط زكاة الفطر؛ ضابط الغنى هنا هو الضابط الذي ذكرناه في زكاة الفطر إذا كنت تتذكره، وهو أن يكون واجدًا لقوت نفسه وزوجته ورقيقه يومًا وليلة، فما زاد على ذلك وجب عليه إنفاقه على قريبه الفقير.
فليس حتى يجب عليك الإنفاق على قريبك الفقير من الأصول أو الفروع أو الحواشي لا يعتبر الغنى على الدوام، مش شرط أن تكون غنيًا على الدوام، يكفي والله هذا اليوم أنا طلعت أكلي وأكل زوجتي وأكل رقيقي. الزائد عن أكلك وأكل زوجتك وأكل رقيقك هذا يوم، بدك تنفقه على من؟ على من يلزمك أن تنفق عليه من أقاربك أصولًا أو فروعًا أو حواشي إذا كان في واحد في يوم محتاج.
طيب، إذا تزاحمت الاحتياجات؟ نحن نقدم الأولى فالأولى زي ما ذكرنا في زكاة الفطر، فتنفق على ولدك ثم تنفق على أبيك وهكذا عند وجود تزاحم. والله أبي وابني فقراء؟ لا، ابنك مقدم، الآن زي زكاة الفطر إذا كنت تتذكروا لما قدمنا من يقدم، قدم في حالة أن الشخص ما عنده إلا صاع واحد، يعطيه لابنه ولا لأبيه، مش هناك وضعنا تراتبية معينة، هي نفس الفكرة هنا.
فأنت ابتداءً زوجتك مسؤول عنها لأنك تحبسها مقابل أنك تنفق عليها، فهي مقدمة على ابنك وأبيك. زوجتك ليش مقدمة على ابنك وأبيك؟ لأنك ماخذ بنت الناس وحابسها عندك بدك تطعميها، ورقيقك ما دام حضرتك مالكه بدك تطعمه، ما عندك مجال أنك تخليه على حال سبيله وترجع، وزوجتك ما بدك تنفق عليها خليها ترجع عند بيت والدها، فهذول الاثنين مقدمين، الزوجة والرقيق، لأنك حابسهم عندك. أما ابنك أنت مش حابسه عندك، هو فرض نفسه قدرِيًا عليك، خلص انتهى، يعني له مجال آخر، أنت أبوه بده يروح يدور لأب آخر. زوجتك بتقدر ترجع على بيت أهلها، والرقيق بتقدر تعتقه أو تبيعه أو يروح يشبر حاله، لكن ابنك أنت لا، أنت مرتبط به قدرًا انتهى، ووالدك أنت مرتبط به قدرًا، فلذلك ذكره بعد الزوجة وبعد الرقيق، فلذلك قال: «أن يكون واجدًا لقوت نفسه وزوجته ورقيقه»، هذول الثلاث هذا اليوم والليلة، فكل ما زاد عن ذلك بدك تروح تبحث إذا كان في أحد من فروعك أو أصولك أو حواشيك محتاج، والله لقوه اليوم والليلة بدك تعطيه ما فضل عنك، واضح مشايخنا؟
ثم قال: «لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة»، هذا ممكن نعتبره أي جزء من مفهوم الغنى مثلاً، أو نعتبره شرطًا رابعًا زي ما بدك؛ يعني القضية هذه بترجع لذوقك أنت في التصنيف. أن المال الفاضل -وأنا حقيقة أذهب إلى أنه جزء من موضوع الغنى- أن مفهوم الغنى الذي يلزمك أن تنفق بناءً عليه لا يدخل فيه ماذا؟ رأس المال الذي أنت تتاجر فيه، ولا ثمن ملك إذا أنت مالك سيارة أو بيت أو أثاث منزلي، ولا يدخل فيه آلة صنعة، يعني أنت حضرتك شاري مثلاً تراكتور للحراثة فرضًا.
فإذا كان مالك عبارة عن رأس مال أنا أستثمر فيه وعامل فيه مصلحة لعائلتي، والله شاري في سوبر ماركت بـ ٢٠ ألف، هذا رأس المال بجيب بضاعة وأقلب، هل أنا مسؤول أو مطلوب مني أن أستغني عن جزء من رأس المال حتى أروح أنفق على الحواشي أو الأصول؟ لا، هذا ليس من الغنى، اللي داخل عندك رأس مال هي صنعتي، بالتالي أنا ما أطالبك أن تبيع مصلحتك باختصار وتستغني عن محل الحدادة تاعك أو عن الشركة تاعتك وتبيعها من أجل أن تنفق على أقاربك الفقراء، فرأس المال الذي تدخل فيه تجارة ومشاريع غير مطلوب منك أن تدخله وتنفق منه على الأقارب.
أيضًا قالوا الأملاك الشخصية، أنا ربنا ما رزقني بيت، رزقني سيارة، اشتريت سيارة، عندي أدوات منزلية وأثاث، هل إذا كان أقاربي فقراء أنا ملزم أبيع سيارتي أو بيتي أو أثاث منزلي لأنفق عليهم؟ لا، هذا ليس داخلًا. كذلك آلة صنعة، أنا شاري آلة يعني نصنع فيها، زي مثلاً واحد شاري تراكتور وبيحرث عليه المزارع، رجل شاري سيارة أوبر معطيها لشخص يشتغل عليها، آلات الحدادة، آلات النجارة التي أنت بتقطع فيها الخشب، أو الحدادي الذي يحدد، آلات الصناعات، أيضًا هذه هي رزقتك، ما بتقدر أن تطالبني أن أبيعها وأستغني عنها من أجل أن أنفق على أقاربي، فهذه الثلاثة ليس داخل معنا في مفهوم الغنى، واضح؟
قال: «وتسقط بمضي زمن ما لم يفرضها حاكم أو يستدن بإذنه».
وهذه قلنا من الفوارق بين نفقة الأقارب والزوجات، أنه نفقة الزوجة هل تسقط بمضي الزمن؟ لا، تبقى في ذمتك نفقة زوجتك، بخلاف نفقة الأقارب؛ إذا أقاربك ما رفعوا قضية للمحكمة، أنت يلزمك تنفق على أبوك وأنت قصرت، أو يلزمك تنفق على أمك أو على أخيك وأنت قصرت. الآن هم ما رفعوا عليك ابتداءً قضية، رفعوا بعد سنة، خلال السنة الماضية قبل رفع القضية ما بحق لهم يطالبوا بأثر رجعي.
متى يستطيعون المطالبة بها بأثر رجعي؟ في حالة أنه فرضها الحاكم، في حالة أنه أبوك أو أخوك راح للمحكمة الشرعية وأثبت لهم أنه هذا الشاب لازم يصرف علي، من اللحظة اللي بيفرض فيها الحاكم بقول لك: «تعال يا شاب، أنت عليك والله بتصرف على أبوك مائة دينار شهريًا»، من اللحظة اللي يثبت فيها الحاكم مبلغ عليك، نعم، بتصبح تثبت في ذمتك في حال أنك ما دفعتها، ويطالبك الحاكم بإذن بأثر رجعي. إذًا وتسقط بمضي زمن ما لم يفرضها حاكم، واضح؟
الحالة الثانية اللي ممكن يثبت فيها أثر رجعي، أن يستدين الأقارب النفقة بإذنه، أي بإذن من؟ الحاكم؛ الضمير بأذنه، مش بترجع عليك أنت، بترجع على الحاكم أنه هو الحاكم ما فرض نفقة، بس راحوا على الحاكم واستدانوا بإذنه، أن يستدين الأقارب النفقة على من تجب عليه نفقتهم، إذن بإذن الحاكم فيلزم من وجبت عليه نفقتهم سداد ذلك الدين. بدنا نركز أنه أقاربك اللي لازم تنفق عليهم راحوا استدانوا بإذن الحاكم، بس استدانوا على اسمك، يعني حكوا: «نحن بدنا نستدين على اسم فلان»، مش استدانوا لمصلحتهم الشخصية على اسمهم الشخصي، لا، استدانوا على اسمك وعلى حسابك بس استأذنوا الحاكم، نعم، هنا تصبح أنت ملزمًا بهذا الدين بأثر رجعي.
قال: «وإن امتنع من وجبت عليه رجع عليه منفق بنية الرجوع».
هي ممكن نخليها حالة ثالثة أيضًا يمكن فيها الرجوع بأثر رجعي، وهي إذا أنت امتنعت أن تنفق على أقاربك. ممتاز، ما رفعوا القضية للمحكمة، فرضًا ما رفعوا القضية للمحكمة، لكن جاء شخص -جزاه الله خير من أهل الأخلاق والمروءات- فأنفق على هؤلاء الأقارب بنية الرجوع. شوف، لازم نية الرجوع، فأنفق عليهم بنية الرجوع، هل له أن يرجع عليك بأثر رجعي بكل ما أنفق عليهم؟ بكل ما أنفق عليهم مما يلزمك أنت أن تنفقهم؟ مش يكون هو مبعزهم زيادة ويرجع علي مسفرهم على عمرات وحجات، وقول الله علي لا، لازم يكون بالمقدار الذي يلزمنا أنا أدفعه أصلاً. فيقول: نعم، إن يمتنع من وجبت عليه النفقة عن النفقة على أقاربه، فينفق عليهم شخص أجنبي ناوياً الرجوع على من تلزمه النفقة، فيجب على الممتنع رد ما أنفقه ذلك الشخص.
إذًا نقول صحيح أن نفقة الأقارب تسقط بمضي الزمان، لكن هناك ثلاث أحوال استثنائية: الحالة الأولى إذا فرضها الحاكم، إذًا ثبتت. اثنان، إذا استدان أقاربي على اسمي بإذن الحاكم. ثالثًا، إذا في واحد محترم كان ينفق علينا لوجه الله، ومش لوجه الله، فأنفق بنية الرجوع. تمام، بس هو يعني محسن، أنه مش ملزم أن ينفق عليه، هو محسن جزاه الله خير، قال: «أنا بنفق عليكم بس أنا بدي أنو الرجوع»، فهل يستطيع أن يرجع؟ يرجع عن كل ما أنفقه؟ نعم طبعًا ضمن الحد الذي يلزمنا أن ندفعه ابتداءً.
طيب إخواني، أنتم تخافوا إذا في سؤال مش مفهوم ارفعوه بعيد، يعني حتى بكون زي الخايفين تسألوني، ماشي؟ يا رب أكمل.
قال: «وهي على كل بقدر إرثه وإن كان أب».
هي قاعدة، كم يلزمني أن أدفع في النفقة؟ يقول لك: «وهي على كل بقدر إرثه»، حتى في باب الأصول والفروع، هي على كل بقدر ماذا؟ إرثه. أعطيك مثال: شخص فقير عنده أم وعنده ابن، الأم ترث منه السدس إذا كان عنده أولاد، والابن سيأخذ الباقي، فالأم ستنفق عليه بقدر ما ترثه السدس، والأولاد ينفقون عليه بقدر ما يرثون الباقي، فهمت؟ هذا في باب الأصول والفروع.
نعم، إشكال، ما هو الإشكال؟ قد لا يكون يرث أصلًا. أحسنت، أحسنت، هنا الإشكال، إذا هي أصل المسألة أنها نعم تقدر بالإرث، لكن في حال كان الشخص ليس من ذوي الإرث، كيف سيقدر هذا القدر؟ هل الأصل أن يفرضها الحاكم ويفرض عليه بالعدل أقرب ما يمكن أن يحسب له لذلك؟ إذن ماذا يقول؟ «فإن وجد غير أب»، أما ما عدل، فيجب على جميع ورثة القريب الفقير أن ينفقوا عليه بقدر إرثهم منه، فلو كان الفقير إخوانًا، فعلى كل واحد منهم نصف النفقة لأن ذلك نصيب كل منهما بتركته، وكذا لو كانت أخت.
هنا لم يذكر مثالًا إلا في أمثلة الإخوة، خلينا ننظر إذا كان هنا يا رب ذكر مثالًا في موضوع الأصول والفروع يقرب الصورة. إذا كان الكشف... يا شيخ، إيش عندك؟ قال: «إذا لم يجد الغير ما يجب عليه إذا لم يكن من مبين نسبه»، هذا يتحدث عن الحواجب.
قال: «كمن له ابنان أحدهما موسر فينفرد بجميع النفقة»، وكذا جد موسر مع فقر أب، وجد موسر مع فقر أم، بعدم اشتراط الإرث في عمودي النسب، لأنه هو ينفرد حتى لو كان محدودًا، قد ينفرد. تقول لك أنت تتكلم عن حالة استثنائية، لكن في الحالة الطبيعية هناك أم وابن، وشخص في المنتصف، الأب فقير، من سيصرف عن هذا الأب؟ هذا الابن مسؤول عنه تمامًا، ينفق على أبوه، والأم مسؤولة تنفق أيضًا. هنا أنا أتذكر مثالًا ذكره أظنه في الروض، بس خلينا نأتي للمثال ربما يذكره.
طيب، فلو له جد وأخ، فقال مثلاً شخص فقير له جد وأخ، الجد أصول ولا مش أصول؟ أصول. فهنا ماذا قال؟ جد رجل فقير له جد وأخ، طبعًا لغير أم، يعني إما أخ شقيق أو أخ لأب، قال: «النفقة بينهما سواء»، أنا لازم أوصل لقاعدة حتى لو كان من الأصول، ليه؟ لأنه قال: «لأنهما يرثانه كذلك تعصيبًا»، الجد سيأخذ النصف على قواعد المذهب طبعًا، أن الجد يشترك مع الإخوة والأخ الشقيق يأخذ النصف.
طيب، مثال، مثلاً له أم وأم وأم أب، واحد فقير له جدة من جهة الأم، وله جدة من جهة أبوه، هو فقير وله جدة من جهة الأم وجدة من جهة الأب، هي أصول ولا لا؟ قال: «النفقة بينهما سواء»، لماذا؟ لأنهما يرثانه كذلك فرضًا.
تُقاس القضية على قضية الميراث؛ أنهما هكذا يرثانه. الآن، لما سي في باب المواريث: إذا أنت متَّ وفرضا من يرثك عندك أم وأب يشتركان في ماذا؟ يشتركان في السدس، فبالتالي يشتركان في كل النفقة. لذا هي القضية تُقاس على أنهما يشتريان لأنهم مشتركون فيما يأخذانه منك، فكذلك يشتركون في النفقة ويقتسمانها بالسوية.
قال: فالنفقة بينهما سواء؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا. انظروا ماذا قال: «وردا»، يعني في حال أنه ما في غيرهم سيرجع لهم كله، فسيكون: «ومن له أم وجد، ومن له أم وجد النفقة عليهما ثلاثا». ومن له أم وجد، النفقة عليهما ثلاثا، يعني المراد أن الأم تنفق الثلث والجد عليه الثلثان الباقيتان. لماذا؟ لأن أمك أنت الآن إذا ما عندك أولاد، الأم كم سترث منك؟ الثلث، والجد سيأخذ الباقي، وكم هو؟ الثلثان. فبالتالي لما يكون عليك نفقة في الحياة، أمك مسؤولة تنفق ثلث كفايتك، وجدك مسؤول يحقق لك الثلثين.
مثلا: «أو له ابن وبنت، النفقة عليهما ماذا؟»، ثلاثا؛ لأن الابن مثل حظ الأنثيين، فعليه هو سيأخذ ثلثي التركة والبنت ستأخذ الثلث، صح؟ إذا أنت متَّ وعندك بنت وولد، الابن سيأخذ سهمين والبنت ستأخذ سهما، فلما ينفقون في الحياة سينفقون بهذا المفهوم. هذا كله تفريع على قدر إرثهم منه.
قال: «فجد وأخ أو أم وأب بينهما سواء، وأم وجد أو ابن وبنت، فـنـفـق فلا تلزم أبا أم». قالوا: من له ورثة بعضهم موسر وبعضهم معسر، كأخوين؛ أنت فقير لك أخوان، أحدهما موسر والآخر معسر، هل تلزم نفقته موسرا منهما مع فقر الآخر؟ هذه بقدر إرثه فقط؛ لأنه إنما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر بلا زيادة، فلا يتحمل.
هذه مسألتك التي تقرأ عنها، هي المسألة التي يتكلم عنها الشيخ عدي، وهي قضية أنه إذا كان أحدهم فقيراً من ورثتك، وواحد موسر فيهم. في باب الحواشي، هذا الفرق بين عمود النسب والحواشي؛ أنني الآن إنسان فقير، في حولي مجموعة من الورثة، بعضهم من أصولي، وبعضهم من فروعي، وبعضهم من حواشي.
فرضا، ركزوا حتى نفهم المسألة التي تتحدث عنها: أنا رجل فقير، لو متروف، من ورثني؟ بعضهم من أصولي (أم)، وبعضهم من فروع، وبعضهم من الحواشي. الآن ماذا نقول وأنا على قيد الحياة؟ الكل مسؤول يلزم بالإنفاق عليَّ بقدر ماذا؟ بقدر إرثه مني.
طيب، إذا كان من ورثتي بعضهم ليس قادراً على الإنفاق عليَّ، هو أصلاً طفران يريد من ينفق عليه، وبعضهم قادر على الإنفاق؛ في باب الأصول والفروع لاحظوا ماذا يقول: «إذا كان...»، شوف هي المسألة، أنت الآن لك أخوان من باب الحواشي، وأخوك فقير وأخوك الثاني غني. أخوك الغني كم ملزم ينفق عليك؟ بقدر إرثه فقط، بقدر إرثه منك. طيب يا شيخ ما أعطاني كفايتي؟ هو يقول لك أنا مسؤول أنفق عليك، مثلا أنا وأخوي ورثة، أنا أرث نصف ميراثك وأخوي الثاني يرث نصف ميراثك، أنا فقط أنفق عليك بمقدار نصف حاجتك، أما أخوي الثاني، فإذا لم يكن قادراً على إكمال نصف حاجتي الثانية، فسامحني، أنا هذا الملزم فيه. هذا في باب الحواشي.
أما في باب الأصول والفروع ماذا يقول؟ قال: «ما لم يكن من عمودي النسب، فتلزم نفقة جدا لابن ابنه الفقير موسرا ولو كان مع أخ». يعني كما حكينا قبل قليل، أنا موجود جدي يرثني وأخي يرثني إذا مت، وأبي ليس موجوداً في اللعبة كلياتها، جدي وأخي. الآن أخي فقير، مش قادر ينفق عليَّ. نحن في المثال الذي ذكرناه، إذا قلت أنت يرثك جدك وأخوك، فأنت في حال الحياة من المسؤولين عن الإنفاق عنك؟ جدك وأخوك، الجد عليه النصف والأخ عليه النصف. طيب إذا طلع أخوك طفراناً وليس لديه قدرة على الإنفاق عليك، هل نقول الجد ينفق فقط بقدر ميراثه؟ لا؛ لأن عمود النسب يجب أن يكمل النفقة كاملة.
فهمتم الفكرة؟ هكذا هي الفكرة؛ قضية أن عمود النسب ينفق النفقة كاملة. نحن نأتي للشخص الفقير ونرى شبكة ورثته. هذه آلية مهمة يجب أن تضبطوها لأنكم ستسألون عنها كثيراً في الحياة؛ أنت لما يكون شخص فقيراً، نرى شبكة علاقاته، وهذا في حال عدم وجود الأب. إذا كان الأب موجوداً، انفرد بها؛ إذا كان الأب موسراً وقادراً على الإنفاق، هنا لا ننظر أبداً لشبكة المواريث. أما إذا كان الأب غير موجود أو معسراً، نعتبره أيضاً غير موجود، فننظر إلى شبكة من يرثك.
الآن بعد أن حددنا شبكة المواريث، لو متَّ، فلان وفلان، نقول يا جماعة شبكة المواريث سواء من أصولك أو فروعك أو حواشيك، الكل سينفق بمقدار إرثه، أنت سيطلع عليك بالتالي حسب مقدار إرثك. طيب، إذا طلع واحد منهم معسراً، غير قادر على الإنفاق، فماذا يلزم الباقين؟ تعالوا نرى: فلان هذا أمام القاضي معسر يقول لك أنا لست قادراً على الإنفاق، أنا بالكاد أنفق على نفسي، فهنا القاضي يرى الباقين؛ إذا كان الباقون من أصحاب الحواشي، لا يستطيع القاضي أن يلزمهم إلا بمقدار إرثهم فقط، وليس للقاضي أن يلزمهم بتحقيق الكفاية التامة لهم.
أما إذا كان الباقون من الأصول أو الفروع، فيستطيع القاضي أن يلزمهم بأن يكملوا له كفايته؛ لأن هذا أخوه طلع فقيراً لا يستطيع مشاركتكم، فأنتم كأصول أو كفروع، فكرة نفقتكم لا تقوم على قضية أنكم ترثون منه، بل أنتم كأصول وفروع قضيتكم هي عمود النسب، وبالتالي يجب أن تحققوا له الكفاية، وطبعاً سيلزمهم بزيادة معقولة على كل شخص.
تكون الزيادة على كل شخص، مثلاً فرضا أنه في أصول وفروع وحواشي، إذا تصورنا أنه شخص ورثته والحواشي مش قادرة تنفق عليه لفقرها، رح يرجع على مين اللي بده يحقق له الكفاية؟ الأصول والفروع، وبالتالي رح يزيد الحاكم بمقدار يتناسب مع كم الأصل يرث منه وكم الفرع يرث منه. رح تبقى قضية كم يرث منه هي المعادلة الرياضية التي سنحسب عليها؛ هل أخوه مش قادر ينفق عليّ، فهل تضعها كلها على رأس الجد إذا كان في فروع معينة تشارك في الموضوع؟ أكيد في معادلة رياضية يجب أن نحكم عليها.
الرد في حال أن أحد الحواشي مش قادر ينفق، هل أرجعها على أصوله أو أرجعها على فروعه؟ بدي أعرف كم سأزيد على كل شخص. كيف بدنا نشيلها؟ طيب، من هي الأصول؟ الأم والابن، أو مثلاً خلينا نقول أم وبنت وأخ. شخص له أم وبنت وأخ، هذه عائلته. البنت ستأخذ النصف، والأم السدس، والباقي سيذهب على الأخ، الذي هو العصبة، سيأخذ الباقي.
طيب، الأخ طلع طفران، من الذي سينفق الآن؟ الأم كان الأصل عليها أنها تغطي سدس النفقة لأنها ترث السدس، والبنت الأصل تغطي نصف نفقة أبيها لأنها ترث النصف، والأخ هو الذي سيغطي الباقي، وهو الثلث تقريباً. إذا طلع أخونا هذا عاجزاً عن الإنفاق على نفسه، فالثلث الذي يحتاجه الأخ سنقوم برده على أمه وابنته.
لكن أريد أن أرى ما هي المعادلة الرياضية؟ ليس من المنطق أن نلبس الثلث كله للأم بالتساوي، فالتساوي ليس من هذا في شيء، ولا يمكن معاملتها كالغريب؛ لماذا المناصفة؟ إذا حملت الأم أكثر مما تتحمل البنت، فأنت جرت على الأم بهذه الطريقة؛ لأنها ترث السدس وهي في الثلث، بينما البنت ترث النصف. عندما ترجع الثلث عليهما مناصفة، أنت تحمل الأم أكثر، وهذا يحتاج إلى نظر رياضي.
ففي طريقة أن نطلع النسبة بين السدس والنصف، ثم نأخذها على النصف، فيصبح للأم ثلث وللبنت ثلثان. أنا أقصد أن يُنظر إلى الفرق بين نسبة الأم من الميراث ونسبة البنت من الميراث، وبناءً عليها نحكم كم الأم ستتحمل من المبلغ المردود وكم البنت ستتحمل، لابد أن يكون هناك معادلة رياضية حتى لا أجحف في حق الأم.
إذا فهمنا المسألة الآن، فخلوها مطروحة؛ فهمنا كيف توزع الأمور في النفقات، لأن هذه مسألة ستُسأل عنها في حياتكم اليومية، وهي مسألة كثير ما يُسأل عنها. ولاحظوا هنا قضية عند الحنابلة، وهي أن موضوع النفقات ليس متعلقاً بأنك ذكر أو أنثى. إذا كنتِ أنثى، فأنتِ مسؤولة عن النفقة إذا كان عندك مال، أو إذا كان عندك مهنة تليق بك كأنثى وتستطيعين أن تجني بها المال لتنفقي على نفسك وعلى أبيك الفقير.
الأصل أن تعملي إذا كانت الأنثى تملك مهنة كالتطريز والحياكة والأمور المنزلية التي لا تتعارض مع أنوثتها وتستطيع بها تغطية حوائج من تلزمهم بالنفقة. بعض الناس يحسب أن النفقة فقط على الشباب، فمثلاً إذا صار عمر الأب ثمانين سنة، ولديه أبناء ذكور وبنات، تقول البنت: "أنا ليس لي دخل، سأعمل في البرمجة أو في أي صنعة، ولكن ليس عليّ نفقة، النفقة على إخواني الذكور". هذا غير صحيح؛ فلا فرق بين الذكر والأنثى ما دمتِ من عمود النسب، فتنفقين بالطريقة التي قلناها.
وإذا كنتِ من الحواشي، فإذا كنتِ وارثة من أخيك، كأن يكون الأخ فقيراً وأخته معها مال، لا تقول: "ليس لي دخل في النفقة عليك"، بل إذا كنتِ ترثينه فإنه عند موته يجب أن تنفقي عليه بقدر إرثك. نحن لا نلزمك بصفتك حاشية إلا بقدر الإرث، وإذا لم تحصل الكفاية فأنتِ لستِ مسؤولة، جزاكِ الله خيراً. أما إذا كنتِ أصولاً أو فروعاً، فلا سامحنا، يجب أن تنفقي وتحققي له الكفاية.
لقد رأيتم التدرج المنطقي عند الحنابلة؛ إذا كان الأب فقيراً، ننتقل لشبكة المواريث. دعونا نرى من يرثه من أصول وفروع وحواشي، لنبدأ بعمل معادلة الميراث. إذا كان له أصول وفروع يرثونه، نقسم الميراث بينهم، ثم إذا كان أحد الأصول غير قادر على الإنفاق، فالثاني القادر هو الذي يشيلها. نحن ماشون خطوة بعد خطوة؛ ففي باب الأصول والفروع القادر يشيل عن غير القادر، لكن في باب الحواشي...
القادر ما بيشيل عن الم قادر، كل واحد ينفق على قدر إرثه، وضحت ورسخت الفكرة إن شاء الله. في ماذا؟ أصول الفروع الذين لا يرثون، الذين ماذا؟ لا يرثون.
صحيح، هذه هي المسألة التي ربما تكلمنا عنها هنا، كنت أحب أن أنظر إذا في أحد تكلم عنها هنا، ونقدر من يحجبهم كأنه موجود، والباقي على الجد. هذه مسألة أظن من المسائل التي تستحق البحث حقيقة.
هنا ذكر مثال بالتق: أم فقيرة وجد موسرة، قال: فنفقتها على الجد مع كونها محجوبة. أيش قال؟ أكمل المثال، قال: أم فقيرة وجد موسرة فنفقت على الجد بيساره، ولا يمنع ذلك حجبها، حتى لو كانت محجوبة عادي.
خلص، اشتراط الميراث في عمودين النس واضح، مشكلتنا إذا هي الفكرة التي تسأل عنها: أين تؤثر؟ أنه يكون جده غير وارث مع وجود شخص وارث، كيف تُحسب القضية؟ مثلاً أبو الأم وله بنت، وأبو الأم هل هو من الورثة أصلاً؟ يعني ليس له دخل بالحجب، هو ليس من الورثة، بس بده ينفق. فهمتم شو الإشكال هنا؟ هي المسألة التي تتحدث عنها؛ أنه شخص له بنت وأبو أم، البنت معروف ميراثها النصف، طب أبو الأم؟ هذا لا يرث أصلاً، طيب كيف بدي أقدر أنا أنه يريد أن يشارك في الميراث؟ بماذا سأوزع عليه؟ هل هناك معادلة رياضية أوزع فيها عليه الأمور؟
هذا مثال أبو الأم، وممكن مثلاً تلاحظ ابن البنت أو بنت البنت، هذا غير وارث، ففي حال وجد في المسألة كيف بدك تقسم؟ يعني ما الجزء الذي ستحمله وهو أصلاً ليس وارثاً؟ هذه خليها مسألة بحثية حتى لا نطيل فيها، هي فعلاً مسألة دقيقة وليس من السهل أن تجدها حتى في المنتهى والاقناع، هذه بدها نظر في الحواشي.
إذا كان شخص نصها على الطريقة الرياضية، كم سيتحمل هؤلاء الذين هم ليسوا وارثين أصلاً؟ المحجوب ممكن تعامله كأنه غير محجوب وتعرف أصلاً كم سيأخذ، لكن الغير الذي لا يرث أصلاً، هل سأقرّبه إلى أقرب من يوازيه؟ يعني هل سأعامل مثلاً -وهذه إحدى الحلول- أن أقول هو في حكم ماذا؟ ابن البنت في حكم ابن الابن من حيث ما يمكن، والله أعلم، أبو الأم من جهة الأم، وعامله معاملة الأب من جهة الأب من حيث كم، لكن ممكن تجد بعض الصدمات أو بعض الإشكالات التي تحتاج إلى حدود رياضية.
أكمل، قال: «وتجب عليه لرقيقة ولو أبقت أو نشزت». الآن سينتقل لنفقة الرقيق، قال: «ويجب عليك أن تنفق على عبدك وإن كان العبد أبق أو ناجزاً». نحن قلنا هذه قضية أبو الأم، إن كان الأب انفردا بها قلنا إنه إذا وجد إخوانه وكان قادراً على أن ينفق انتهى، ليس هناك توزيع شبكة المواريث، يستلمها كاملة. شبكة المواريث تستحضرها في حال عدم وجود الأب؛ إما أنه مفقود أصلاً، أو هو موجود لكنه معسر غير قادر على الإنفاق.
ثم قال: «ويجب عليه لرقيقة ولو كان أبقاً أو ناشزاً»، قال: «بخلاف».. لاحظ أنه هنا بخلاف الزوجة؛ الزوجة إذا نشزت تسقط نفقتها، أما الرقيق فيبقى وجوب النفقة عليه حتى ولو كان هارب منك أو ناشزاً عنك، يعني يعصيك، أو كانت مثلاً الأمة رفضت أن تطأها؛ يا أيها السيد، ما هي من نشوز الأمة أن تمنع سيدها من وطئها.
لماذا، برأيكم فقهياً، فرقوا بين العبد والزوجة؟ لماذا الزوجة إذا نشزت تسقط نفقتها، لكن الرقيق حتى لو نشز أو أبق لا تسقط نفقته؟ العبد لا يملك أصلاً، الزوجة ممكن.. أحسنت، العبد ما عنده أصلاً حل آخر غير أنه هو لا يملك شيئاً، بخلاف الزوجة، الزوجة تستطيع أن تتملك، لها قدرة أنها تعيش، ولها أقارب مسؤولون عنها ينفقون عليها في حال أنك لم تنفق وأصبحت هي فقيرة بسبب عدم نفقتك، وتريد أن تأكل وتشرب. أنا ممتنع لأنك تقول هي ناشز، بس في النهاية ترجع إذا كانت فقيرة لشبكة علاقاتها من جهة أبيها وأمها وإخوانها فرضاً.
تخيلوا هكذا المسألة: امرأة نشزت نشوزاً كبيراً وأصبحت محتاجة للنفقة، زوجها مسؤول ينفق عليها؟ لا، يقول لها: ارفعي النشوز لأرجع أنفق عليك، هي ركبت رأسها تريد أن تظل ناشزاً، فالزوج يقول أنا شرعاً لست مسؤولاً عن الإنفاق لأنك ناشزة، طب من سينفق عليها في حال فقرها الآن؟ ترجع لأهلها. طب العبد ناشز أو الأمة ناشز، من سينفق عليها في حال نشوزها؟ لا يوجد أحد. فلذلك قلنا لا، حتى لو نشز أو أبق أنت تظل مسؤولاً تنفق عنه.
طيب شيخ أنا ماذا استفدت؟ أقول له: بالله بدك ترفع النفقة؟ يا تبيع يا تعتق، وأنت هكذا ارتفعت النفقة عنك. لك حلول لكي تخلص منه؛ إما أن تعتقه وبالتالي تصبح غير مسؤول عنه وتنتقل مسؤوليته -في حال عجزه عن الكسب وليس له أهل في البلد- إلى بيت مال المسلمين، هو يدبر حاله معه، أو أن تبيعه لشخص آخر، هذا العبد أو هذه الأمة، ويصبح ذلك الشخص الآخر هو المسؤول أن ينفق عليه، هكذا هي الحلول.
قال: «ولا يكلفهم مشقة»، «ويريحه وقت قائله»، «ونوم وصلاة فرض». هذه آداب عامة في التعامل مع العبيد، أن العبد في النهاية إنسان وكائن بشري، فلا يجوز أن تحمله فوق طاقته. وقال: «ويريحه وقت قائله»، لأنه أيضاً إنسان له حق الإنسانية، لما يأتي وقت القيلولة، ووقت القيلولة الأصل فيه أنه قبل الظهر، قبل الزوال، هذا وقت القيلولة أصلاً في الإسلام وفي الفقه.
«ويريحه وقت قائله ووقت نوم»، وهذه قضية وقت النوم، أن بعض الناس قد يحمل العبد فوق طاقته أو حتى الأجير فوق طاقته، لا، في النهاية هناك أوقات نوم معروفة للناس، هذه أوقات النوم المعقولة عرفاً، لا يجوز حتى لو كان عبدك أن تعتدي عليه في حقه، وهذا يسمونه عند "التعسف في استعمال الحق"، وهي نظرية مهمة جداً جداً أن يفهمها طالب العلم قبل أن يفتي، أن بعض الناس يظن أنه بما أن له حق، فمعناه يعمل كما يريد، لا، حتى نظرية الحق في الإسلام لها إطار معقول، فإذا استعملت حقك في إطار غير معقول يسبب...
إضرار بالآخرين، حتى ولو لم ينص فقهياً على هذا في المتون. من يقول: "أنا هذا عبدي، وأنا حقي استعمله وقت ما أريد ليلاً ونهاراً"، نقول له: أنت فاهم موضوع الحق خطأ. الحق نعم هو عبدك وأنت تملكه ولك أن تفعل وتطلب منه، لكن هذا الحق يبقى ضمن إطار المعقول بحيث لا توقع أضراراً على نفس بشرية.
فما يصير تحملها ما يشقها، وما يصير أمنعها من النوم بحجة: "والله هذا حقي وأنا مالكه". ما يصير أمنعها من صلاة الفرض لأنها مسؤولة أمام الله عن مسؤولياتها، وما يصير أمنعها من صوم رمضان. هذه قضية مهمة، حتى في قضية القوامة على الزوجة؛ قضية الحق. لاحظوا كيف أطار الحنابلة أنه نعم حقك في الاستمتاع، بس بشرط ألا تضرها، ألا تمرضها، ألا تؤدي إلى منعها من فرائض الله. ما في شيء اسمه الحق المطلق، هذه القضية غير موجودة، أي حق حتى ولو لم ينص فقهياً على إطاره محكوم بماذا؟ هو محكوم بما هو العرف في تناوله، بما هو متعارف في طريقة التعاطي معه.
قال: وعليه علف بهائمه وسقيها، وإن عجز أجبر على بيع أو إيجار أو ذبح مأكول. البهائم كائنات حية، بالتالي من ملك بهيمة يجب وجوباً -مش أنه استحباب أو تفضل- أن ينفق عليها علفاً وسقيا. فإذا لم ينفق عليها علفاً وسقيا حتى ماتت، لا يقل: "والله هذا حيوان مش مشكلة"، أنت مسؤول أمام الله. عذبت امرأة هرة، سجنتها حتى ماتت.
قال: وإن عجز، أجبر على بيع أو إيجار أو ذبح مأكول. إذا كان الحيوان الذي عندك مما يؤكل لحمه وعجزت أن تنفق عليه، فأنت بين ثلاث خيارات: بين بيع، أو بتأجره لأنه يصير المستأجر هو المسؤول ينفق عليه، أو تذبحه وتأكله. هذه هي الخيارات الثلاث.
قال: وحرم تحميلها مشقة، ولعنها، وحلبها ما يضر بولدها، وضرب وجه، ووسم فيه، ويجوز في غيره لغرض صحيح. نفس الشيء، وحرم تحميلها مشقة لأنها بهيمتك، بالتالي "أنا حر ما الذي أفعله فيها"؛ هذا ليس صحيحاً. يحرم أن تحمل البهيمة ما يشقها، ويحرم لعنها، انظر إلى آداب الإسلام، ما يصير تلعن البهيمة. ويحرم حلبها ما يضر بولدها؛ أنت البهيمة التي عندك تستفيد من لبنها، بس لا تترك في ضرعها ما لا يرضع به ولدها.
وحرم ضرب وجه، حتى لو أزعجتك الحصان أو ما شابه، ما يصير تضربه على وجهه. وحرم أيضاً وسم فيه؛ والوسم قديماً كانوا يفعلونه، يضعون علامة بالنار، يضعون علامة بالنار كي فيها نوع من الكي في الوجه، قالوا: ويحرم وسم فيه؛ لأنه هذا قالوا نوع من المثلة.
قال: ويجوز في غيره لغرض صحيح. ويجوز أن تسمه في غير الوجه، في ظهره أو في بطنه إن كان لغرض صحيح؛ كتمييز بهائمك عن بهائم شريكك. وقديماً كانوا يحتاجونه لتمييز بهائم الصدقة عن بهائم الجزية، عن بهائم كذا في بيت مال المسلمين وهكذا.
نصلي إن شاء الله، ثم نعود إلى باب الحضانة، وهو آخر باب في كتاب النكاح، أسأل الله التيسير والسداد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل