الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن الأدب مع الوالدين. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، يقول: سأله ابن مسعود: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة على وقتها». قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك». وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحي والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد».
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة». وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجزئ ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه»، لأن الوالد سبب في حياة الولد، فليس هناك جزاء يجازي به الولد الوالد إلا أن يجده مملوكا، لأن الملك كأنه العدم، فإذا اشتراه فأعتقه فكانه أوجد والده. يقول: «لا يجزئ ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».
وفي مسند أحمد وسنن النسائي وابن ماجه من حديث جَاهِمة السلمي، ويقال معاوية بن جَاهِمة السلمي رضي الله تعالى عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك! أحيّة أمك؟» قلت: نعم. قال: «ارجع فبرها». ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: «ويحك! أحيّة أمك؟» قلت: نعم. قال: «فارجع إليها فبرها». ثم أتيته من أمامه فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: «أحيّة أمك؟» قلت: نعم. قال: «ويحك! الزم رجلها فثم الجنة».
وأهل العلم يقولون: ثلاث آيات مقرونات بثلاث، لا تقبل واحدة إلا بقرينتها. الأولى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولذلك قال أبو بكر الصديق: والله لو قاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. والاية الثانية: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، فمن لم يطع الرسول لم يطع الله. والاية الثالثة: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]، وهذا هو الشاهد، من لم يشكر لوالديه لم يشكر الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن عمر، أو رأى ابن عمر رجلا يحمل أمه في الطواف وهو ينشد أو يرتجز ويقول: أنا لها بعيرها المذلل، إن جفلت ركابها لا أجفل، أحملها ما حملتني أطول. ثم التفت إلى ابن عمر وقال: أتاني جزيتها يا ابن عمر؟ فقال: والله ولا زفْرَة واحدة، يعني زفرة من زفراتها أيام الولادة، هذه تكفي هذا الحمل الذي حملته. يعني هو كم يحملها في طواف وهي تحمله تسعة أشهر في بطنها، ثم ياتيها معاناة الولادة وما إلى ذلك.
والعجيب أن هذا الذي يحمل أمه قد حصل، يعني معي قصة شبيهة بذلك؛ مرة من المرات ونحن في مكة المكرمة بعد الحج، كنت كنا في يوم الوداع، خرجت من المَرْجَم بعد رجم الجمرات ذاهبا إلى البيت الحرام للطواف، لطواف الوداع، وأنا في الطريق كنا نمشي على الأقدام، رايت رجلا يحمل أمه وهو من بلد يعني إسلامي عجمي، يحمل أمه على ظهره، ممسك بر رجليها حول حقويه، وهي متعلقه في رقبه، فحزنت للمشهد ورق قلبي لهما، فأخذت المحفظة من جيبي وكان فيها أربعة آلاف ريال، وأخرجت من هذه المحفظة ست مئة ريال على ما أذكر ووضعتها في جيبي الفوقي، وأرجعت المحفظة مكانها أريد أن أعطي هذا الرجل الذي يحمل أمه. فلما رجعت إليه وأردت أن أعطيه هذه النقود أبى علي أشد الإباء، ثم أردت أن أعطيها العجوز أو المرأة أمه فابتبلغتها وتقول لا لا. أرجعت إلى جيبي أنا حزين، كان بودي أن يأخذ هذه النقود مني، ثم طفنا بالبيت وخرجنا من البيت أنا وأصحابي فأردت أن اشتري لأصحابي بعض الأشياء فوضعت يدي على جيبي السفلي فلم أجد المحفظة ولم يبق معي إلا هذه النقود التي وضعتها في جيبي العلوي الذي أردت أن أعطيه هذا الرجل الذي يحمل أمه. وكان الله يقول سبحانه وتعالى: هذه النقود التي أخرجتها لأجل هذا الرجل البار بامه، هذه التي تبقى وهذه هي التي فيها البركة وفيها الخير، وهذه من الأمور العجيبة التي يعني يحدث مثلها لبعض الناس في بعض الأحيان.
الأم! مهما تكلم الإنسان عن الأم، ماذا يقول؟ الأم وما أدراك ما الأم؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمك ثم أمك ثم أمك». هناك أطوار تمر بها الأم لا يمكن وصفها، يعني من بداية الحمل، اليوم الذي يعني بشرها الطبيب أو قال لها الطبيب بأنك حامل، هذا اليوم من أسعد أيام حياته، يوم مشرق في حياته لا يمكن أن تنساه المرأة أو الأم، تفرح بهذا اليوم فرح شديد جدا، وهذا يعلمه الأمهات خصوصا إذا جاء ذلك على كبر وبعد معاناة.
الأمر الثاني: يأتي مسألة الحمل وصعوبة القيام وصعوبة التنفس ومعاناة تسعة أشهر في بطنها، وكل يوم يزداد ثقله في بطنها يزداد حبها له وشوقها له، بل وتفرح بزياده وزنها كل يوم، مع أن هذا الوزن هو حمل ثقيل عليها. ثم تاتي معاناة الولادة وما ينالها من الخوف والرهبة، يعني حتى أنها قد ترى الموت يعني مرات وتظن أنها ستموت، ثم إذا خرج هذا الطفل يعني ذهب كل ألم كانت تشعر به وتنزل دموعها دموع الفرح برؤية هذا الطفل الذي يعني كان في بطنها ثم خرج فإذا هو بين يديه، هذه من أسعد الحالات التي تمر على الأم.
ثم تمر عليها مرحلة التربية، السنين التي تربي فيها هذا الطفل من بين الرضاع والتغسيل والإطعام وسهر الليل وتعب النهار والقلق عند مرضه والقلق عند غيبته، بل والقلق عند نومه إذا أطال النوم، يعني بعض النساء إذا أطال الطفل النوم تأتيه تشمه لعله يعني هل فقد الحياة، وهو إنما طال نومه قليلا. فهذه المرحلة يعني في هذه المرحلة تريد الأم أن ترى ابتسامة ولدها أو بنتها، تريد أن ترى وجهه أو وجهها على محياهما الابتسامة، يعني هذا أسعد شيء عندها.
ثم تاتي الأيام وتذهب وتبدو معالم الرجولة أو معالم اللحية على يعني عارضيه أو الشنب على شاربه، هنا يبدا معالم الرجولة، وتبدأ الأم تفكر في زواج ولدها، فتبحث هنا وهناك إلى أن تجد الزوجة التي تصلح لولدها، ثم إذا جاء وقت الزفاف هنا يخالط الأم شعور عجيب جدا؛ شعور بالحزن وشعور بالفرح، شعور بالحزن لأنها ترى أن ولدها سيذهب في حياة جديدة، وشعور بالفرح أن الله سيرزق ولدها يعني ذرية وسترى ذريته، وهذا من الأمور العجيبة التي تمر على الأم. نكمل إن شاء الله بعد الفاصل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن الأم التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «أمك ثم أمك ثم أمك»، وما تمر أو ما يمر عليها من الأطوار من الحمل والولادة والوضع والارضاع والتربية والفرح بزفافه وما إلى ذلك من الأمور التي يعني لا يمكن أن يشعر بها إلا من خالجه ذلك.
والعجيب أن هذا الابن أو هذه البنت بعد هذه الأيام وبعد هذه الأطوار قد يتنكر لأمه أو يتنكر لأبيه، فتمر الأيام بل وبعضهم تمر الشهور أو السنين، نسأل الله العافية والسلامة، ولا تراه أمه ولا تسمع صوته. قد تكون هذه الأم مريضة وقد يكون يعني وقد تكون كبيرة لا تستطيع القيام، وقلبها ينبض بحبه في كل لحظة وهو لا يعودها، ومع ذلك تفرح إذا علمت أنه سعيد في حياته، يعني هذه من الأمور في الحقيقة المؤسفة التي ينبغي أن ينتبه إليها الأولاد، ولن يشعروا بها إلا إذا جاءهم يعني وساروا آباء أو ساروا أمهات.
وبعض القدماء ذكروا في بعض أبياتهم أو في بعض أشعارهم شيئا مما يجده الوالد؛ أمية بن أبي الصلت عتب على ابن له فقال أبيات عجيبة، وهذه الأبيات رويت في حديث جابر أن رجلا قالها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرني بشيء قلته في نفسك ولم يسمعه غيرك»، لأن جبريل أخبر النبي بذلك، فقال: يا رسول الله، والله ما يعني ما يزيدنا الله فيك إلا بصيرة. قال: «فماذا قلت؟» لأن الولد كان يشكو أباه أو الابن كان يشكو ولده، أن ولده يأخذ المال، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك قال: «أنت ومالك لأبيك». طبعا هذا الحديث من الناس من يرويه، لكن يعني من الناس من يتكلم في إسناد هذا الحديث، وبعضهم ينسب هذه الأبيات لأُميّة بن أبي الصلت، وهي قوله: غذوتك مولودا وعُلتك يافعاً ... تُعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكوك إلا ساهراً أتململ كأنّي أنا المطروق دوني بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها ... لتعلّم أن الموت ضيف سينزل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنّك أنت المنعم المتفضّل فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
يقول: ليتك إذ لم ترع حق الأبوة تفعل كما الجار يعني تحترم تقدر. هذه الأبيات يقال إن هذا الصحابي قالها للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي تكلم فيه بعض أهل العلم، فلما سمعها النبي صلى الله عليه وسلم قال للولد: «أنت ومالك لأبيك». وهذا الحديث «أنت ومالك لأبيك» حديث صحيح، لكن وجود هذه القصة فيها هل هي صحيحة أو لا؟ هذا الذي تكلم فيه بعض أهل العلم.
في الحقيقة ينبغي على كل عاق، ينبغي على كل ولد أن يتق الله في والديه، نقول لكل عاق: اتق الله في والديك فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. اتق الله في أمك، كفكف دمعتها، وآس حزنها، احسن إليها فإن الله يحب المحسنين. يقال إن امرأة قامت إلى الحجاج فقالت: اصلح الله الأمير، إن لي ابنا جهز في ثغر كذا وكذا منذ كذا وكذا، فأنا كما قال الشاعر يعني أنها مشتاقة إليه مثل عجول فقدت بوها، قد فاتها الوارد والصادر. العجول هي الناقة الواله على بوها، البو هو يعني ولد الناقة أو الحوار بعد أن يموت يؤخذ جلده ويحشى بعض الأشياء بحيث أن الناقة تظن أن هذا ولدها. فهي تقول إنها مثل العجول التي فقدت بوها، ثم تقول: أرعى نجوم الليل مكروبة، والقلب مني واله طائر، فمن على من لبها ذاهل، وليلها من همها ساهر. فأمر الحجاج على غلظة يعني شدتها أمر بقف هذا الولد، ثم لما رأاه قال له حين رأاه: عليك لعنة الله إن عققتها. يعني هذه الأم التي تشبه نفسها مثل الناقة التي تدور على بوها وقد فقدته، فيقول: عليك قال له: عليك لعنة الله إن عققتها.
الحقيقة الوالدين فضلهم لا يمكن أن يجازى، ولذلك لابد من التأدب معهم، وأنواع الأدب مع الوالدين كثيرة. يقول حماد بن الأعين في نصيحته: الأدب، الأدب، ثم الأدب، وهو أن تَبُر أما وأبا. ويقول بشير بن مبارك رحمه الله عليه: اشدد على فعل البرور عزمك ... لا سيما أمك ثم أمك ولا تعاند والديك ولتكن ... إن يغضب مستمعا ومسكنا حتى إذا ما فرغ من الملام ... فاعتذر بلين من الكلام ممْتثلا قول الإله: وقضى ... ربك، والصدْر اجعله كالفضاء
فمن الآداب مع الوالدين الإحسان إليهما، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: 15]. ومما يحضرني في هذا الموضع هذا الرجل الذي كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، وهو أحد الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة، الذي قال: اللهم إنه كان لي والدان لا أغب قبلهما أهلا ولا مالا، ثم جاء بغَبٍّ فوجدهما نائمين فوقف على رؤوسهما حتى طلع الفجر، قال: اللهم إن كنت فعلت هذا من أجلك ففرج عنا ما نحن فيه. ففرج الله عنهم ما هم فيه.
وهكذا أبو هريرة كان من المحسنين، من أهل الإحسان بوالدته، في صحيح مسلم أنه مرة جاء إلى أمه وكانت أمه كافرة، فكلمها في الإسلام وكلمها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الله عليه وسلم، فسبت النبي صلى الله عليه وسلم، أو فأسمعت أبا هريرة في النبي صلى الله عليه وسلم ما يكره، فذهب أبو هريرة يبكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم مع أمه، يعني لم يرد عليها، إنما أخذ يبكي وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ادعُ الله لأم أبي هريرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وقال: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة».
فولى أبو هريرة مسرعاً راجعاً إلى أمه وهو يستبشر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء وإذا الباب مجافٍ، إذا باب أمه مجافٍ يعني مغلق، ويسمع خضخضة الماء، فلما سمعت حسه عجلت عن خمارها ولبست الدرع وقالت: لا تعجل. ثم فتحت الباب.
فلما رأت ولدها قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فرجع أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي؛ في المرة الأولى ذهب يبكي حزناً على أمه وأنها سبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي المرة الثانية رجع يبكي فرحاً بإسلام أمه.
وقد كان يقول كل مرة يسلم عليها يأتي ويفتح الباب أو يستأذن ويقول: السلام عليكم أأدخل؟ فتقول: نعم. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً. فتقول له: وأنت رحمك الله كما بررتني كبيرا.
ومن الأدب مع الوالدين إجابته بلا تضجر، كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. وفي الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلاً يقال له جريج ممن كان قبلنا، دعته أمه وكان صالحاً كثير العباة، تقول: يا جريج، وهو يصلي، فيقول: يا رب صلاتي أم صلاتي؟ فيقبل على صلاته.
المرة الثانية والمره الثالثة حتى دعت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات. يقول بعض السلف: لو دعت عليه بالفتنة لوقع في الفتنة، فاتهم بامرأة يعني مكنت راعياً من نفسها، فأنزل من صومعته وضرب، وقال: ما الخطب؟ قالوا: زنيت بفلانه. فقال: أين الولد؟ فأتي بالولد وضرب في بطنه، وقال: من أبوك يا غلام؟ فقال: فلان الراعي.
فعند ذلك يعني أخذوا يتبركون به وبنوا له صومعة من جديد. الشاهد من الكلام أنه قد أجاب الله دعاء أمه فيه مع صلاحه؛ لأنه لم يجب أمه وهي تدعوه مع أنه في صلاته.
ولذلك قال بعض السلف: إذا دعتك وأنت في نافلة فعليك أن تقطع النافلة وتجيب دعاء أمك.
وهكذا يقول عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه: ما بر والده من شد الطرف إليه. يعني من الأدب ألا تنظر إلى الوالد بطرف شديد، يعني بنظر محدق، ما بر والده من شد الطرف إليه.
وهكذا من بر الوالدين التكلم معهما بأطيب الكلام وأكرمهوأليته، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 23-24]. ومن الأدب مع الوالدين الدعاء لهما، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
ومن الأدب أيضاً مع الوالدين صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن دينار أنه كان مع عبد الله بن عمر، فرأى رجلاً من الأعراب في طريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه.
فقال له عبد الله بن دينار: إن هؤلاء الأعراب يكتفون بالشيء القليل أصلحك الله. فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، يعني كان صديقاً له، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه».
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود وسنن ابن ماجه من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة السعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، الصلاة عليهما؛ يعني الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصله الرحم التي لا توصل إلا بهما، واكرام صديقهما».
والأهم من هذا كله عدم عقوق الوالدين، فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وفي اخبار الماضين عبرة لنا، فإن كما يقال: الجزاء من جنس العمل. فإذا بر الإنسان والديه بره أبناؤه، إلا أن يكون هناك من الأعمال عنده ما يحرمه ذلك، وإذا عق والديه أو أحدهما لابد أن يأتي من أولاده من يعقه، إلا إذا كان عنده من الأعمال الصالحة ما يصرف عنه ذلك.
ومن الأخبار في ذلك منازل بن فرغان، يعني روي أن رجلاً يقال له منازل بن فرغان اشتكى ولده عند عمر بن الخطاب وهو خليفة، فلما شكاه أراد ذكر أبيات لعمر بن الخطاب وهي قوله: تظلمني مالي خليج وعقني على حين كانت كالحنين عظامي لعَمري لقد ربيته فرحاً به فلا يفرح بعدي أب بغلامِ
فغضب عمر وأراد أن يضربه، فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، واسأله ماذا قال فيّ أباه، فانه قد عق أباه من قبلي. ثم أنشد الشعر الذي يقوله جده في أبيه، وهو قوله: جزت رحم بيني وبين منازلِ جزاءً كما يستنجي الدين طالبهْ وما كنت أخشى أن يكون منازلٌ عدوي وأدنى شانئ أنا راهبهْ حملت على ظهري وقربت صاحبي صغيراً إلى أن أمكن اضطر شاربهْ وربيته حتى إذا تم واستوى وكاد يساوي غارب الفحل غاربهْ وكان له عندي إذا جاع وبكى من الزاد أحلى زادنا وأطايبهْ فلما راني أبصر شخصاً بعيداً وذو القرب القريب يقاربهْ تظلمني مالي كذا لوا يدي لوا يده الله الذي لا يغالبهْ
فعند ذلك غضب عمر بن الخطاب عليهما وقال: والله ما أرى لكما مثلاً إلا قول الهذلي: تعاور تما ثوب العقوق كلاكما أب غير بر وابنه غير واصل.
الشاهد أن الإنسان ينبغي أن يبر والديه لئلا يجازى بجنس عمله. إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقه على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوۡا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري