﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها عن خلقين؛ الخلق الأول هو إكرام الضيف، والثاني هو الإحسان إلى الجار.
الضيف في اللغة هو الميل، ومعناه الشخص النازل لطلب القِرى. يسمى الضيف ضيفاً لميله إلى الذي ينزل عنده، وكلمة ضيف تطلق على المفرد وتطلق على المثنى وتطلق على الجمع، وتطلق على المذكر وتطلق على المؤنث؛ فيقال ضيف لرجل واحد، ويقال ضيف لرجلين، ويقال ضيف لجماعة، وقد يقال أضياف وضيوف. فيقال نزل عند فلان ضيف، ويكون المقصود إما واحداً وإما اثنين وإما جماعة، سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، وقد يقال ضيفان، وقد يقال ضيوف، وقد يقال أضياف.
إكرام الضيف أو الضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن سنن المرسلين، ومن أخلاق الأنبياء والصالحين. وقد ورد في القرآن الكريم التنويه بإكرام الضيف أو بالضيافة، فإن الله سبحانه وتعالى قد قص علينا قصة ضيف إبراهيم المكرمين في الكتاب في غير ما مرة؛ من ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24]، وقول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ [الحجر: 68]، هذا لوط عليه الصلاة والسلام.
وورد في السنة أيضاً الحث على إكرام الضيف في أحاديث متعددة، ويمكن أن يقال بأن إكرام الضيف من علامات الإيمان، أو من نتائج الإيمان، أو من الأخلاق التي يجب على أهل الإيمان التحلي بها. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه».
إكرام الضيف أيضاً من الأسباب المانعة من الخزي، الذي يكرم الضيف لا يخزى أبداً. ولذلك ورد ذلك في الصحيحين من حديث عائشة الطويل عن بدء الوحي؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها: «لقد خشيت على نفسي»، قالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
إكرام الضيف أيضاً من أوجه المعروف التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويستحب الوقف عليها. في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: أصاب عمر رضي الله عنه بخيبر أرضاً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منها، فكيف تأمرني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل؛ لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: إني مجهود. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. هؤلاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا ماء.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يضيف هذا الليلة أو من يضيف ضيف رسول الله؟». فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف، وباتا طاويين؛ قدم الضيف على أنفسهم وعلى أولادهم، معناها أنه لم يكن عندهم شيء إلا شيئاً قليلاً، فبسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يضيف هذا الليلة»، أخذه هذا الصحابي الجليل.
فلما أصبح، غدا هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة»، وفي ذلك نزل القرآن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وفي الصحيحين أيضاً من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أضاف رهطاً من الصحابة، فقال لعبد الرحمن -وهم من أهل الصفة أو من الضعفاء-: دونك أضياف، فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ أبو بكر رجع إلى بيته، فوجد عبد الرحمن لم يطعم الأضياف، وعبد الرحمن حاول أن يأكلوا فأبوا حتى يرجع رب المنزل، فقالوا: ما نحن بآكلينا يجيء رب منزلنا. فلما أقبل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ووجد أنهم لم يأكلوا، أخذ يدعو عبد الرحمن يا عبد الرحمن فسكت، يا عبد الرحمن فسكت، ثم قال: يا غنثر، وأقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت. فخرج عبد الرحمن فقال: سل أضياف، أنا حاولت أطعمهم فرفضوا.
فقال أبو بكر لهم: إنما انتظرتم، والله لا أطعم الليلة -لا آكل هذا الزاد معكم-. فقال الأضياف أو الآخرون: والله ونحن لا نطعمه حتى تطعمه. فلما رآهم حلفوا أن لا يأكلوا هذا الزاد، جاء أبو بكر ووضع يده فيه وقال: بسم الله، الأولى من الشيطان، فأكل وأكلوا. وفي رواية أنه قال: كلوا، والله لا أطعمه، فقالوا: نحن والله لا نطعمه. فلما رأى ذلك وضع يده معه؛ يقول الراوي: ويم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر مما كانت قبل ذلك. فجاء أبو بكر إلى امرأته وقال: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات. فأكل أبو بكر منها رضي الله عنه، وبعث منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها. هذا يدلنا على أن الله يحب إكرام الضيف، فالله سبحانه وتعالى بارك في زادهم لما تراجع عن يمينه وأكل معهم.
وفي مسند أحمد وغيره من حديث مالك بن نضلة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن نزلت بفناء رجل ولم يقرني، ولم يرَ لمجيئي عليه حقاً، ثم أضافته الدهر -ألمت به سنة من السنين- فجاء فنزل بي، أفأجزيه بالذي فعل أم أقريه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، بل أقريه». أي أعطه قراه وهو ضيافته. وأيضاً يقال: لا خير فيمن لا يضيف، وهذا في مسند أحمد من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا خير فيمن لا يضيف».
كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقال إنه كان أول من ضيف الناس، أول من ضيف الأضياف. هذا في الموطأ من حديث سعيد بن المسيب، وكان إذا أراد أن يتغدى خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغدى معه. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ضيافته في كتابه في غير ما موضع كما ذكرنا، من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 24-27]، وفي آية أخرى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] أي مشوي.
ذكر العلماء في هذه الآيات أن هذه الآيات احتوت على جملة من الآداب؛ من أهم هذه الآداب خدمة الضيفان، فإن إبراهيم كان يخدمهم بنفسه. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾، كونهم مكرمين لأن الخليل كان يخدمهم بنفسه. والآداب الثاني أنه رد عليهم بأحسن من قول، لأنهم قالوا: ﴿سَلَامًا﴾، وهو رد عليهم قال: ﴿سَلَامٌ﴾؛ فهم جاؤوا بلفظة منصوبة "سلاماً" أي نسلم سلاماً، فهي جملة فعلية، أما هو فقال: ﴿سَلَامٌ﴾ بالرفع، والعلماء يقولون جملة إبراهيم جملة اسمية، والجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية، فهو رد عليهم بأفضل مما قالوا، وهذا من الأدب مع الضيفان أن يبادروا بالكلام الطيب الحسن.
ومن الآداب أنه أسرع وأحضر القرى بسرعة وفي خفية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول عنه: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾، والروغان يقتضي السرعة والاختفاء حتى الضيف لا يراه ويعزم عليه أن يرى قراه، وفي الآية الأخرى قال: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] أي بشكل سريع. ومن الآداب أيضاً أنه أتى بأفضل ما عنده وهو العجل السمين المشوي، فيه من اللحم والشحم ما هو وفير. ومن الآداب أيضاً في هذه الآية أنه تلطف في العبارة لما رآهم لا يأكلون فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ على سبيل العرض والتلطف.
والعلماء يذكرون آداباً كثيرة في الضيافة، منها البشاشة والترحيب، ومنها حسن الكلام وتعجيل القرى. يقول الشاعر: إذا المرء وافى منزلاً منك قاصداً ... قراك ورمت به لديك المسالك فكن باسمـاً في وجهه متهللاً ... وقـل مرحباً أهلاً ويوم مبارك وقدم له ما تستطيع من القرى ... عجولاً ولا تبخل بما هو هالك فقد قيل بيت سالف متقدم ... تداوله زيد وعمر ومالك بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف الذي يأتي به وهو ضاحك
ولذلك يقال في الأمثال: البشاشة أول قرى الأضياف، ويقول بعض السلف: كانوا يقولون إن من شرف الضيافة أن يقبل على الضيف بالبشر وبحسن الكلام. وقال الشماخ بن ضرار يمدح عبد الله بن جعفر: إنك يا ابن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى فرب ضيف طرق الحي سرى ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
يقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن إكرام الضيف، والحديث فيه في الحقيقة طويل، ولكن بعض أهل العلم أجمل بعض الآداب فيه، وبعض الكلام فيه في أبيات، وهو حماد بن الأمين في نصيحته في منظومة له اسمها النصيحة؛ نصيحة حماد بن الأمين، يقول:
للضيف هيئ منزلاً رحيباً ... ولاقينه بالبشر والترحيب عنه اكتم الأكدار والمصائب ... وازجر أهاليك عن التصاحب إلى مسيره وشيع زودي ... بما تيسر وفي السؤر زهدي وأدمه نفسك روي ... أن الخليل أوح بذا إليه ربه الجليل
وأما الخلق الثاني وهو الإحسان إلى الجار، فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالإحسان إلى الجار فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36].
