﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن خلق من الأخلاق العظيمة، وهو خلق التواضع.
هذا الخلق أمر الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]. الله يقول للنبي: اخفض جناحك، وأهل العلم يذكرون معنى خفض الجناح أن أصله من الطائر؛ فالطائر إذا أراد أن ينحط خفض جناحه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل الله سبحانه وتعالى خفض الجناح عند الانحطاط مثلاً للتواضع ومثلاً للين الجانب.
والله سبحانه وتعالى مدح المتصفين بالتواضع فقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. «أذلة» هنا كما يقول أهل العلم جمع ذليل، وليس المراد بكونهم أذلة هنا أنهم مهانون أو أن هناك الذلة المقصود منها الضعة، بل المقصود هنا المبالغة في وصفهم بالتواضع ولين الجانب؛ فإن من كان ذليلاً عند إنسان لا يمكن أن يظهر منه شيء من التكبر أو الترفع. فلفظة «أذلة» هناك شيء مضمن فيها، ليس معناها كما هي في الاصطلاح، هناك مضمن فيها معنى الشفقة، ولذلك عديت بـ «على»: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل تبارك وتعالى «أذلة عند المؤمنين»، فهناك مضمن فيها معنى الشفقة. ويدل على هذا أن الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين في آية أخرى بأنهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، فـ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه شفقاء على المؤمنين، ومعناه أنهم متواضعون لهؤلاء المؤمنين.
والتواضع في الحقيقة صفة أهل الإيمان، الله سبحانه وتعالى يقول في وصف المؤمنين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. فقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ يمشون متواضعين، يمشون بلين وسكينة ووقار. والشاعر يقول: ولا تمشِ فوق الأرض إلا تواضعاً فكم تحتها قومٌ هموا منك أرفعُ فإن كنت في عزٍّ وحرزٍ ومنعةٍ فكم مات من قومٍ هموا منك أمنعُ
والتواضع جزاؤه الجنة، أو جزاء أهله أنهم يكونون في الجنان، كما قال تبارك وتعالى في الآية الأولى التي ذكر الله عن أنهم يمشون على الأرض هوناً، جاء في آخر الآيات: ﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 75-76]. فجزاهم شيئان: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويلقون فيها تحية وسلاماً. يجزون الغرفة، الأول أنهم يتبوؤون غرف الجنان، والمراد هنا بالغرفة الجنة، يجزون الغرفة أي يجزون الغرف؛ لأن الغرفة يطلق على جنس الغرف بدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37]، وقوله الآخر: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر: 20]. فـ ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ يعني الغرف، يجزون الجنان، هذا الأمر الأول الذي يجزى به أهل التواضع. والأمر الثاني أنهم يقابلون بالاحترام والتعظيم: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
وفي الصحيحين من حديث حارثة بن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل هين لين قريب سهل». والشاهد الذي أردناه من هذا الحديث.
والتواضع كما أنه سبب لدخول الجنة، هو سبب للرفعة في الدنيا؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وفي مسند أحمد بسند صحيح من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا -وجعل الراوي باطن كفه إلى الأرض- من تواضع لي هكذا وأدناها إلى الأرض، رفعته هكذا -وجعل باطن كفه إلى السماء ورفعها-».
وأيضاً روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال: انتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس كبير، وإن العبد إذا تكبر وعدا طوره وضعه الله على الأرض وقال: اخسأ، خسك الله، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس صغير، حتى إنه أحقر وأصغر في أعين الناس من الخنزير.
والشاعر يقول: تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ على صفحات الماء وهو رفيعُ النجم يلوح للناظر على صفحات الماء مع أنه في السماء. تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ على صفحات الماء وهو رفيعُ ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيعُ
ويقول عمرو بن شيبة يذكر قصة: يقول كنت بمكة بين الصفا والمروة، فرأيت رجلاً راكباً بغلة وبين يديه غلمان، إذا هم يعنفون الناس، يعني هو في مكة والغلمان بين يديه يعنفون الناس ويشقون له الطريق. قال: ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد، فكنت على الجسر، فإذا أنا برجل حافٍ حاسرٍ طويل الشعر، قال: فجعلت أنظر إليه وأتأمل، فقال لي: ما لك تنظر إلي؟ فقلت له: يعني شبهتك برجل رأيته بمكة، ووصفت له الصفة. فقال لي: أنا ذلك الرجل، فقلت: ما فعل الله بك؟ كنت غنياً أماماً عندك بغلة وغلمان والآن حافي القدمين؟ فقال: إني ترفعت في موضع يتواضع الناس فيه، فوضعني الله حيث يترفع الناس. يعني هو ترفع في مكان ينبغي أن يتواضع فيه، الله سبحانه وتعالى وضعه في مكان ينبغي للناس أن يترفعوا فيه.
والتواضع أيضاً من الإيمان ومن أفضل العبادات؛ ولذلك يقول معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: لا يبلغ عبد ذروة الإيمان حتى يكون التواضع أحب إليه من الشرف، وما قلّ من الدنيا أحب إليه مما كثر، ويكون من أحب وأبغض بالحق سواء، يعني يحكم للناس كما يحكم لنفسه وكما يحكم لأهل بيته. وعائشة رضي الله تعالى عنها كانت تقول: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهي التواضع.
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتواضع في أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». وهذا الحديث يدل على أن ترك التواضع سبب للفخر، حتى لا يفخر أحد على أحد، فإذا ترك الإنسان التواضع فمعناه أنه سيفخر، وإذا ترك التواضع سيبغي؛ حتى لا يبغي أحد على أحد. والمراد بالفخر هنا الفخر بالحسب، والحقيقة أنه لا معنى للشخص أن يفخر بحسبه والناس كلهم من تراب، وكلهم من آدم، أمهم واحدة وأبوهم واحد.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وسنن أبي داود وسنن الترمذي وصححه الترمذي: «إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية، عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء: مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم النار أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن». وإنما يتفاضل الناس بالتقوى، الناس ليس هناك فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. والفخر بالآباء هذا لا معنى له، وهكذا البغي الذي يسببه ترك التواضع، فهو من أعظم الذنوب. والبغي أن يتطاول الشخص على من تكبر عليه، وفي السنن الأربعة ومسند أحمد إلا سنن النسائي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة -نسأل الله العافية والسلامة من العقوبة- مثل البغي وقطيعة الرحم». ليس هناك ذنب كالبغي وقطيعة الرحم، فمن أعطاه الله مالاً أو جمالاً أو ثياباً أو علماً ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالاً يوم القيامة.
والتواضع أيضاً خلق الشرفاء، والتعاظم أو التكبر خلق السفهاء، ولذلك يقول يحيى بن خالد البرمكي الوزير المشهور: الشريف إذا تنسك تواضع، والسفيه إذا تنسك تعاظم. يعني الشريف إذا تنسك، بمعنى تعبد أو صار صاحب نسك وعلم فهو يتواضع، بينما الآخر إذا تنسك يعني تعاظم على الناس وتكبر. نقف هنا إن شاء الله ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا عن التواضع وفضله، وسنبين في هذا الوقت معنى التواضع وكذلك شيئاً من صوره. التواضع في اللغة مصدر يقال تواضع يتواضع تواضعاً إذا أظهر الضعة، الضعة بمعنى النزول والانخفاض، ولذلك هو مأخوذ التواضع من مادة «وضع» التي تدل على الخفض للشيء وحطه، يقال وضعته بالأرض وضعاً إذا خفضته فجعلته فوقها. ومعناه في الاصطلاح: رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه؛ يعني هو يستحق لفضله ومكانته يستحق منزلة لكنه يرضى بمنزلة دونها. وقال بعض أهل العلم: هو التجمل بالخضوع ومنع النفس من الترفع على الناس والاستخفاف بهم، وحملها على احترامهم مهما اختلفت درجاتهم.
والتواضع خصلة محمودة ورفعة للإنسان كما جاء في الحديث: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وهو خلق يتولد بين معرفتين، التواضع إذا أراد الإنسان أن يعرفه؛ عرفنا أنه الرضا بمنزلة دون المنزلة التي يستحقها الإنسان، لكن هذا الخلق كيف يتولد عند الإنسان؟ يتولد عند الإنسان بين معرفتين: المعرفة الأولى معرفته بربه وبصفاته وجلاله وكماله وأنه لا يحب المستكبرين، والمعرفة الثانية معرفة العبد بنفسه وعيوبها وآفاتها، وأن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وبينهما يحمل العذرة، فيتولد بين هاتين المعرفتين خلق يسمى التواضع. وهو انكسار القلب لله وخفض الجناح للمؤمنين أو لعباد الله سبحانه وتعالى، فلا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، ويرى الحقوق لهم تجاهه أو عنده.
وإنما هذا التواضع إنما يعطيه الله سبحانه وتعالى من خلقه من يحبه ومن يكرمه، وهو لا يعتبر التواضع مهانة ولا ذلاً، هناك الذل والمهانة، وهناك التواضع، وهناك التكبر، فالتواضع خلق بين هذين الخلقين وسط بين التكبر وبين المهانة. فالطرف الذي يميل إلى الزيادة في المكانة على غيره يسمى تكبراً، والطرف الذي يميل فيه إلى النقصان والمبالغة في هضم المكانة أو يميل فيه إلى ابتذال نفسه وإهانتها في نيل حظوظها وشهواتها؛ يعني كتواضع طالب حظ من الدنيا أمام من يرجو منه ذلك الحظ، هذا يسمى مهانة وضعةً لا تواضعاً. وأما التواضع فهو وسط بين هذين الطرفين، والله سبحانه وتعالى يحب التواضع ويبغض الكبر ويبغض المهانة، فمحمود أن يتواضع الإنسان في غير مذلة ومن غير تكبر.
ولكي نقرب هذا المعنى يمكن أن نضرب بعض الأمثلة؛ فمثلاً من يتقدم على أمثاله وأقرانه ويريد منهم تقديمه عليهم، هذا يعتبر متكبراً، وأما من يتأخر عنهم ويقدم على نفسه فهذا هو المتواضع؛ لأنه وضع شيئاً من قدره الذي يستحقه. بينما لو دخل على أحد العلماء أو على عالم من العلماء حذاء الذي يصنع الأحذية، أو إسكاف الذي يصنع الخفاف، أو حجام أو خياط أو نحو هؤلاء من عامة الناس من أهل الصناعات المتدنية، فإذا تنحَّى له العالم عن مكانه وأجلسه في مجلسه وقدمه عليه، وسوى له نعله، وعدا قبله إلى الباب ليفتحه له، فهذا يعتبر مبالغة في الضعة، ويعتبر العالم هنا قد انتقل من التواضع إلى المهانة، وهذا غير محمود، بل المحمود عند الله العدل، وهو أن يعطي كل ذي حق حقه.
ينبغي أن يتواضع بمثل هذا التواضع لأقرانه ومن يقرب من درجته، وأما السوقي والمتدني الدرجة فالتواضع له يكون بالقيام له، بالبشر في الكلام، بالرفق في السؤال، بإجابة الدعوة، بالسعي في الحاجة، وأمثال هذه الأشياء، ولكنه لا يرى نفسه خيراً منه أو من أي أحد، بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره، فلا يحتقر أي إنسان ولا يستصغره؛ لأنه لا يعرف خاتمة أمره، فقد تكون خاتمته أفضل من خاتمته، وقد يكون عند الله من أولياء الله وهو يكون سيئ الخاتمة، نسأل الله العافية.
إذاً، فسبيل المؤمن في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران وأشباههم، وإذا خف عليه هذا المعنى وهذا التواضع فقد حصل له خلق التواضع، وإذا كان ثقيلاً عليه ولكنه مع ذلك يفعله فهو يعتبر متكلفاً للتواضع لا متواضعاً، فعليه أن يدرب نفسه على التواضع. والخلق هو ما يصدر من الإنسان بسهولة من غير ثقل ومن غير روية، وأما إن خف عليه جداً بحيث يثقل عليه رعاية نفسه أو رعاية قدره حتى يصبح يحب التملق فهذا قد خرج إلى طرف النقصان، فعليه أن يرفع نفسه؛ لأن المؤمن ليس له أن يذل نفسه. ومع كل هذا؛ فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتكبر ولا ينبغي له أن يذل نفسه.
أن يذل نفسه، فالميل عن الوسط إلى طرف النقصان -وهي المهانة والتملق- أهون عند الله وعند عباده من الميل إلى الزيادة، وهي التكبر. كما أن الميل إلى التبذير في المال أفضل عند الناس من الميل إلى طرف البخل، وكلاهما مذموم، والمحمود هو الوسط وهو العدل. ولذلك يقول الشاعر: تسامح ولا تستوف حقك كله، وأبقِ فلم يستوف قط كريم. ولا تغلو في شيء من الأمر واقتصد، كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وأما صور التواضع فهي كثيرة جداً، منها ما ذكره عمرو بن قيس الكوفي، أحد حفاظ الحديث وأحد أولياء الله الزهاد المشهورين من شيوخ الثوري. يقول الثوري في عمرو بن قيس: هو الذي أدبني وعلمني قراءة القرآن والفرائض، وكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده ففي بيته، إما يصلي أو يقرأ في المصحف، كأنه يبادر أمراً يفوته. فإن لم أجده وجدته في مسجده قاعداً يبكي، وأجده في المقبرة ينوح على نفسه. يذكر من أخبار هذا عمرو بن قيس يقول: ثلاث من رؤوس التواضع، ثلاث أشياء هي من رؤوس التواضع: أن تبدأ بالسلام على من لقيت سواء تعرفه أو لا تعرفه، وأن ترضى بالمجلس الدون من الشرف -يعني ما هو أقل من درجتك- وأن لا تحب الرياء ولا السمعة ولا المدح في عمل الله.
فأما البدء بالسلام، فهذا في الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». والأحاديث في السلام كثيرة.
وأما الرضا بالمجلس الدون، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا». وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. وهكذا في الخمسة إلا في سنن ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان -كنا يعني الصحابة- إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم يجلس أحدنا حيث ينتهي.
وأما الثالثة -يعني من الأشياء التي ذكرها عمرو بن قيس- وهي أن لا يحب الرياء ولا السمعة، فهذا محمول على من يحب أن يعلم الناس منه الخير ليكرم ويعظم. وأما من يحب الثناء عليه لكونه عاجل بشرى المؤمن -يعني ليس لأجل أن يعظموه وإنما لأجل أنه عاجل بشرى المؤمن- فهذا ليس منافياً للتواضع؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».
ومن صور التواضع القيام مع الصغار والضعفاء في حاجتهم وعدم احتقارهم. في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. وفي رواية مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. فقال: «يا أم فلان، انظري أي السكك أو الطرق شئتِ حتى أقضي لك حاجتك». يعني هذا النبي صلى الله عليه وسلم. والصور كثيرة، ومن صور التواضع مشاركة الأهل ومعاونتهم في الخدمة، كما في صحيح البخاري من حديث الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني في خدمتهم- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. والمقصود بمهنة أهله هنا يعني أنه يحلب -كما جاء في بعض الروايات- يخدم نفسه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويرقع دلوه، ويعمل ما يعمله الرجال في بيوتهم.
وأيضاً من صور التواضع في الأكل: ألا يأنف إذا سقطت اللقمة من أخذها وإماطة الأذى عنها، فإن في طعامكم البركة. وصور التواضع كثيرة جداً، ولكننا نكتفي بما ذكرنا على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري