دخولتسجيل الدخول

الحلقة 9

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن الأدب مع كتاب الله.

كتاب الله القرآن، القرآن في اللغة مأخوذ من القراءة، يقال: قرأه قراءة وقرآنا، وهو في تعريف أهل العلم هو كلام الله تعالى المنزل على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو منزل باللفظ والمعنى، وهو متعبد بتلاوته ومحفوظ في الصدور والكتب، ومتحد بأقصر سورة منه، ومنقول إلينا بالتواتر. هكذا قال أهل العلم في تعريف القرآن.

القرآن له المنزلة العظمى في الإسلام، فهو كلام الله، هو كتاب الله، القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة، وهو الحجة البالغ، وهو الدستور الذي أنزله الله على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليصلح الله به ما بين العبد وربه، وما بين العبد ونفسه، وما بين العبد والمجتمع الذي يعيش فيه.

والقران هو الفصل ليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، وهو نوره المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يبلى على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

القران هو الكتاب الذي لا شك فيه ولا ريب، يقول تبارك وتعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]. القرآن هو النور المبين، يقول تبارك وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. وهو أحسن الحديث، الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد.

القرآن هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. القرآن هو الكتاب المعجز، يقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، يعني لو ناصر بعضهم بعضا لا يمكن أن يأتوا بشيء من هذا القرآن ولا بآية واحدة.

والقرآن الماهر به بقراءته مع السفرة الكرام البررة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة في الصحيحين: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»، يعني حتى المتتعتع في القرآن لا يفقد الأجر، أما الماهر به فهو مع السفرة الكرام البررة. وهكذا متعلم القرآن ومعلم القرآن هو خير الأمة، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان بن عفان في صحيح البخاري: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

وحافظ القرآن أو صاحب القرآن الذي يعمل به يرتقي في أعلى الدرجات في الجنة، في أبي داود والترمذي وقال الترمذي حديث حسن صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يققال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها»، يعني منزلة صاحب القرآن حافظ القرآن العامل به عند آخر آية تقرأها، والآيات في القرآن كم هناك ما يزيد على ستة آلاف آية.

بل إن صاحب القرآن قد يكاد أن يكون من الأنبياء، ففي الحديث الذي روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من قرأ القرآن فكانما استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه في من يسفه، أو يغضب في من يغضب، أو يحتد في من يحتد، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن، وفي رواية: ولا يجهل مع من جهل، وفي جوفه كلام الله عز وجل.

وهكذا القرآن، الحسنات في القرآن ليست كالحسنات في غيره، الحرف الواحد في القرآن بعشر حسنات، كما في الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». يعني نتخيل الحرف الواحد بعشر حسنات، يعني لو قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فيها تسعة عشر حرفا، معناه الذي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم له من الحسنات مئة وتسعون حسنة. والذي يقرأ الفاتحة، الفاتحة يقال إن فيها مئة وخمسين حرفا أو أكثر من ذلك تقريبا، فمئة وخمسون حرفا إذا قلنا الحرف بعشر حسنات فمعناه ألف وخمسمائة حسنة في قراءة الفاتحة فقط، فما بالك بمن يختم القرآن، ما بالك بمن يقرأ الجزء الكامل، ما بالك بمن يقرأ جزئين، ما بالك بمن يختم القرآن! ومن الناس من يختمه في وقت وجيز، والعلماء جوزوا ختم القرآن في الوقت الوجيز خصوصا في الأيام الفاضلة أو في الأوقات الفاضلة مثل رمضان، وقد كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يختم القرآن في ركعة واحدة. فأجر القرآن شيء عظيم.

والقرآن كتاب الله الذي لا يشبع منه، يقول عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: لو طهرت قلوبكم لما شبعتم من كلام ربكم. وهو افضل ما يمكن أن يتقرب الإنسان إلى ربه به، يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. بل في القرآن علم الناس علم الأولين والآخرين، كما يقول ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليكثر تلاوة القرآن.

وفي القرآن الطمأنينة وسكينة القلب والحلاوة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. ويقول بعض السلف وقد روي مرفوعا: إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها ذكر الموت وتلاوة القرآن. تلاوة القرآن يجلو الصدأ من القلوب، لكن أي قلوب؟ إنما هي القلوب الحية، يعني القلب الحي هو الذي يستفيد من القرآن، يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].

ولذلك يقول بعض السلف: اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: اطلب قلبك عند سماع القرآن، وفي وقت الخلوة، وفي حلق الذكر، فإن لم تجده فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك. إذا كنت تسمع القرآن ولا تجد قلبك معناها أن القلب ميت، نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب، وهو افضل البشر وهو الذي أنزل عليه القرآن، يحب سماع القرآن، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي القرآن». يقول عبد الله: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرات عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]. عند هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: «حسبك الآن». يقول عبد الله بن مسعود: فالتفت إليه، يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم.

القلب الحي هو الذي يستنير بهدى القرآن، ولذلك هذا القرآن العظيم فيه الهدى والخير، فيه العلم، فيه التقوى، فيه كل معاني الخير، فيه علوم الأولين والآخرين. ولذلك ينبغي علينا أن نتأدب بآداب القرآن، ينبغي علينا أن نتأدب مع القرآن كلام الله الذي أنزله على عباده، وفضل كلام الله على كلام عباده كفضل الله على خلقه. فهذا كلام الله، لو يجوز لنا أن نكتبه بماء الذهب لكتبناه بماء الذهب. ولذلك ينبغي علينا أن نتأدب، والله من اتاه هذا الكلام، هذا القرآن العظيم، هذه المعجزة الخالدة، ينبغي أن يفرح، وأن ليلا ونهارا يقرأ كلام الله، هذا كلام ربي، كما يقول عكرمة بن أبي جهل كان يأخذ المصحف ويضعه على وجهه ويقول: هذا كلام ربي، هذا كلام ربي.

ولذلك من صور الأدب مع القرآن اتباع ما فيه، إذا أرادنا أن نتادب مع القرآن لابد من اتباع أحكام القرآن، من اتباع أوامره، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 123-126]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: 99-100]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]. يتلونه حق تلاوته أي يعملون به حق عمله.

ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما». نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا عن أدب من الآداب مع القرآن، وهو اتباع أوامر القرآن.

ومن الآداب أيضا عدم قراءة القرآن في حالة الركوع والسجود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا». العلماء يقولون: لماذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وهو راكع أو وهو ساجد؟ لأن حالتي الركوع والسجود فيهما انخفاض، فيهما نزول إلى قرب الأرض، والقرآن كلام الله رفيع في صحف مكرمة مرفوعة مطهره.

ولذلك الأدب الثالث عدم وضع القرآن على الأرض، هذا من الأدب، من العلماء من يجوز ذلك لكن من الأدب مع القرآن ألا يوضع القرآن على الأرض. نحن نرى أحيانا في صلوات الجمعة بالذات، يعني أنا أرى كثيرا من الناس يأتي وياخذ المصحف من أدراج المصاحف ثم يضعه على الأرض ويصلي، وهو يفعل ذلك لأنه يريد أنه إذا صلى وانتهى من صلاته لا يريد أن يقوم وياتي بالمصحف فيريد أن يكون المصحف قريبا منه فيضعه على الأرض. وفي هذا، وإن كان قد يجوزه بعض الناس أو بعض أهل العلم، لكنه ليس في الحقيقة من الأدب مع القرآن، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14].

ثم إن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني الطوال، وأوتي موسى ستا، فلما القى الألواح رفعت اثنتان وبقيت أربع. موسى لما جاء إلى قومه وجدهم يعبدون العجل من الغضب ألقى الألواح التي هي التوراه لأنهم أشركوا بالله، وبسبب هذا الإلقاء رفعت اثنتان وبقي أربع. فهذا القرآن ينبغي على عباد الله ألا يضعوه في الأرض، بل لو وضعوه على رؤوسهم لكان ذلك أوفق وأقول. ولذلك كان يقول أبو صالح الحنفي وهو أحد أصحاب علي رضي الله تعالى عنه، يقول: رايت علي بن ابي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى لاري ورقة تقعقع فوق رأسه ثم قال: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه فأعطني ثواب ما فيه.

ومن الأداب أيضا، مما سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القيام للمصحف وتقبيله. وهذا الأدب، القيام للمصحف إذا جاء شخص وأعطاك المصحف هل تقوم له وتقبله؟ هذان الأدبان من العلماء من يقبلهما أو يقول أنهما من الأدبان، ومن العلماء من يتوقف فيهما أو يمنعهما. شيخ الإسلام لما سئل عن ذلك قال: القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن السلف. ثم ذكر أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل المصحف فقال: ما سمعت فيه شيئا، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: كلام ربي، كلام ربي.

ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام للمصحف، فانه لم يكن من عادتهم أيضا أن يقوم بعضهم لبعض. أما إذا اعتاد الناس القيام بعضهم لبعض قال: فالمصحف أولى، لأنهم لو لم يقوموا للمصحف مع قيام بعضهم لبعض لكانوا غير محسنين في ذلك، ولربما ذموا بذلك، لأن الناس يمكن أن يلمس بعضهم بعضا وهم غير متطهرين على حدث، بينما المصحف لا يلمسه أحد إلا وهو متطهر، فكان أولى إذا كانوا يقومون لبعضهم لبعض أو يقبل بعضهم بعضا أن يقوموا للمصحف.

يقوموا للمصحف، والحقيقة تقبيل المصحف يعني الناس يقبل الرجل أباه حبا، وقد يقبل العالم إكراماً وإجلالاً، والسلطان لسلطانه، أو يقبل رأسه أو رأس الشيخ أو رأس الأب، كل ذلك والدافع له إما محبة وإما احترام، والقران يعني الدافع له أعظم من ذلك كله محبة ويعني إجلال واكرام.

هنا يحضرني قصة حصلت في جامعة كنا ندرس فيها، كان الشيخ المصحف في درج الطاولة فأراد الشيخ أن يكتب على اللوح فحمد الطاولة وأراد أن يزيحها جانباً فسقط المصحف دون أن يشعر، فالشيخ يعني ارتاع لسقوط المصحف فأخذ المصحف وقبله ووضعه على رأسه، فثار بعض الطلبة يعني وكان عندهم شيء من التشدد وقالوا يا شيخ هذا لم يرد أو هذا بدعة أو نحو ذلك من الكلام.

وكان في هذا الإنكار سوء أدب أولاً؛ لأن الشيخ إنما فعل ذلك بسبب ردة فعل، ثم وضع المصحف على الرأس قد فعله علي رضي الله عنه، وتقبيله أو وضعه على الوجه قد فعله عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه، ثم هي مسألة خلافية، فكيف يقوم الطلبة على شيخهم ويتكلمون عليه وينكرون عليه أمراً مختلفاً فيه إن قلنا إنه مختلف فيه وإلا فالاقرب والأولى أن يقبل المصحف وأن يقام له.

ومن الأدب أيضاً مع المصحف هناك آداب كثيرة، من الأدب مع كتاب الله تدبر كلامه، تدبر كلام الله عند التلاوة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدبر القرآن، في ليلة من الليالي صلى النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]. ولذلك ابن مسعود لما رأة يقرأ هذه الآية ويرددها إلى أن أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني كنت أدعو لأمتي».

النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بهذه الأمة يدعو لأمته، لما قرأ هذه الآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ هذا قول عيسى عليه الصلاة والسلام في القرآن: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ يعني يستحقون العقوبة، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لا ينقص من عزتك ولا من حكمتك شيء.

وهكذا السلف، تميم الداري استفتح سورة الجاثية، فلما بلغ قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21] جعل يردد هذه الآية ويبكي حتى أصبح.

ومرة قرأ سورة المؤمنون فلما جاء إلى قول الله تبارك وتعالى وهم فيها كالحون -يعني في النار نسأل الله العافية والسلامة- وبداية الآيات: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 101-104] لما وصل إلى هذه الآية تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون لم يستطع تجاوزها وأخذ يرددها إلى أن أصبح.

الكالح هو العابس الذي قد قلصت شفتاه نسأل الله العافية والسلامة، وهكذا سعيد بن جبير وغيره من السلف، سعيد بن جبير قام بآية حتى أصبح، وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [ليس: 59]. وفي صحيح البخاري يقول جبير بن مطعم: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 35-37] قال جبير بن مطعم: كاد قلبي أن يطير.

وهذه الآيات نفسها سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقرأها رجل في الليل يتهجد بها التي هي سورة الطور، يقرأ يقول: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: 1-8]. فلما بلغ هذه الآية سقط عمر مغشياً عليه، حتى أصبح الناس يعودونه شهراً في بيته من أثر هذه الآية.

رضي الله تعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كان حال الصحابة الكرام وسلف الأمة في تدبر لكتاب الله. أما حالنا نحن فالله أعلم به، نسمع القوارع ونسمع الزواجر التي لو أنزلت على الجبال لهدها كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] ونحن نسمع هذا كله ولا يحرك فينا ساكناً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا ويغفر لنا.

والعجيب أن الواحد منا إذا جاءته رسالة من صديقه أو صديق عزيز أو رسالة في الجوال يعني اخذ يتاملها ويقراها وربما وقف أو حاد عن الطريق وأخذ يعني يتدبر هذه الرسالة ويريد أن يرد عليها. وكذلك لو سمع صاحبه يحدثه يعني يقبل عليه بوجهه مهتماً ومصغياً لحديثه، ولكن إذا قرأنا كتاب الله وقرأنا كلام الله نمر عليه مرور الكرام بدون تدبر ولا تأمل.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يتوب علينا وأن يرزقنا تدبر كتابه إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومن الأدب أيضاً أن لا يقول الانسان أو لا يقول المؤمن إذا نسي آية: نسيت سورة كذا أو نسيت آية كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: «بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي».

عليه أن يقول: انسيت؛ لأنه إذا قال نسيت آية كذا هذا يتضمن يعني هذا المعنى يتضمن معنى آخر وهو يتضمن التساهل والتغافل عن كلام الله أو عن القرآن، والمؤمن لا ينبغي عليه أن يغفل عن القرآن، وهذا من الأدب في القول أو في التعبير.

وكذلك من الأدب مع القرآن مع كلام الله الإنصات لكتاب الله، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. والآاب في الحقيقة كثيرة جداً، منها: لا يمس القرآن إلا طاهر كما في حديث عمر بن حزم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14] ويقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79].

ولذلك الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن، الحائض يعني إذا اضطرت لقراءة القرآن إذا كانت حافظة لكتاب الله فلا باس في قول جماعة من أهل العلم، وقراءة القرآن على طهاره مستحبة، لمس القرآن لا يجوز إلا على طهاره، لا يمس القرآن أو المصحف إلا طاهر، لكن قراءته تجوز على غير طهاره ولكن الافضل ان يقرأه على طهاره. بل كان بعض السلف لا يقرأ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، والآداب في الحقيقة كثيرة جداً وقد ألفها في آداب القرآن جماعة من السلف منهم النووي رحمه الله عليه من المؤلفات كتاب النووي وهو من أفضل ما ألف في آداب القرآن وهو التبيان في آداب حملة القرآن.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الأدب مع القرآن، إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقه على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].