﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا نتكلم فيها عن الصدق والكذب. كنا تكلمنا في آخر الحلقة الماضية عن الصدق المذموم، وذكرنا في آخر تلك الحلقة أن من الصدق المذموم الغيبة، وأن الله سبحانه وتعالى ذكرها في القرآن: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ذكرك أخاك بما فيه»، إن ذكرت أخاك بما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته.
نحن نعلم أن الغيبة محرمة، وأنه لا يجوز أن يغتاب الإنسان إنساناً آخر، إلا أن العلماء استثنوا من ذلك أشياء، وسيأتي الحديث عنها. لكن إذا كنت أنت لا تغتاب واغتاب أحدٌ عندك، فما الذي يجب عليك؟ يحرم عليك الغيبة، وأنا تجنبت الغيبة، لكن أنا في مجتمع أو في أصحاب قد يغتابون الناس وأنا معهم، فما الذي يجب علي؟ قال العلماء: يجب على الإنسان أن ينكر الغيبة المحرمة بألطف أسلوب إن استطاع، وإلا فإن عجز أو لم يقبل المغتاب، يفارق ذلك المجلس الذي حصلت فيه الغيبة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، ليس الكلام فقط بل السمع والبصر والفؤاد.
ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]، يخوضوا في آياتنا يدخل فيها الغيبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى نهى عنها، فالخوض فيها خوض في آيات الله تبارك وتعالى، ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». إذاً ينبغي للإنسان أن يرد عن عرض أخيه.
وهكذا كان دأب العلماء، العلماء لا يتركون أحداً يتكلم أو يغتاب في المسلمين وهم جالسون. ولذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كما في الصحيحين، سأل عن كعب بن مالك؛ كعب بن مالك الصحابي شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد الشعراء الثلاثة الكبار المشهورين، وهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. لما استقر النبي أو وصل إلى تبوك، فقد كعب بن مالك، فقال: «ما فعل كعب بن مالك؟»، فقال رجل من بني سلمة من قومه: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظر في عطفيه؛ يعني كأنه يشير إلى كِبر عنده، حبسه الكِبر، أنه رجل مشهور ورجل له مكانته، فالذي حبسه عنك كِبره، حبسه بُرداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه -ومعاذ كان من علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا العلماء؛ يقول الفضيل بن عياض وهو عابد الحرمين المشهور: ربما قال الرجل «لا إله إلا الله» أو «سبحان الله» فأخشى عليه النار. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: ربما قال الرجل «لا إله إلا الله» أو «سبحان الله» فأخشى عليه النار. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه ويعجبه ذلك فيقول «لا إله إلا الله»، يعني الشخص المتكلم بين يديه يغتاب وهذا يُهَلِّل؛ يعني كأنه معجب بهذه الغيبة، فلا إله إلا الله ليس هذا موضعها، ولذلك يقول الفضيل: ليس ذلك موضعها، إنما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له: اتق الله.
ويقال إن رجلاً اغتاب رجلاً عند قتيبة بن مسلم، فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمظ بمضغة طالما لفظها الكرام؛ يعني هذا الكلام الذي تكلمت به يلفظه الكرام ولا يريدونه. ولذلك يقول الشاعر: وصُن سمعك صوناً عن سماع القبيحِ كما صُنت لسانك عن نطقِ بهِ فإنك عند سماع الحديثِ شريكٌ لقائلهِ فانتبه.
ومع هذا الوعيد الذي ورد في الغيبة، إلا أن العلماء جوزوا الغيبة في بعض الأحيان، كما قلنا، الصدق حلال والصدق طيب ومنه ما هو مذموم وهو الغيبة، كذلك الغيبة يُستثنى منها أمور؛ يعني يمكن أن تُباح الغيبة لكن لأغراض شرعية، لأغراض صحيحة، لا يمكن بشرط أن هذه الأغراض الصحيحة التي يغتاب عندها لا يُوصل إلى هذا الغرض الصحيح إلا بالغيبة، فإن أمكن الوصول إلى الغرض الصحيح بدون هذه الغيبة حُرِّمت الغيبة مطلقاً.
والعلماء بينوا الأسباب المبيحة للغيبة، وتفصيل الكلام في هذا يطول، لكن من ضمن تلك الأسباب التي ذكروها وأنها تُجيز الغيبة: التظلم. يعني إذا الشخص مظلوم وأراد أن يذهب إلى السلطان يتظلم عنده، أو أراد أن يذهب إلى القاضي ويبين له أن فلاناً ظلمه، أو يذهب إلى شخص له قدرة على إنصافه، فيقول: ظلمني فلان بكذا وظلمني بكذا، فهذا يجوز. لما تقول: ظلمني فلان، هذه غيبة لكنها جائزة لأنك تتظلم عند من يستطيع أن يرد حقك، بخلاف من لا يستطيع ذلك، أو التظلم عند كل أحد؛ يعني من الناس من يأتي إلى الناس ويقول لهم: فلان ظلمني وفلان ظلمني، وليس هناك فائدة من ذكر هذا التظلم عند الناس، إنما هو غيبة محضة، فإذاً جواز التظلم إنما يكون إذا كان عند شخص يمكنه إزالة ذلك الظلم.
والحالة الثانية التي تجوز فيها الغيبة: الاستفتاء. يقول المفتي مثلاً أو يقول السائل للمفتي: ظلمني أخي، أو تقول المرأة: ظلمني زوجي، أو يقول: فلان ظلمني بكذا، فهل له ذلك؟ أو ما هي طريقة الخلاص منه؟ أو كيف الطريقة لتحصيل حقي منه؟ وكيف الطريقة أن أدفع الظلم عني؟ ونحو هذا الكلام، فهذا يجوز، وإن كان الأحوط فيه أن يُكنِّي؛ يعني يقول: ما تقول في رجل أو في شخص ظلم شخصاً؟ أو في زوج ظلم امرأة وكان من أمره كذا.
ومن الأسباب أو الحالات التي جوز فيها العلماء الغيبة: المشاورة. عندما يستشيرك شخص في مصاهرة إنسان له أو مشاركته أو معاملته ونحو ذلك، يأتي ويقول: فلان خطب ابنتي مثلاً، أو فلان أريد أن أشاركه في تجارة، أو أريد أن أعامله في معاملة. فهنا يجب على المستشار ألا يخفي من حاله شيئاً، ما دام أن إخفاء هذا الحال الذي سيخفيه سيضر بالمستشير، فعليه أن يخبر المستشير بما يذهب عنه ذلك السوء الذي قد يلحقه لو لم ينصحه المستشار. وهناك أسباب كثيرة ذكرها العلماء، ومنها غيبة المبتدع والتحذير منه، وأشياء من هذا القبيل.
والأمر الثاني الذي يعتبر صدقاً لكنه مذموم: النميمة. قلنا الغيبة هي من الصدق لكنها صدق مذموم لأنها لا خير فيها، وهكذا النميمة لأنها تحدث الشحناء والبغضاء بين الناس، هي أسوأ من الغيبة، هي غيبة وزيادة؛ لأن النميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، يأتي إلى هذا ويقول: فلان يقول فيك كذا، وقد يكون فلان قاله، ويرجع إليه ويقول: فلان قال فيك كذا. والله سبحانه وتعالى قد ذم النمام بآيات متعددة، منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11]. وفي الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة نمام».
وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنهما يعذبان»؛ مر بقبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله». والعلماء لهم مواقف من النمام، مثلاً ابن عباس جاءه رجل وكان ابن عباس والياً على البصرة لعلي رضي الله عنه، فجاءه رجل بنميمة، فقال له ابن عباس: إن شئت سألنا عما جئت به، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبنا، وإن شئت أقلك؛ يعني عفونا عنك ولا نتبع ما قلت. فقال: بل أقلني أو اعفُ عني.
