﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي ما زلنا نتكلم فيها عن خلق الكرم. كنا تكلمنا في الحلقتين الماضيتين عن معنى الكرم وعن فضل الكرم وتكلمنا عن الكرماء وتكلمنا عن بعض درجات الكرم، وخصوصاً درجة الكرم من حيث حاجة الإنسان إلى المال.
والعلماء يذكرون أيضاً من درجات الكرم من حيث السؤال، أي الكرم قبل السؤال وبعده. هناك مراتب للكرم من حيث إكرام الشخص للناس قبل أن يسألوا أو بعد سؤالهم. فالمرتبة الأولى هي أن يعطي الإنسان قبل السؤال، وهذه تحتاج إلى فطنة؛ إذ يعلم الكريم أن فلاناً محتاج، وأن فلاناً قد أصابته ضائقة، فلا يحوجه إلى السؤال. ولذلك قيل: أجل النوال ما وصل قبل السؤال. وقيل أيضاً: السخاء ما كان ابتداءً، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرّم.
ولذلك يقول الشاعر: ليس جوداً عطية بسؤال ... قد يهز السؤال غير جوادي إنما الجود ما أتاك ابتداءً ... لم تذق فيه ذلة الترداد
ويقول الآخر: وفِ خَلا من ماله ومن المروءة غير خالٍ ... أعطاك قبل سؤاله فكفاك مكروه السؤال
هذه هي المرتبة الأولى، وهي أن تعطي قبل السؤال، وهي أشرف المراتب، ويندر من الناس من يصل إلى هذه المرتبة، فهي تحتاج إلى فطنة وتفقد الكريم لحاجات الناس. والناس في هذا الباب عجب؛ فأنا أعرف رجلاً ما صادفت شخصاً ضعيفاً إلا ورأيته يثني عليه، مع أنه غير معروف بالكرم، لكن كرمه كان خفياً؛ فكان يتتبع هؤلاء المحتاجين، فيعطي هذا نفقة لمنزله، وهذا نفقة لسفره، وهذا نفقة لزواجه.
المرتبة الثانية هي أقل من المرتبة الأولى في المنزلة، لكنها تعتبر من المراتب العالية، وهي إجابة السؤال بالعطاء مباشرة دون وعد. فإذا جاء السائل، هناك من يعده بالقول، وهناك من يعطي مباشرة، والإعطاء مباشرة بعد السؤال أدنى من المرتبة الأولى. يقول سعيد بن العاص وهو من الأجواد: قبح الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة؛ فأما إذا أتاك يتردد دمه في وجهه، مخاطراً لا يدري أتعطيه أم لا، وقد بات ليلته يتململ على فراشه، يقلب الأمر في نفسه، فنظرت بين هؤلاء الناس الذين خطر بباله أيهم أرجاه وأيهم أقربهم حاجة أو أعونهم في تخليص حاجته، ثم عزم في النهاية على شخص وترك غيره، فإذا عزم علي فلو خرجت له مما أملك لم أكافئ، بل هو أمن علي بالحاجة لأنه اختارني من بين هؤلاء الناس.
ولذلك نجد الناس منهم من يفرح بالكرم ويفرح بالسؤال لأنه يظهر كرمه؛ فإذا سئل بادر إلى تحقيق هذا السؤال وقد يبادر بالفرح وانبساط الوجه. ولذلك يقول الشاعر: تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله هو البحر من أي النواحي أتيته ... لججت المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
والشاهد هنا: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله. فبعض الناس يفرح بالسؤال، وهذا علامة على كرم النفس وعلامة على أنه من الكرماء الأجواد.
المرتبة الثالثة من مراتب الكرم هي إجابة السؤال بالقول أي بالوعد. ورد في الأدب المفرد للإمام البخاري من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده وأنجز له إن كان عنده. فمرة من المرات أقيمت الصلاة وجاء أعرابي فأخذ بثوب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ما بقي من حاجتي شيء يسير وأخاف أن أنساه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معه حتى فرغ من حاجته ثم أقبل فصلى بالناس.
والحسن البصري يروي حديثاً مرسلاً يقول فيه: «العدة عطية»، فالوعد هذا نوع من أنواع الكرم وهو المرتبة الثالثة. ويقال إن يحيى بن خالد البرمكي وعد رجلاً بحاجة سأله إياها، فقيل له: لم تعد وأنت قادر؟ وهو أمير، ولكن الأمراء إذا وعدوا يوفون لأنهم قادرون، فقال: إن الحاجة إذا لم يتقدمها وعد ينتظر صاحبه نجحه لم يجد سرورها، لأن الوعد طعم والإنجاز طعام، وليس من فاجأه الطعام كمن يجد ريحه ويطعمه بعد ذلك، فدع الحاجة تختمر بالوعد ليكون لها طعم عند المصطنع إليه. يقول: إني بالوعد منّيته، فبالتالي إذا جاءه تصديق ذلك الوعد فرح زيادة على فرحه بالوعد السابق، فهو يفرح بالوعد ثم يفرح بعد ذلك بالوفاء. وهذا هو نظرة يحيى بن خالد، وإن كان العلماء يحبذون أن يكون الوعد فورياً إذا كان الإنسان قادراً على الإعطاء أن يعطي مباشرة. ولذلك قال بعض البلغاء: إذا أحسنت القول فأحسن الفعل، ليجتمع لك ثمرة اللسان وثمرة الإحسان، ولا تقل ما لا تفعل، فإنك لا تخلو في ذلك من ذنب تكسبه أو عجز تلزمه.
هذه هي المراتب الثلاث. والإنسان إذا لم يكن من أهل هذه المراتب، أي لم يكن من أهل المرتبة الأولى ممن يبحث عن المحتاج ويصله قبل أن يسأله، ولم يكن من أهل المرتبة الثانية الذي يجيب بالفعل قبل القول، ولم يكن من أهل المرتبة الثالثة الذي يجيب بالوعد ثم ينجز وعده، لأنه إما ليس عنده شيء يعطيه السائل، فمثل هذا الشخص الأحسن له أن يرد السائل بميسور من القول ويعتذر له بأحسن العذر.
ثم من وعد، هناك موقف للواعد الذي يعد، لا بد أن يوفي بوعده؛ لأنه إذا وعد صار لازماً عليه الوفاء بذلك الوعد، لأنه لا يصلح أن يحدث نفسه بعد ذلك بالرد ما دام أنه وعد. أما في البداية يرد بألطف القول، أو أن يعد وهو قادر على إيفاء وعده وملتزم به. فإذا حدث نفسه بالرد هنا يستوب البخل والكذب؛ فإذا وعد ثم أخلف وعده صار بخيلاً كذاباً، نسأل الله العافية والسلامة.
ثم إن المماطلة أيضاً في ذلك ليست من الخير، يقولون إن المماطلة في الوعد فيها تكدير للعطية، والعرب تقول: المطل أحد المنعَين، واليأس أحد النجحين، أي تيئسُه خير من أن تمطل بالوعد. ولذلك يقول أحدهم: أظلت علينا منك يوماً غمامة ... أضاءت لنا برقاً وأبطأ رشاشه فلا غيمها يجلى فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فتروى عطاشه
ثم إذا أنجز وعده فلا يتبع نفسه ما أعطى، وليفرح إذا كانت يده هي العليا، لأنه إذا أعطى لا يتبع نفسه ولا يتحسر، ودائماً يفكر أنه أعطى، فليفرح بذلك. النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». والشاعر يقول: فإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أنت بما تعطيه أم هو أسعد عسى سائل ذو حاجة أما نلته ... من اليوم سؤلاً أن يكون له غدوّ
ثم ليكن هذا العطاء لوجه الله سبحانه وتعالى وابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، فلا يطلب بهذا العطاء جزاءً ولا يطلب شكراً، لا يطلب جزاءً دنيوياً ولا مدحاً، بل يجعله لله رب العالمين؛ لأنه إن طلب بها الجزاء كان تاجراً متربحاً لا يستحق حمداً ولا مدحاً، وإن طلب الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء. فإنه إذا طلب بها حاجة دنيا كأنه تاجر يقايض بكرمه، وإن طلب بها حمداً وشكراً كان مرائياً، نسأل الله العافية والسلامة، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].
حكي أن أعرابياً أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال له: يا عمر الخير جزيت الجنة، اكسُ بنياتي وأمهن، وكلنا من الزمان جُنة، أقسم بالله لتفعلن. يقسم على أمير المؤمنين أن يفعل ذلك، فقال عمر: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال: إذاً أبا حفص لاذهبن. فقال: فإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال: يكون عن حالي لتسألن، يوم تكون الأعطيات هُن، هو موقف المسؤول بينهن، إما إلى نار وإما جنة. فبكى عند ذلك عمر حتى اخضل لحيته، ثم أمر له بعطية. نقف هنا ثم نعود إليكم بعد قليل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا عن مراتب الكرم وذكرنا قصة في آخر ذلك قصة الأعرابي الذي أتى عمر وبكى عمر وأجزل له العطية رضي الله تعالى عنه. هناك قصة من النوادر التي يحسن ذكرها، وهي يقال إن نبياً من الأنبياء رأى في ليلة من الليالي في المنام أنه قيل له: إذا أصبحت فأول شيء يستقبلك فكله، والثاني اكتمه، والثالث اقبله، والرابع لا تؤيسه، والخامس اهرب منه.
فلما أصبح وهو في النوم ما زال في النوم، أول شيء استقبله جبل أسود عظيم، فوقف متحيراً وقال: أمرني ربي أن آكله، آكل هذا؟ ثم رجع إلى نفسه وقال: إن ربي لا يأمرني بما لا أطيق. فلما عزم ومشى إليه ليأكله ودنا منه، صغر ذلك الجبل، فلما انتهى إليه وجده لقمة أحلى من العسل فأكله، وحمد الله تعالى ومضى.
فاستقبله طست من ذهب، فقال: أمرت بأن أكتمه، فحفر بئراً في الأرض ودفنه، ومضى. ثم لما التفت فإذا الطست فوق الأرض، فرجع مرة والثانية وهو يدفنه، ثم التفت فإذا هو على وجه الأرض، فقال: إني فعلت ما أمرت به، فذهب.
ثم استقبله طائر خلفه باز، أي طائر صغير وخلفه طائر جارح آخر يريد أن يأكل هذا الطائر، فقال: يا نبي الله أغثني. فقبله لأنه قال الثالث: اقبله، وجعله في كمه. فجاءه البازي فقال: يا نبي الله، إني كنت جائعاً وإني كنت في طلب هذا الصيد منذ الغداة حتى إذا أردت أن آخذه جاء إليك، فلا تؤيسني من رزقي. فقال في نفسه: إني قد أمرت أن أقبل الثالث وقد قابلته، وقد أمرت أن لا أؤيس الرابع، والرابع هذا البازي، فكيف أصنع؟ فتحير، ثم أخذ السكين وقطع من فخذ نفسه قطعة ورماها للبازي، فأكلها البازي وذهب، وترك هذا الطائر ومضى.
ثم رأى الخامس جيفة منتنة، فلما رآها هرب. فلما أمسى قال: يا رب إني قد فعلت ما أمرتني به، فبين لي ما كان من أمر هذه الأشياء. فرأى في نومه أنه قيل له: أما الأول الذي أكلته فهو الغضب، الغضب يكون في البداية كأنه الجبل، وهو في آخر أمره إذا صبر الإنسان وكظم غيظه يكون أحلى من العسل، يعني نهاية هذا الصبر الخير. والثاني هو العمل الصالح أو الحسنات، إذا أراد أن يكتمها الإنسان فإنها تظهر، لكن إذا أراد أن يفشيها فسدت. وأما الثالث وهو الذي قال اقبله، وهو من ائتمنك بأمانة فلا تخنه. وأما الرابع وهو الذي لا تؤيسه، فهو إذا جاء وسألك إنسان حاجة، وهذا هو الشاهد في هذه الحلقة، إذا جاءك الإنسان لحاجة فاجتهد في قضائها؛ فهو لما اجتهد في قضائها استطاع أن يقطع من جلده ويعطي ذلك الطائر. قال: والخامس هي الغيبة فاهرب منها أو فاهرب من الذين يغتابون.
هذه القصة تبين لنا أن الحاجة إذا قام الإنسان في حاجة الإنسان، فإن الله يعينه سبحانه وتعالى. تكلمنا عن البخل وتكلمنا عن الكرم وعن مراتب الكرم، وعن أشياء كثيرة في الكرم، وضد الكرم البخل، وتكلمنا عن شيء منه. لكن البخل لا بد من الوقوف عنده قليلاً، لأنه من أخبث الأمراض، مع كونه خلقاً ذميماً يجر إلى أخلاق أخرى ذميمة؛ فهو يجر إلى الحرص، لذلك لا بد أن يحتاط الإنسان أن يخلص نفسه من هذا المرض أو هذا الداء العضال، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم أدوأ الأدواء؛ يجر إلى الحرص ويجر إلى الشره ويجر إلى سوء الظن ويجر إلى منع الحقوق.
الحرص هو شدة الكدح والإسراف في الطلب، والشره معناه الاستكثار من غير حاجة ويستقل ما عنده مما يكفيه، وسوء الظن معناها أنه يعدم الثقة بمن هو أهل لها مع أنه في الحقيقة بعكس ذلك؛ وهذا يقع من الإنسان لأنه يعامل الناس بحسب ما يكون أو ما يراه من نفسه، فإذا وجد في نفسه خيراً ظن في الناس الخير، وإذا رأى في نفسه سوءاً اعتقد في الناس كذلك، وقد قيل في المثل: كل إناء بما فيه ينضح، نسأل الله العافية والسلامة.
وأما قولهم سوء الظن أنه من الحزم، فهذا له معنى؛ بعض الحكماء يقولون لا بد من سوء الظن بالناس، وهذا ليس مقصوده البداية، وإنما مقصوده عدم الاسترسال في سوء الظن.
حسن الظن يعني ألا يسترسل الإنسان جدا حتى يغبن أو يخدع. المرض الذي يجر إليه البخل أيضا هو منع الحقوق؛ فإن البخيل لا تسمح نفسه بفراق محبوبه وهو المال، فلا يذعن لحق ولا يستجيب إلى إنصاف ولا إلى عدل. إذا كان البخل يؤدي بالإنسان إلى هذه الأمراض المذمومة، فلا شك أنه من أسوأ الأخلاق التي لا يرجى من صاحبها خير ولا يؤمل منه صلاح، نسأل الله العافية.
ولذلك لما قال النبي ﷺ لبني سلمة كما في الأدب المفرد: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: الجد بن قيس، على أنا نبخل؛ لكن فيه صفة البخل، فقال النبي ﷺ: «وأي داء أدوى من البخل؟». وهكذا البخل له أيضا درجات كما أن الكرم درجات ومراتب، البخل له درجات، الشح كذلك وهو نوع من البخل. فالبخل بما يجب شرعا كالبخل بالزكاة هذا من درجات البخل، وأعظم درجاتها البخل بالزكاة، والبخل بالنفقة على الوالدين أو بالنفقة على الأزواج أو الأولاد مع أنه قادر على ذلك.
وكذلك من درجات البخل البخل على النفس مع الحاجة، وهذا من أشد أنواع البخل. فكم من بخيل يمسك المال عن نفسه ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل، وهو من هذه حاله سيبخل بكل الواجبات؛ إذا كان يبخل على نفسه فسيبخل على غيره، لأن البخل على النفس هو من أشد أنواع البخل. والعجيب أننا ذكرنا في مراتب الكرم أن هناك من يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وهذا من يبخل على نفسه وهو به خصاصة ذاك أعلى مراتب الكرم، من يؤثر على نفسه كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، يقدم غيره على نفسه مع أنه محتاج إلى ما قدمه لغيره، وهذا البخيل يمنع من نفسه ماله مع أنه محتاج إليه؛ كم بين هذا وهذا من الفرق! وهذه المرتبة التي يؤثرون على أنفسهم هذا من أعلى المراتب، والذي يبخل على نفسه هو من أسفل المراتب أو من أسفل السافلين.
ولذلك يقول أحد العلماء وهو محمد مولود؛ ذكر أمراض القلوب أشياء كثيرة، وذكر منها البخل ثم عرفه، وذكر علاجا له في أبيات له: فمنع ما يجب شرعا أو مروءة هو البخل الذي يذكر. فهو يعرف البخل على أنه منع ما يجب شرعا أو منع ما يجب مروءة؛ المروءة تحتم عليك أن تنفق، فإذا منعت ما تنفق فقد بخلت، وإذا منعت ما يجب عليك شرعا فقد بخلت. فالواجب الشرعي مثل الزكاة والنفقة على من يجب عليه النفقة، وحقوق الناس كحقوق الضيف والجار، وفك نفس؛ فأنت تجد نفسا يجب عليك فكها أو شخصا جائعا ويجب عليك إطعامهم، فإذا امتنعت هذا من الواجبات الشرعية فالبخيل الذي يمتنع من ذلك بخيل.
قال: ومن أمثلة ما تمنع منه المروءة ترك المضايقة في المحقرات، وترك الاستقصاء فيه أحرى، ألا يستقصي الإنسان في الشيء التافه خصوصا إذا كان من جار أو قريب أو من أثرى. وترك الاستقصاء في الضيافة، فبعض الناس مثلا يأتي ويكون إما ضيفا أو مضيفا فيطلب لأنه ضيف ويدقق في أشياء، أو إذا كان مضيفا يقول أنتم أنهيتم الطعام كله. وما لم يحسن ذلك فيه كشراء كفن، وكذلك لا يحسن في شراء الأمور الدينية كشراء كفن أو الأضحية، أو شيء يشتريه للفقراء، لا يحسن فيه أن يستقصي في السعر؛ فإذا أراد أن يشتري أضحية لا يستحسن فيه أن يماكس فيها، أو يشتري المصحف، أو ينفق نفقة على الفقراء، لا يحسن له أن يماكس في ذلك لأن هذا لله سبحانه وتعالى.
ثم قال محمد مولود: فمن يضايق من المضايقة في حقه كالجار غير لائقة هتك أستار المروءة. كما قال أجلاء الهداة الحكماء، كمن يؤدي الواجبات دون طيبة نفس، أو يؤدي الدون؛ أي يقصد الشيء الدني وينفقه، هذا كذلك من البخلاء. قال: وأصله أصل البخل حب الدنيا لذاتها، أن حب الدنيا لأجل الدنيا ولذلك يبخل على نفسه، أو لتنال النفس من لذاتها، وهذا الذي يبخل على الناس. ثم قال: عالج بمن بجمعها قد تعبوا دهرا طويلا فحولوا ما طلبوا، فبينما هم دارج مراقي زهرتها إذ هجمت حلاقي. وبازدراء البخلاء وبغضهم في الناس؛ حتى بعضهم لبعضهم يقول: عالج هذا البخل أو هذا المرض بهذه الأمور؛ عالجه بأن من الناس من يعيش في زهرة الدنيا ثم بينما هو يجمع ويمنع إذا بالموت يصل إليه، وعالج أيضا هذا الداء العضال في النفس بما تراه من بغض الناس للبخلاء، وما تراه من سوء البخلاء عند الناس ومن ذمهم لهم، حتى إن البخلاء بعضهم يذم بعضا.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري