دخولتسجيل الدخول

الحلقة 22

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا نتحدث فيها عن خلق الكرم. تكلمنا في الحلقة الماضية عن فضل الكرم وعن بعض مراتبه وعن بعض معانيه، ونتكلم في هذه الحلقة عن أخلاق أهل الكرم أو أخبار الكرماء، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير العالمين وأكرم الناس أجمعين.

تقول عائشة كما في الصحيحين في خبرها عن بداية الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء إلى خديجة وقال لها: «لقد خشيت على نفسي». قالت له خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. كل هذه الصفات التي فيك، تقري الضيف وتكسب المعدوم، هذه أنواع الكرم، فهذا الكرم الذي فيك لا يخيبك الله بسببه، بل لا يخزيك الله أبداً لأن فيك هذه الصفات الحسنة.

وفي الصحيحين من حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس. وأيضاً في الصحيحين من حديث جابر قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا. لم يقل لا مطلقاً، ولله در الفرزدق حين يقول: وما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم

وذكر بعض أهل العلم في هذا الحديث قصة عجيبة، وهي أن محمد بن السري العسقلاني قال: كنت أنا ورجل من أهل عسقلان نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن، فرأيت كأني وصاحبي اختلفنا في آية، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، قال صاحبي: كثيراً، وقلت أنا: كبيراً. فلقيت آدم بن أبي إياس وهو شيخ للبخاري فقلنا: نسألك، فقال: كيف تسألونني وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان؟ وهي رؤيا، قال: فقلت يا رسول الله ادع لي، فسكت. فقلت: يا رسول الله ما لك لا تدع لي؟ فوالله لقد حدثني سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنك ما سئلت عن شيء قط فقلت لا، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي. فقلت: يا رسول الله، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 68]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كبيراً، كبيراً، كبيراً». يعني أن رواية كبيرة هي المقدمة أو قراءة كبيرة.

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث جبير بن مطعم أنه قال: بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس في مقفله من حنين وهو راجع من حنين، قال: فعلقه الناس أو تعلقوا به يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، يعني إلى شجرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمت بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً». فرسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم البرية.

وأخبار جوده صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، ربما لو أردنا أن نتكلم لأخذنا في ذلك حلقات. ومن تلك الأخبار ما أشار إليه البوصيري رحمه الله في غزوة حنين حيث يقول: أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له، ولم تجُمجم. أي لم تتلعثم، بل أبانت عن كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وكيف لا ومستمد سيبه ... من سيب رب ذي عناية به أعطى عطايا أخجلت ديم الديم ... إذ ملأت رحب الفضا من النعم

أخجلت ديم، يعني أخجلت الغيوم التي فيها الماء الكثير. في ذلك اليوم النبي صلى الله عليه وسلم أعطى من خمسه من نصيبه وهو الخمس من الغنائم العجب العجاب، يقال إنه أعطى أكثر من ألف جمل، فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومئة من الإبل، فقال أبو سفيان: ابني يزيد -أعطه-، فقال: أعطوه أربعين أوقية ومئة من الإبل، فقال: ابني معاوية، قال: أعطوه أربعين أوقية ومئة من الإبل. فعند ذلك قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب أنت، ثم سالمت فنعم المسالم أنت، جزاك الله عنا خيراً.

والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أعطى في ذلك اليوم أناساً كثيرين جداً، منهم صفوان بن أمية، وكان صفوان وهو من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، فلما صار الفتح هرب صفوان إلى جدة يريد أن يركب بحراً إلى اليمن، فلحقه أو فجاء عمير بن وهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له: يا رسول الله، صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هارباً. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أمنته». فقال عمير: يا رسول الله أعطني شيئاً يعرفه به الأمان. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم العمامة التي دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، فخرج بها عمير حتى أدرك صفوان وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك تهلكها، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به. فعند ذلك رجع صفوان، وفي البداية قال له: لا تكلمني. فقال أي صفوان فداك أبي وأمي، أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من الناس، فقال صفوان: إن هذا -يعني عميراً- يزعم أنك قد أمنتني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق». قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، يعني أنا ليس بالضرورة أن أدخل الإسلام، اجعل عندي شهرين أختار إما أبقى أو أذهب. فقال: «أنت بالخيار فيه أربعة أشهر».

ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوازن استعار من صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً، ثم رب العالمين نصر نبيه وغنم غنائم كثيرة، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسير في تلك الغنائم ومعه صفوان بن أمية ينظر إليها، فجعل صفوان ينظر إلى وادٍ أو شعب قد امتلأ من النعم، فكان يديم النظر فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يراه، فقال له: «أيعجبك هذا الشعب؟». فقال: نعم. قال: «هو لك وما فيه». فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

والأخبار في كرمه كثيرة، في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وكان الرجل يسلم وما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.

ويكفي في كرم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة يشفع للناس، الناس كلهم يقولون: نفسي نفسي، الأنبياء كلهم يقولون: نفسي نفسي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمتي»، فيقال له: ارفع رأسك، اشفع تشفع، وقل يسمع لقولك. وهذا من أعظم الكرم.

ومن العجائب التي حصلت مع كرم النبي صلى الله عليه وسلم وعطائه للناس، كان يؤثر الناس على نفسه وعلى أهله وعلى أولاده، كان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء الملوك وهو يعيش عيشة الفقراء، فكان يربط على بطنه الحجر من الجوع، ويمر عليه الشهر والشهران والهلال والهلال ولا يوقد في أبياته شيء. ومرة من المرات اشتكت فاطمة رضي الله تعالى عنها وعليها السلام -كلمة عليها السلام بالنسبة لفاطمة ولآل البيت كان بعض السلف يقولها كالبخاري رحمه الله، فإنه بوّب في صحيح البخاري باب: فاطمة عليها السلام، وهذه الرواية أصلاً في صحيح البخاري جاءت بهذه الكيفية- أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى لأنها تطحن بالرحى، فاشتكت يديها وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عنده سبي، فلما علمت فاطمة ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجده، فذكر ذلك لعائشة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت عائشة ذلك له، فأتاهما -فاطمة وعلي- وكانوا قد أخذوا المضاجع، فأراد أن يقوم فقال: «مكانكما». فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه». هما جاءا للدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم يحولهما أو يعلقهما بالدار الآخرة بالتسبيح والتهليل والتكبير، مع أنه أتاه سبي، وفي بعض الروايات أنه قال: «لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيع هذا السبي وأنفق بأثمانهم عليهم».

فالنبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجود الناس وأرحم الناس صلى الله عليه وسلم، وكان مع جوده صلى الله عليه وسلم على الناس كان يؤثر الدار الآخرة، فكان يربط على بطنه الحجر، وكان يوماً يجوع ويوماً يشبع. ومرة من المرات دخل عليه عمر وهو نائم كما في الصحيحين على حصير، فنظر إليه عمر، واستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثر الحصير في جنبه، فلما نظر إلى عمر فإذا عمر يبكي، فقال له: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟». فقال: يا رسول الله، أنت رسول الله، أنت خير الخلق، وهذا الحصير يؤثر في جنبك، وهذه خزانتك في البيت لا أرى إلا إهاباً معلقاً، وكسرى وقيصر ينعمون في الديباج والحرير وأنت رسول الله وهذا الحصير يؤثر في جنبك! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما تريد أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل في أهل الكرم، وبدأنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخليقة على الله وهو أكرم الخليقة بلا شك، وهكذا تعلم الكرم منه أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الصحابة الكرام. ومن هؤلاء الصحابة الأنصار، فإنهم قد ضربوا المثل بالكرم، فإنهم كان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل في بني عمرو بن عوف وتحول إلى المدينة هو والمهاجرون، تنافس الأنصار في من يكسب المهاجرين، حتى أصبحوا يقترعون ويجعلون القرعة، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة، فكان المهاجرون في دور الأنصار وفي مساكنهم وفي أموالهم.

فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير، ومن الأنصار من قال لبعض المهاجرين: أنا أنزل لك عن زوجتي عندي زوجتان. المهم أنهم ضربوا المثل في الكرم، ثم لما أفاء الله على رسوله في بني النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس وقال: «ادعُ قومك»، يعني الأنصار، فقال ثابت بن قيس: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل الأنصار كلها». فدعاهم ثابت بن قيس بن شماس، دعا الأوس ودعا الخزرج، فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم لهم في دورهم وإيثارهم على أنفسهم، ثم قال: «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله تعالى عليّ من بني النضير». يعني غنائم جاءت من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى معكم وفي أموالكم وفي مساكنكم، «وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم»، يعني أعطيتهم هذه الغنائم وتركوا لكم الدور وتركوا لكم أموالكم.

فعند ذلك تكلم سعد بن عباده وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهما فقالا: يا رسول الله بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عباده سيد الخزرج. وعند ذلك قال الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، رضينا وسلمنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيراً، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي: جزى الله عنا...

جعفرًا حين أزلق بنا نعلن في الواطئ فزلت، أبوا أن يملوا، ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت.

وهناك صحابة مشهورون بالجود، ومنهم الصحابي الجليل لبيد بن ربيعة؛ فقد ذكر غير واحد من العلم أن لبيد بن ربيعة العامري، وهو شاعر مشهور، كان قد نذر أنه إذا هبت الصبا ينحر ويطعم. ونزل الكوفة في سنة من السنين، وكان المغيرة بن شعبة هو أمير الكوفة، فهبت الصبا، فقال المغيرة بن شعبة -وهم يعلمون نذر لبيد بن ربيعة، ويكنى أبا عقيل-: أعينوا أبا عقيل على مروءته. فجاءوا، وكان في ذلك الوقت لبيد بن ربيعة مملقًا.

فعند ذلك سمع بهذا الخبر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان أميرًا لعثمان، فخطب الناس وقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل وما أخذ على نفسه، فأعينوا أخاكم. ومنهم من قال إن الذي قال ذلك المغيرة، ومنهم من قال إن الذي قالها الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم نزل وبعث إلى لبيد بن ربيعة مائة من الإبل، وبعث إليه الناس بأشياء، فنحرها رضي الله تعالى عنه.

وكتب إليه الوليد وهو يرسل له الإبل أبياتًا يقول فيها: أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل أغر الوجه أبيض عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل يفك ابن الجعفري بحل فيه ... على العلات والمال القليل على العلات؛ يعني على قلة ذات اليد، بنحر الكوم إذ سحبت إليه ... ذيول صبا تجاوب بالأصيل

فلما أتاه الشعر وكان قد ترك قول الشعر رضي الله عنه، لما هو كان من أشعر الناس، ثم لما قيل له في الشعر قال: أبدلني الله البقرة وآل عمران. قال لابنته -وكانت شاعرة-: أجيبي، فقد رأيتني وما أعيا بجواب شاعر. فأنشأت البنت تقول: إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليد شم الأنف أصيد عبشمي ... أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأن ركبًا ... عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرنا وأطعمنا الثريد فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن تعودا وابن أروى يعني أم عثمان وهو أخوه لأمه. قال: ثم عرضت الشعر على أبيها فقال: أحسنت لولا أنك استزدته. فقالت: لو كان سوقه ما طلبته، ولكنه أمير.

وهكذا من الأجواد المشهورين قيس بن عاصم، وهو صحابي جليل وقيس بن عاصم له أخبار مشهورة، ومن ضمن ما قيل عنه أنه مرة تزوج امرأة فقدمت له طعامًا فقال: أين أكِيلي؟ فما علم ماذا يقول. فقال: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردي إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما بي إلا تلك من شيم العبدي

وأخبار الأجواد من الصحابة كثير جدًا. ومن الصحابة المشهورين بالجود عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ابن ذي الجناحين، وكان أبوه من الأجواد أيضًا، فكان معروفًا يسمى أبا المساكين، سماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا المساكين، فكان المساكين يحبونه وهو يحبهم ويدعوهم. وكان أبو هريرة يقول: إنه يدعونا إلى بيته ويقدم لنا ما عنده، حتى إن كان ليخرج لنا العكة فنشقها ونأكل ما فيها أو ننهي ما فيها.

فعبد الله كان مضروبًا به المثل، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابن ذي الجناحين كان يضرب به المثل في الكرم، بل قيل إنه لا يوجد في أهل الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هو أكرم من هذا الرجل، وأخباره كثيرة وعجيبة حتى لا يكاد الناس يصدقونها.

من أخباره أن رجلاً جاء ومعه سكر، تاجر سكر وفسد عليه السكر، فما علم ماذا يفعل سيخسر، فذهب إلى والي ذلك المكان فأبى أن يقبل منه أو أن يعينه، فقال له الناس: اذهب إلى عبد الله بن جعفر فإنه يشتري السكر منك. فذهب إلى عبد الله بن جعفر فقال: كم قيمته؟ قال: أربعة آلاف درهم. فقال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف درهم. وأخذ السكر وقال لغلامه: يا غلام، انثره للناس ثم اصرخ في الناس فلينتهبوا أو فليأخذوا. فأخذ الناس، يرى الناس يأخذون من السكر، وهذا التاجر صاحب السكر الأصلي يرى الناس ينهبون من سكره وهو قد أخذ الثمن.

فجاء وقال لعبد الله بن جعفر: رحمك الله، أخذوا معهم؟ قال: نعم، خذ. فأخذ التاجر يأخذ معهم من ضمن الآخذين للسكر، ثم لما ذهب التاجر قال: والله هذا الرجل لا يدري ماذا يفعل، أرجع إليه غدًا وأسأله الثمن. فرجع إليه في اليوم التالي وقال له: ثمن سكري؟ فقال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف، فأعطاه الغلام أربعة آلاف. فذهب وجاء من اليوم الآخر وقال: هذا لا يعلم، وقال: ثمن السكر؟ فقال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف، يا فلان هذه اثنا عشر ألفًا. هو يظن أنه لا يعلم بما أعطاه إياه من الدراهم.

ومرة من المرات جاءه رجل وقال له أبياتًا يقول فيها: إني رأيتك في المنام ورأيت الدراعة التي أنشئت من الخز أو نسجت من الخز ورأيتك تعطيني هذه الدراعة. الأبيات التي يقول فيها: رأيت أبا جعفر في المنام ... كساني من الخز دراعة شكوت إلى صاحبي أمرها ... فقال ستؤتى بها الساعة سيكسك الماجد الجعفري ... ومن كفه الدهر نفاع ومن قال للجود لا تعدني ... فقال له السمع طاعة

فقال له عبد الله لغلامه: أعطه جبتي الخز، لأنه رآها في المنام ورأى أنه يعطيه إياها. ثم قال له عبد الله: ويحك، كيف لم تر جبتي الوشي التي اشتريتها بثلاثمائة دينار، وهي منسوجة من أنفس النسيج؟ فقال الرجل: دعني أنام قليلاً فلعلي أراها. فضحك عبد الله وقال: ادفعوها إليه.

ومن أخبار عبد الله رضي الله تعالى عنه أن معاوية رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين كان يعطيه ألف ألف درهم، فلما مات معاوية وفد على يزيد ابنه فقال: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ قال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف. فقال يزيد: قد زدناك لترحم عليه ألف ألف. فقال: بأبي أنت وأمي. قال: ولهذه ألف ألف. قال: أما إني لا أقولها لأحد بعدك.

فقيل ليزيد: كيف تعطي هذا المال رجلاً واحدًا من المسلمين؟ فقال بعدما ذهب: إني لا أعطيها لرجل واحد، وإنما أعطيها أهل المدينة. ثم أرفق معه رجلاً ينظر ماذا يفعل، فلما قدم المدينة وزع هذه الأموال التي أعطاها إياه يزيد في يوم واحد، ولم يدخل معها أو منها في بيته شيئًا. ولذلك قال كثير من أهل العلم إنه لا يوجد مثل هذا الرجل في الكرم أحد من أهل الإسلام، وهناك نظراء أو أقل منه قدرًا، لكن في مثل كرمه قيل إنه متفرد بذلك رضي الله تعالى عنه.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].