وهكذا رأى عمرو بن معاوية العتبي رجلاً يسعى برجل عند صديق له، يعني ينم له، فقال له: تَنَزَّه سمعك عن استماع الخَنا كما تُنزه لسانك عن التكلم به، فإن السامع شريك القائل، وإنما هذا النمام نظر شر ما في وعائه فأفرغ في وعائه، ولو رددت كلمة ساعٍ إلى فيه لسعد رادها كما يشقى قائلها.
والأخبار في هذا كثيرة؛ مصعب بن زبير رضي الله تعالى عنه، أخو عبد الله بن الزبير، أبناء الزبير بن العوام، جاءه الأحنف بن قيس فعتب عليه في شيء قد بلغه عنه. الأحنف بن قيس هذا الحليم المشهور، وذكرنا أشياء من قصصه، فعتب عليه مصعب بن الزبير وقال له: قد بلغني عنك كذا وكذا. فاعتذر الأحنف -يعني أنه ما قاله- أو نحو هذا الكلام، فقال: أخبرني بذلك الثقة. فقال: كلا يا أمير، الثقة لا ينم؛ لو كان ثقة ما جاء ينقل الحديث. وقيل لرجل من الناس: إن الأَسوار -وهو من القصاص- لم يزل يذكرك في قصصه بسوء. فقال الرجل الذي بُلِّغ بهذا الكلام: يا هذا، يا من نقلته إليّ، والله ما رعيت حق مجالسته حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حق مجالستي حين نقلت عن أخي ما أكرهه؛ اعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا. وكان يقال: من نَمَّ لك نَمَّ عليك. وأبو الأسود الدؤلي يقول: لا تقبلن نميمةً بَلَّغْتَها وتَحَفَّظَنْ إنّي أُنبِّئُكَ أنَّ الذي ألقى إليكَ نَميمةً سَيَنِمُّ عنكَ بمثلها قد حَاكَهَا.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الصدق المذموم وهو الغيبة والنميمة. وأما الكذب الممدوح، وإن كان أكثر الكذب غير ممدوح، فهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً». زاد مسلم في روايته قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
طبعاً الثابت من حديث النبي صلى الله عليه وسلم هو في الإصلاح، وأما بقية الثلاثة وهي الحرب وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها، فهذا من قول ابن شهاب وهو أحد أئمة التابعين الكبار، ورد في بعض الأحاديث كأنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الصواب الذي عليه نُقاد الحديث أن الكلام عن الحرب، والكذب في الحرب، أو كذب الرجل على زوجته والزوجة على زوجها، هذا من كلام ابن شهاب، والعلماء متفقون على صحة هذا الحديث وعلى جواز العمل به، لكنهم مختلفون في معناه، واختلافهم يسير.
واختلافهم في شيئين أو على وجهين أو على قولين: من أهل العلم من ذهب إلى أن الكذب الصريح لا يجوز مطلقاً، لا في الحرب ولا في إصلاح ذات البين، ولا في كلام الرجل لزوجته ولا في غير ذلك، ومن هؤلاء ابن مسعود وغيره من الصحابة وغيره من أهل العلم، يقولون: الكذب لا يصلح في جِدٍّ ولا هزل. طيب ما معنى هذا الحديث «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس»؟ عند هؤلاء العلماء حملوا هذا الكذب في الحديث على أنه ليس الكذب المتعارف عليه بين الناس، وإنما المقصود به المعاريض، وهي التورية بالشيء عن الشيء. فمثلاً كمن يقول لظالم من الظلمة: دعوت الله لك بالأمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين؛ فهو من ضمن المسلمين، فيقول دعوته لك، وهو لم يدعُ له بعينه وإنما دعا لجميع المسلمين. ومثل من يَعِد امرأته بعطية وهو يقول في نفسه: إن قدر الله ذلك؛ فهذا يعتبر من المعاريض أو من التورية.
