الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتكلم فيها بإذن الله عن خلق عظيم من الأخلاق التي قامت عليها السماوات والأرض، وهو خلق العدل.
العدل في اللغة هو الاستواء، ومعناه ما قام في النفوس أنه مستقيم، ويقال هو الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط، وقيل هو إعطاء كل ذي حق حقه من غير هوى ولا محاباة، والعدل عكسه الجور والحيف والظلم. وفضيلة العدل معروفة ومشهورة عند الناس، فالعدل كلمة عظيمة قامت بها السماوات والأرض. الله سبحانه وتعالى هو العدل وهو القائم بالعدل؛ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]. والله سبحانه وتعالى نفي عن نفسه الظلم؛ يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]. وأمر سبحانه وتعالى بالعدل فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وتوعد سبحانه وتعالى على خلاف العدل وهو الظلم فقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19].
أرسل الرسل سبحانه وتعالى لإقامة العدل بين الناس، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. وأمر سبحانه وتعالى بعدم الركون إلى أهل الظلم والظلمة كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]. فقوله سبحانه وتعالى عدل؛ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]. وأمره بالعدل حتى في القول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]. وجعل الظلم في القول من أعظم الظلم، والظلم في الشهادة من أعظم الظلم، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام: 21]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 140].
العدل الله يحبه ويحب أهله؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42]. ويبغض الظلم ويبغض أهله؛ والله لا يحب الظالمين. أهل العدل عند الله على منابر من نور، كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». وأما أهل الظلم -نسأل الله العافية والسلامة- فلهم الويل ولهم الثبور، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيِّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: 8].
الشهادة والحكم إنما صارت لأهل العدل، لا تقبل إلا من أهل العدل؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]. وأما أهل الظلم فليسوا أهلاً للشهادة ولا أهلاً للحكم، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. العدل ميزان الله والظلم ميزان الشيطان، العدل أساس الأمن وقلعته، والظلم معول الخوف ومطرقة. العدل قوام الدول والحكومات وبقاؤها، والظلم خراب البيوت والدول وفنائها. العدل يبعث على الطاعة، والظلم يهيج على المحاربة والقتال. العدل منبع المساواة، والظلم مصدر المحاباة. العدل حصن للحقوق، والظلم -نسأل الله العافية والسلامة- جاني الخروق. العدل يدعو إلى الألفة والمحبة، والظلم سبب للفرقة والبغضاء. العدل صدقة، والظلم ظلمات يوم القيامة. العدل لا ينجي الحكام والقضاة غيره، والظلم لا يوبق سواه.
في مسند أحمد -وهو حديث صحيح- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أمير على عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً، لا يفكّه إلا العدل أو يوبقه الجور» يعني الظلم. لكل ولاية لا بد عزل وصرف، الدهر عقد ثم حل، وأحسن سيرة تبقى لوال على الأيام إحسان وعدل. الظلم عاقبته وخيمة -نسأل الله العافية والسلامة-؛ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. يقول تبارك وتعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
الظلم الله حرمه على نفسه وحرمه على عباده، كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: يا عبادي؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا». والظلم تكلم فيه الشعراء كما جاءت به النصوص؛ الشاعر يقول: أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
والآخر يقول: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم مرتعه يفضي إلى الندم تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيح- لمعاذ بن جبل: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». والشاعر يقول: أتهزا بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل نافذة ولكن لها أمد وللأمد انقضاء
هذا فضل العدل وهذه عاقبة الظلم. والعدل في كل شيء، ويكون العدل له مجالان رئيسيان؛ المجال الأول: عدل الإنسان مع نفسه، والمجال الثاني: عدل الإنسان مع غيره.
عدل الإنسان مع نفسه يكون بحملها على المصالح، ويكون بكفها عن القبائح، ويكون بوقوفها في أحوالها على أعدل الأمرين، لا إفراط ولا تفريط، لا تجاوز ولا تقصير؛ لأن الإفراط أو التفريط يعتبر ظلماً للنفس، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]. وظلم النفس شيء عظيم شيء سيء جداً، وظلم النفس يشمل جميع الذنوب، كما قال تبارك وتعالى في قصة موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 54]، إذاً عبادة غير الله والشرك بالله هذا من ظلم النفس.
وهكذا الذنوب؛ قتل النفس كما حصل لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16] لما قتل الرجل الذي من بني إسرائيل. وهكذا لما أكل آدم من الشجرة قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. فظلم النفس يشمل هذه الذنوب، يشمل الشرك بالله، ويشمل الذنوب الصغيرة والذنوب الكبيرة. وفي الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت». إذاً الظلم للنفس هو ما فيه الذنوب؛ ربي إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
وأما العدل مع النفس فأعظمه توحيد الله عز وجل، وأسوأ ظلم النفس الإشراك بالله، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. وفسر الظلم هنا بالشرك، لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]». وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك».
أما ما عدا ظلم النفس الذي هو الشرك، ما عداه من ظلم النفس فهو تحت مشيئة الله، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فغير الشرك هو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، لكنه ما دام ظلم النفس ليس فيه ظلم للغير وليس فيه إشراك بالله سبحانه وتعالى، فأحرى والأقرب أن الله سبحانه وتعالى يغفره. ولذلك لمن ظلم نفسه من المسلمين في غير شرك وفي غير ظلم الغير، الله سبحانه وتعالى ذكره في القرآن وجعله من أهل الجنة، وهذه بشارة عظيمة جداً. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: 32]. يقول العلماء: هذه الآية في هذه الأمة؛ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
الظالم لنفسه هو الذي يحاسب، وهو الذي عنده بعض الذنوب وبعض المعاصي. والمقتصد هو الذي يفعل الواجبات ويترك المحرمات، ولكنه قد يفعل شيئاً من المكروهات وقد يترك بعض المستحبات. والآخر السابق بالخيرات هو الذي يفعل الحسنات والواجبات ويترك المنكرات كلها بل وقد يترك بعض المباحات. فالسابق بالخيرات هو في المنزلة الأولى، والمقتصد هو في المنزلة الثانية ويحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه هو الذي تحت رحمة الله، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 32-33]. إذاً هؤلاء الثلاثة حتى الظالم لنفسه سيدخل الجنة بإذن الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث من الأحاديث هم كلهم سواء، يعني أنهم كلهم في الجنة.
وعائشة رضي الله عنها لما سئلت: من هو الظالم لنفسه أو من هو المقتصد ومن هو السابق؟ فقالت: أما السابق فهم الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وماتوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم راض. وأما المقتصد فهم الذين جاؤوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابه وقاموا وتبعوا أولئك السابقين. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك -تقوله للسائل- وهذا هضم لها لنفسها، وهي في الحقيقه من السابقين الأولين لما لها على الإسلام من الخير، وكم من الدين نشرته عائشة رضي الله تعالى عنها! فإذا كانت أم المؤمنين التي نقل لنا شيء من الدين كثير عنها تقول أنها من الظالمين لأنفسهم -تجهل نفسها من الظالم لنفسه من هذا القسم- فماذا نقول نحن ونحن عندنا ما عندنا؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يتجاوز عن ذنوبنا، وأن يعاملنا بكرمه وجوده إنه ولي ذلك والقادر عليه. نقف هنا قليلاً ثم نعود لكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحببًا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن المجال الأول من العدل وهو العدل مع النفس. أما المجال الثاني وهو العدل مع الغير، فهذا هو أوسع المجالات. العدل مع الغير يشمل أصنافاً كثيرة، يشمل العدل مع من هو دونك، ويشمل العدل مع من هو فوقك كالحاكم، ويشمل العدل مع من هو مساوٍ لك. وهنا هذه الأصناف كلها؛ العدل مع من هو دونك أو من هو فوقك أو من هو مساوٍ لك يمكن ضبطها بكلمة واحدة، وهو: ألا تصنع لغيرك ما لا ترضاه لنفسك. ولذلك جاء في صحيح البخاري من حديث عمار -وهو موقوف على عمار- يقول: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». والشاهد قوله: «الإنصاف من نفسك»، يعني أن تنصف غيرك من نفسك؛ لأن النفس فيها داعي الظلم، هي ممكن أن تظلم غيرها، ممكن تعلو على غيرها وتحسده وتتعدى عليه، فهي قد تظلم غيرها ولو لم يظلمها. والعجيب أن النفس إذا رات نظرائها من الظلمة يظلمون الناس يقوى عندها داعي الظلم، بل وقد يهيج ذلك بغض الظلمة ويظلم الظالم ويكون له حجة في ذلك.
ولذلك جاءت النصوص الكثيره في الأمر بالعدل في الحالات التي تقوى فيها دواعي الظلم، وهذه الحالات كثيرة؛ منها في مقابلة العدو، أو في مقابلة الأقارب، أو في مقابلة النفس، أو في مقابلة الوالدين، أو في مقابلة الأبناء. ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الأشياء؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. ولذلك الفقهاء لا يقبلون شهادة العدو على عدوه، ولكنهم يقبلون شهادة العدو لعدوه؛ فالعدو إذا شهد لعدوه قبلوا شهادته لأنها ليست فيها تهمة؛ لأن العدو لا يمكن أن يشهد لعدوه في مصلحة عدوه إلا وهو صادق. وأما إذا شهد على عدوه فقد يكون العداوة هي التي حملته على أن يشهد عليه، ولذلك لا يقبلون شهادته. وهكذا العدل مع الغير ينبغي ألا يذهبه الميل مع النفس أو الميل مع المحبوب، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]. ولذلك الفقهاء لا يقبلون شهادة، لا أحد يقبل شهادة الإنسان لنفسه؛ يكون مدعياً، ولا يقبل شهادة الإنسان لأبيه، ولا شهادته لابنه؛ لأنه يتهم عليها، وأما شهادته على والده أو شهادته على ولده، وإن كان بعض الفقهاء يقول: شهادة الولد على والده فيها شيء من العقوق، لكنه فيه إظهار الحق، فشها الولد على والده، أو الولد على ولده، أو الزوج على زوجته، هذه مقبولة، لكن شهادة بعضهم لبعض ليست مقبولة؛ لأن فيها تهمة.
وذكرنا أن العدل مع الغير أنواع كثيرة، منها العدل مع الأولاد، ومنها العدل مع الزوجات، ومنها عدل الحكام، ومنها عدل القضاة. أما العدل بين الأولاد فهناك أحاديث كثيرة في هذا؛ منها من أشهرها حديث النعمان بن بشير في الصحيحين، أنه يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة، وهي أمه وزوجة أبيه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه العطية. فأتى بشير -الذي هو أبو النعمان بن بشير- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أُشهدك يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيت سائر ولدك؟» يعني هل أعطيت أولادك كلهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». وفي رواية: «لا تشهدني إذاً، فإني لا أشهَد على جور». فرجع بشير ورد العطية التي أعطاها ولده.
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي موسى رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا». والشاهد: وأهلهم؛ يعني يعدل في أولاده. والعلماء ذكروا من العدل في الأولاد أنه يستحب التسوية بينهم في كل شيء، حتى في القُبلة. ذكر أن رجلاً -هذه رواية مرسلة- أن رجلاً جاءه ابنه فأجلسه على فخذه، فجاءت البنت فأجلسها على الأرض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أجَلستها على فخذك؟!» فأخذها وأجلسها على فخذك. فقال: «الآن عدلت». وهذا الحديث وإن فيه كلاماً وهو مرسل، لكن أهل العلم يذكرون ذلك.
ومن الأخبار: عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو أحد الأئمة الكبار والخلفاء الراشدين، ضَم ابناً له وقال له: والله يا فلان إني لأحبك، ولكني لا أستطيع أن أُؤثرك على أخيك بلقمة. ومرة من المرات عمر بن عبد العزيز نفسه جاءه ولده عبد العزيز بن عمر يقول: كان أبي عمر بن عبد العزيز يؤثر أحد أولاده أو يحبه، ولد له من امرأة حارثية، فينام معه، يبيت معه في فراشه. قال: فتعرضت له ذات ليلة. فقال عبد العزيز: قلت نعم. قال: يا بني ما جاء بك؟ ادخل. قال: فدخلت فجلست وصلى. قال: وبينما هو يصلي انتفض كأنه قَصَبَة من ظفره إلى رأسه. قال: فلما سلم، يقول: أنا ظننت أن به شيئاً، وإنما كان به ما ذكره ولده له. قال: أتاني فقال: ما لك؟ فقلت: إنه ليس أحد أعلَم بولد الرجل منه -يعني من الأب، الأب أعلم الناس بالاولاد- وأنك تصنع بابن الحارثية ما لم تصنع بنا، فلست آمن أن يقول الناس: إنه إنما صنع بابن الحارثية ما صنع لأنه يراه أنجب منهم. فقال عمر بن عبد العزيز لولده عبد العزيز: هل أحد أعلمك بهذا؟ يعني سمعت هذا الكلام من أحد أنني أُثره لأنه فيه ما ليس فيكم؟ قال: لا. فقال: ارجع إلى مبيت. قال: فرجعت. قال: وكنت أبيث أنا وإراهيم أخوه وعبد الله وعاصم جميعاً. قال: فإذا نحن بالفراش يحمل إلينا، وإذا بابي وخلفه ابن الحارثية. فقلت له: ما شانك؟ قال: شاني ما صنعت بي. قال الراوي: إنما كان يخشى -يعني بعد ما سمع هذا الكلام من خشي- أن يكون هذا جوراً.
ومن الأمور: التسوية بين الابناء في الهبة في العطايا، وهذا مما أوجبه كثير من أهل العلم، منهم الحنابلة؛ يقولون: العطية يجب التسوية فيها بين الأولاد، ولا يستثنى من ذلك شيء؛ لأن عدم التسوية يورث بينهم العداوة. لكنهم استثنوا أشياء؛ منها الشيء الحقير أو الشيء البسيط الذي يمكن أن يتسامح فيه، هذا يمكن أن يستثنى إذا كانت العطية قليلة ليست مهمة. الأمر الثاني: إذا كان قد أجاز بقية الأولاد هذا التفضيل، ربما يكون المفضل محتاجاً أو نحو ذلك. الأمر الثالث مما جوّز الحنابلة التفضيل فيه أو غيرهم من العلماء: إذا كان الولد يَبَرّ والده؛ يعني كان باراً بوالده، وكان مشغُولاً ببره عن الاكتساب، منهم من جوّز أن يفضّله والده، ويكون هذا في مقابلة انشغاله، كأنه أجرة. لكن من العلماء من يقول: إذا انشغل الولد ببر والده فلا باس أن يُفضَّل؛ لأن هذا يكون في مقابلة الأجرة. ولكن أكثر العلماء يقولون بأن الأجر يأخذه من ربه سبحانه وتعالى، ويكفيه أجر الآخرة فهو أعظم، وهو أجر البِرّ. ولذلك أكثر العلماء يفضلون عدم التفضيل.
إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُو إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري