دخولتسجيل الدخول

الحلقة 12

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوَا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَضَرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134]. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن خلق من الأخلاق العظيمة، وهو خلق الصبر.

الصبر ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن في نحو تسعين موضعاً. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: 200]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيْرَ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. والآيات كثيرة، منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتُْم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. والآيات في فضل الصبر كثيرة جداً.

وهناك أحاديث أيضاً كثيرة، من هذه الأحاديث ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده. فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: «ما يكن من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر». وفي صحيح مسلم من حديث صهيب بن سنان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصبته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصبته ضراء صبر فكان خيراً له». فضل الصبر ورد فيه أشياء كثيرة من الأحاديث والآيات وأقوال الحكماء وشعر الشعراء.

ولذلك يقول حماد بن الأمين في منظومته في الآداب يقول: والصبر فالصبر مرير المزدري مدمنه حرم بنيل ما قصد. أخلق بذي الصبر رووه وارتضي، رمت المعالي فامتنع للرضي. والصبر بالنصب يعني الزم الصبر، وهذا أسلوب عربي. يقول أحياناً هذا الأسلوب العربي إما أن يكون للإغراء مثل هنا والصبر يعني الزم الصبر، وإما أن يكون للتحذير مثل الأسد الأسد يعني أحذر الأسد. فهنا يقول والصبر يعني الزم الصبر. والصبر فالصبر مرير المزدري يعني تبلعه مرير جداً. والصبر فالصبر مرير المزدري مدمنه الذي يدمن الصبر مدمن حرم بنيل ما قصد يعني هو خليق بنيل مقصوده.

ثم أشار إلى بيتين أو إلى شعرين قال: أخلق بذي الصبر رووه وارتضي، رمت المعالي فامتنع للرضي. هنا أخلق بذي الصبر رووه يشير إلى شعر أنشد، وهو قول الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته، ومدمن القرع للباب أن يلج. ويشير بقوله رمت المعالي فامتنع للرضي إلى قول الشريف الرضي: رمت المعالي فامتنع ولم يزل أبدا يمانع عاشقا معشوق، فصبرت حتى نلته ولم أقل ضجرا دواء الفارك التطليق. رمت المعالي فامتنع يقول الشريف الرضي: أنا رمت المعالي يعني اردتها فامتعنت المعالي منه. رمت المعالي فامتنع ولم يزل أبدا يمانع عاشقا معشوق، يعني المعاني أو المعالي معشوقة للشريف الرضي وهو العاشق، وفي العادة أن المعشوق يمانع العاشق. رمت المعالي فامتنع ولم يزل أبدا يمانع عاشقا معشوق، فصبرت حتى نلته ولم أقل ضجرا دواء الفارك التطليق. وهذا عند العرب قديماً يقولون الفارك ليس دواؤها التطليق، الفارك يعني المرأة الكارهة، عليك أن تصبر عليها حتى تأتي المحبة بعد. ولذلك يقولون: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. فهو يقول: صبرت على طلب المعالي حتى نلته، كما صبر الرجل على امرأته التي تكرهه حتى أحبته بعد ذلك.

والصبر يقول العلماء أصل الصبر في اللغة هو الحبس، يعني حبس النفس وكفها في ضيق شديد. وهو أنواع، يعني الصبر واسع في المعنى، فمثلاً إذا كان الصبر لمصيبة سمي صبراً. وإذا كان الصبر عن شهوة للبطن أو شهوة للفرج سمي عفة. وإن كان الصبر في قتال سمي شجاعة. وإن كان في كظم الغيظ ورد الغضب سمي حلما. وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا أو صمتا. وإن كان في فضول العيش سمي زهدا. وإن كان هذا الصبر عن قدر يسير من حظوظ الدنيا سمي قناعة. فالصبر معنى واسع تدخل فيه القناعة، ويدخل فيه الشجاعة، ويدخل فيه الحلم، ويدخل فيه أنواع كثيرة من الأخلاق، فهو أصل عظيم لكثير من الأخلاق.

وللصبر أنواع ثلاثة مشهورة عند أهل العلم، ينوعون الصبر يقولون: الصبر على الطاعة، والصبر عن الشهوة، والصبر على البلاء. فالصبر الأول وهو الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى هو أكمل أنواع الصبر، فهو أفضل من الصبر على الشهوة أو عن الشهوة. لماذا هو أفضل من الصبر عن الشهوة؟ لأن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الله سبحانه وتعالى من مصلحة ترك المعصية. وهكذا الصبر على الطاعة أفضل من الصبر على البلاء، لأن الصبر على البلاء صبر على شيء لا يدخل تحت اختيار العبد، يعني العبد إما أن يصبر وإما أن يجزع، الشيء حاصل حاصل سواء صبر أم لا، بخلاف الصبر على الطاعة فانه تحت اختياره. وهكذا الصبر عن المعصية تحت اختيار العبد.

والصبر على الطاعة يقولون يكون بثلاثة أمور أو في ثلاثة أحوال: حال قبل الطاعة، وهو بتصحيح النية فيها وعدم الرياء، لأن الإنسان ياتيه الشيطان ويقول جود صلاتك فإن الناس ينظرون إليك، أو افعل كذا فإن الناس، فهذا نوع من الرياء، والصبر في هذه الحالة يعني قبل العمل. وهناك الصبر في نفس العمل، بأن لا يغفل عنه، إذا كان يصلي مثلا يحضر حواسه للعبادة ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب، أحيانا الإنسان بقلة الصبر يتكاسل فيعمل العمل مع قلة الآداب أو مع التهاون في بعض السنن، فهذا نوع من الصبر. والنوع الآخر في الصبر على الطاعة وهو ما يأتي بعد الطاعة، وهو الصبر عن إشائه أو التظاهر بها، لأن بعض الناس أحيانا إذا عمل الطاعة يحب أن الناس يعلمون بذلك، فاحيانا قد يعتمر مثلا أو يحج فيذكر الكلام أو قصة أو موضوعا عن العمرة يريد أن الناس يعلمون أنه قد اعتمر أو أنه صام اثنين أو خميس أو نحو هذا الكلام، فهذا من مداخل الشيطان، ولذلك من قدر على تحقيق هذا النوع من الصبر وهو الصبر على الطاعة كان على تحقيق غيره من أنواع الصبر أقدر.

والأخبار في الصبر على الطاعة كثيرة جدا، ومن طرائف ما وقفت عليه من الأخبار قصة المحمدين الأربعة، وهؤلاء جمعتهم الرحلة، وهم ابن جرير الطبري صاحب التفسير، وابن خزيمة صاحب الصحيح النيسابوري، ومحمد بن نصر المروزي من تلاميذ أحمد، ومحمد بن هارون الروياني صاحب المسند. هؤلاء ذهبوا ودخلوا مصر لطلب الحديث فأصابهم جوع، ولم يبقى عندهم شيء مما يقوتهم، واجتمعوا في ليلة في منزل أحدهم وكانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت القرعة عليه ذهب يسأل الناس الطعام لأنهم نفد عندهم الطعام وبقوا ثلاثة أيام لا يذوقون طعاما. فخرجت القرعة على ابن خزيمة فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أصلي صلاة الخيرة أو صلاة الحاجة. فاندفع يصلي، فبينما هو يصلي إذا هم بالشموع، وإذا خادم من قبل ولي مصر يدق الباب ففتحوا فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو ذا، فأخرج رة فيها خمسة دينارا فدفعها إليه. ثم قال: وأيكم محمد بن جرير؟ وفعل به كذلك. وهكذا وأيكم الروياني؟ وأيكم ابن خزيمة؟ ثم قال: إن الأمير كان قائلا بالأمس، يعني كان في قيلولة، فرى في المنام أن المحامد جياع قد طووا كشحهم، فانفذوا قسم عليكم، إذا نفدت فابعثوا إليه أحدكم.

هكذا هذه القصة العجيبة التي حصلت لهؤلاء، ولله در الشاعر حيث إن أبياته تنطبق على هذه القصة يقول: تصبر أيها العبد اللبيب لعلك بعد صبرك ما تخيب، فكل الحادثات وإن تناهت يكون وراءها فرج قريب.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن الصبر وعن النوع الأول من الصبر وهو الصبر على الطاعة. وأما النوع الثاني وهو الصبر عن معصية الله وعن الشهوات، فهو صبر يتعلق بكسب العبد واختياره. ولذلك هذا النوع من الصبر عند أهل العلم أعظم من الصبر على المصائب، وهو النوع الأخير، لأن الصبر على المصائب لا حيلة للعبد فيها إلا الصبر. ولذلك قال بعض أهل العلم في الصبر على المصائب: إنك إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور. وقال بعضهم: اتصبر للبلوى عزاء وحسبه فتؤجر أو تسلسل والبهائم؟

ويقول بعض أهل العلم: كان صبر يوسف عليه الصلاة والسلام عن طاعة امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، لأنهم القوه في الجب وباعوه وفرقوا بينه وبين أبيه، وهذه الأمور جرت عليه بغير اختياره، يعني ليس له حيلة فيها إلا أن يصبر. وأما صبره عن المعصية وعن امرأة العزيز فهو صبر اختيار ورضا وصبر لطلب ما عند الله، لا سيما وهناك أسباب تدعوه إلى عدم الصبر، فانه كان شابا والشاب داعية الفتنة له أكبر، وكان عزبا، وكان غريبا، والغريب لا يتورع مما يتورع منه الرجل في بلده، والمراه جميلة وذات منصب، وقد غاب الرقيب وهي الداعيه لنفسها. ومع كل هذه الدواعي صبر صلى الله عليه وسلم اختيارا وإيثارا لما عند الله سبحانه وتعالى. يقول الشاعر: صبرت على الأيام حتى تولت والزمت نفسي صبرها فاستمرت، ومن نفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطعمتا تاقت وإلا تسلت. ويقول الآخر: يا نفس ما هي إلا صبر أيامي كان مدتها أضغاث أحلامي، يا نفس جودي عن الدنيا مبادرة وخلي عنها فإن العيش قدامي.

والنوع الثالث من الصبر هو الصبر على امتحان الله وابتلائه، وهذا النوع من الصبر هو المقصود عند الإطلاق، إذا قالوا الناس الصبر فالمقصود به الصبر على الابتلاء، هذا هو الصبر الأساس الذي هو على الابتلاء، وهو الصبر على ما لا يدخل تحت اختيار العبد. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولجميع المسلمين العافية والسلامة. وهذا الصبر يعتبر من أعلى المقامات، لأن اعتماد صاحبه إنما هو على اليقين والإيمان بالقدر. وفي الترمذي وصححه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فالعاقل لابد أن يوقن أن هذه الأشياء كلها قد فرغ منها، فهي بين نوعين: أما كائن لا محالة وهذا لا يمكن لأحد رده، وأما ما لا يكون أبدا وهذا يستحيل أن يحدثه أحد.

فإذا حدث للمسلم حال شديدة فيجب عليه الصبر فيها. والصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين إنما يكون عند الصدمة الأولى. والشاعر يقول: تعزى فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول، فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمى وبؤس والحوادث تفعل، فما لينت منا قناة صليبة ولا ذلتنا للذي ليس يجمل، ولكن رحلنا نفوسا كريمة تحمل ما لا تستطيع فتحملوا.

ثبت عن ثابت البناني رضي الله تعالى عنه، وهو تلميذ لأنس بن مالك، أن السيدة العالمة البصرية العابدة أم الصهباء معاذة العدوية كانت تحيي الليل، وهي من الناس الذين كانوا يحيون الليل في العبادة، وكانت تقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في ظلم القبور. وهي زوجة السيد القدوه العابد صلة بن أشيم. هذه المرأة وهي معاذة العدوية لما جاءها نعي زوجها صلة بن أشيم وابنه، وكان قد قتل في معركة في غزوة من غزوات المسلمين في الجهاد في سبيل الله، جاء النساء لمعاذة كي يعزينها فقالت لهن: إن كنتن جئتن بما أكرمنا الله به فذلك، وإلا فارجعن.

وزوجها نفسه مرة من المرات كان يأكل فجاء رجل فقال: مات أخوك. فقال: قد نعي إلي، أجلس وكل. قال الرجل: ما سبقني إليك أحد. فقال صلة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].

يذكر بعض الحكماء أن رجلا مات له ابن اسمه محمد، فعزاه رجل من الأعراب يقول له: اصبر لكل مصيبه وتجلدي واعلم بأن المرء غير مخلد، وإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد. وهكذا جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما مات العباس، حزن ابن عباس عليه حزنا شديدا، فجاءه رجل وقال: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس خير من العباس أجرك بعده، والله خير منك للعباس.

ومما يدخل في هذا النوع من الصبر، وهو الصبر على المصائب، الصبر على فقد الأخلاء، على فقد الصفي، على فقد الحبيب. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى:

ما لعبد المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسابه إلا الجنة. وفي الترمذي وقال: حديث حسن، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد».

وهكذا الصبر على فقد البصر، وهذا يحصل للناس سواء كانوا صغاراً أو كباراً. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح البخاري من حديث أنس أن الله عز وجل قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه يعني بعينيه فصبر عوضته منهما الجنة».

ومن الصابرين المشهورين نبي الله أيوب الذي يضرب بصبره المثل، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 41-44]. الله يزكيه: إنا وجدناه صابراً نعم العبد.

ولذلك كان مضرب المثل في الصبر، يقال: صبر فلان صبر أيوب، ويسمى وبعض الشعراء يعني يذكرون فيه يعني أشعاراً في هذا ويجعلونه مضرب المثل. يقال إن رجلاً كان له عزيزان وأظنه يعني ولدان له، أحدهما اسمه أيوب وكان ينكد العيش عليه، والآخر اسمه يعقوب وكان غائباً عنهم مسافراً، فذكر بيتين استخدم فيهما براعة اقتباس لصبر أيوب وحزن أيوب يقول فيهما: بليت بالصبر من أيوب حين غدا ينكد العيش في أكلِي ومشْروبِي، وزاد يعقوب في حزني لغيبتكم حزن يعقوب. ولذلك يقال لمن يسمى أيوب أبا الصبر، يكنى أبا الصبر، وقد كني جماعة من العلماء بهذه الكنية.

وخبر ابتلاء أيوب عليه الصلاة والسلام الذي ذكره العلماء أنه كان له مال كثير وكان له أولاد وكان له يعني أراضي، فسلب هذه الأشياء كلها وابتلي في جسده بأنواع من البلاء عظيمة حتى لم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله سبحانه وتعالى بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب ويذكر الله في ليله وفي نهاره وفي مسائه، حتى طال مرضه بل إن أهل بلده أخرجوه من البلد وانقطع عنه كل الناس، وبقي يعني مريضا ثماني عشرة سنة لم يبق معه أحد من الناس يزوره إلا أخوين صديقين وإلا زوجته.

أما صديقاه فهما كانا من أخص الناس يعني من إخوانه، وكان يأتيان إليه ويذهبان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يكشف الله ما به من الضر. فلما جاء السامع إلى أيوب لم يصبر حتى ذكر له ما قال له أخوه، فقال أيوب: لا أدري ما تقولون غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكر الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق.

وأما زوجته فكانت ترعى له حقه، وكانت تتردد عليه وتصلح من شأنه حتى ضعف حالها وقل مالها وصارت تخدم الناس بالأجرة يستأجرون للعمل عندهم إلى أن يعني خاف الناس من استخدامها لأنه يخافون من أن تعديهم بسبب مخالطتها لأيوب عليه الصلاة والسلام. ثم يعني ضاق بها الحال حتى أنها باعت ظفيرتها لبعض الأشراف وجاءت بطعام كثير، فلما أتت به أيوب قال: ما هذا؟ قالت: إنني عملت وكذا. ثم في اليوم الثاني باعت الظفيرة الأخرى فاتت بطعام لأيوب عليه الصلاة والسلام فكره أيضاً وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام، فكشفت عن رأسها خمارها.

فلما رأى رأسها محلوقاً دعا الله سبحانه وتعالى وقال في دعائه: رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. فأوحى إليه الله سبحانه وتعالى: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. أي: اضرب برجلك فانبعث عيناً له باردة فيها الماء، وأمره أن يغتسل منها ويشرب منها، فأذهب الله ما به من الألم ومن المرض، بل وألبسه حُلة من الجنة، فأقبل نحو امراته وقد أذهب الله عنه البلاء فهو في أحسن صورة.

فلما راته قالت: يا هذا بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى والله ما رأيت أحدا كان أشبه به منك إذ كان صحيحاً، فقال: ويحك أنا أيوب، قالت: تسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد رد الله إلي جسدي. وأخلف الله سبحانه وتعالى بعد ذلك له أهله فأعطاه من الأهل كما قال تبارك وتعالى: وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين.

يقول الضحاك يروي عن ابن عباس أن الله رد إليه زوجته ورد إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرين ولداً ذكراً، ورزق الله سبحانه وتعالى له مالاً كثيراً حتى أن السماء أمطرت عليه ذهباً، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينما أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك».

والله سبحانه وتعالى قال في الآيات التي ذكرتها: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. وخذ بيدك ضغثاً هو لما جاءته المرأة ورأى ظفيرتها أقسم لا يجلدها، لاجل أنها التقت بالطبيب وهو الشيطان تنكر في صورة طبيب وامرها بأمر فيه معصية لله. فلما علم أيوب عليه الصلاة والسلام أقسم ليضربن مائة صَوْتٍ. فلما شفاه الله سبحانه وتعالى قال الله له: خذ بيدك ضغثاً. الضغث هو العذق الذي يجمع الشماريخ، فيه مائة شمروخ، وهي يعني نوع دقيق من العصي مثل يعني عذق النخل، فاجمع واضربها ضربة واحدة، ويكون هذا تكفيراً يعني لقسمك أو براءً لقسمك. وهذا من الفرج الذي سبحان الله سبحانه وتعالى جعله لعباده المؤمنين وجعله لأيوب لا سيما وهذه المرأة صابرة محتسبة ومكبة وبارة بزوجها رضي الله تعالى عنها.

الشاعر يقول: اصبر قليلاً وكن بالله معتصماً ولا تعاجل فان العجز بالعجل. الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].