دخولتسجيل الدخول

الحلقة 24

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن خلق جديد من خلق أهل الإسلام، وهو خلق القناعة.

يقول العلماء في اللغة: القناعة بالفتح هي الرضا بما قسم الله للمرء من متاع الدنيا؛ يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي. وهكذا أيضًا القنوع بالضم هو السؤال تذللاً، وهو أيضًا يطلق على القناعة نفسها؛ فيقال قنع يقنع قنوعًا إذا سأل وتذلل. ومن دعائهم: نسأل الله القناعة، ونعوذ بالله من القنوع، أي نسأل الله الرضا، ونعوذ بالله من السؤال. ويطلق القنوع أيضًا على القناعة كما يطلق على السؤال، فهو من الأضداد؛ ولذلك جاء في المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع. والعلماء يعرفون القناعة في الاصطلاح بأنها الرضا بالموجود وترك التشوف للمفقود.

والقناعة لها مراتب ومنازل. المرتبة الأولى أن يقنع الإنسان بالبلغة من دنياه، يعني بما يتبلغ به من العيش، والبلغة أقل من الكفاية، أي أنه يصبر على هذه البلغة ويترك ما زاد على ذلك، وهذه حال جماعة من الزهاد، وهي أعلى مراتب القناعة. يقول مالك بن دينار: أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بلغته.

وفي السنن الأربعة ومسند أحمد -إلا سنن أبي داوود- من حديث المقداد بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». وهذا الحديث قال فيه الترمذي رضي الله تعالى عنه: حديث حسن صحيح. وهكذا في المسند أيضًا. وفي الترمذي من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم فقال: «لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتموه». وهذا الحديث أيضًا حسنه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

والشاعر يقول: النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها والله ما قنعت نفس بما رزقت ... من المعيشة إلا سوف يكفيها ويقول الآخر: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع

المرتبة الثانية القناعة بالكفاية، وهي أعلى من البلغة، وهي ما يكفي الإنسان؛ أي أن الإنسان يسعى ليحصل على كفايته ويصبر على ذلك، وما زاد على الكفاية يتركه، وهذه المرتبة الوسطى. وفي صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول». وابدأ بمن تعول، أي بعيالك ممن عليهم نفقتك، سواء كانت الزوجة أو العيال أو حتى الوالدين لو كانوا فقراء. واليد العليا خير من اليد السفلى؛ اليد العليا هي اليد المعطية، واليد السفلى هي اليد السائلة.

وفي سنن الترمذي وسنن ابن ماجه من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». الدنيا هي الأمن وقوت اليوم؛ فمن بات آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. والشاعر يقول: النفس تجزع أن تكون فقيرة ... والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت ... فجميع ما في الأرض لا يكفيها وهكذا يقول الآخر: إن كان لا يغنيك ما يكفيك، فكل ما في الأرض لا يغنيك.

المرتبة الثالثة من مراتب القناعة، أن يقنع بما تيسر تحصيله، سواء كان هذا المتيسر تحصيله كفاية أو أعلى من الكفاية؛ فهو لا يكره ما جاءه من الخير وإن كان كثيرًا، لكنه لا يطلب ما تعذر تحصيله وإن كان يسيرًا، وهذه المرتبة هي أدنى مراتب القناعة. وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما أيوب عليه الصلاة والسلام يغتسل عريانًا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثو في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك».

الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. ازواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا، يعني أشكالاً وألوانًا من الحياة الدنيا الزائلة؛ فالله يقول لنبيه لا تنظر إلى أمثال هؤلاء المترفين وما أعطاهم الله من هذه الزهرة الزائلة، وإنما هذا اختبار لهم، ورزق الله سبحانه وتعالى ووعده في الآخرة خير لك وأدوم من هذا المتاع الذي أعطي هؤلاء الناس؛ لأن الذي في الآخرة لا انقطاع له ولا نفاد.

والقناعة عز، فقد روي أن جبريل عليه الصلاة والسلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس». إذاً عز المؤمن هو في الاستغناء عن الناس؛ لأن الطمع فيما في أيدي الناس ذل ومهانة، ثم هذا الطمع سبب لبغض الإنسان. ولذلك جاء في سنن ابن ماجه: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». والشاعر يقول: للناس مال ولي مالان مالهما ... إذا تحارس أهل المال أحراس مالي الرضى بالذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأس مما يملك الناس هذا اليأس مما في أيدي الناس من أعظم المال؛ فما أملكه مال لي وأنا قانع به، وزهدي فيما في أيدي الناس ويأسي منه هذا أيضًا من المال الذي أملكه. ولذلك يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: يا بني، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنه مال لا ينفد، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس؛ فإنك لا تياس من شيء إلا أغناك الله عنه. لا يمكن أن تياس من حاجة أو من شيء أو من مال أو من متاع إلا ويغنيك الله عن ذلك.

ولذلك جاء في الصحيحين حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». والشاعر يقول: أفادتني القناعة كل عز ... وأي غنى أعز من القناعة فصيرها لنفسك رأس مال ... وصير بعدها التقوى بضاعة

وبعض البلغاء يقول: إذا طلبت العزة فاطلبها بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فمن أطاع الله عز وجل ظهر نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. والشاعر يقول: الحر عبد إن طمع ... والعبد حر إن قنع فاقنع ولا تطمع فما ... شيء يشين كالطمع

ثم لو لم يكن في القناعة خصلة تُحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء أو الشبه لطلب الزيادة، لكان الواجب على العاقل أن يفارق الطمع في أي حالة من الأحوال. لذلك قيل: من انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه، ومن رضي بما رزقه الله قرت عينه. ويقول الشاعر: من تمام العيش ما قرت به ... عين ذي النعمة أثرى أو أقل وقليل أنت مسرور به ... لك خير من كثير ذي دغل نقف هنا ثم نعود إليكم بعد قليل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن شيء من فضائل القناعة، والقناعة لها علامات؛ يقول أهل العلم للقناعة علامات، من هذه العلامات الإجمال في الطلب، كما جاء في الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». إذاً الإجمال في الطلب هو من علامات القناعة؛ يعني أنه ينبغي للإنسان عدم التنافس في طلب الرزق، وأن يطلبه بتأنٍ وتؤدة؛ لأن كل إنسان سيستكمل رزقه لا محالة. ولذلك يقول الشاعر: إني أرى من له قنوع ... يدرك ما نال أو تمنى والرزق يأتي بلا عناء ... ربما فات من تعنّى يعني ربما الرزق يفوت من اجتهد وحرص على تحصيله.

وفي القرآن الكريم ما يدل على أن المسارعة والمنافسة ليست في طلب الرزق، وإنما في طلب الآخرة؛ فالقرآن إذا تكلم عن طلب الآخرة جاء بألفاظ تدل على المسارعة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 22-26]. إذاً في الجنة فليتنافس المتنافسون، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة، سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة.

أما في طلب الدنيا فلا ينبغي المنافسة، لا ينبغي عدم الإجمال في الطلب والحرص عليه؛ ولذلك جاء في القرآن في آيات كثيرة منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]؛ هنا قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، وهناك قال: ﴿فَسَارِعُوا﴾ و﴿سَابِقُوا﴾ في الآيات الأخرى، ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

وهناك آية قد جمعت بين الأمرين، فجمعت بين مسارعة لأمور الآخرة وجمعت بين التأني في أمور الدنيا؛ فيقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 9-10]. فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، يعني من رزق الله، ثم جاءت الآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11].

والإنسان أُمِر بالإجمال في الطلب لأمور؛ أولاً لأن الحرص في الطلب وعدم الإجمال داء أو مرض من أسوأ الأمراض، ولذلك يقول الشاعر: فإن تكن الدنيا تعد نفيسة ... فإن ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأرزاق حظاً وقسمة ... فقلة حرص المرء في الكسب أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها ... فما بال متروك به المرء يبخل إذاً الإجمال في الطلب أجمل من الحرص وأفضل، والحرص يسيء إلى ابن آدم ويسيء إلى المسلم.

ولذلك قال بعض الحكماء: أمهات الخطايا ثلاثة أشياء: الحسد والحرص والكبر. فأما الكبر فكان أصله من إبليس حين تكبر وأبى أن يسجد لآدم عليه الصلاه والسلام فلعنه الله وطرده من رحمته. وأما الحرص فكان أصله من آدم عليه الصلاة والسلام حين قيل له: الجنة كلها مباحة لك إلا هذه الشجرة، فحمله الحرص على الأكل منها حتى أخرج من الجنة. وأما الحسد فأصله من قابيل ابن آدم عليه الصلاة والسلام حين قتل أخاه هابيل فصار مأواه النار، نسأل الله العافية والسلامة.

إذاً من هذه الأمراض الحرص، وهو الذي أخرج آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة، والحرص هذا المرض ينتج أمراضًا أخرى؛ فكما قيل: أول هذه الأمراض أنه يسلب النفس أخلاقها عند التعامل؛ عندما يتعامل مع الناس يسلبه الحرص هذه الأخلاق فيمنعها من الاتصاف بالأوصاف المحمودة، كالكرم والمسامحة وعدم الاستقصاء في التبايع وفي أخذ الحق ونحو ذلك، بل قد يحملها الحرص على الغش والتدليس والكذب ونحو ذلك.

ومن الأمراض أيضًا الذي يحمل عليه الحرص أنه يشغل النفس عن الإقبال على العبادة وعلى الطاعة، فيقل عنده قيام الليل ويقل عنده الصيام والذكر أو تلاوة القرآن، وذلك لتشاغلِهِ بالحرص على كسب الدنيا. ومن الأمراض أيضًا الذي يسببه الحرص أنه يحمل الإنسان على التجري على الشبهات وعلى المكاسب المحرمة؛ لأنه يحرص على الجمع فقد يتجرأ على المكاسب المحرمة ويحتج بحجج يزينها له الشيطان، نسأل الله العافية والسلامة.

ثم الحريص لا تراه ينتهي عند حد يقتنع به؛ لأنه إذا وصل بهذا الحرص إلى مراد معين أغراه ذلك إلى أن يحرص على الزيادة، ولذلك جاء في الحديث كما في الصحيحين: «لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له وادياً، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». إذاً الإجمال في...

الطلب من الأمور التي أمرنا بها بالإجمال في الطلب لأجلها هو اجتناب الحرص الذي هو هذا الداء، وكذلك أن الحرص في الطلب لا يزيد رزق الإنسان؛ فنحن مأمورون بالإجمال في الطلب؛ لأننا إذا حرصنا على الطلب هذا لا يزيد رزقنا والرزق مكتوب. ولذلك قال أبو الدرداء: ما أراكم تحرصون على ما تكفل الله لكم به وتضيعون ما أمرتم به، أو نحو هذا الكلام.

أبو حازم الأعرج التمار، الزاهد المشهور من أهل المدينة، يقول: وجدت شيئين: شيئاً هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة السماوات والأرض، وشيئاً هو لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي؛ يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي شيء من هذين أفني عمري وأهلك نفسي؟ ولذلك قيل: الأرزاق المكتوبة والمقادير الغالبة لا تنال بالمغالطات.

والشاعر يقول: ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكد الفتى في دهره وهو عالم يعني هذا الجاهل ينال من عيشه والعالم يكد، ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى أي العقول لهلكنا؛ إذ جهلتها البهائم. والآخر يقول: للناس حرص على الدنيا وقد فسدت ... فصفوها لك ممزوج بكدر فمن يكب عليها لا تساعده ... وعاجز نال دنياه بتقصير يعني شخص مجتهد في حصولها فلا ينالها، وآخر مقصر ويعطيه الله من هذه الدنيا، لم يدركها بعقل عندما قسمت وإنما أدركها بالمقادير؛ فلو كان عن قدرة أو عن مغالبة لطارت البزات بأرزاق العصافير. والآخر يقول: كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافاً على كفره ومؤمن ليس له درهم ... يزداد إيماناً على فقره

ومن الأمور التي من أجلها أمرنا بالإجمال في الطلب أن رزق العباد كلهم على رب العالمين، على الكريم سبحانه وتعالى؛ فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين. والآيات في هذا كثيرة: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: 6]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23].

ولذلك أمر الله بالتقوى والتوكل عليه في الطلب، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2-3]. وفي سنن الترمذي وابن ماجه ومسند أحمد: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً».

فهنا التوكل ليس معناه التواكل وترك الأسباب، ولذلك الطيور تغدو فهي ما جلست وإنما غدت، تغدو خماصاً وتروح بطاناً. ولذلك التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب؛ فنحن أمرنا بالأخذ بالأسباب ومع ذلك أمرنا بالتوكل على رب الأسباب، فامشوا في مناكبها هذا أخذ بالأسباب، وابتغوا من فضل الله هذا أخذ بالأسباب، لكن التوكل معناه تعلق القلب برب الأسباب لا بتلك الأسباب. ولذلك الذي يتعلق قلبه بالأسباب هذا مفرط، والذي يترك الأسباب هذا فيه تفريط، والوسط هو خير الأمور أوسطها. أما ترك الأسباب فهو تكاسل، والله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي في صحيح مسلم: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم»، فقوله: «إلا من أطعمته» يعني أنه لابد من الاعتقاد بأن الرزق بيده، «فاستطعموني أطعمكم» يعني اطلبوا الرزق مني بالأسباب التي جعلتها أسباباً للرزق؛ كما قال: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم»، إذاً الهداية بيد الله فلا بد أن نطلب الأسباب التي تؤدي إلى الهداية.

ولذلك الله قال لمريم عليها الصلاة والسلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، يعني امرأة في الولادة قد أتت بولد وهي لا تزال نفساء، كيف تهز الشجرة؟ إنما هزها للشجرة لأجل أن يعلم الله عباده أنه لابد من الأسباب، لكن هذا السبب البسيط الله كفيل سبحانه وتعالى مع وجود هذا السبب والتوكل عليه أن يعطيها الرطب. ولذلك يقول الشاعر: توكل على الرحمن في الأمر كله ... ولا ترغب في العجز يوماً عن الطلب ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزة ... جنته ولكن كل شيء له سبب

والآخر يقول: وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجيء بمثلها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقدر والقضاء فإن مقادير الرحمن تجري ... بأرزاق الرجال من السماء مقدرة بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].