دخولتسجيل الدخول

الحلقة 14

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي ما زلنا نتكلم فيها عن الحلم. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن فضل الحلم وعن شيء من الكلام عن الغضب، وعن الحلماء، وسيد الحلماء وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلمنا عن أبي بكر أيضاً. ونكمل الكلام عن الحلماء وما يحصل لهم، ومن سادات الحلماء الأحنف بن قيس، وهو أحد سادات التابعين المخضرمين. المخضرمون معناه الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لو أنه رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآه لأصبح صحابياً، وهو أمير كبير وعالم نبيل، يكنى أبا بحر التيمي، وهو يضرب بحلمه وبسيادته المثل في وقته. أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ووفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان أحد قادة جيش علي رضي الله عنه يوم صفين. وهو الذي قال لقومه حين جاءهم رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام: إنه يدعو إلى خير وما أسمع إلا حسناً. النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قومه رجلاً يدعوهم فاستمع له الأحنف بن قيس، فقال: يا ناس، إن هذا الرجل يدعو إلى خير وإني لا أسمع إلا خيراً. وكان من ساداتهم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك عنه: «اللهم اغفر للأحنف». فلما أخبر الأحنف بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم سجد وقال: ما شيء أرجى عندي من ذلك.

وكان الأحنف رضي الله عنه يقول: اللهم إن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك. وكان يقول أيضاً: عرضت نفسي على القرآن فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102]. وكان من العباد ومن الزهاد، وكان له أخبار كثيرة وأخباره عجيبة يطول بها الحديث. وقد حدث بينه وبين معاوية رضي الله عنه بعض الكلام، لأنه كان من أمراء علي رضي الله تعالى عنه، فلما آلت الخلافة إلى معاوية رضي الله عنه جاء بينه وبين معاوية بعض الكلام لما رأى، ثم بعد ذلك أصبح معاوية مجلاً له ومكرماً للأحنف بن قيس.

وحصلت له أخبار كثيرة جداً وعجيبة، منها أن زياداً الذي كان يعني على الكوفة أميراً على الكوفة لمعاوية رضي الله عنه وكان من أهله، كان معظماً، هذا زياد بن أبيه كان معظماً للأحنف. ثم تولى بعده ابنه عبيد الله بن زياد، لكن لما تولى عبيد الله تغير على الأحنف وقدم على الأحنف أناساً آخرين. ثم وفد عبيد الله ومعه أناس وكان منهم الأحنف على معاوية رضي الله عنه، فقال معاوية رضي الله عنه لعبيد الله: ادخلهم علي على قدر مراتبهم. فصار عبيد الله يدخلهم وأخر الأحنف، فلما رآه معاوية أكرمه لسيادته ومكانته، وقال: إلي يا أبا بحر، إلي يا أبا بحر، واجلسه معه ثم اقبل إليه وأعرض عن الآخرين. ثم ذهب الحديث وأخذوا يشكرون أو يمدحون عبيد الله بن زياد عند معاوية، وكان الأحنف ساكتاً. فقال له معاوية رضي الله عنه: لم لا تتكلم؟ فقال: إن تكلمت وخالفتهم، يعني أنا عندي كلام يخالف كلامهم في عبيد الله. فقال معاوية عند ذلك: أشهدوا أني قد عزلت عبيد الله. فلما خرجوا من عند معاوية أصبح منهم من يريد الإمارة ويتطلع إليها، ثم لما عادوا إلى معاوية رضي الله عنه بعد فترة ذكر كل واحد منهم شخصاً أنه يصلح للإمارة وتنازعوا فيما بينهم. فقال معاوية: ما تقول يا أبا بحر، يعني الأحنف بن قيس؟ فقال: إن وليت أحداً من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله، يعني هذا الذي عزلته. فقال: قد أعددته. ثم إن معاوية خلا بعبيد الله وقال: كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وعادك وهو ساكت؟ فلما رجع عبيد الله إلى الكوفة جعل للأحنف مكانه أو أعاده إلى مكانته التي كانت وجعله صاحب سره.

وأخباره كثيرة حقيقة يعني وحكمة، وفي الحلم الذي هو موضوعنا. ومن تلك الحكم التي تبين حلمه، أنه مرة من المرات شتمه رجل وهو معرض عنه، وجعل الرجل يستمر في شتمه وهو يسير ولا يلوي إليه حتى بلغ الأحنف حيه -أي مكانه أو قومه- فوقف الأحنف قبل أن يدخل إلى قريته وقال: يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فهاته وانصرف، لا يسمعك بعض سفهاؤنا فتتلقى ما تكره. ومرة حكي عنه أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا اخذت في أمره باحدى ثلاث خصال، أي شخص يعاديه يأخذه بإحدى ثلاث خصال؛ يقول: إن كان أعلى مني عرفت له قدره فسكت ولم أرد عليه، أو لم يعني وحلمت عنه لأنه أعلى مني قدراً، وان كان دوني رفعت قدري عنه -أي ترفعت عليه- وان كان نظيري تفضلت عليه. ففي جميع الأحوال هو يتخذ الحلم خلقاً. وهذا الكلام الذي ذكره الأحنف أخذه الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو الشيخ سيبويه في اللغة العربية وهو المشهور صاحب العروض، فنظم هذا شعراً وقال فيه:

سالزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه إلي الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروك ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازم وأاما الذي دوني فأحلم دائباً أصون به عرضي وإلا أملائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت أن الفضل بالفخر حاكم

ومن الحلماء أيضاً شيخه في الحلم، وهو قيس بن عاصم المنقري التميمي، أحد سادات الصحابه الكرام، شيخه في الحلم؛ لأن الحلم تعلمه الأحنف بن قيس من قيس بن عاصم، وقيس بن عاصم هذا كان صحابياً وكان مشهوراً بالحلم، وكان حتى إن الأحنف بن قيس كان يقول: لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه. قدم هذا الرجل في وفد بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة تسع، فلما رأاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا سيد أهل الوبر».

وكان قيس بن عاصم رضي الله عنه قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، وكان سبب ذلك أنه شرب الخمر أو سكر فغمز ابنته وسب أبويها، ورأى القمر فتكلم وأعطى الخمار كثيراً من ماله. فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه وقال في ذلك أشعاراً، منها قوله:

رأيت الخمر صالحة، وفيها -صالحة في عهدهم لأنهم يفتخرون بالخمر- رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحاً ولا أشفى بها أبداً سقيما فلا والله أشربها صحيحاً، يعني فلا والله لا أشربها -ولا حرف النفي هذا يسقط عند القسم، والأخبار في هذا كثيرة أو شواهده في اللغة العربية كثيرة، منها هذا البيت- فلا والله أشربها صحيحاً ولا أشفى بها أبداً سقيما ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعو لها أبداً نديما فإن الخمر تفضح شاربيها وتجني بهم بها الأمر العظيم

وكان هذا الرجل أيضاً من الكرماء المشهورين، وأخباره في الكرم كثيرة، منها أن امرأة له تزوجها -بنت زيد الفوارس- أهدت إليه لما دخل عليها أهدت إليه طعاماً أو جاءت له بطعام فقط، قال لها: أين أكيلي؟ فلم تدري ما يقول لها، فأنشأ يقول:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمس له أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني أخاف ملامات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف من غير ذلة وما بي إلا ذاك من شيم العبد

والعجيب أن رجلاً جاراً له كان بخيلا سمع يقول هذه الابيات، فقال بيتين آخرين في عكس ما قاله قيس بن عاصم وما قاله هذا الجار، يقول:

لعلي وبين المرء قيس بن عاصم بما قال بون في الفعال بعيد وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة مخافة أن يغرنا فيعود

قيس بن عاصم يقول: ابحثي عن أكيلي، لا آكل الطعام وحدي. وهذا يقول: نحن نجفو الضيف من غير عسرة، يعني نحن أغنياء ومع ذلك نجفو في وجه الضيف حتى لا يغرى بنا فيعود مرة أخرى. وقيس بن عاصم مدحه الناس، ورثاه عبدة الطيب بأبيات له جميلة يقول فيها:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية منا وليت منك نعمة إذا زار عن شحط بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

ومن أخباره في الحلم أنه قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري. رايته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه يحدث قومه، إذ أتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك -ابن أخيه يقتل ابنه، يعني هذا أمر شديد جداً-. قال: فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي، بئس ما فعلت، أثمت بربك، ورميت نفسك بسهمك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك. ثم قال لابن آخر له: قم يا بني فواري أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمك مئة ناقة ديه، فإنها غريبة -يعني هذه الأم غريبة من النساء، الغريبات-.

ومن طرائف الأخبار في العفو ما ذكر عن منصور بن عمار، يذكر أن رجلاً شريباً كان يشرب الخمر ويتعاطى مع جماعة من أصحابه، فأرسل مملوكاً له بدراهم بأربعة دراهم ليأتي بفاكهة، فمر على منصور بن عمار وكان منصور بن عمار من الوعاظ المشهورين، فوجده يعظ ويقول: من أعطى هذا المسكين أو الفقير أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات. فهذا المملوك أعطاه الدراهم يريد الدعوات، وكان الدراهم ليست ملكاً له وإنما ملك سيده. فقال: ماذا تريد أن ادعو لك؟ قال: ادعو الله أن يخلصني من رق العبودية. فدعا وأمن الناس. قال: والثانية؟ قال: أن يتوب الله على سيدي. قال: والثالثة؟ قال: أن يخلف الله علي الدراهم. قال: والرابعة؟ قال: أن يغفر الله لي ولولي ولحاضرين. فدعا والناس أمنوا.

فلما رجع إلى سيده قال: ما بطأك؟ فأخبره. قال: وما هي الدعوة الأولى؟ قال: أن يخلصني الله من رق العبودية. قال: اذهب فأنت حر لوجه الله. قال: والثانية؟ قال: أن يخلف الله علي الدراهم. قال: هذه أربعة آلاف درهم. قال: والثالثة؟ قال: أن يتوب الله عليك. قال: اللهم إني تبت ورجعت إليك. قال: والرابعة؟ قال: أن يغفر الله لي ولك وللحاضرين. منصور بن عمار قال: أما هذه فليست إلي. فبات ورأى في النوم قائلاً يقول له: فعلت ما علينا، أفلا ترانا نفع ما علينا؟ قد غفر الله لك ولمن عمار ومملوك وللحاضرين. نقف هنا قليلاً إن شاء الله ونعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم من جديد، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن بعض أخبار الحلماء، منهم الأحنف بن قيس وقيس بن عاصم.

ونذكر هنا أن الحلم له أسباب تبعث عليه؛ الحلم لابد أن يكون باعثه سبباً مقبولاً، إذا خلى الحلم عن هذه الأسباب فليس بحلم مقبول أو ليس بحلم ممدوح. السبب الأول -مما يذكره العلماء- الرحمة على الجهال، يعني يكون السبب الدافع لحلم الحليم أنه راحم على هذا الجاهل. يقول أبو الدرداء رضي الله عنه لرجل أسمعه كلاماً: يا هذا، لا تغرقني ودع للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه عز وجل. ومرة شتم رجل الشعبي فقال: إن كنت كما قلت فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك. هذا هو السبب الأول، وهو الرحمة على الجهال.

السبب الثاني: العلم بانك قادر على الانتصار وتترك هذا الانتصار؛ لأن في تركه ترك -يعني لأن في هذا الترك شفاء-، لأنك إذا انتصرت فربما تجلس تتقلب وتتقلب بك الأمور وتحزن أنك انتصرت على غيرك. ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز: ثلاث من كن فيه فقد كمل؛ من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، ومن إذا قدر عفا وكف. والفضيل بن عياض -وهو عابد الحرامين المشهور- يقول: إذا اتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل: يا اخي أعف عنهم، فإن العفو أقرب للتقوى. فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن سانتصر كما أمرني الله عز وجل، لأن الله يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41]. قال: فإن كنت تحسن تنتصر مثلاً بمثل -لأنه جزاء سيئة سيئة مثلها-، قال: فقل له: إن كنت تحسن تنتصر مثلاً بمثل وإلا فارجع إلى باب العفو فإنه باب أوسع، فإنه من عفا وأصلح فاجره على الله، وصاحب العفو ينام الليل على فراشه، وأما صاحب الانتصار فإنه ينام وتتقلببه الأمور، يعني لا يضطرب، يصبح يتندم على أنه انتصر. هذا السبب الثاني.

السبب الثالث الباعث على الحلم: هو الترفع عن السباب، وهذا من شرف النفس وعلو الهمة، وفي ذلك يقول الشاعر:

أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعاب

واصفح عن سباب الناس حلماً، وشر الناس من يهوى السبابا.

والسبب الرابع: الاستهانة بالمسيء، ومن ذلك ما حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوماً لعطاء الجند، وأمر مناديه بأن ينادى أين عمرو بن جرموز؟ وعمرو بن جرموز هو الذي قتل الزبير أباه، فقيل له أيها الأمير إنه قد تباعد في الأرض يعني هارباً، فقال: أو يظن الجاهل أني أقي بأبي عبد الله؟ فليظهر آمناً وليأخذ عطاءه موفراً.

ومرة شتم رجل ابن هبيرة فأعرض عنه ابن هبيرة، فقال له الرجل: إياك أعني! فقال له ابن هبيرة: وعنك أعرض.

وفي ذلك يقول الشاعر: إذا نطق السفيه فلا تجبه، فخير من إجابته السكوت، سكت عن السفيه فظن أني عييت عن الجواب وما عييت.

والسبب الخامس: الاستحياء من جزاء الجواب، يعني الاستحياء من أن يجيبني الجاهل بجواب أسوأ، وفي ذلك يقول الحكماء: احتمال السفيه خير من التحلي بصورته، يعني أن تشاكل وأن تصبح في شكله وفي هيئته.

ويقول ابن زرارة: وقل لبني سعد فمالي ومالكم، ترقون مني ما استطعتم وأعتقوا، أري أني بأحسن شيمه بصير، واني بالفواحش أخرق، وإن تك قد فاحشتم فقهَرتم، هنيئاً مريئاً أنت بالفحش أحذق.

والسبب السادس: التفضل على صاحب السباب، وقد مر في هذا المعنى كلام الأحنف بن قيس حيث يقول: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث؛ إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيراً تفضلت عليه.

والسبب السابع: إرادة قطع السباب؛ لأن رد الإساءة بالإساءة سبب لتهييجها، ولذلك حكي أن رجلاً قال لضرار بن القعقاع: والله لو قلت لي واحدة لسمعت عشراً، فقال له ضرار: والله لو قلت لي عشراً لم تسمع واحدة.

وقال بعض الشعراء: وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى، وفي الخرق إغراء فلا تكو أخرق، فتندم إذ لا تنفعنك ندامة، كما ندم المغبون لما تفرقا.

والسبب الثامن: الخوف من العقوبة على الجواب، وقد قيل في منثور الحكم: الحلم حجاب الآفات.

وقال رجل لأبي بكر الصديق -رحمه الله ورضي عنه-: لأسبن سباً يدخل معك قبرك، فقال أبو بكر: معك والله يدخل لا معي.

والسبب التاسع: الرعاية لنعمة سابقه، يعني الحلم على الجاهل رعاية لنعمة سابقه له، وهذا من الوفاء بالعهد، وفي ذلك يقول الشاعر: إن الوفاء على الكريم فريضة، واللؤم مقرون بذي الأخلاف، وترى الكريم لمن يعاشر منصفاً، وترى اللئيم جانب الإنصاف.

والسبب العاشر: المكر وتوقع الفرص، وهذا يكون من الدهاء، ومن ذلك أن رجلاً أتى الأحنف فلطمه، فقال له الأحنف: يا ابن اخي لما لطمتني؟ قال: جعل لي جعل على أن ألطم سيد بني تميم، قال: ويحك ما صنعت شيئاً! قال: لما؟ قال: لأني لست سيد بني تميم، وإنما سيد بني تميم جارية بن قدامة فعليك به.

وأراد الأحنف بن قيس لأن جارية من الناس الذين يأخذون على يد السفيه، فانطلق هذا الرجل فلطم جارية، فأخذه جارية وقطع يده.

فقالوا: قطع الأحنف يد الرجل -يعني ليس الجاريه الذي قطع، وإنما الأحنف الذي أرسله إليه-.

هذه عشرة أسباب تبعث على الحلم وتدعو إليه، وبعض هذه الأسباب أفضل من بعض، ولكن إذا عري الحلم عن واحد من هذه الأسباب أصبح ذلاً ولا يكون حلماً؛ لأن الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب، فاذا فقد الغضب لسماع ما يغضب كان ذلك من ذل النفس وقلة الحمية، ولذلك فقدان هذه الأسباب يجعل الغضب هنا محموداً وهو الغضب لله لا لحظ النفس.

وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوۡا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7].

وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله عز وجل».

ومن هذا النوع من الغضب وهو الغضب لأجل حرمات الله: الغضب الذي بتركه تزداد جرأة الجاني في تعديه، وعلى هذا حمل بعضهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39].

ومن هذا النوع من عدم الحلم أو من الغضب الممدوح ما أنشده النابغة الجعدي بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدر، ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أجت، لا يفضض الله فاك».

وفي ذلك يقول الشاعر أيضاً: فان كنت محتاجاً إلى الحلم إنني إلى الجهل في بعض الأحاين أحوج، ولي فرس للحلم بالحلم ملجم، ولي فرس للجهل بالجهل مسرج، فمن شاء تقويمي فإني مقوم، ومن شاء تعويجي فإني معوج، وما كنت أرضى الجهل خدنا وصاحباً، ولكنني أرضى به حين أحرج، ألا ربما ضاق الفضاء بأهله، وأمكن من بين الأسنة مخرجه، وإن قال بعض الناس في سوء فقد صدقوا، والذل بالحر اسمج.

وبعض العلماء أحكم -يعني تدبير الحلم والغضب، يعني الحلم كيف أوازن أنا بين الحلم والغضب، يعني هل الغضب الآن ممدوح أو هل الحلم الآن ممدوح؟-.

ونحن ذكرنا الأسباب التي تبعث على الحلم، وأنه إذا خلا الإنسان من هذه الأسباب كلها فالغضب حينئذ يكون محموداً.

يقول أحد الشعراء وهو من أهل العلم: إذا أمن الجهال جهلك مرة، فعرض للجهال غنم من الغنم، إذا أمنوا جهلك أنك لن تجهل عليهم أصبح غنيمة لهم، وإن أنت زَيَّتَّ السفيه إذا نزى فأنت سفيه مثله غير ذي حلم، فأما إذا نازعته ورددت عليه فاصبحت سفيهاً، إذاً ما هو الحل؟ إن سكت عنه أصبح عرضي غنماً له، وإن زيته أصبحت مثله ولست بحليم، ولذلك قال: فلا تعترض عرض السفيه وداره بحلم فإن أعيا عليك فالصرم -يعني في البداية داره بالحلم، فإن تمادى عليك فالصراع عليه الحلم والجهل، يعني اجعله لا يعلم هل أنت ستسكت عنه أو ستجهز عليه-.

تذبذب بين العداوة والسلم، فيرجو تارَاتٍ ويخشاك تارة، وياخذ فيما بين ذلك بالحزم، فإن لم تجد بداً من الجهل فاستعن عليه بجهالة من العزم، إذا لم تستطع -يعني لم تجد الخلاص من هذا الجاهل مع هذه التدابير- فعليك بالجهالة من العزم، ودع عنك في كل الأمور عتابه، فإنك ان عاتبته كان كَالخصم، ومن عاتب الجهال لم يشفي نفسه، ولكنه يزداد سقماً على سقم.

هذه الأبيات من أحكم الأبيات التي وجدتها في تدبير الغضب والحلم.

الحلم هو سيد الموقف، أو الحلم هو الخلق الأهم، كما قال الأحنف بن قيس: إن الناس ثلاثة؛ إما أعلى مني قدراً وهذا هو العالم والفاضل فهذا أعرف له قدره، وإما أنزل مني قدراً وهذا قد يكون هو الجاهل فهذا أرفع نفسي عنه، وإما أن يكون مساوياً لي فأتفضل عليه وأكون بهذا التفضل أعلى منه شأناً وهو مساوٍ لي في نفس الوقت لكني علوت عليه شأناً لأني حلمت عنه.

هذا هو الأصل، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لضرورة وإلا لأسباب تدعو إليه، وهو أن يكون الغضب حينئذ محموداً، وهو الغضب لله، ومن ذلك ما يكون لا يجعل الجاني يتعدى في جنايته.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].