يقول أهل العلم أو جمهور أهل العلم: الجار ذي القربى يعني الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة. وبعض أهل العلم يقول الجار ذي القربى يعني المسلم، والجار الجنب هو غير المسلم. والجار أوصى به جبريل عليه الصلاة والسلام، أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ومن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
وإكرام الجار وعدم أذيته نتيجة للإيمان، لا يمكن أن يكون المؤمن مؤمناً ويؤذي جاره أو لا يكرم جاره. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». وفي صحيح مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره». وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره».
وإيذاء الجار أو خوف الجار من الجار دليل عدم الإيمان، ولذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه»، يعني جاره لا يأمن غدراته وخيانته. بل هذا دليل عدم المروءة، خيانة الجار دليل على عدم المروءة؛ الإنسان أو عدم مروءة الجار، حتى إن أهل الجاهلية كانوا يترفعون عن هذا، ويترفع عن النظر إلى محارم الجيران. يقول عنترة العبسي: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
ومن إكرام الجار عدم منعه من استخدام الجدار؛ فإذا كان بينهما جدار، وكان هذا الجدار لأحد الجارين ويريد الجار الآخر استخدامه، فإن منعه ليس من إكرام الجار، كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم؛ إخباراً بهذا الحديث الذي لا تطبقونه.
ومن إكرام الجار تعهده بالطعام ولو كان قليلاً، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». وفرسن الشاة هو حافرها، وهو من الإبل الخف، وهو شيء يسير جداً. ويقول أبو ذر -يروي عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم-: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». وهذا من الأمور التي قد نفقدها في هذه الأيام. ومن الناس من لا يستطيع تعاهد جيرانه بسبب التكلف، يرى أن هذا الشيء قليل، وهكذا في الضيافة، لا بد أن يتكلف، ولذلك لا يضيف أحد أحداً ولا يزور أحد أحداً بسبب ما يحصل للناس من التكلفات. فالنبي ﷺ يقول لأبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».
والأخبار في هذا كثيرة، يقول قيس بن عاصم -وهو من الصحابة الأجلاء- ويتكلم عن إكرام الجار وعن مواساة الضيف: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردِ إذا ما عملت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي كريماً غريباً أو قريباً فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وكيف يسيغ المرء زاداً وجاره ... خفيف المعا بادّ الخصاصة والجهدِ ولا الموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمدِ وهذا من الآداب في الضيافة أنه لا ينبغي أن ينظر المضيف للضيف وهو يأكل. ثم قال: وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ والعجيب أن رجلاً كان جاراً لقيس بن عاصم فسمع هذه الأبيات منه، فقال بيتين يقول فيهما: لبيني وبين المرء قيس بن عاصم ... بما قال بون في الفعال بعيدُ وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يُغرى بنا فيعودُ فهو يجفو على الضيف لعله لا يعود، مع أنه ليس ذا عسرة. وذلك على خلاف ما فعل الصحابي الجليل الذي بات هو وزوجته وأولاده طاويين وقدم ضيفه على نفسه.
وهكذا الأولى بالإكرام إذا تزاحم الجيران؛ فإذا كان عندي شيء أريد أن أكرم به جاري، ولكن الجيران كثيرون ولا يكفي هذا إلا لجار واحد أو جارين، فأيهم أقدم؟ يقول النبي ﷺ كما في حديث عائشة في صحيح البخاري: قلت يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً».
ومن الأمور التي تذكر في الجار الخيانة؛ فخيانة الجار من أعظم الذنوب ومن أكبر الكبائر. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، يعني أن تشرك بالله معبوداً آخر والله هو الخالق. قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». نسأل الله العافية والسلامة.
يقول الشاعر: ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدرُ ما ضر جاراً لي أجاوره ... ألا يكون لبابه سترُ أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدرُ
وأذية الجار سبب لدخول النار، نسأل الله العافية والسلامة. ففي مسند أحمد من حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار». قال: يا رسول الله، فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في الجنة». فأذية الجار سبب لدخول النار، وعدم أذيته وإكرامه سبب لدخول الجنة.
وأذية الجار سبب للعن الناس، نسأل الله العافية والسلامة؛ ففي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره، فقال: «اذهب فاصبر». فأتاه مرة ثم مرة ثلاث مرات، فقال: «اذهب فاطرح متاعك في الطريق». فذهب الرجل وطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يمرون عليه ويسألونه: ما خبره؟ فيخبرهم الخبر أن جاره يؤذيه، فجعل الناس يلعنون ذلك الجار، ويقولون: فعل الله به، وفعل، ويدعون عليه. فجاء إليه هذا الجار وقال له: ارجع وأدخل متاعك، فإنك لن ترى شيئاً تكرهه مني.
من هذه النصوص المتقدمة يتبين أن الجوار يقتضي حقاً يزيد على أخوة الإسلام؛ فالجار المسلم يستحق كل ما يستحقه المسلم من الحقوق، وزيادة على ذلك حق الجوار. ومن حق الجار على الجار أن يبدأ بالسلام، ويعوده عند المرض، ويعزيه عند المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويقف بجانبه عند النوائب، ويهنئه في الفرح، ويظهر له السرور إذا سُر جاره، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع على عوراته، ويستر ما ينكشف منها، ويغض بصره عن حريمه، ولا يضايقه في طريق ولا في جدار، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبتها وحراستها، ولا يسمع فيه غيبة ولا نميمة، ويتلطف لولده عند تكليمه، ويرشده إذا كان يجهل شيئاً من الدنيا أو الدين. حُكي مرة أن جاراً بلغه أن جاره يريد بيع داره بسبب دين قد ركبه، وكان ذلك الجار الذي بلغه الكلام يجلس في ظل جدار ذلك الجار، فقال: ما قمت أنا إذاً بحرمة ظل دار جاري إن باعها بسبب العدم أو الحاجة، فدفع إليه ثمن الدار وقال له: لا تبعها.
لكن قد يبتلى الإنسان بجار السوء، ولذلك قيل: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. وفي مسند أحمد وسنن النسائي يقول النبي ﷺ: «تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقام؛ فإن جار البادية يتحول». الجار في الصحراء ممكن يذهب عنه الإنسان، ولكن الدار في المدن يصعب التحول منها. فإذا بُلي الإنسان بجار سوء -وقد يُبلى الإنسان بـجار يضر به في نفسه أو ماله أو عرضه ويجلب له العظائم والدواهي وينغص عليه عيشه- فعند ذلك ربما اضطر إلى بيع منزله من أجل هذا الجار. وكما قال بعض من ابتُلي بجار سوء اضطره إلى بيع منزله، يلومونه إن باع منزله برخص، فقال: يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جاراً هناك ينغصُ فقلت لهم كفوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخصُ فالمنازل تغلو بسبب الجيران وترخص بسبب الجيران.
لذلك على كل مسلم أن يحسن إلى جاره، وأن يقابل السيئة بالحسنة؛ ربما يبتلى الإنسان بجار سوء، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل أن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري