﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن أعظم الأسباب المانعة من الأخلاق الحميدة. كنا تكلمنا في الحلقات الماضية عن كثير من الأخلاق؛ عن الكرم، وعن التواضع، وعن أخلاق كثيرة، وعن الأدب، وعن الخلق بشكل عام، وعن أشياء كثيرة مما هو محمود في أخلاق الناس، وذكرنا ما يضاد لتلك الأخلاق؛ يعني أشياء تمنع من التواضع، وأشياء تمنع من الكرم، وأشياء تمنع.
ولكن أعظم هذه الموانع التي ينبغي أن نخصص لها حلقة مستقلة هي الدنيا؛ فالدنيا من الأسباب المانعة من الأخلاق الحميدة. والدليل على ذلك أشياء كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عوف الأنصاري، حيث قال كما في الصحيحين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتِي بجزيتها، فقدم أبو عبيده بمال من البحرين. قال: فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة رضي الله عنه، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم انصرف، فتعرضوا له -يعني تعرضوا له كأنهم يريدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم-.
فلما راهم النبي صلى الله عليه وسلم تبسم ثم قال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم شيء من البحرين». فقالوا: أجل يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».
إذن، النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاف الفقر على أمته، وإنما يخاف من كثرة الدنيا: أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم. فإذا بسطت ماذا يكون؟ قال: فتهلككم كما أهلكتهم، تهلك الأمة لأنها سبب مانع للأخلاق الحميدة؛ سيتنافس الناس فيها، سيتحاسدون، سيتكالبون.
يقال إن أعرابيا سمع هذا الحديث فبكى، فقال الناس: ما يبكيك؟ فقال: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم؟ قالوا: بلى. قال: فقد بسطت الدنيا. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتهلككم. قال: فالدنيا بسطت علينا، ولم يبق إلا الهلاك، ولذلك أنا أبكي! فكان هذا الأعرابي قد فهم الحديث بشكل بين، بينما الناس يقرونه ولا يستوعبون معناه.
وفي حديث آخر من رواية الحسن البصري وهو مرسل -يعني الحسن البصري تابعي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم- يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حب الدنيا رأس كل خطيئة». وهذا اللفظ «حب الدنيا رأس كل خطيئة» هو ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء يقبل مراسيل الحسن البصري، ومع ذلك هذا الأثر أو هذا الحديث مروي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم، وأهل العلم يرجون له معنى صحيحا؛ إذا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة، معناه أنه من الأسباب الكبيرة المانعة من الأخلاق المانعة من الأعمال الطيبة. وهذا المعنى الذي يذكرونه في تخريج هذا الحديث يقولون: إذا كان المقصود بالحب هنا ما يستلزم المعاصي فنعم؛ فإن الحرص مثلا على الدنيا يستلزم الظلم، ويستلزم الكذب، ويستلزم الفواحش.
وفي الصحيحين أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا». وبعض أهل العلم يقول: يمكن أن يخرج لهذا الحديث معنى آخر، وهو أن يقول: حب الدنيا رأس كل خطيئة، فحب الدنيا هو الخبر، رأس كل خطيئة أو كل خطيئة هو المبتدأ وحب الدنيا هو الخبر؛ إذن كل خطيئة رأسها حب الدنيا، يعني كل خطيئة إذا فتشت ستجد أنها أو تمعنت النظر فيها ستجد أن بدايتها أو أصلها كان بسبب الدنيا. فهذا من أجل هذا جاء في الحديث أو جاء في هذه الآثار: حب الدنيا رأس كل خطيئة.
ومكانة الدنيا لأجل ذلك الله سبحانه وتعالى ذكر مكانة الدنيا في القرآن وبين أنها لا تعدل عنده شيئا في آيات كثيرة جدا؛ يعني العلماء يذكرون أن هناك ما يزيد على مائة آية في القرآن تتكلم عن الدنيا، وفي كل هذه آيات الله يذم الدنيا. الناس ممكن يقولون: يا شيخ، جزاك الله خيرا، الدنيا لا تذم، ينبغي على الانسان أن يرغب في الدنيا ولا يذمها. والحقيقة أن النفوس مجبولة على حب الدنيا، ولذلك لا نحتاج إلى الترغيب في الدنيا؛ الناس يرغبون في الدنيا من غير ترغيب، ولكن لأجل أن يقتصدوا في الدنيا ويقللوا من حب الدنيا ينبغي عليهم أن يبين لهم قيمة الدنيا.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: 60].
ويقول: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 16-17].
ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]. والآيات في الباب كثيرة جدا.
ومنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِم سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33-35]. وهذه الآية عجيبة جدا؛ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومن ذهب، لكن لئلا يكفر الناس إذا راوا الكافر بكفره يحصل على هذه الأموال الله سبحانه وتعالى لم يعطي كل كافر هذه الدنيا.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث جابر كما في صحيح مسلم؛ جابر يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه -في جانبيه-، أحدهم على يمينه وبعضهم على شماله، فمر بجدي أسك ميت -أسك معناه صغير الأذنين-، فتناوله وهو ميت، فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟». فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: «أتحبون أنه لكم؟». قالوا: والله يا رسول الله لو كان حيا كان عيبا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».
وفي المسند وسنن الترمذي وابن ماجه من حديث سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء».
وفي مسند وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة -هو أنعم واحد في الدنيا أو أنعم شخص في الدنيا-، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رايت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ينسى جميع نعيم الدنيا وهو انعم انسان في الدنيا. ويؤتى بأشد الناس بؤسا يوم القيامة من اهل الدنيا -يؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة- فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رايت بؤسا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط ولا رايت شدة قط، ينسى جميع الشدة التي كان فيها». هذا يدلنا على أن الدنيا ليست بشيء بالنسبة للأخرة.
ولذلك جاء في الحديث الآخر في صحيح مسلم أيضا من حديث المستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم -يعني في النهر أو في البحر-، فلينظر بما يرجع»؛ إذا الإنسان جعل اصبعه في البحر ثم رجع ثم حملها، بماذا يرجع؟ فهذه الدنيا بالنسبة للأخرة.
ولذلك في الحديث أن الدنيا بالنسبة للأخرة كقطرة بالنسبة للبحر في هذا الحديث: «فلينظر بما يرجع». وأهل العلم يقولون: أي رقم في مقابلة ما لا نهاية يعتبر صفرا، ولذلك الدنيا تعتبر بالنسبة للأخرة صفر؛ لأن الآخرة ما لا نهاية، ليس هناك موت، هناك خلود فلا موت؛ الجنة ليس فيها موت خلود فلا موت ونعيمها أبدي، وهكذا النار نسأل الله العافية والسلامة عقابها وعذابها أبدي. فمقارنة الدنيا بالآخرة لا شيء.
نكتفي بهذا القدر هنا، ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد.
كنا تكلمنا عن شيء من الترهيب من الدنيا ومحبه الدنيا، والأحاديث فيها كثيرة والآيات كثيرة. ومن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». هذه الدنيا بما فيها من ملك الملوك، وبما فيها من الذهب، وبما فيها من الزمرد، وبما فيها من العجائب -يعني كل هذه الدنيا، وليس المقصود من الدنيا ما يوجد في هذا الزمان بل الدنيا من أول ما خلقت إلى أن تنتهي كل ما فيها لا يعدل عند الله جناح بعوضة-.
لو اردنا أن نتكلم عن شيء من الدنيا؛ مثلا عن ملك ملك من ملوك الدنيا الذين ملكوا الدنيا يقال أربعة أشخاص: بختنصر، ونمرود، وذو القرنين، وسليمان عليه الصلاه والسلام -مؤمنان وكافران-. وأعظم ملك هؤلاء ملك سليمان عليه الصلاة والسلام. وسليمان من عظمة ملكه أنه قد علمه الله سبحانه وتعالى منطق الطير، وهو دعا رب العالمين: رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي.
ويقول تبارك وتعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَت نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 15-18]. علمه الله منطق الطير، وعلمه الله منطق الكائنات الحيوانات، والجن في خدمته، والطير في خدمته، والانس في خدمته.
ولذلك فلما سمع كلام النملة تبسم ضاحكا من قولها وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ [النمل: 19] إلى آخر الآيات. ثم تفقد الطير فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 20-21] إلى آخرها. وذهب هذا الهدهد إلى بلقيس، ثم القى الرسالة، ثم قال سليمان لما جاءه الخبر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِنقَمَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 38-39] -نتخيل عرش في اليمن ويأتي به إلى بيت المقدس، كم المسافات! لا يوجد قوة في الدنيا في هذا الزمان يمكن أن تنقل عرشا من اليمن إلى الشام في لحظات قبل أن تقوم من مقامك، قيل قبل أن تقوم من مقام القضاء وقيل قبل أن تقوم القيام العادي-.
ثم قال الآخر: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40] -في لحظات نقل عرش كامل من اليمن إلى الشام-.
هذا شيء من ملك سليمان. ومره مر بالبساط والجنود معه، فقال رجل: ما أعظم ملك سليمان! فالريح نقلت هذه الكلمه من هذا الرجل الراعي إلى أذن سليمان؛ فرجع سليمان وقال: ماذا قلت؟ فأخذ الرجل ترتعد فرائصه وقال: ما قلت شيئا! قال: بلى قلت شيئا. قال: إنما قلت ما أعظم ملك سليمان! سبحان الله، ما أعظم ملك سليمان! فقال: إن كلمتك التي قلت «سبحان الله» أعظم من ملك سليمان عليه الصلاة والسلام. فهذا ملك من ملوك الدنيا، فكيف بملك الملوك كلهم، كيف؟
بالدنيا من أول ما خلقت إلى أن تنتهي كل ذلك لا يعدل عند الله جناح بعوضة، ومع ذلك تجد ناس يتنافسون فيها ويتقاتلون، فهي سبب البغضاء وهي سبب الشحناء وهي سبب الكبر وهي سبب الشح وهي سبب البخل وهي سبب القتل. من الناس من يقتل على الدنيا على شيء لا يعدل شيئا عند الله، فيقتل أخاه المسلم الذي في قلبه لا إله إلا الله.
النبي صلى الله عليه وسلم لما في الصحيح، لما أسامة بن زيد وهو في معركة من المعارك، كان رجل من الكفار يقصد المسلمين ويقتلهم، فلا يرى مسلما إلا ويقصد إليه ويقتله، حتى أمكن الله منه أسامة بن زيد ومعه أحد الأنصار، فلما تمكن منه قال الرجل: لا إله إلا الله، أو أشهد أن لا إله إلا الله. فأما الأنصاري فلم يقتله، وأما أسامة بن زيد فقتله. فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟». قال: يا رسول الله، إنما قاله عوذا من السيف، يعني خوفا من السيف، لم يكن يقصدها. فقال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟». ثم قال: «يا رسول الله، استغفر لي». قال: «ماذا تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ماذا تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟».
وهذا كان مشركا قد أثخن القتل في المسلمين، فكيف بمن يقتل المسلمين الذين هم مسلمون من الولادة، ويقتلهم على لعاعة من الدنيا وربما قتل بعضهم بعضا على دنيا غيره؟ وهذا من أعجب العجب؛ يعني شخص يقتل شخصا لأجل أن يمكن شخصا من حكم أو من مال، فهو خاسر في دنياه خاسر في آخرته.
ولذلك هذه الدنيا هي من أسباب سوء الأخلاق، هي من أعظم الأسباب مع أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة. والنبي صلى الله عليه وسلم وهو خير الخليقة لم يكن يستكثر من الدنيا، ولذلك يقول الشاعر: ولو كانت الدنيا تدوم لواحد لكان رسول الله فيها مخلدا. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخص أحب الناس إليه بالدنيا، بل كان يفطم من الدنيا فاطمة رضي الله عنها.
جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، أكل أكبادنا الجوع، الملائكة طعامها التسبيح والتهليل والتكبير فما لنا؟ فقال: «إن شئت أعطيتك خمس شياه، وإن شئت علمتك خمس كلمات». هي جاءت للدنيا تريد أن يعطيها شيئا فنقلها مباشرة إلى الآخرة، فقالت: بل علمني خمس كلمات. فقال: «قولي عند الدعاء: يا أول الأولين ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين». فرجعت إلى علي رضي الله عنه فقال: ما ورائك؟ قالت: ذهبت للدنيا وجئت بالآخرة. فقال: خير أيامك هذا.
وهكذا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين فر كثير من الصحابه، كما ذكر الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾، وبقي معه الأنصار. التفت النبي عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار». فقالوا: لبيك يا رسول الله. وعن يساره: «يا معشر الأنصار». لبيك يا رسول الله، نحن معك. فقاتل الأنصار معه قتالا شديدا.
ثم لما جاءت الغنائم، النبي صلى الله عليه وسلم قسم الخمس الذي له على أناس كثيرين، ولم يعط الأنصار من هذا الخمس شيئا. فالآن وجدوا في أنفسهم، بعض الأنصار الشباب قالوا: والله لقد وجد رسول الله قومه، محبته إلى قومه، لقد وجدهم وهم أهل مكة. فجاء سعد بن عبادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال: «يا سعد، أين أنت من هذا؟». قال: إنما أنا رجل من قومي. فقال: «ادع قومك في هذه الحظيرة». فدعاهم، ثم تكلم معهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟ شيء سمعتموه منكم، أوجدتم علي في لعاعة من الدنيا تألفت بها أناسا ليسلموا، وقد أسلموا، ووكلت على ما كتب الله لكم من الإسلام والإيمان؟ يا معشر الأنصار، ألم أطيكم ضلالا فهداكم الله؟ ألم أطيكم عالة فأغنمكم الله؟ ألم أطيكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟». فقالوا: لله ولرسوله المن والفضل. قال: «أجيبوا». فقالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. فقال: «يا معشر الأنصار، لو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. يا معشر الأنصار، والله لو شئتم لقلتم وصدقت وصدقت: أتيتنا طريدا فأويناك، أتيتنا مخذولا فنصرناك، أتيتنا عائلا فأغنيناك. يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون أنتم برسول الله صلى الله عليه وسلم تحوزونه إلى رحالكم؟». فقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، رضينا برسول الله قسما وحظا.
وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام على الحصير فيؤثر في جنبه، ويقول الصحابه: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء؟ فيقول: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». والدنيا لو دامت لأحد لدامت للملوك، لو دامت لأحد لدامت للأنبياء، والأنبياء كانوا يزهدون في الدنيا.
وهكذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كعمر وغيره من الصحابة عرفوا قيمة الدنيا. والإنسان لا يمكن أن يعرف قيمة الدنيا حتى تاتي روحه إلى حلقومه، عند ذلك يعلم قيمة الدنيا وأنها لا تعدل عند الله شيئا. ولذلك لابد أن نخرج الدنيا من قلوبنا وإن كانت في أيدينا، نجعلها في أيدينا إذا احتجنا إلى إلقائها نلقيها، ولا ندخلها في قلوبنا وتفسد سوء أخلاقنا بسببها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حب الدين، وأن يقلل محبة الدنيا من قلوبنا ويخرجها من قلوبنا، ويجعلها في أيدينا ويبارك لنا فيها إنه ولي ذلك والقادر عليه. إلى هنا نكون قد أنهينا الكلام عن الأخلاق وعما يمنع من التخلق بهذه الأخلاق المحمودة، وهو السبب الأعظم وهو الدنيا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُو إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري