دخولتسجيل الدخول

الحلقة 26

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا نتكلم فيها عن القناعة، وعن علامة من علامات القناعة، وهي عدم الحسد. صاحب القناعة لا يكون حاسداً أبداً؛ لأن تعريف القناعة كما تقدم الرضا بما قسم الله للعبد من الرزق، والحاسد في الحقيقة غير راضٍ بما قسم الله، فهو غير راضٍ بقسمة الله بين العباد.

ولذلك العلماء يعرفون الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن صاحبها؛ الحاسد يتمنى أن تزول النعمة عن المنعم عليه، سواء كانت هذه النعمة نعمة دين أو نعمة دنيا. بخلاف الغبطة، هناك شيء يسمى الغبطة، والغبطة معناها تمني مثل ما للمنعم عليه، فالغابط لا يتمنى زوال النعمة عن المنعم عليه، والحاسد يتمنى زوالها.

وفي الغبطة يقول الله تبارك وتعالى في الحسد: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32]. لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، أي من النعم، عين النعمة لا تتمنوها؛ لأن تمني عين النعمة هو الحسد، ومقتضاه تمني زوال النعمة من ذلك الغير. ثم أرشد الله سبحانه وتعالى عباده إلى ما ينبغي أن يفعلوه أو ما ينبغي أن يتمنوه، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾، أي اسألوا النعمة من عند الله، تمنوا مثل تلك النعمة التي على المنعم عليه ولا تتمنوا عينها، وهذا هو تعريف الغبطة؛ الأول لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض هذا الحسد المنهي عنه، واسألوا الله من فضله هذا الغبطة التي لا بأس بها.

والغبطة يقول العلماء أنها سبب للمنافسة، وسبب للتسابق في الخير، ولذلك قيل: المؤمن يغبط والمنافق يحسد. المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد. فالمؤمن يتمنى مثل ما للغير ولا يتمنى عينه. ولذلك وردت الغبطة والمنافسة على سبيل المدح في القرآن العظيم في آيات، وهكذا في السنة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي -وقال الترمذي حديث حسن صحيح-: «الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء»، فالنبي والشهداء يغبطون على هذه المكانة ويتمنون مثلها ولا يتمنون زوالها.

ولكن الحسد أيضاً قد يطلق ويراد به الغبطة، أحياناً يقول الإنسان هذا يحسد، فلان هذا الشيء يُحسد عليه، يقصد يُغبط عليه، لا الحسد المذموم الذي هو تمني زوال النعمة. ومن هذا القبيل جاء الحديث الذي في الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين»، أي لا غبطة ولا تنافس إلا في اثنتين: «رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق»، وهذا الكريم، «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها»، هذان الأمران هو الذي يُحسد عليه بمعنى الغبطة.

والحسد خلق ذميم من الأخلاق الذميمة، والذنوب العظيمة التي تأكل الحسنات، كما جاء في الحديث أن الحسد من الذنوب التي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والله سبحانه وتعالى حذر منه، بل أنزل سورة للتعوذ من أشياء كثيرة من ضمنها الحسد، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5]. فالله أمرنا بالتعوذ من الحاسد إذا حسد، أي استعمل ذلك الحسد الذي في نفسه وفعله، إما بلسانه أو بيده، أو عمل بمقتضاه.

والحاسد هناك علامة على الحاسد، وهو أنه إذا حضر يمدح ويتملق، وإذا غاب اغتاب، وإذا حصلت المصيبة شمت بها، يشمت بالمصيبة إذا نزلت. ولذلك يقول بعض السلف: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض. فالذنب الذي عُصي الله به في السماء هو ذنب إبليس، إبليس حسد آدم، والذنب الذي عُصي الله به في الأرض هو ذنب قابيل الذي قتل هابيل.

قصتهم مشهورة، وهي أن الله سبحانه وتعالى كان في بداية الخلق يولد لآدم التوأمان، ولد وبنت، ومن البطن الآخر ولد وبنت، وكان مقتضى هذه الولادة أن المشروع في ذلك الوقت أن الولد من بطن يتزوج البنت من بطن آخر. فجاءت البنت مع أخيها من بطن وهو قابيل جميلة، واخت هابيل التي في بطنه في نفس الولادة فيها شيء من الدمامة، فقابيل حسد أو أراد أن يستأثر بأخته، وقال هذه أختي، أختي ولدت معي، ثم اختصموا. فقدم قرباناً إلى رب العالمين، فهابيل -أحد الولدين- جاء بكبش وكان صاحب غنم، والآخر جاء بعشب أو حشيش، هذا الذي جاء بالكبش جاء بأحسن غنمه، وهذا الذي جاء بالحشيش جاء بأسوأ ما عنده، فقبل الله قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل، فحسده عند ذلك.

كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 27-28]. فهذا الحسد أغراه أن يقتل أخاه، فقتل أخاه. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في مسند أحمد وسنن أبي داوود في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، أو قال العشب. وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». والشاهد لا تحاسدوا.

والحسد من سوءه أنه يضر صاحبه، بل ربما ينتهي بصاحبه إلى تلف نفسه مع أنه لا ينكأ عدواً ولا يضر المحسود. ولذلك قيل: ما رؤي ظالم أشبه بمظلوم من حاسد؛ نفس دائم، وعقل هائم، وحزن لازم. فهو ظالم لأنه يحسد غيره، ومظلوم في صورة مظلوم لأن هناك نفساً دائماً وحزناً وغمّاً، نسأل الله العافية والسلامة.

ولذلك روي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لأحد أبنائه: يا بني إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك، يتبين فيك مضرته قبل أن يتبين في عدوك. ولذلك قيل: ليس من خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. والشاعر يقول: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

ويقال ليس شيء من الشر أضر على الإنسان من الحسد؛ لأنه يصل إلى الحاسد بهذا الحسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود شيء من المضرة أو شيء من المكروه: أول هذه العقوبات غم لا ينقطع، والثاني مصيبة لا يؤجر عليها، والثالث مذمة لا يحمد عليها -الناس يذمون الحاسد-، والرابع سخط من الرب سبحانه وتعالى، والخامس أنه تغلق عليه أبواب التوفيق لا يوفق. ويقول بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك، أنت مسرور وهو مغموم، وهذا يكفي في مضرته.

ولذلك يقال إن رجلاً كان يغشى ملكاً من الملوك فيقوم بحذائه ويقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء ستكفيك إساءته. فحسده رجل من الناس الحاضرين على هذا المقام بجانب الملك، فسعى به إلى الملك وقال فيه كلاماً، قال: إن هذا الرجل يقوم بحذائك ويقول ما يقول ويزعم أن الملك أبخر -بمعنى أن رائحة فمه ليست بطيبة أو سيئة-. فقال الملك: وكيف يصح أن أعرف ذلك؟ قال: تدعوه إليك وتقربه منك، فإذا قال ما قال تقول أدن، فإن وضع يده على فمه فهذا يدل على أنه قال إن الملك أبخر.

ثم هذا الرجل استضاف هذا الرجل الذي كان يقوم بجانب الملك وأطعمه ثوماً، ثم لما جاء إلى الملك وقام في مقامه قال له الملك: ادن مني، فوضع يده على أنفه. فكتب الملك كتاباً وقال: خذ هذا الكتاب واذهب إلى الوالي الفلاني -وهو تابع للملك-، فخرج الرجل بالكتاب فوجد الرجل الذي اغتابه وحسده، فقال إلى أين؟ قال بكتاب كتبه الملك بيده وأظنه هدية أو جائزة، فقال أعطني إياه وأنا محتاج إليه، فأعطاه إياه، وهذا من كرم هذا الرجل. فذهب ذلك الرجل الحاسد بهذا الكتاب إلى الوالي، وكان في الكتاب: إذا جاءك هذا الرجل بكتابي فاقتله، ولا تتلكأ في قتله، ولا تسمع منه شيئاً. فلما فتح فإذا الكتاب فيه القتل، فذكر ذلك، فقال الرجل الحاسد: هذا الكتاب ليس لي وإنما هو لفلان، قال الملك: أمرنا بالقتل ولا نرجع فيه. فقتله، ثم جاء الخبر، جاء هذا الرجل الذي يقف في جانب الملك ووقف كما وقف، فقال: ألم تذهب بالكتاب؟ قال: إنما صادفني فلان فأعطيته الكتاب، فقال إن فيه القتل، ثم سار بين الحاكم وبين هذا الذي يقف بجانبه الكلام، وقال: لما وضعت يدك على أنفك حين قلت لك أدن مني على فمك؟ قال: لأن هذا الرجل أطعمنا ثوماً فخشيت أن تجده مني. فالشاهد من الكلام أن هذا الرجل الحاسد قد كفى الله المحسود بحسده، فصارت الإساءة عليه. والحسود معترض على ربه في عطائه وقدره، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]. الحسد سوءه كثير جداً والكلام فيه يطول، ولكننا نقف إن شاء الله ثم نكمل بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا عن الحسد ومضرته وسوءه، والكلام فيه يطول كما ذكرت قبل الفاصل، ولكن هناك أشياء لا بد من الوقوف عليها، ومن هذه الأشياء أسباب الحسد، التي تبعث على الحسد. يقول العلماء: من أسباب الحسد العداوة والبغض، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. هم يعلمون الحق ومع ذلك يودون أن ترجعوا كفاراً، وهم من أهل الكتاب، والمقصود بهؤلاء هم اليهود، كما قال تبارك وتعالى في الآية الأخرى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].

والعداوة والبغضاء من أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص أو خالفه أبغضه قلبه ورسخ في نفسه الحقد عليه. والحقد يحمل على الانتقام، فإذا عجز عن الانتقام بنفسه أحب أن يقع على هذا المحسود الانتقام من غيره، فإذا أصابت عدوه بلية من البلايا فرح بها، وإذا أصابته نعمة ساءته وحزن لها. فالحسد يلزم البغضاء ويلزم العداوة ولا يفارقها، وإنما غاية التقى ألا يبغي الإنسان، وأن يكره ذلك من نفسه؛ أحياناً يكون الإنسان معادياً لإنسان، لكن التقوى تمنعه من أن يقع فيه، تمنعه من أن يبغي عليه.

وهذا كونه يستاء بمسرتك هذا أمر قد يكون الإنسان مجبولاً عليه، يعسر أن الإنسان يتخلص منه، لكن على الإنسان ألا يعمل بمقتضى الحسد، أي ألا يفعل شيئاً بلسانه ولا بيده. ولذلك الله سبحانه وتعالى حفظ زينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي كانت سمية عائشة، لما اتهمت عائشة بحادثة الإفك، تكلمت حمنة بنت جحش وهي أخت زينب بنت جحش -وزينب هي زوجة النبي الأخرى-، فحمت أختها وأخذت تنافح عن أختها وتسب عائشة وتتكلم فيها، وأما أختها زينب فحفظها الله، مع أنها تعتبر الحسد يقال له مرض الضرائر، الضرائر بعضهم يحسد بعضاً، ومع ذلك زينب لم تتلفظ بأي شيء ولم تقل في عائشة أي شيء، بل قالت لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم: أحمي سمعي وبصري، لا أعلم إلا خيراً. فالورع والتقوى منعها من أن تتكلم بشيء.

ومن أسباب الحسد الكبر والعزة، بأن يرى الإنسان نفسه نديداً لشخص من الأشخاص، أو يرى أنه أعلى منه مكانة، فإذا نال ذلك الشخص نعمة أو نال شيئاً حسده عليها؛ لأنه لا يطيق أن يكون هذا الرجل أعلى منه منزلة، أو يكون في مصافه إذا كان في قبل ذلك أدنى منه منزلة، فالعزة والكبر تثير فيه الحسد. ومن أسباب الحسد أيضاً قلنا العداوة والبغضاء، وقلنا العزة، هناك حب الرئاسة، أحياناً الحاسد يكون حسده بسبب حبه للرئاسة، يريد أن، أو حبه للمنافسة أو السبق.

لغيره، فحبه للرئاسة يجعله يحسد غيره. وهذا يقع كثيرًا، خصوصًا عند أهل المناصب، فيقع من حاشية الحاكم أو الملك أن يتحاسدوا على حب الرئاسة والتقدم عند ذلك الحاكم. وهكذا أهل المناصب كالوزراء والمدراء، تجد من هم تحتهم يتنافسون ويحسد بعضهم بعضًا، وقد يتكلم بعضهم في بعض. ولذلك أهل هذه المناصب ينبغي عليهم أن يحترزوا من كلام الناس بعضهم في بعض.

وهكذا حتى العلماء، فالعالم قد يتكلم في العالم حسدًا؛ لأنه يراه سميًا له وهو يريد أن يتقدمه في العلم وأن يكون مقدمًا عليه. ولذلك الحافظ الذهبي يذكر أشياء وقعت بين العلماء، مثلًا فلان تكلم في فلان، وفلان تكلم في فلان، فيقول الذهبي -رحمه الله-: كلام الأقران يطوى ولا يروى، ولا يؤثر كلام بعضهم في بعض. فحب الرئاسة أحيانًا يكون سببًا للحسد.

والمغيرة بن شعبة يقول: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله ﷺ أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، فلقينا النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لأبي جهل: «يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله». فقال أبو الحكم: أتريد أن أشهد أنك قد بلغت؟ اللهم إني أشهد بذلك. ثم لما ذهب قال أبو جهل: إني لأعلم أنه نبي. قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: إذا قالت بنو هاشم أو بنو قصي فينا الندوة وفينا الحجابة وفينا السقاية، يعني عندنا شيء نفاخر به، إذا قالوا عندنا الإطعام أطعمنا، فنحن نطعم أيضًا، لكن إذا قالوا منا نبي فمن أين نأتي بالنبي؟ فكان سبب كفره أنه يريد الرئاسة، لا يريد أن النبي ورهطه يرأسون عليه.

إذاً من أسباب الحسد: العداوة، الكبر، العزة، وحب الرئاسة. وكثيرًا ما يحدث الحسد بسبب حب الرئاسة وبسبب الكبر، يعني هذين السببين يحصل الحسد بهما بين الأقارب، وهذا من العجائب. ولذلك قيل: تباعدوا في الديار تتقاربوا في المودة، وقيل في ذوي القرابات: تزاوروا ولا تجاوروا. طبعًا هذا فيه مبالغة مما يحصل بين القرابات، وإلا فمن القرابات من يتجاور ويتزاورون ولا يحدث بينهم حسد، وهذا بحسب قوة الدين والإيمان. ولذلك على كلام من يقولون في الأقارب تزاوروا ولا تجاوروا، يقولون نجد أن أزهد الناس في أهل الفضل وفي أهل العلم أقاربهم، وذلك بسبب حسدهم لهم؛ فالعالم أزهد الناس فيه قومه. ولذلك يقول يحيى بن سعيد: من أراد أن يبين عمله ويظهر علمه فليجلس في غير مجلس رهطه.

ويقول رجل لخالد بن صفوان: إني أحبك. قال: وما يمنعك من حبي ولست لي بجار ولا أخ ولا ابن عم؟ لأن الجار والأخ وابن العم يحصل بينهم حسد؛ الجار لجاره، وابن العم لابن عمه، والأخ لأخيه. وأما هذا الذي قال أنا أحبك، قال: ما يمنعك من حبي ولست بجار ولا ابن عم ولا بأخ.

ويقال إن أمير المؤمنين أبا العباس في عهد بني العباس خرج متنزهًا في الأنبار، فذهب في نزهته وابتعد من أصحابه، فلقي خيمة لأعرابي. فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ فقال أبو العباس: من كنانة. قال: ومن أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة؛ لأن في الغالب أن قوم الرجل يبغضون المترأس فيهم ويحسدونه. قال: من أبغض كنانة إلى كنانة؟ قال: فأنت من قريش؟ قال: نعم. قال: فمن أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش. قال: فأنت إذاً من ولد عبد المطلب؛ لأنه أكثر من يحسد. قال: نعم. قال: فمن أي ولد عبد المطلب أنت؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب. قال: فأنت أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين. قالوا فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وأمر له بجائزة.

ومن أسباب الحسد أيضًا الشح؛ شح النفس، وذلك أن يكون الحاسد شحيحًا بالفضائل، بخيلًا بالنعم على عباد الله، فإذا وصف عنده أحد بخير أو بنعمة شق ذلك عليه وساءه وتمنى زوالها. والذي يزيد في كمده وهمه أن النعم ليست من عنده، لا يستطيع أن يدفعها عن المحسود، بل هي مواهب من رب العالمين سبحانه وتعالى يمنحها متى شاء وكيف شاء. ولو كان أمر هذه النعم إلى هذا الحاسد لمنعها، فتجده يتسخط على ربه -نسأل الله العافية والسلامة- لأنه كأنه يتسخط على قدر الله وقسمة الله، ويحسد العباد على ما منحهم الله به من النعم. وقد تكون هذه النعم عنده أكثر ولكنه مع ذلك يحسد الناس، وهذا من أخبت أنواع الأسباب التي تحمل الإنسان على الحسد وهي الشح. فإذا وصف له اضطراب حال الناس وما يحصل لهم من المشاكل يفرح، وإذا وصف له النعم على الناس والخير على الناس تجده يحزن؛ يريد أن الناس يكونون في أسوأ حال. وهذا كما ذكرت من أشد وأخبت أنواع الحسد، وهو للأسف كثير في الناس. ولذلك صاحبه لا تجد له راحة ولا تجد لرضاه غاية، لا يرضى إلا بزوال النعمة، ولا يرتاح إلا بزوال النعمة، نسأل الله العافية والسلامة.

فإذا نظر الإنسان إلى هذه الأسباب، لا شك أن كل واحد منا سيكون فيه شيء من الحسد، لكن المحظوظ من كتم هذا الحسد وعمل بضده. فإذا حسد إنسان على نعمة، فليدع الله أن يثبتها عنده، وإذا حسده على فضيلة وعلى مدحة، فلا يذمه بل يمدحه كما يمدحه الناس. فبعمله بضد مقتضى حسده يجعله بريئًا من الحسد بإذن الله. ومن الناس من يكون الحسد فيه متأصلًا ولكنه يكره ذلك الحسد حتى يمقت نفسه، فهذا الذي يمقت نفسه على حسده هو بإذن الله بريء من الحسد، والله يعفو عنه والله يغفر له بإذنه سبحانه وتعالى.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].