دخولتسجيل الدخول

الحلقة 15

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن خلق عظيم، وهو خلق الحياء. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 25].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «دعه، فإن الحياء من الإيمان». أصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، يعني يقول له: إنك تستحي كثيراً أو نحو هذا الكلام؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن الحياء من الإيمان».

وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي رواية: «الحياء خير كله». وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياءً، أشد حياءً من العذراء في خدرها، فاذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه.

وفي صحيح البخاري من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». إذا لم تستحي فاصنع ما شئت معناه: إذا كان الحياء لا يردعك عما تفعله، أو إذا كان ليس عندك حياء يردعك عن فعل القبائح فافعل ما شئت، فانه ليس شيء يردعك، وهذا من باب التقريع ومن باب التهديد. وفي ذلك يقول الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء

الحياء سمة الخير، وعدم الحياء سمة الشر. يقول الشاعر: لا تسأل المرء عن خلائقه، في وجهه شاهد من الخبر. الحياء دليل الكرم، وعدم الحياء دليل اللؤم، إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه. حياؤك فاحفظه عليك، وإنما يدل على فعل الكريم حياؤه.

الحياء من الإيمان، وعدم الحياء من النفاق. من كان الحياء ثوبه، كما يقول الحكماء، لم يرى الناس عيبه. ولذلك قال أبو سفيان بن حرب كما في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس، يعني هرقل استدعى سفيان بن حرب يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان سفيان بن حرب آنذاك مشركا، فأتي به وجعل قريش خلفه، قال: إن كذب فأخبروني. يقول أبو سفيان وهرقل يسأله: فوالله لولا الحياء من أن يأثر علي كذبا لكذبت، لأنه فرصه أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه حياء من الناس لئلا يأثروا عليه كذبا أو يعرفوه بالكذب. وهذا يدلنا على أن هذا الخلق العظيم وهو الحياء يحمل على الكرم، ويحمل على كل حسنة، ويحمل على تجنب كل قبيح كالكذب والفحش وغير ذلك من أنواع القبائح.

الحياء له أنواع كما يقول العلماء، لكن انواعه بحسب الاعتبارات، وهناك باعتبار المدح والذم الحياء منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم. وباعتبار المستحي منه، هناك الحياء من النفس وهناك الحياء من الغير. الاعتبار الأول وهو باعتبار المدح والذم، هناك حياء ممدوح وهناك حياء مذموم، فهذا الحياء الممدوح هو الحياء الحقيقي، وهو الحياء الشرعي الذي يمدحه الناس، وهو الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» أو «الحياء خير كله»، وهذا الحياء ليس فيه شيء مذموم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحياء كله خير».

ولذلك مرة من المرات حدث عمران بن حصين كما في صحيح البخاري وكذلك في صحيح مسلم وغيرهما بهذا الحديث «الحياء خير كله» أو «الحياء لا يأتي إلا بخير»، فاعترض عليه أحد الجالسين وهو بشير بن كعب فقال: إن في الحكمة أو في الكتب السابقة نجد أن منه سكينة ومنه وقار ومنه ضعف، فلما سمع ذلك عمران بن حصين غضب حتى احمرت عيناه وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحف؟ معناه أن الحياء كله خير.

هذا هو الحياء الممدوح، وأصل معنى هذا الحياء في اللغة هو التغير والانكسار الذي يعتري الإنسان بسبب شيء يخاف أن يعاب به، وأهل الشرع يعرفونه بتعريف محكم وهو قولهم: الحياء خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. إذا هو يحمل أو يبعث على اجتناب القبائح كلها، هذا هو الحياء، لكنه مع اجتنابه للقبائح يمنع من أن يقصر في حق ذي الحق، يمنع من أن يترك انكار المنكر أو يترك نصيحة حياءً أو يترك السؤال عن الدين حياءً، لأن هذا يصبح من القسم المذموم.

ولذلك يقول العلماء الحياء مشتق من الحياة، ولذلك صاحب الحياء يكون قلبه حيا فيمنع ذلك من كل قبيح، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان» لأن الإيمان في القلب، فقلب الحي حي ولذلك هم يشبهون الحي وغير الحي بالحي والميت. صاحب الحياء كالحي، وصاحب الوقاحة كالميت لأن هذا لا يؤثر فيه شيء، لا يتغير وجهه إذا رأى شيئا من القبائح بخلاف الحي، ويشبهونهما أيضا بالأرض اليابسة الصلبة لأن الوقاحة معناها الصلابة غير الرطبة لا تتاثر بالاقدام إذا داستها بل هي تؤثر في الأقدام، وهكذا غير الحي لا يتاثر إذا رأى القبائح، لا يتمعر وجهه بخلاف الأرض الرطبة والأرض المعشبة أو المخضرة فإنها تتاثر بكل شيء تتاثر بسير الأقدام عليها.

وهكذا الحي يتاثر بأي شيء يراه، فإذا رأى قبيحا تغير وجهه وتلون وصار ذلك دليلا على أنه أصابه شيء من الحياء، أصابه شيء من الخجل. وهذا الحياء وهذا الخلق الكريم هناك اخبار لأصحاب هذا الخلق الذي هو الحياء، ومن أوائلهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد أصحاب الحياء. النبي صلى الله عليه وسلم يقول أبو سعيد الخدري كما في الصحيحين: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه صلى الله عليه وسلم.

وفي مسند أحمد وسنن أبي داوود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم على رجل صفرة، يعني شيء من أثر النساء، الصفرة هي طيب من طيب النساء، فكان ينبغي على هذا الرجل أن يتحرز من ذلك بين الرجال، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذه الصفرة كرهها لكنه لم يتكلم في وجه الرجل، فلما قام الرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أمرتم هذا فغسل عنه هذه الصفرة». يقول أنس: وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه، هذا من حياء النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وأولم بخبز ولحم، وأرسل أنس بن مالك داعيا يدعو القوم، فكان يدعوهم فيأتون وياكلون ثم يخرجون، ثم يذهب ويدعو الآخرين فيأتون وياكلون ثم يخرجون، حتى لم يجد أحدا يدعوه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارفعوا طعامكم» لأنه لم يبق أحد ليطعم من هذه الوليمة، وبقي ممن طعموا ثلاثة رهط جلسوا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم في البيت الذي سيبنى فيه بأمنا زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وأخذوا يتحدثون.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وانطلق وذهب إلى حجرة عائشة وسلم عليها ردت عليه السلام ثم سالته: كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ ثم ذهب إلى حجر نسائه وأصبح يسلم على الواحدة تلو الأخرى وهي ترد عليه وتسأله كيف وجدت أهلك، وهو يريد بذلك أن هؤلاء الرهط الثلاثة يخرجون من البيت ويذهبون. فلما رجع فإذا هم ما زالوا يتحدثون، فرجع إلى نسائه مرة أخرى، فعلم هؤلاء الثلاثة أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل على زوجته فعند ذلك شعروا بشيء فخرجوا.

فيقول أنس: فلا أدري أنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أو أخبره القوم أنهم خرجوا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ودخل وأرسى كفه الباب. يقول أنس: فأرخى الستر بيننا. النبي صلى الله عليه وسلم من حيائه هنا لم يقل للقوم انتهت الوليمة أو نحو ذلك، وهذا من الحياء الجميل جدا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع أن يتكلم معهم وإنما ذهب وعاد، فلما راهم ذهب مرة أخرى إلى أن انتبهوا أنهم ينبغي عليهم الذهاب. ولذلك نزلت الآيات: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن سادات أهل الحياء وعن سيدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الحياء المشهورين أيضا زوجته الصديقة بنت الصديق، فقد ثبت في مسند أحمد من حديث عائشة أنها قالت: كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تضع ثيابها لأنه إنما هو أبوها وزوجها، ثم لما دفن عمر رضي الله تعالى عنه في بيتها قالت: والله ما دخلته إلا وانا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر مع أنه ميت، والمقصود بمشدود عليها ثيابها يعني أنها كأنه حي يراها.

وهكذا من سادة أهل الحياء عثمان بن عفان الحيي الذي تستحي منه الملائكه، لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قبله قد دخل أبو بكر ودخل عمر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد انكشف شيء من فخذه ولم يتغير النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسوي ثيابه، فلما دخل عثمان جلس النبي صلى الله عليه وسلم وسوى عليه ثيابه، فسألته عائشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة».

وهكذا الأخبار في هذا الشان كثيرة جدا، ومن الأخبار امرأة جاءت، وهذا من بديع ما صنع الحياء بهذه المرأة أنها جاءت إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي خير الناس يصوم النهار ويقوم الليل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال كعب بن سور، وهذا الرجل كان قاضي عمر بن الخطاب وكان من أذكياء الناس المعدودين: يا أمير المؤمنين، ما رأيتك اليوم شكوى أشد من هذه. فقال عمر: وما ذاك، ما كانت تقول؟ فقال: إنها تزعم أنها ليس لها من زوجها نصيب، يعني أنه يصوم النهار ويقوم الليل. فقال: أما إذ فهمت ذلك فاقض بينهما، وأتى بالرجل فقال قضى بينهما أنه الرجل له أحل الله له مثنى وثلاث ورباع، فقال لها: ليلة من ثلاث ليال ويوم من أربعة أيام. فكان عمر يتعجب من هذا القضاء زيادة على تعجبه السابق، والأخبار في هذا كثيرة.

وأما الحياء المذموم وهو النوع الثاني من الحياء، فهو الذي إنما سمي حياء أصلا لمجال، وإلا فهو خور وعجز ومهانة، لأن الحياء الحقيقي كما تقدم هو خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، لكن هذا الحياء الذي يسمى حياء وليس بحياء الذي هو العجز والتقصير، هو ما يمنع من تغيير المنكر، هو ما يمنع من السؤال عن أمر الدين ونحو هذه الأمور. ولذلك كانت عائشة تقول رضي الله عنها كما في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

وهكذا من هذا الحياء المذموم ترك العمل حياء من الناس أو إتقانه عند نظرهم رياء لهم، ولذلك قيل: لا تعمل للرياء ولا تترك العمل للحياء. وكان الحسن البصري رضي الله تعالى عنه يقول في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] أي لا تجهر بها رياء ولا تخافت بها حياء.

وفي هذا المعنى في الحياء المذموم والحياء الممدوح يقول محمد مولود في منظومة مطهرة القلوب:

أما الحيا الذميم فالمانع رجلا كان رجلا صالحا ولا يجيء إلا بخير رائحا

هو يشير هنا لو كان رجلا، يعني لو كان الحياء رجلا كان رجلا صالحا، وهذا حديث لعائشة رضي الله تعالى عنه، وهو حديث فيه شيء من الكلام من حيث الإسناد، والثاني ولا يجيء إلا بخير رائحا، إشارة إلى حديث عمران بن حصين أن الحياء لا يأتي إلا بخير.

الاعتبار الثاني في تقسيم الحياء أن الحياء يتنوع باعتبار المستحي منه، وهو في هذا الاعتبار ثلاثة أقسام: حياء من الله، وحياء من الناس، وحياء من النفس. أما الذي هو من الله سبحانه وتعالى فهو يحصل ويكون بامتثال أوامر الله والكف عن زواجره.

مسند أحمد وسنن الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استحيوا من الله حق الحياء». قال: قلنا يا رسول الله إنا لنستحيي. قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء».

وهناك حديث أيضا رواه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة وغيره من الأئمة من حديث سعيد بن يزيد رضي الله تعالى عنه أنه قال إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أوصني قال: «أوصيك أن تستحيي الله كما تستحي رجلا صالحا من قومك». وهذا الحديث فيه بيان عجيب ومثال قريب جدا من النفس، فإن الإنسان إذا علم أن رجلا صالحا من قومه ينظر إليه أو يسمع كلامه، تجنب كل ما يشينه عنده أو ما يضع من قدره لديه، ولو اطلع هذا الرجل على ما في قلب هذا الإنسان لترك ولما أضمر في قلبه إلا ما يحسنه ويجمله عند ذلك الرجل.

والحياء من رب العالمين بهذه الصفة يبعث عليه أمور؛ الأمر الأول: علم العبد أن الله مطلع على ما في قلبه وعلى كل شيء، فمن استحيا من الله كما يستحي من الرجل الصالح لم يضمر في قلبه ما يكرهه ربه، لعلمه بأن الله مطلع عليه، كما أن الرجل الصالح يطلع على ظاهره والله يطلع على باطنه، فهذا الرجل إذا علم أن الله يطلع على باطنه فإنه سيطهر باطنه من كل القبائح، فاذا عرض له رياء وتذكر نظر الله إلى قلبه تركه، وإذا عرض له عجب أو كبر وتذكر نظر الله إليه ترك ذلك، وهكذا لو عرض له خوف من غير الله لاستحي من الله أن يراه يخاف غيره أو أنه يرجو غيره أو يطمع في غيره.

والأخبار في هذا كثيرة، وإن كان هذا النوع من الحياء ليس واجبا على الإنسان أن لا يخاف إلا الله ولا يطمع إلا فيما عند الله، فالأنبياء خافوا؛ موسى خاف من الحيات كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67]، لكن هذا كان في البداية، ثم بعد ذلك لما قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشسراء: 61] قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] فتعلم اليقين.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول أبو وائل شقيق بن سلمة: كنت في جيش فمررنا بأجمة مخيفة يعني مكانا مخيفا، فإذا فيه رجل نائم على فراش وفرسه حوله تدور، فأيقظناه وقلنا: ما تخاف في هذه الأجمة في هذا المكان المخيف؟ فقال: إني لاستحي من ذي العرش أن يعلم أني أخاف أحدا دونه. والأخبار في هذا كثيرة جدا.

والأمر الثاني الذي يبعث الحياء من الله هو استحضار العبد كثرة إحسان الله إليه ودوام نعمه عليه، فإذا استحضرا هذا واستحضر أنه مقصر في شكر الله تبارك وتعالى، ولد ذلك عنده حياء، والعجيب أن رب العالمين مع تقصير الإنسان في شكره بل وفي استخدام نعمه في معاصيه إلا أن الله يستر عليه، وربنا سبحانه وتعالى يديم هذه النعم عليه، فإذا تذكر العبد هذه النعم الدائمة وهذه الأيادي الفائضة من رب العالمين وتذكر تقصيره وتذكر معاصيه، ولد ذلك عنده حياء واستحي من ربه سبحانه وتعالى.

الأمر الثالث الذي يهيج الحياء في العبد من ربه هو تذكر العبد الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فهو إذا تذكر الوقوف بين يدي الله استعد للجواب واستعد للاعتذار عما يرتكبه من المعاصي أو مما نهاه الله عنه، لا سيما وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء لا تخفى عنه خافيه، يعلم بسره وعلانيته.

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: 6-7]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].

ومن الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». فإذا علم الإنسان أن الله سيسأل فسيعتد لهذا الموقف جوابا، ولن يفعل شيئا من الأفعال إلا ويستحيي من ربه سبحانه وتعالى ويحضر الجواب بين يدي الله تبارك وتعالى.

ولذلك كان يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: إنما أخشى من ربي أن يدعوني يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيقول: يا عويمر! فأقول: لبيك ربي، فيقول: ماذا عملت فيما علمت؟

ومن الحياء من رب العالمين ما ذكره محمد بن منكدر عن آدم عليه الصلاة والسلام يقول: إن أول عمل عمله آدم عليه الصلاة والسلام حين أهبط أنه طاف بالبيت، فلقيته الملائكة فقالوا: يا آدم! قد طفنا بهذا البيت قبلك بألف عام. فمكث آدم في الارض أربعين سنة ما يرقأ دمعه يبكي بسبب ذنبه، فقالت له حواء: قد استوحش إلى أصوات الملائكة فادع ربك يسمع أصواتهم. فقال آدم عليه الصلاة والسلام: ما زلت مستحييا من ربي أن أرفع طرفي إلى أديم السماء حياء من الله تعالى منذ صنعت ما صنعت.

هذا النوع الأول وهو الحياء من الله، النوع الثاني الحياء من المخلوقين عند الدخول فيما يكرهون، وهذا يكون بالكف عن الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، ويقول زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله، ويقول الشاعر: ورب قبيحة ما حال بيني وبين روبها إلا الحياء، فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء.

والنوع الثالث من هذه أنواع من الحياء هو الحياء من النفس، وهذا يكون بالعفة وصيانة النفس في وقت الخلوات، يقول بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحياائها من غيرك، وقال آخر: من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.

ومن الناس من دعاه قوم لرجل كان يألفه ويعاشرهم فلم يجبهم عندما دعوه وقال لهم: إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا استحي من سني، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: فكري كإعلان وتلك خليقتي، وظلمه ليلي مثل ضوء نهاري.

وهذا النوع من الحياء في الحقيقه فضيله للنفس، فمتى كمل حياء الإنسان من هذه الوجوه الثلاثة كملت فيه أسباب الخير، وانتقل عن أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورا وبجميل مذكورا.

إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].