دخولتسجيل الدخول

الحلقة 10

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها عن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الأدب مع خير الخليقة، عن الأدب مع الرحمة المهداة والنعمة المسداة. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. رسول الله هو القدوة الكاملة، هو الأسوة الحسنة: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21].

رسول الله هو الذي قرن الله اسمه باسمه، فلا يذكر سبحانه وتعالى إلا ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، استجيبوا لله والرسول، فردوه إلى الله والرسول، يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول، ومن يطع الله ورسوله، ومن يعصي الله ورسوله، آمنوا بالله ورسوله، من يحادد الله ورسوله، براءة من الله ورسوله، ولا تخونوا الله والرسول، والله ورسوله أحق أن يرضوه. لا يذكر الله سبحانه وتعالى إلا ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. هو الذي جعله الله سبحانه وتعالى وجعل محبته صلى الله عليه وسلم مقدمة على كل محبة، يقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُؤَكُمْ وَأَبْنَاؤُؤَكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أيضا من حديث أنس رضي الله عنه: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». وفي الصحيحين أيضا من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أعددت لها؟». قال: والله ما أعددت لها من كبير عمل، ولكني أحب الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت».

وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: والله إنه -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأمين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.

رسول الله لو نظرنا كيف رب العالمين يخاطب رسوله في كتابه، لوجدنا العجب العجاب. عندما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين وهم كانوا يستأذنونه في البقاء في المدينة، عاتبه الله، لكن قبل عتاب الله له قدم العفو العجيب؛ إن العفو يأتي بعد العتاب، لكن الله سبحانه وتعالى في معاتبته لرسول الله قدم قبل معاتبته عفوه عنه، فقال تبارك وتعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]. جاء العفو ثم جاء بعد ذلك العتاب، وهذا على خلاف طريقة التعامل مع الناس في الغالب، أن الناس يعاتبون أو يحاسبون ثم بعد ذلك يعفى عنهم، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقدم الله العفو عنه قبل المعاتبة.

ويقول سبحانه وتعالى فيه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، وهذا مأساة للنبي صلى الله عليه وسلم. ويقسم الله بعمر النبي صلى الله عليه وسلم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. ولذلك يقول ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برا نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله سبحانه وتعالى أقسم بحياه أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الآية الأخرى يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]، يعني أن الله سيعطي نبيه إلى أن يرضى. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الآية يقول بعض السلف أنها أرجى آية في كتاب الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لن يرضى حتى تدخل أمته الجنة.

ويذكر بعض أهل العلم بعض المقارنات بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرسل الآخرين في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ يعني من ذلك ما ذكره بعض أهل العلم أن الله سبحانه وتعالى يقول في حق إراهيم -وهو الخليل أبو الأنبياء وهو أفضل الرسل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 75]، ويقول في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 18]. ويقول في حق إبراهيم في آية أخرى إبراهيم يسأل الله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشسراء: 82]، والله سبحانه وتعالى يقول في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ من ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]. وإبراهيم يدعو الله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: 87]، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: 8]. وإبراهيم يقول: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه محمد: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].

وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام وهو من أولي العزم من الرسل يدعو الله ويقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: 25]، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]. وهكذا رب العالمين ينادي الأنبياء بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داود، يا عيسى، يا زكريا، يا يحيى. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يناده ربنا سبحانه وتعالى باسمه مجردا، إنما يناديه: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض أو ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع».

وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بجهنم يومئذ -يعني يوم القيامة- ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». وفي بعض الروايات في بعض الكتب: فتزفر النار يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه، كلهم يقول: يا رب نفسي نفسي! وفي رواية: نفسي لا أسالك إلا نفسي! حتى خليل الله إراهيم. وفي بعض الروايات: إلا نبيكم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم؛ فانه يقول: يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي!

النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يحب هذه الأمة، ولذلك بعض الأحاديث في حديث من الأحاديث في صحيح ابن حبان دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشه تقول عائشه: رايت من النبي صلى الله عليه وسلم يعني انبساطا، فقلت يا رسول الله، ادع الله لي. فقال: «اللهم اغفر لي عائشة ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت». فضحكت عائشة حتى سقط راسها في حجرها، فقال: «أيسرك هذا الدعاء؟». قالت: نعم يا رسول الله. قال: «والذي نفسي بيده إنه لدعاء لأمتي في كل صلاة». نقف هنا إن شاء الله، ونعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام من جديد. كنا تكلمن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يحب هذه الأمة ويدعو لهم، وأنه يوم القيامة يقول: يا رب أمتي أمتي. وفي حديث مسلم في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك». وفي رواية: «ولا أقوم لأحد بعدك». وفي رواية في صحيح مسلم: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا». وفي أخرى أيضا في مسلم: «أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة». وفي بعض المسانيد: «حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها، وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتي».

فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخليقة، هو الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى خيارا من خيار. ففي صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فالنبي صلى الله عليه وسلم خيار من خيار، ولله در القائل:

وأجمل منك لم تر قط عيني ... وأحسن منك لم تلد النساء خلقت مبرءا من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب الناس إلى أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ أحب الناس إلى الصحابه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانوا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم. يعني مرة من المرات في غزوة بدر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه ويسوي صفوفهم في صفوف القتال، فكان أحد الصحابه وهو سواد بن غزية بارزا صدره قليلا، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم بقضيب معه وقال: «استو يا سواد». فقال: يا رسول الله، أوجعتني فأعطني القود. فقال: «نعم». فقال: يا رسول الله، إن بطني كان مكشوفا. فكشف النبي بطنه، فأخذ سواد بن غزية يقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما حملك على ذلك يا سواد؟». قال: يا رسول الله، حضر ما ترى -يعني العدو قريش في بدر- حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك.

وأخبار محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة؛ منهم طلحة بن البراء رضي الله عنه، شاب صغير جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ابسط يدك أبايعك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحبني يا براء؟». قال: نعم يا رسول الله. قال: «اذهب فقتل أباك». فذهب هذا الغلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أدركوه فردوه». وقال: «إني لم أومر بقطيعة رحم». ثم مرض البراء وزاره النبي صلى الله عليه وسلم، فلما راه قال لأهله: «إني أرى أن البراء قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني». فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ورجع، وكان قد زاره في مكانه وهو في قباء في ديار بني عوف بن بني عمرو بن عوف، فقال البراء لأهله: إذا مت فلا تخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخشى عليه من اليهود. فمات وقاموا بوصيته ودفنوه. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم سال عنه، فقالوا له -أخبروه ماذا قال- فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلى عليه ثم دعا له وقال: «اللهم القى البراء وأنت تضحك إليه وهو يضحك إليك». هكذا كان الصحابه يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، والأخبار في هذا كثيرة جدا.

ولذلك كان الصحابه يتأدبون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخبارهم في التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير جدا. يقول عروة بن مسعود لما جاء في صلح الحديبية ورجع إلى قريش قال: والله لقد وفدت على كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه؛ فما رايت أحدا من هؤلاء الملوك يعظمه أصحابه كما يعظم أصحابه محمدا. والعجيب أن عروة بن مسعود هذا -وهو سيد ثقيف- لما جاء يكلم النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، كان يمد يده على لحية النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هنا رجل واقف حارس للنبي صلى الله عليه وسلم يضرب يد عروة بن مسعود بالسيف، كلما مد يده ضربها بالسيف، ففي المرة الثالثة ضربه وقال: إن مددتها بعد هذه لن ترجع إليك. فقال: ما أفظك وأغلظك! فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، من هذا؟». فقال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» -يعني هذا عمه ويضربه بالسيف لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم-. أي محبة وأي احترام هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم!

وكما ذكرت؛ الأخبار في أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، وأنواع الأدب كثيرة؛ منها أول أنواع الأدب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم: التصديق التام لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن نمتري فيه وصحت دلالته؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 1-4]. هو لا ينطق إلا بكلام بوحي من الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان من أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا في حادثة الإسراء أبو بكر الصديق وسمي الصديق لتصديقه بخبر الإسراء، وهكذا القصص في تصديق الصحابة.

للنبي صلى الله عليه وسلم آداب كثيرة جداً، أبو ذر الغفاري رضي الله عنه جاه الموت وهو في الربذة، فقال لزوجته: انظري هل ترين من أحد؟ لعلهم يحضرون دفني ويغسلوني، أو نحو هذا الكلام. فقالت: والله ما أرى أحداً، والوقت ليس وقت الحجاج. فقال: إني ما كذبت ولا كُذبت، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس ومعي جماعة من الصحابة: «إن أحدكم يموت في الفلاة فتحضر عصابة مؤمنة»، وكل أصحابي الذين كانوا معي قد ماتوا في المدن، فلم يبق إلا أنا، فعلمت أني المقصود؛ فوالله ما كذبت ولا كُذبت، اذهبي فانظري. فذهبت فنظرت فرأت أناساً يزول بهم السراب، فأشارت إليهم فجاؤوا، واخبرتهم بأنه أبو ذر، فقالوا: صاحب رسول الله، وفدوه بابائهم وأمهاتهم. فجاء وبشرهم بأنكم؛ أبشروا بأنكم العصابة المؤمنة التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشاهد أن أبا ذر كان متيقناً من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك الأدب الآخر مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عدم الاعتراض عليها. لا يجوز للمسلم أن يعترض على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صحت وثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة واتضحت دلالتها، وصار واضح الدلالة أن المقصود به كذا وكذا، لا يجوز لنا أن نرده أو نعترض عليه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. الاعتراض على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اعتراض على الله، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2].

ولذلك هذا الأدب الآخر وهو الإنصات لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قراءته؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سمعوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يسمعونه وكأن على رؤوسهم الطير، هكذا لم يكونوا يرفعوا أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله أدبهم بهذا الأدب. يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]. هذه الآية لما نزلت كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وهو خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مفوهاً وكان صوته عالياً إذا خطب.

عندما نزلت هذه الآية ذهب إلى بيته يبكي؛ لأن الآية فيها أن الذي يرفع صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبط عمله. فعند ذلك لما سمعها ثابت بن قيس ذهب إلى بيته وجلس يبكي، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقال سعد بن معاذ: أنا جاره يا رسول الله وسأستخبر عنه. فلما جاء وسأله؛ إن الرسول صلى الله عليه وسلم يسال عنك، فقال: أنا من أهل النار؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وأنا أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار. فرجع سعد بن معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث في الصحيح- فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هو من أهل الجنة، اذهب اليه واخبره انه من أهل الجنة».

انظروا هذا الأدب من هذا الصحابي كيف رقاه إلى منزلة الجنة، إلى أن يكون من أهل الجنة. ولذلك قال غير واحد من أهل العلم: قراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته كقراءة حديثه في حياته، يعني الإنصات لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعناه يتلى من كتاب ينبغي علينا الإنصات وعدم رفع الصوت كما لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً. يقول ذلك جماعة من السلف، منهم أيوب السختياني أيوب بن أبي تميمه السختياني أحد سادات التتابعين من أهل البصره، ومنهم حماد بن زيد تلميذه، وغير واحد، وعبد الرحمن بن مهدي، وجماعة من السلف.

وفي صحيح البخاري من حديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال: كنت قائماً في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فحصاني رجل -وهذا الرجل هو عمر بن الخطاب- فجئته فقال: اذهب إلى ذينك الرجلين اللذان يتكلمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستدعاهما. فقال: من أين أنتما؟ فقال: من الطائف. قال: والله لو كنتما من اهل هذه المدينة لأوجعتكما ضرباً، كيف ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني أنظر إلى الأدب حتى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم مدفون في هذا المسجد، ينبغي على الناس ألا يرفعوا أصواتهم لا في مسجد رسول الله ولا في المساجد الأخرى.

من العجائب أننا نرى الناس يرفعون أصواتهم في المساجد من غير حاجة؛ ليس بخطيب ولا محدث ولا واعظ، هذا يتكلم وهذا. ولذلك جاء في القرآن أن يقرأ القرآن بصوت خافت: ﴿وَادْعُ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]. والآداب كثيرة، منها أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه المجرد؛ لا نقول محمد هكذا، لابد أن نقول محمد رسول الله أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63].

العلماء في هذه الآية فسروها بتفسير أحد التفسيرين: لا تجعلوا دعاءكم له؛ يعني للنبي صلى الله عليه وسلم كما يدعو بعضكم بعضاً، لا تقولوا يا محمد كما تقولون يا زيد يا عمر، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله. والتفسير الثاني: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً؛ يعني إذا دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي لكم المسارعه إلى طاعته، المسارعه إلى تلبيه أمره. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].

ولذلك جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن معلى قال: كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فلما قضيت الصلاة وجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟ ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟». فقال: يا رسول الله كنت أصلي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾»، يعني معناه: اقطع الصلاة وتعال. فإذا دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان حياً أو كان ميتاً صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سنته تدعوني؛ يا أيها المسلمون افعلوا كذا، يا أيها المؤمن افعل كذا، هذا بمثابة دعائه وهو حي.

وهكذا من الأدب الدعوة إلى طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والآداب في سنة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للعمل بسنته صلى الله عليه وسلم والتأدب معها. إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقه على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].