وذكر بعض أهل العلم أن استعمال المعاريض ليس خاصاً لا بالحرب ولا بالإصلاح بين ذات البين ولا بكلام الزوجين أحدهما للآخر، وإنما هو عام في كل أمر ما دام أنه لا يترتب عليه مفسدة. يعني يجوز استعمال المعاريض في كل الكلام إلا إذا كان فيه مفسدة؛ فمثلاً استعمال المعاريض في البيع والشراء هذا لا يجوز لأن فيه تدليساً وفيه خطأ كبيراً جداً، وإنما هو في الإصلاح بين الناس وأمثال هذه المعاني.
والقول الثاني الذي ذهب إليه بعض العلم أن الكذب في هذه الثلاثة يجوز الكذب الصريح، بل وأجازه في غير هذه الثلاثة بحسب المصلحة؛ يعني إذا كانت المصلحة أن يكذب الإنسان أكبر من أن يصدق، فيتقدم المصلحة.
ولهم في ذلك كلام كثير؛ هناك أحد العلماء وهو نعيم بن حماد، وهو شيخ للبخاري، يسأل شيخه سفيان بن عيينة -وهو شيخ أهل الحجاز- يقول له: أرأيت الرجل يعتذر إلى الرجل من الشيء عسى أن يكون فعله، ولكنه يحرف فيه القول ليرضيه، يعني لا يصرح وإنما يحرف القول عليه؛ في ذلك حرج؟ قال: لا، ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس بكاذب من قال خيراً أو أصلح بين الناس»؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنِ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].
فالإصلاح فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله، وكراهةً لأذى المسلمين؛ فهو يكلم صاحبه ويريد الإصلاح بينه وبين صاحبه، وهذا أولى من أن يتعرض للعداوة والبغضاء، فإن البغضاء هي الحالقة؛ هكذا يقول سفيان بن عيينة. قال نعيم بن حماد: فقلت له: أليس من قال ما لم يكن فقد كذب؟ قال: لا، إن الكاذب الآثم، فأما المأجور فلا، ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]؟ وألم تسمع إلى قوله الآخر: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾؟ فهو هنا مأجور. وكذلك قال يوسف لإخوته: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وما سرقوا، ولم يأثم يوسف عليه الصلاة والسلام لأنه لا يريد إلا خيراً، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76]. وهكذا قال الملكان لداوود عليه الصلاة والسلام: ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: 22]، ولم يكونا خصمين، وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن. ثم ذكر أنه أيضاً في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أن أبا بكر كان يقول: هذا هادٍ يهديني، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك قنع نعيم بن حماد وسكت.
فبعض العلماء يقول: إن الكذب إذا كانت المصلحة فيه أولى أو أكبر من ترك الكذب، فإنه يجوز الكذب عند ذلك. وحجة أصحاب هذا القول في الحقيقة أقوى، ولكن الاحتياط أفضل، وعدم التوسع في ذلك لا شك أنه أولى وأكرم؛ لأن الكلام في الحقيقة وسيلة إلى المقاصد، فالمقصود إذا كان ممدوحاً أو محموداً ويمكن التوصل إليه بالكذب والصدق جميعاً، هنا لا يجوز الكذب لأنه لا حاجة إليه، لكن إذا لم يمكن التوصل إلى هذا المحمود إلا بالكذب، هنا يباح الكذب؛ إذا كان تحصيل ذلك المقصود لا يحصل إلا بالكذب هنا يباح، وإذا كان هذا المقصود واجباً. على سبيل المثال: إذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه هذا الظالم، وجب الكذب بإخفائه، والتعريض أولى. وكذا لو كان عنده وديعة أو عند غيره من الناس وديعة، وهنا ظالم يريد أن يأخذها، وجب عليه الكذب بإخفائها، فإذا أخبر الظالم بالوديعة وأخذها الظالم، وجب على المخبر الذي كانت الوديعة عنده أن يضمنها لصاحبها؛ فكل ما ارتبط به غرض صحيح لا يحصل إلا بالكذب جاز فيه الكذب، سواء كان هذا الغرض الصحيح لمصلحة الكاذب أم لمصلحة غيره، لكنه إذا كان لمصلحة نفسه يستحب له أن لا يكذب، وإذا كان هذا الأمر متعلقاً بمصلحة غيره لم يجز المسامحة فيه أو في حق ذلك الغير.
والقاعدة التي تجمع هذا الكلام أو تجمع جواز الكذب من عدمه، هو أن نقابل بين المفسدة المترتبة على الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق؛ فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضرراً، فله عند ذلك الكذب، وإن كانت المفسدة أقل أو مصلحة الصدق أكبر، لم يجز الكذب وحرم عليه. وهكذا لو شك في المصلحة، أن مصلحة الكذب لعلها ليست أكبر من مصلحة الصدق، هنا إذا شك في ذلك حرم عليه الكذب، ومع كل هذا الاحتياط أن يوري؛ يعني يأتي بعبارة يكون مقصوده فيها صحيحاً، لكنه ليس بكاذب في الحقيقة وإن كان في ظاهر اللفظ أنه كاذب.
وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو ما يتعلق بالمرأة أو بالكذب على المرأة؛ لأن بعض الناس قد يتخذ الحديث الذي ذكره ابن شهاب فيكذب على زوجته، وزوجته تكذب عليه في كل شيء. العلماء يقولون: لا يجوز كذب الرجل على زوجته ولا الزوجة على زوجها في شيء يسقط حقها أو حقه، ومع ذلك المعاريض أولى، أي الكناية أولى، كما وقع ذلك لعبد الله بن رواحة مع زوجته حين كان مضطجعاً إلى جنبها، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع على الجارية، والجارية هي مملوك أو ملك اليمين في ذلك العهد يجوز أن يطأها الرجل كما يطأ زوجته لكنها لا يقسم لها، والزوجات يغرن في العادة من الجواري. فقامت المرأة فرأته على الجارية، فجاءت بسكين وخرجت وقالت، فلما رآها والشفره معها والسكين معها قال: مهيم؟ فقالت: مهيم؟ لو أدركتك حيث رأيتك لوجأتك بين كتفيك. فقال: وأين رأيتني؟ قالت: كنت مع الجارية. فقال: ما رأيتني، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. فقالت: اقرأ إذاً، وهذا شيء من التورية؛ يعني أنا أقرأ القرآن، يقول لها: إني سأقرأ القرآن، لو كنت جنباً لما استطعت قراءة القرآن. فقالت: اقرأ. فقال أبياتاً يقول فيها: أتانا رسول الله يتلو كتابه كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقن أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع فقالت المراه عند ذلك: آمنت بالله وكذبت البصر. ثم ذهب رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.
وهكذا وقع مثل ذلك لأحد التابعين الكبار وهو إبراهيم بن يزيد النخعي مع زوجته، غضبت عليه مرة وكان عنده بعض تلاميذه، فعاتبته في جارية من الجواري، وعنده مروحة -يعني الذي يتروح بها من الحر- فلما عاتبته قال لها: اشهدوا أن أنها لها، أنها لها؛ لم يقل إن الجارية لها، اشهدوا أنها لها، ويشير بالمروحة، فهي رضيت وقامت وذهبت، "أنها لها" يعني أهداها المروحة كأنها صارت مملوكة لها. فقال لهم: على أي شيء أشهدتكم؟ قالوا: أشهدتهم على أنها لها. قال: أولم تروني وأنا أشير بالمروحة؟ وهذا من المعاريض، والمعاريض كما يقول الصحابة: "إن في المعاريض لمندوحة"، خصوصاً في اللغة؛ فالكلام عنده أوسع من أن يكذب، لا يحتاج إلى الكذب لسعة الكلام. والمعاريض ألف فيها علماء كثيرون واستحسنوا تعلمها للحاجة، كان يخوف أمير رجلاً بشيء فيعرض ويتخلص منه، وجوزوا استعمالها في أشياء كثيرة، إلا أنه لا تستعمل في البيع، ولا تستعمل في الشراء، ولا تستعمل في اقتطاع حق مسلم، ولا تستعمل في التدليس في الحديث ونحو ذلك. والأخبار في المعاريض كثيرة جداً، ولكننا نرجئ ذلك إن شاء الله إلى حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري