﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة التي سنتحدث فيها بإذن الله عن خلق عظيم، وهو خلق الصدق.
الصدق في المعنى مطابقة القول للواقع، ويضاف إلى ذلك مطابقة القول لما في نفس المتكلم. الصدق حتى يكون صدقًا لابد أن يتوفر فيه أمران: أن يطابق القول الواقع، وأن يطابق ما في نفس المتكلم. فإذا كان القول ليس مطابقًا للواقع، أو ليس مطابقًا لما في ضمير المتكلم، لم يكن صدقًا تامًا أو محضًا. فهو إما أن لا يوصف بالصدق ولا بالكذب، وإما أن يوصف بهذا تارة وبهذا تارة بحسب النظر؛ فيوصف بالصدق لنظر معين، ويوصف بالكذب لنظر مختلف عنه. فمثلاً إذا قال الكافر: "محمد رسول الله"، وهو في داخله لا يعتقد صحة رسالته أو صحة هذا القول، فهل نسمي هذا صدقًا أو نسميه كذبًا؟ نسميه صدقًا باعتبار مطابقته للواقع، ولا نسميه صدقًا باعتبار مخالفته لما في نفس المتكلم وهو الكافر؛ لأنه لا يعتقد صحته أو لا يعتقد صوابه أو صدقه. وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]. المنافقون يقولون إنك لرسول الله، والله يقول إن المنافقين لكاذبون؛ لكاذبون فيما يعتقدون؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يقولون ذلك بأفواههم فقط.
والصدق كما أنه يطلق على القول الصحيح المطابق للواقع، كذلك يطلق على الأفعال؛ ومن ذلك قول الناس أو العرب: "صدقوهم القتال"، يعني قاتلوا قتالًا حقيقيا وأعطوا القتال حقه. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، أي حققوا العهد بأفعالهم. ومن ذلك أيضًا الصداقة؛ سميت الصداقة صداقة لأنها مأخوذة من الصدق في المودة. وأيضًا قد يطلق الصدق على المستقبل كما يطلق على القول الواقع في الماضي، يطلق على الوفاء بالعهد في المستقبل، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: 54].
ويطلق الصدق أو يوصف به اللسان، يقال لسان صدق، كما قال تبارك وتعالى عن بعض أنبيائه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50]. وقال سبحانه وتعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]. الله سبحانه وتعالى يقول عن إبراهيم أنه يقول: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾؛ ما معنى لسان صدق؟ العلماء يقولون هنا لسان صدق معناه الثناء الحسن؛ لأن اللسان يطلق في اللغة ويراد به الثناء كما هنا: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، يعني واجعل لي ثناء حسنًا في الآخرين. ويطلق أيضًا اللسان ويراد به اللغة، سواء كانت اللغة العربية أو لغة أخرى تسمى لسانا، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، يعني بلغة قومه. والمعنى الثالث الذي يطلق اللسان عليه هو الجارحة المشهورة التي يتكلم بها الإنسان بين فكيه، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: 16].
وهكذا كما يقال لسان صدق، يقال مقعد صدق، ومعنى مقعد صدق كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]. يعني المقعد الحقيقي أو مقعد الصدق هنا المراد به الجنة، دار كرامة الله، دار رضوانه وفضله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون أهل تلك الدار. فالصدق يطلق على هذه المعاني ويطلق على الأفعال ويطلق على الأقوال، وله إطلاقات أخرى كذلك يطول بها الحديث.
والصدق له حكم في الشرع، بل وعند الناس كلهم؛ الصدق من أفضل الشيم ومن أحسن الأفعال ومن أحسن الأقوال، والأصل في كونه حسنًا الكتاب والسنة والإجماع، بل وإجماع جميع العقلاء. وهكذا الكذب يعتبر من أقبح الذنوب، وقبحه معروف بالكتاب، ومعروف بالسنة، ومعروف بإجماع الأمة، بل ومعروف بإجماع جميع العقلاء. لكن هناك مسألة: هل كل صدق محمود وليس فيه شيء مذموم؟ وهل كل كذب مذموم وليس فيه شيء محمود؟ هذه القاعدة كون الصدق من أفضل الشيم وكون الكذب من أقبح الذنوب هل لها استثناء؟ أهل العلم يقولون نعم، يوجد من الصدق ما هو حرام، كما أن الصدق في الأصل حلال ومحبوب وطيب، لكن يوجد من الصدق ما هو حرام، كما يوجد من الكذب ما هو ممدوح، وإن كان الكذب في الأصل مذموماً. وكون الكذب يوجد منه ما هو ممدوح وكون الصدق يوجد منه ما هو مذموم لا يعني أن الأصل في الصدق غير المدح، بل الصدق الأصل فيه المدح، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل، وسيأتي الكلام على ذلك. وهكذا الكذب الأصل فيه الذم، لكن قد يكون منه ما هو ممدوح.
لكن قبل أن نتكلم عن الكذب الممدوح والصدق المذموم وهو على خلاف القاعدة، لابد من الكلام عن أهمية الكلام نفسه، أو أهمية الكلمة. الكلمة تطلق على الكلام ويراد بها الكلام، كما قال تبارك وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 99-100]. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ هذه جملة وسماها الله سبحانه وتعالى كلمة، والعرب تقول: فلان قال كلمة، وتسمي الخطبة كلمة.
فالكلمة لها مكانة عند الناس، لها مكانة في الدين. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 24-27]. فالله شبه الكلمة الطيبة بالشجرة الراسخة في الأرض التي فرعها في السماء، وشبه الكلمة الخبيثة بشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وهكذا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: 5]، في الذين يقولون إن الله اتخذ ولدا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. فهذه الكلمة كبيرة وعظيمة تدهم النار، نسأل الله العافية والسلامة.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب». وكذلك في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار فأعرض، ثم قال: «اتقوا النار»، ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه يراها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». يعني الكلمة الطيبة يمكنها أن تنقذ من النار، كما أنها يمكنها أن تدخل النار، نسأل الله العافية والسلام.
فالكلمة لها شأن عظيم جداً. بالكلمة يمكن أن تشتعل الحروب، وبالكلمة يمكن أن تطفأ الحروب ويحصل الصلح، وبالكلمة تبنى الأسر وبالكلمة تهدم وتتفكك. كلمة تنتهك الأعراض، وبكلمة تصان الأعراض، بالكلمة تقتل الأنفس، وبكلمة تحيا الأنفس، بالكلمة تتم العقود والعهود وتنقض، بالكلمة تهتدي أمم وتضل أخرى، بالكلمة يدخل في الإسلام وبالكلمة يخرج من الإسلام، نسأل الله العافية والسلامة. بالكلمة يحصل الإنسان على رضوان الله، وبكلمة نسأل الله العافية يحصل على سخط الله، بالكلمة يدخل الإنسان الجنة، وبكلمة يخرج من النار. الكلمة عظيمة جدا. ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أعظم كلمة؛ هي كلمة لكنها أفضل ما جاء به النبيون، هي كلمة لكن بها دخول الجنة، هي مفتاح الجنة. لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة ولكنها كنز من كنوز الجنة. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا كلمة لكنها تفتح لها أبواب السماء، كما في صحيح مسلم عن ابن عمر قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من القائل كلمة كذا وكذا؟»، فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فقال: «عجبت لها! فتحت لها أبواب السماء». يقول ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تلك الكلمة.
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه -وقال الترمذي حديث حسن صحيح- من حديث معاذ بن جبل الطويل الذي ذكر فيه أن الصلاة عمود الإسلام والجهاد ذروة سنامه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟»، قال معاذ: قلت بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه ثم قال: «كف عليك هذا»، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟». ولذلك جاء في النصوص مدح الصمت، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا في بداية الكلام عن الصدق وعن أهمية الكلمة، وذكرنا أنه لأهمية الكلام وردت النصوص الكثيرة في الشريعة في مدح الصمت، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». إذا هناك خياران: إما أن يقول خيراً أو يصمت. ولذلك قال العلماء: ينبغي على المكلف أن يحفظ لسانه من جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فليقل خيراً». وإذا استوى الكلام -يعني أما أن يتكلم وأما أن لا يتكلم، استوت في المصلحة سكوته وكلامه- يقولون السنة الإمساك عن الكلام؛ لأن هذا الكلام ولو كان مباحاً قد يجر إلى ما هو حرام أو يجر إلى ما هو مكروه، وهذا كثير في عادة الناس.
والسلامة كما يقال السلامة غنيمة أو السلامة لا يعدلها شيء، ولذلك يقول الشاعر: إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرار فلئن ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مراراً
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما حبس الله جارحة في حصن أوثق من اللسان؛ يعني اللسان محبوس في حصن، قال الأسنان أمامه، والشفتان من وراء ذلك، واللهاة مطبقة عليه، والقلب من وراء ذلك، فاتق الله ولا تطلق هذا المحبوس من حبسه إلا إذا أمنت من شره. ولذلك يقول الشاعر: احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان
ويقال إنما جعل للإنسان أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول. ويقال إنه اجتمع أربعة ملوك فتكلموا فيما بينهم في الكلام والصمت؛ فقال الأول: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مراراً. وقال الثاني: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال الثالث: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني. وقال الرابع: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن كانت له لم تنفعه، وإن كانت عليه أوبقته؛ يعني يعجب من الذي يتكلم بالكلمة لا فائدة فيها، إذا كانت له لم تنفعه، وإذا كانت عليه أوبقته، نسأل الله العافية والسلامة.
وكان يقال في المثل: رب كلمة قالت لصاحبها دعني. وهذا المثل العجيب يذكر أن ملكاً من الملوك كان ظالماً خرج يصطاد، وكان له صديق أو نديم وكان يكرم هذا النديم، فأشرفا على صخرة كبيرة ملساء ووقف عليها، فقال له النديم: لو أن إنساناً ذبح على هذه الصخرة إلى أين سيبلغ دمه؟ يعني كلمة لا داعي لها أبداً، فقال الملك: اذبحوه لنرى إلى أين سيصل دمه، نسأل الله العافية والسلام، فذبح عليها، فقيل عند ذلك: رب كلمة تقول لصاحبها دعني. ومع أن الصمت ممدوح إلا أن الكلام في الخير أولى، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»؛ فقدّم قول الخير: «فليقل خيراً أو ليصمت». وهذا الكلام الخير أو الكلام الطيب قد يكون سبباً في هداية إنسان، وقد يكون سبباً في صلح بين أعداء، وقد يكون سبباً في دخول الجنة، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول في الصلح: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. وربما إذا تكلم الإنسان بالكلمة يدخل الجنة وينجو من النار كما جاء في الأحاديث. يذكر أن جماعة حضروا عند يوسف بن الحسين رحمه الله عليه وكان من الزهاد الكبار، حضروا عنده في سياق الموت وهو يجود بنفسه، فقيل له يا أبا يعقوب قل شيئاً، فقال: اللهم إني نصحت خلقك ظاهراً وغششت نفسي باطناً، فهب لي غشي لنفسي لنصحي لخلقك، ثم خرجت روحه، فرؤي في النوم فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني، فقيل بماذا؟ قال: بكلمة أو بكلمات قلتها عند الموت: قلت اللهم إني نصحت الناس قولاً وخنت نفسي فعلاً، فهب خيانة فعلي لنصيحة قولي. إذاً.
وهناك قصة أخرى لأبي نواس، وهو رجل يقال إنه فيه شيء من المجون، يقول محمد بن نافح وكان صديقاً له: مات أبو نواس، قال: فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت الوسادة. قال: فأتيت أهله فإذا رقعة مكتوب فيها: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً، فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ، إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ، فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ، أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً، فإذا رددت يدي فمن ذا يرحمُ، مالي إليك وسيلة إلا الرجاء وجميل عفوك ثم إني مسلم.
هكذا إذا كانت آخر ما يقولها الإنسان لا إله إلا الله يكون من أهل الجنة، كما جاء في الحديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». فالكلام هنا خير من السكوت، وفي هذا الحديث قصة وهي أن أبا زرعة الرازي حضره جماعة من أصحابه وهو في سياق الموت، وأبو زرعة الرازي من أئمة الحديث الكبار، أهل العلل، الذين كان مسلم بن الحجاج يعرض عليه الصحيح فيقول: ما قال إنه صحيح تركته، وما قال ليس بصحيح أخرجته.
أبو زرعة هذا كان في سياق الموت، وكان عنده أصحابه أبو حاتم الرازي ومحمد بن مسلم بن واره والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء، فأرادوا أن يلقنوا أبا زرعة الحديث «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، فاستحى منه هذا إمام المحدثين في زمنه، كيف نلقن لا إله إلا الله؟ فاحتالوا وبحثوا ماذا يفعلون، فقالوا: تعالوا نذكر حديث «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله».
فقال أبو عبد الله محمد بن مسلم بن واره: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح، وسكت. وقال أبو حاتم الرازي: حدثنا بندار، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي، وسكت، يعني لم يتجاوز كلمة عن صالح والبقية سكتوا.
فقال أبو زرعة وهو في سياق الموت: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، ومات على ذلك رحمه الله عليه. فكانت الكلمة؛ كلمة لا إله إلا الله في نهاية حياته سبباً لدخول الجنة.
أما ما ذكرنا من الصدق المذموم؛ لأننا ذكرنا هل الصدق كله ممدوح أو هناك من الصدق ما هو مذموم، فذكرنا أن العلماء يقولون: من الصدق ما هو مذموم وحرام، وهو بمثابة الكذب، وقد يكون أشد من الكذب لأنه يورث العداوة والبغضاء والشحناء بين الناس، ومن أشهر الأمثلة على الصدق المذموم الغيبة والنميمة. الغيبة صحيح أنها صدق، لكنها خيانة وهتك لكل الستر وسبب للبغضاء والتشاحن.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. كما أنه لا يحب أو لا يحل أكل لحم الأخ ميتاً، فكذلك لا تحل غيبته حياً. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي -وقال الترمذي حديث حسن صحيح- من حديث عائشة أنها قيلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، وأشارت أنها قصيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته». وقالت في مكان آخر وحكيت إنساناً، يعني قلدت إنساناً على سبيل الاستهزاء، فقال: «ما أحب أني حكيت إنساناً وإن لي كذا وكذا».
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».
هذا حال الغيبة، نسأل الله العافية والسلامة. الغيبة من أشد الأمور وأسوأها، والإشكال أن كثيراً منا يقع فيها وقد يقع فيها من باب الانتصار، يقول إن فلاناً ظلمني أو نحو هذا الكلام، والحقيقة أنه لا يستفيد من اغتيابه، وإنما يزداد بغضاً له ويزداد ويعطيه من حسناته. وبعض السلف يقولون: لو كنت مغتاباً لأحد لاغتبت والدي؛ لأن في الغيبة أنك تعطي الذي تغتابه حسناتك، فأولى الناس بأن تغتابه أحب الناس إليك والدك ووالدتك، والإنسان لا يمكن أن يغتاب والديه؛ لأن الغيبة أمر سيء، تذكر شيئاً عن أخيك يكرهه ولو كان حقاً.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغيبة، ورب العالمين نهى عن الغيبة بأسلوب منفر: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري