﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا فيها نتكلم عن خلق العدل. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن العدل بشكل عام، وعن العدل مع النفس، وعن العدل مع الغير، ونتكلم في هذه الحلقة عن نوع من العدل مع الغير وهو عدل الحكام والقضاة، وهو من أهم أنواع العدل.
والله سبحانه وتعالى يقول في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل». بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بهم بالإمام العادل. وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال».
عدل الولاة والقضاة هو في الحقيقة من أهم العدل، وهو قوام الحكومات، وهو قوام الدول وبقاؤها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقول في مكان آخر: العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، ولو لم يكن صاحبها من أهل الآخرة، لو لم يكن له في الآخرة من خلاق. وأما إذا لم يقم أمر الدنيا بالعدل فإنها لا تقوم، ولو كان صاحبها من أهل الإيمان الذي يجزى به في الآخرة.
ويقول عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل. إذاً مرد قيام الدولة هو على العدل؛ ولذلك قيل: الملك يبقى مع العدل والكفر، ولا يبقى مع الجور والإيمان؛ لا يبقى مع الجور ولو كان معه الإيمان، ويبقى مع العدل ولو كان معه الكفر. ولذلك يقول الشاعر: عليك بالعدل إن وليت مملكةً ... واحذر من الجور فيها غاية الحذرِ الملك يبقى على عدل الكفورِ ولا ... يبقى مع الجورِ في بدوٍ ولا حضرِ
وكان يقال: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان. ويقال: الناس تبع لإمامهم في الخير والشر، وكذلك يقال: الناس على دين ملوكهم. وأبو حازم الأعرج يقول: الإمام كالسوق؛ فما نفق عنده جُلب إليه. فإذا كان الإمام من أهل الصلاح أصبح الناس أهل صلاح، وإذا كان الإمام نسأل الله العافية والسلامة من أهل الفساد أصبح الناس يتبارون في رغبات هذا الإمام.
وعليه فالعدل لا يمكن أن يقوم إلا بالإمام العادل؛ فالإمام العادل هو الذي يقيم الصلاح، وهو قوة الضعيف، وهو نصرة المظلوم، وهو مفزع الملهوف. الإمام العادل هو كالراعي الشفيق على دوابه، على إبله، على غنمه؛ يبحث لها عن أطيب المراعي، ويبعدها عن المراتع التي فيها الهلكة، ويحميها من السباع، ويوفر لها ما يحميها من أذى الحر أو أذى البرد.
الإمام العادل هو مثل الأب الحنون على أولاده؛ يجتهد لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته. الإمام العادل مثل الأم شفيقة على ولدها؛ حملته كرهاً ووضعته كرهاً، ربته طفلاً، وتسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، ويبكي لأنها تعلم أن في فطامه خيراً له، تفرح بعافيته وتهتم بشكواه وبمرضه.
الإمام العادل هو مثل القلب للجوارح، والقلب ملك الجوارح. يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا في الصحيحين-: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولذلك فساد الإمام هو فساد للرعية. ولذلك لما أُتي عمر بن الخطاب بتاج كسرى وسواريه قال: إن الذي أدّى هذا لأمين. فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله؛ يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإن رتعت رتعوا.
الإمام العادل لا ينبغي عليه أن يخاف من أحد؛ لأنه لا يخاف أحدٌ من ظلمه، بخلاف الإمام الظالم فإنه يخاف من نقمة الظلم. لذلك يقول الشاعر: إذا سُست قوماً فاجعل العدل بينهم ... وبينك تامن كل ما تتخوفُ وإن خفت من أهواء قوم تشتتاً ... فالجود فاجعل بينهم يتألفُ
وهناك شيء مهم جداً لأهل الحكم للحكومات وللقضاة، وهي البطانة لأهل الولايات بشكل عام. البطانة إما أن تكون صالحة وإما أن تكون فاسدة؛ ولذلك ينبغي على الحاكم، ينبغي على القاضي، ينبغي على حاكم الدولة، وينبغي على حاكم المدينة، وينبغي على قاضي المحكمة التحري في اختيار بطانته؛ وهم الوزراء والمستشارون الذين ينبسط إليهم وينبسطون إليه، يبقون معه ويبقى معهم. وسموا بطانة أصلاً استعارة من بطانة الثوب؛ لأن الثوب له ظهارة وله بطانة، البطانة هي التي تلي البطن أو تلي الباطن.
ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118]. والبطانة هي الأقرب، ويقول رب العالمين: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. البطانة إذا لم تكن صالحة فتكون عدوة لك يوم القيامة. وفي الحديث: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». وفي صحيح البخاري: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحض عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحض عليه، والمعصوم من عصمه الله».
ولذلك قيل بأن مثال الأمير الصالح الذي بطانته سيئة مثل ماء عذب فيه تمساح؛ الناس بحاجة إلى هذا الماء العذب، الماء الطيب، ولكن التمساح يحول بينهم وبين الورود عليه. وهذا المثال مما يعتذر به كثير من الناس لحكامهم السيئين، أحياناً يكون الحاكم سيئاً فتجد المحكومين يعتذرون له ويعلقون السوء على البطانة، وقد يكون السوء من الحاكم نفسه، وأحياناً يكون السوء من البطانة. ولكن ينبغي على الحاكم، وكذلك الوزير، وكذلك القاضي، أن يختار بطانته.
ولذلك في الحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي في الكبرى من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه». ومن عجائب الأمور التي تحصل مع البطانات ما يروى عن كسرى أنو شروان؛ يقال كان له معلم، وكان هذا المعلم حسن التأديب يعلمه العلوم، فمرة من المرات ضربه هذا المعلم في يوم من الأيام من غير ذنب، ضرب هذا كسرى أنو شروان فأوجعه جداً، فحقد هذا الملك أو هذا المؤدب. فلما ولي الملك جاء بالمعلم وقال: ما حملك على ضربي في يوم كذا وكذا؟ فقال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك لأنك ستملك بعد أبيك، قال: فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم. هذه هي البطانة الصالحة، ولذلك أنعم شروان له وأحسن ورفع من قدره.
وكان يقال: ما عدل من جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره. والشاعر يقول: إذا جار الأمير وكاتباه ... قاضي الأرض أسرف في القضاءِ فويل للأمير وكاتبيه ... وقاضي الأرض من قاضي السماءِ
والأحنف بن قيس يقول: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، ومن غص بالماء فلا مساغ له، ومن خانه ثقاته فقد أُتي من مأمنه. ولذلك يقول الشاعر العباس بن الأحنف: قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
إذا كانت المشكلة في البطانة والبطانة بين الأضلاع هذه مشكلة كبيرة جداً. فالوالي المهم والمفترض عليه أن يختار بطانته، والمفترض عليه أن يعلم أن عدله يحببه للناس، وأن ظلمه يبغضه للناس، كما في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم».
وكان يقال: اعدل فيما وليت، واشكر الله على ما أوليت، يمدك الخالق ويحبك الخلائق. ويقال: من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، وذلك لمحبته له. وأما أخبار أهل العدل في ذلك فكثيرة جداً، ولكننا نرجعها إن شاء الله بعد الفاصل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم من جديد. كنا وقفنا عند الكلام عن أخبار أهل العدل. قلنا بأن أخبار أهل العدل كثيرة جداً، وسيد العادلين وسيد أهل القسط والمقسطين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين معلم المقسطين. النبي صلى الله عليه وسلم كان مقسطاً، ذكر بعض أهل العلم أن حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: كنت أعطيه صلى الله عليه وسلم الثدي فيشرب منه، ثم أحوله إلى الثدي الأيسر فيأبى أن يشرب منه. قال بعض أهل العلم: وذلك من عدل صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعلم أن له شريكاً في الرضاعة.
وفي الصحيحين تقول عائشة رضي الله عنها: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟». ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فاختطب، ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ويم الله» -يحلف بالرب سبحانه وتعالى- «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». وهذا من شفقته على الناس ومن حبه للعدل صلى الله عليه وسلم؛ «إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه».
وهكذا في صحيح مسلم من حديث جابر حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، كان مما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة» -يعني الآن جاء الإسلام، الدماء السابقة، الثأر السابق، كلهم موضوع- قال: «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث» -يعني ابن عبد المطلب، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل- ثم قال: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب». فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وبأهله، فوضع ربا العباس، ووضع دم ابن عمه صلى الله عليه وسلم.
فإذا طبق الحاكم أو طبق القاضي العدل على نفسه، طبق الناس العدل، إذا ساسهم بالعدل في نفسه طبقوا عدلاً في أنفسهم. فهذا هو عدل النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا خلفاؤه الراشدون. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص إن أبا بكر الصديق قام يوم الجمعة وقال: لا يدخل معنا في تقسيم الإبل أحد إلا بإذن. فدخل معه رجل فضربه أبو بكر أو تكلم عليه وضربه بخطام ناقة كان معه، ثم بعد أن انتهى من قسمة الإبل وكان معه عمر، قال: أين الرجل؟ ثم أعطاه الخطام وقال: يعني اضربني كما ضربتك. فأبى عمر بن الخطاب وقال: لا والله لا تكون سنة. فقال أبو بكر: ومن لي يعني يوم القيامة؟ فقال عمر: أرضه يا خليفة رسول الله. فأعطاه أبو بكر رضي الله عنه راحلة وقطيفة وشيئاً من الدنانير فرضي الرجل بذلك. يقول ابن الشهاب في مثل هذه الواقعة: إن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوا القود من أنفسهم، فلم يستقدموا وهم سلاطين -يعني كانوا حكاماً- وأعطوا القود من أنفسهم، إلا أن الناس عفوا عنهم.
ومن الأخبار في ذلك عدل الفاروق رضي الله تعالى عنه، وعدل الفاروق كثير والأخبار فيه كثيرة؛ لأن خلافته طالت بخلاف خلافة أبي بكر، فإن خلافته كانت في سنتين فقط. في مصنف ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الله البجلي أن رجلاً كان مع أبي موسى الأشعري وكان ذا صوت ونكاية في العدو، فغنم مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه فأبى أن...
يقبله إلا أن يعطيه السهم كله، فجلده أبو موسى الأشعري وحلق رأسه لأنه خالف رأي القائد، ويخشى أبو موسى أن يتبعه الناس أو يقلده. فالرجل جمع رأسه الذي حلق وذهب إلى عمر وضرب به صدر عمر، وقال عمر رضي الله تعالى عنه، وكان جرير يقول: وأنا أقرب الناس إلى أمير المؤمنين. فلما ضرب بشعره صدر عمر قال: والله، أما والله لولا النار لا أخذت حقي ممن فعل ذلك. فقال عمر: صدق والله، لولا النار.
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني كنت ذا صوت، ثم أخبره بالخبر، قال: ضربني أبو موسى عشرين سوطاً وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يُقتص منه. فقال عمر: لأن يكون في الناس كلهم أو لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا الرجل أحب إلي من جميع ما أفاء الله علينا. ثم كتب عمر لأبي موسى رضي الله عنه: السلام عليك، أما بعد، فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك في ملأ من الناس فعزمت عليك لما قعدت له في ملأ من الناس حتى يقتص منك، وإن كنت فعلت ذلك في خلاء من الناس فاقعد له حتى يقتص منك.
فقدم الرجل، فجلس له أبو موسى في ملأ من الناس، فقال له الناس: اعفُ عنه. فقال: لا والله، لا أدعه لأحد من الناس. فلما قعد له أبو موسى وأراد أن يقتص منه ورأى أنه قادر عليه، رفع بصره إلى السماء ثم قال: اللهم إني قد عفوت عنه، وهذا هو العفو مع القدرة.
والأخبار في هذا كثيرة؛ أنس بن مالك يقول: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ جاءه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بك. فقال: وما ذاك؟ قال: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل، فأقبلت، فلما تراءاها الناس قام محمد بن عمرو بن العاص فقال: فرسي ورب الكعبة. فلما دنا منه عرفته؛ يعني أنه فرس هذا المصري، فقلت: فرسي وربي الكعبة؛ وكان مسيحياً أو قبطياً. فقام إلي يضربني بالسوط ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين، وأنا ابن الأكرمين.
قال: فوالله ما زاده عمر على أن قال له: اجلس. ثم كتب إلى عمرو بن العاص: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل معك بابنك محمد. فعمرو بن العاص دعا ولده وقال: أحدثت حدثاً؟ جنيت جناية؟ قال: لا. قال: فما بال أمير المؤمنين يكتب فيك؟ فلما أقبل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب أخذ أمير المؤمنين ينظر ويلتفت؛ يعني يبحث عن الولد، فإذا الولد يتبع أباه، فعند ذلك أخذ الدرة وقال: أين المصري؟ ثم أعطاها المصري وقال: اضرب ابن الأكرمين. فأخذ المصري يضربه، ثم قال: حوّلها على صلعة عمرو بن العاص. فقال: لقد ضربت من ضربني، وأخذت بحقي. فقال: والله لو حولتها عليه ما حلنا بينك وبينه، فإنما يضربك ولده بسلطانه.
هكذا كان عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وفي هذا قال قوله المشهورة: يا عمر، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ وهناك أخبار كثيرة؛ جاء في بعض الكتب القديمة، وهو من غير إسناد، أن الهرمزان لما رأى عمر نائماً مبتذلاً قال: هذا والله الملك الهني، أو الملك الهني؛ عدلت فأمنت فنمت. والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان، فما هبتُ أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة.
وبذلك يقول الشاعر: وراعٍ صاحب كسرى أن رأى عمراً ... بين الرعية عطلاً وهو راعيها وعهده بملوك الفرس أن لها ... سوراً من الجند والأحراس يحميها رآه مستغرقاً في نومه فرأى ... فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ... ببردة كاد طول العهد يبليها فهان في عينه ما كان يكبره ... من الأكاسر والدنيا بأيديها وقال قولة حق أصبحت مثلاً ... وأصبح الجيل بعد الجيل يحكيها أمنت لما أقمت العدل بينهم ... فنمت نوم قرير العين هانيها
والأخبار في هذا كثيرة، هناك خبر علي مع اليهودي الذي أخذ درعه؛ سقط الدرع من علي فأخذه يهودي، ثم لقيه علي مع اليهودي وقال: هذا درعي. فقال اليهودي: لا، هو درعي. فاختصما للقاضي، وهو شريح، قاضي علي بن أبي طالب، وكان علي أمير المؤمنين في ذلك الوقت. فقال شريح القاضي لأمير المؤمنين: بينتك؛ لأن الدرع كانت في يد اليهودي. فقال: عندي الحسن يشهد لي، ولده. فقال: لا أقبل شهادته؛ لأنه يشهد لوالده. فقال: لا تقبل شهادة الحسن يعني سيد شباب أهل الجنة؟ فقال: نعم. فقال: لا بينة عندي. فحكم شريح بالدرع لليهودي، وحكم على أمير المؤمنين.
فعند ذلك شهد اليهودي شهادة الحق وقال: ما دام هذا العدل في القاضي على أمير المؤمنين، فهذا هو الدين الحق. فلما أسلم أعطاه علي الدرع بسبب إسلامه. والأخبار في هذا العدل كثيرة، ومن أخبار الناس، من آخر الأخبار التي يمكن أن نختم بها هذه الحلقة، أن امرأة جاءت إلى المأمون وهو كان يقضي بين الناس، والمأمون هو من الناس الذين فيهم العدل وفيهم شيء من الجور، جاءت المرأة وقالت: يا خير منتصف يهدى له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد تشكو إليك عميد الملك أرملة ... عداى عليها فما تقوى به أسد فابت منها ضياعاً بعد منعتها ... لما تفرق عنها الأهل والولد
فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه وهو يقول: من دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... وقرح القلب بهذا الحزن والكمد هذا، وإن صلاة الظهر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد المجلس السبت إن يقضى الجلوس لنا ... ننصف منهم، وإلا المجلس الأحد
فجاءت في يوم الأحد فقال: أين خصمك؟ فقالت: هو هذا الذي واقف على رأسك وهو ولده العباس. فلما رأى أن خصمه العباس ولده تنحى من القضاء وقال لقاضيه الآخر: احكم بينهما. فصار يحكم بينهما، فصار صوتها يعلو صوت ولده، والناس يقولون: لا ترفعي صوتك على الأمير. فقال المأمون: إن الحق هو الذي علا صوتها، وهو الذي أخرس هذا الولد. ثم أعطاها ضياعها ورد عليها ما أخذ منها. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري