دخولتسجيل الدخول

الحلقة 20

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا نتحدث فيها عن خلق الصدق. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن الكذب الممدوح أو المحمود أو المباح، والذي ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً». وذكرنا أن بعض أهل العلم حملوا هذا الحديث على استخدام المعاريض، ومنهم من حمله على استخدام الكذب الصريح، وقالوا إن مصلحة الكذب إذا كانت راجحة على الصدق، ففي أمثال ذلك يجوز الكذب. وأكثر العلماء أو كثير من العلماء يقولون إنما المقصود بها المعاريض.

وذكرنا شيئاً من المعاريض، وقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا إن في المعاريض لمندوحة، أي أن يلجأ إليها الإنسان ولا يكذب، ويتحاشى بذلك الكذب؛ لأنه قد يضطر إلى أن لا يجيب سائله عما لا يريد أن يجيب به، أو يريد أن يخفيه. ومعنى أن في المعاريض لمندوحة من الكذب: أي أن في المعاريض فسحة وسعة يستغني بها الرجل عن الاضطرار إلى الكذب. ولذلك يقول ابن سيرين رحمه الله عليه، وهو أحد أئمة التابعين تابعي البصرة: الكلام أوسع من أن يُكذب فيه.

وذكرنا فيما مضى أنه يجوز استعمال المعاريض عند الحاجة إليها، وكذلك إذا كان في استعمالها مصلحة، أو ليس في استعمالها مفسدة. وأوجه استعمالها كثيرة، وورد في السنة وفي السيرة شيء من ذلك. فمثلاً الحرب؛ يجوز فيها استعمال المعاريض. وقد استعمل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ ركب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في غزوة بدر، عندما وصلوا إلى بدر قريباً من ماء بدر، ركب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وجالا أو ذهبا في ناحية من المكان، فالتقيا برجل يقال له سفيان الضمري. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا سمعت عن محمد وأصحابه أو قريش وقومهم؟» فقال: من أنتما؟ فقال: «أخبرنا ونخبرك». قال: أذاك بذاك؟ قال: «نعم». قال: أما محمد فسمعت أنه خرج في يوم كذا وكذا، أو قيل لي إنه خرج في يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهو في مكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قريش فقيل لي إنها خرجت في يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم في مكان كذا وكذا. ثم قال: إذاً من أنتما؟ أو ممن أنتما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء». فقال الرجل: من ماء العراق؟ ظن أنها منطقة أو بلد في العراق، والنبي صلى الله عليه وسلم كنى بذلك، وأراد أنهم من ماء، والناس كلهم مبدأهم من ماء، وآدم من طين.

ومن أوجه استعمال المعاريض المزاح؛ النبي صلى الله عليه وسلم استعمل في المزاح المعاريض. ففي المسند وسنن أبي داود من حديث أنس بن مالك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه أن يحمله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني حاملك على ولد الناقة». فقال الرجل: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».

ومن ذلك أيضاً في مسند أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وهو بادية النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي حاضرته كما جاء في الحديث، وكان النبي يحبه حباً شديداً، وكان الرجل دميماً. فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يبيع في السوق، فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني! من هذا؟ ثم التفت الرجل إذا النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟». النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بالعبد أنه عبد لله، وقد يظن الظان أن المقصود أنه عبد مملوك يباع. فقال الرجل وهو زاهر: يا رسول الله، إذاً والله تجدني كاسداً، أي رخيصاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكنك عند الله لست بكاسد، أو أنت عند الله غالٍ».

ومن الأسباب التي يمكن أن تقال فيها المعاريض أو تستخدم فيها المعاريض الخوف. يقال إنه أُتي بأحد العلماء في فتنة القول بخلق القرآن، فقيل له: أتشهد أن القرآن مخلوق؟ فقال: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هذه الأربعة مخلوقة. فالمُمتحِن له يظن أنه يقصد التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وهو يقصد أصابعه، مد أصابعه الأربعة وقال: هذه الأربعة مخلوقة، وتخلص من القتل.

والحاجة أيضاً قد تؤدي إلى استخدام المعاريض، ومن ذلك أن رجلاً أراد أن يصل إلى المأمون، المأمون حاكم المسلمين وأمير المؤمنين في عهده، أراد أن يصل في مظلمة له ومنع من الوصول إليه، فجاء عند الباب وقال: أنا أحمد النبي المبعوث. فأخبر المأمون وأدخل الرجل على المأمون، فقال له: ما تقول؟ فذكر مظلمته، فقال له: ما تقول فيما حُكي عنك؟ أنت يقال إنك تنبأت. فقال: وما هو؟ قال: ذكروا أنك تقول إنك نبي. فقال: معاذ الله! إنما قلت: أنا أحمدُ النبيَ المبعوثَ؛ أحمدُ هنا فعل، وليس أحمد الاسم. أنا أحمدُ النبيَ المبعوثَ، أفلسْتَ يا أمير المؤمنين ممن يحمده؟ قال: نعم، وأُسِيّ ونظر في أمره.

والصدق والكذب لهما بواعث أو لهما أسباب تبعث عليهما. فهناك أسباب تبعث على الصدق، وهناك أسباب تبعث على الكذب. والعلماء يقولون إن أسباب الصدق يتفق عليها الناس، ولذلك نجد الأخبار الصادقة تتواتر، يمكن أن يصلنا خبر صادق عن جملة من الناس كثيرون. وأما الخبر الكاذب فلا يصل إلا عن رجل أو رجلين، لا يمكن أن يصل الخبر الكاذب عن أناس يستحيل تواطؤهم على الكذب؛ لأن دواعي الكذب لا يتفق عليها الناس. وأما دواعي الصدق فيتفقون عليها.

ومن دواعي الصدق الشرع؛ الدين. الشرع جاء بالترغيب في الصدق واتباعه، وجاء بالترهيب من الكذب واستعماله. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد: 21]. ويقول في الكذب: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: 10]، أي لُعن الكذابون. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42]، أي لا تخلطوا الصدق بالكذب. والصدق صفة لكلام الله سبحانه وتعالى، والله أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122].

الصدق حلية المتقين، وبالصدق جاء إمام المرسلين النبي صلى الله عليه وسلم، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]. وأما الكذب فهو شعار المنافقين، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 24].

الصدق ينجي من أهوال يوم القيامة ويدخل الجنة، ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119]. وبينما الكذب يردي ويهلك، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 60]. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».

وفي موطأ الإمام مالك من حديث صفوان بن سليم، أن النبي صلى الله عليه وسلم -وصفوان بن سليم لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث مرسل- أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: «نعم». فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: «نعم». فقيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: «لا». إذاً هذا الكذب جاء ذمه في الشرع، والصدق جاء مدحه في الشرع. وذكر جماعة من الصحابة أن الكذب مجانب للإيمان، منهم أبو بكر الصديق يقول: إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب للإيمان. وسعد بن أبي وقاص يقول: كل الخصال يُطبع عليها المؤمن إلا الكذب والخيانة. وروي عن عائشة أنها قالت: ما كان خُلق أبغض إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم صلى الله عليه وسلم أنه أحدث منها توبة. ولذلك يقول الشاعر: عوّد لسانك قول الصدق تحظَ به إن اللسان لما عوّدتَ معتادُ موكل بتقاضي ما سننتَ له في الخير والشر فانظر كيف ترتادُ

والصدق كما أنه ممدوح في الشرع، كذلك تحلى به الأنبياء وتحلى به الصديقون، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم، تحلى به قبل النبوة فكان يسمى الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. ولما بُعث جمعهم كما في الصحيحين، وقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، أو ما جربنا عليك كذباً. وهكذا الصديقون سُموا بذلك لأنهم أهل صدق.

وكما أن الصدق ممدوح في الشرع والكذب مذموم في الشرع، فكذلك في العقل، الصدق محمود في العقل، ممدوح في العقل، العقل يوجب حسن الصدق ويوجب قبح الكذب. ويكفي الصدق حُسناً وزيناً وحلاوة ومدحاً أن صاحب الصدق إذا عُرف به قُبل كذبه، الصادق لو كذب مرة لقُبل كذبه، كما أن الكاذب يكفيه قبحاً أن صاحبه إذا عُرف به لو صدق ما صُدّق. ولذلك يقول الشاعر: حسب الكذوب من البلية بعض ما يُحكى عليه فإذا سمعتَ بكذبةٍ من غيره نُسِبَتْ إليه

وأما أحياناً بعض الكذب يستحسنه العقل، لكنه في الشعر ما يحصل من المبالغات في الشعر التي تُعد في الحقيقة كذباً يستحسنها الناس، ويستحسن السامع بعقله، لكنها ليست في الحقيقة كذباً؛ إنما يستحسنون لأنها خرجت مخرج المبالغة في التشبيه والاقتدار، القدرة على صنعة الشعر، وليس المعنى أنها كذب في الحقيقة. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الأسباب الباعثة على الصدق، أما الأسباب الباعثة على الكذب فهي كثيرة؛ منها إرادة التشفي من العدو، إنسان معادٍ لإنسان يصفه بأسوأ القبائح وهي ليست فيه. ولذلك ورد التحذير في القرآن من ترك العدل بسبب البغض، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، يعني بغضهم لا يحملكم على عدم العدل. ولذلك جاء في الحديث عدم قبول شهادة العدو على عدوه؛ لأن العداوة قد تحمله على الكذب، ففي مسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ذو الغمر هو صاحب الشحناء وصاحب العداوة.

ومن الأسباب أيضاً الباعثة على الكذب إرادة جلب النفع أو دفع الضر؛ فقد يظن المتحدث بالكذب أن الكذب أسلم وأغنم له فيرخص لنفسه فيه، مع أن الكذب أبعد شيء عما يؤمله أو يرجوه. ولذلك يقول منصور بن معتمر، وهو أحد الأئمة الأثبات وهو من طبقة التابعين، إلا أنه لم يروِ عن الصحابة يروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الحديث مرسلاً أو معضلاً، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة، فإن فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة، فإن فيه الهلكة».

وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول: لأن يضعني الصدق، وقَلّ ما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب، وقَلّ ما يفعل. ويقول بعض السلف: عليك بالصدق وإن قتلك الصدق. والشاعر يقول: عليك بالصدق ولو أنه أحرقك الصدق بنار الوعيد وابغِ رضا الله فواغْبُراً من أسخط المولى وأرضى العبيد

والحكماء يقولون: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مُرديك وإن أمنته، الكذب مُرديك وإن لم تخف، والصدق منجيك على كل حال. ومن الناس الذين أنجاهم الصدق بعد أن عُوتِب بالقرآن وعاتبه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو كعب بن مالك أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم المشهورين، وشعراؤه كما هو معلوم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك. فكعب بن مالك ممن تخلف عن غزوة تبوك، وهو رجل مشهور. ولما نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224]، جاء كعب بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشعر ما قد علمت، فكيف ترى يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه وبلسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل»، يعني هذا الشعر كأنه السهام، وكان كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه يذكر الحرب عندما يتكلم في هجائه ضد المشركين، ويقول لهم فعلنا ونفعل، ويتهدد حتى قيل إن دوساً قد...

أسلمت بسبب بيت قاله كعب بن مالك خوفاً من ذلك البيت، يقولون إن كعب بن مالك قال: قضينا من تهامة كل ريب، وخيبر ثم أجممنا السيوفا، نُخَيِّرُ لو نطقت لقالت قطام، عَنَنَّ دَوْسًا أو ثقيفا. نُخَيِّرُها ولو نطقت -يعني السيوف- لقالت قطام، عَنَنَّ -يعني المكان الذي تقطع به- لقالت دوساً أو ثقيفاً، يعني عليكم بدوس وعليكم بثقيف، نذهب إلى دوس ونذهب إلى ثقيف. فعند ذلك جاءت دوس وأسلمت بسبب هذا البيت.

وله رد على ابن الزبعرى؛ مدحه النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: ومواعظ من ربنا نهدى بها، بلسان أزهر طيب الأثواب، عرضت علينا فاستحرنا بعدما، عرضت على الأحزاب. حكما يراها المجرمون بزعمهم، حرجاً ويفهمها ذوو الألباب، جاءت سخينة كي تغالب ربها، فليغلبن مغالبُ الغلاب. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «لقد شكرك الله يا كعب على بيت قلته»، وهو هذا البيت: جاءت سخينة كي تغالب ربها، فليغلبن مغالبُ الغلاب.

كعب بن مالك تخلف عن غزوة تبوك، وذكر حديثه وكان هذا الحديث عجباً من العجاب، يقول كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، إلا أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد من الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بدر هو والمسلمون يريدون قريشاً، ما كان يعلم الناس أنه سيقاتل حتى جمعه الله وعدوه على غير ميعاد.

قال: ولقد شهدت ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، يعني هو من أصحاب العقبة من الناس المتقدمين في الإسلام، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. قال: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزا النبي صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم -أي بين لهم أمرهم- ليتهيؤوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ؛ يريد بذلك الديوان.

قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب أو يتخلف إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. وغزا النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، قال كعب: فأنا إليها أصعر -أي أميل-. قال: فتجهز النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً.

قال: ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارق الغزو، قال: فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله سبحانه وتعالى من الضعفاء.

قال: ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟». فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فبينما هو على ذلك -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.

يقول كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً -يعني رجع من تبوك- حضرني بَثِّي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل رأي، قال: حتى ظل النبي صلى الله عليه وسلم قادماً، فزاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء، قال: فأجمعت صدقه، وهنا الشاهد.

ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وجلس للناس، جئت وجاء المعذرون قبلي، ويعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم ويحلفون له، والنبي يعذرهم حتى جئت، فلما جئت وسلمت قال: تبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال»، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟». قال: قلت بلى يا رسول الله، ثم قال: والله يا رسول الله، لو أني جلست عند أحد من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، إني رجل أُعطيتُ جدلاً -لأنه شاعر-، ولكني لئن حدثتك حديثاً فيه كذب ترضى به عني ليوشكن أن الله يسخطك علي، وإن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله عز وجل، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك».

قال: فذهبت، فلحقني أناس من بني سلمة من جماعته، وقالوا: والله ما عهدناك أو علمناك أذنبت ذنباً، هل عجزت أن تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعتذر إليه المخلفون؟ قالوا: فما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل وجد ذلك معي أحد؟ قالوا: رجلان ذُكِرَ مثلما قيل لك، وذكر لهما مثلما قيل لك، هم مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، فمضيت، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامهم -يعني هؤلاء الثلاثة- وضاقت عليهم الأرض، حتى بلغوا أربعين ليلة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن كل واحد منهم يعتزل امرأته، فقالوا: نطلقها؟ قال: لا.

قال: فبينما نحن كذلك وضاقت علينا الأرض بما رحبت، قال: ذهبت وكنت أصلي في المسجد، وصاحباي استكانا فجلسا في بيتيهما يبكيان، وأما هو كان أشب القوم، فكان يصلي ويسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، فإن أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإن نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم انصرف عني. وكان إذا جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقول: والله لا أدري هل رد -حرك شفتيه برد السلام- أم لا.

قال: ثم ذهبت إلى حائط أبي قتادة أحب الناس إلي، وتصورت الحائط وقلت: يا أبا قتادة، أسألك بالله أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناه.

قال: فبينما نحن كذلك، وإذا أنا أصلي في يوم خمسين من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامهم، قال: فإذا صوت يقول: أبشر يا كعب بن مالك، وكان الله قد أذن بتوبته، أذن رسوله بتوبته علينا، قال: فلما سمعت الصارخ يقول أبشر يا كعب بن مالك، سجدت شكراً لله، ثم ذهبت إلى المسجد والناس يهنئونني فوجاً فوجاً. قال: فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبشر بخير يوم منذ ولدتك أمك»، قلت: يا رسول الله من عندك أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله سبحانه وتعالى».

وكان الله سبحانه وتعالى قد ذكرهم وقال: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 117-118].

ثم قالت سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، يعني هؤلاء الصادقين الثلاثة، كونوا مع الصادقين، فبصدق هؤلاء الله نجاهم وعذرهم وتاب عليهم سبحانه وتعالى، فالصدق ينجي والكذب يهلك.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].