﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن الأدب مع الله عز وجل.
ذكرنا في الحلقتين الماضيتين أن قبل الدخول في الكلام عن الأدب؛ لابد وأن نتكلم عن جلال الله وعظمته وكرمه ورحمته؛ لأنه كما يقال: الأمر من عظمة الأمر. فإذا عرفنا المولى الكريم، وإن كنا مهما تكلمنا لا يمكن أن نوفي الكلام حقه، إذا عرفنا شيئا من صفاته سبحانه وتعالى، وشيئا من كرمه، وشيئا من كبريائه، وشيئا من رحمته؛ كان ذلك أدعى لرعاية جانب الأدب معه جل وعلا. ونحن قد تكلمنا في الحلقتين الماضيتين بشيء يسير من ذلك، ولكنه يمكن معه استحضار ما سواه.
وسنتكلم في هذه الحلقة بإذن الله عن الآداب التي ينبغي مراعاتها مع الرب جل وعلا. يقول محمد مولود في منظومة له تسمى مطهرة القلوب: فدب مع الله على وجل، بأن تلازم الحياء والذل منكسرا تحت الحيا، وخاضعا تحت المهابه اليه ضارعا، ملغم مرادك إلى مراده، خال من الطمع في عباده، مبادرا لأمره.
ومن دخل إساءة الأدب في أي وجل، يعني من خوف من أن تسيء الأدب مع الله يكون عندك وجل. ومن الأدب مع الله أن تبادر لأوامره. فهو يقول: فادب والذلة، يعني إذا اردنا الأدب مع الله فلا بد لنا من ملازمه الحياء، ومن ملازمه الذل منه جل وعلا.
والحياء أنواع: حياء من الله بسبب التقصير في عبادته؛ فنحن نرى الملائكة يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، ثم إذا كان يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. هذا إذا كان الملائكة يقولون ذلك وهم يعبدون الله الليل والنهار، فكيف بنا نحن وحال عبادتنا ما لا يخفى علينا؟ يعني عبادتنا قليلة وحالها يعني الله أعلم به، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو وأن يغفر.
فيتولد من هذا يعني الشعور حياء من الله سبحانه وتعالى. وهناك حياء استحقار النفس لعظمة الرب واستحقار النفس، كحياء العبد من ربه عز وجل حين يساله حوائجه، فهو يحتقر نفسه أنه لا يستحق تلك الحوائج، ويستعذب ربه أن يسأله ذلك. وفي أثر لبني إسرائيل يقال إن موسى عليه السلام قال: يا ربي؛ إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك إياها. فقال الله سبحانه وتعالى له: يا موسى؛ سلني حتى ملح عجينك. وهذا يعني نوع من الحياء.
ومن الحياء أيضا حياء العبودية، وهو حياء ممتزج بالمحبه والخوف، حياء فيه محبة لله وفيه خوف من الله سبحانه وتعالى، وكأن الإنسان يشاهد عدم صلاحية عبوديته لله سبحانه وتعالى، وأن قدر الله أعلى وأجل منها؛ فعبد هذا العبد له يوجب استحياء من الله سبحانه وتعالى بلا شك ولا ريب. وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله عز وجل: ابن آدم، إن استحييت مني انسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، والا ناقشتك الحساب يوم القيامة. نسأل الله سبحانه وتعالى ألا نكون ممن يناقش الحساب يوم القيامة.
وهناك أثر إلهي آخر يقول الله سبحانه وتعالى فيه: ما أنصفني عبدي؛ يدعوني فأستحي أن أردّه، ويعصيني ولا يستحي مني. عجيب العبد يدعو الله، والله سبحانه وتعالى لا يرده بل يعطيه، يستحي أن يرد يديه صفرا، والعبد يعصي الله ولا يستحي منه، مع أنه لو نظر إلى عبد من عباد الله استحيى منه.
يقول أحد العلماء وهو يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا، استحي الله منه وهو مذنب. عجيب يعني تستحي من الله وأنت مطيع؟ لماذا نستحي وأنا مطيع؟ لأن هذه الطاعة مهما كانت فهي أقل شأنا من أن تكون للرب سبحانه وتعالى، ولذلك إذا استحيا الإنسان من ربه وهو مطيع، استحيى الله منه وهو مذنب.
يقول بعض العلماء إن من معنى هذا الكلام أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته، فقلبه تجده مطرقا بين يدي الله وانه مستحي وخجل، فإذا وقع هذا العبد في ذنب، استحيى الله من نظره إليه في تلك الحال لكرامة هذا العبد عليه، فيستحي أن يرى من وليّه عبده ما يشينه عنده.
ويمكن أن يقرب هذا المعنى إذا نظرنا إلى الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، كصاحبه أو ولده أو من يحبه وهو يخونه في شيء ما، فإن هذا المطلع عليه يلحقهم من ذلك الاطلاع حياء عجيب حتى كأنه هو الجاني، وهذا غايه الكرم. فالله سبحانه وتعالى إذا رأى العبد على الذنب يستحي الله منه؛ لأن هذا العبد كان يستحي من الله في طاعته.
وفي الحديث الصحيح من حديث سعيد بن يزيد الأنصاري قال: إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: «أوصيك أن تستحي الله كما تستحي رجلا صالحا من قومك». وهذا الحديث عجيب أجمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الحياء من الله جل وعلا في كلمه واحدة أو في هذه الجملة القصيرة؛ فإن الإنسان إذا علم أن رجلا صالحا ينظر إليه أو يسمع كلامه، أمسك عن كل ما يخاف أن يكرهه من أجله، أو يمقته عليه، أو يضع من قدره عنده، ولو علم أنه يطلع على ما في ضميره لما أضمر إلا ما يعلم أنه يجمله عنده.
فمن استحى من الله كما يستحي من الرجل الصالح فيما يظهر لله وكل شيء في الحقيقه ظاهر له سبحانه وتعالى، فقد استحى من الله حق الحياء؛ لأن هذا الرجل المستحي عالم بأن الله مطلع على ما في قلبه، فلا يدع قلبه يضمر شيئا مما يكرهه ربه جل وعلا.
فإذا عرض له رياء في عمل أو عجب أو كبر، تذكر نظر الله إليه فاستحيى منه، واستحيى أن يبدو له نقص من النقص، سواء كان من فضول الدنيا أو من فضول الكلام، ولو كان هذا الشيء مباحا، لكنه يستحي من نظر الله أنه يرغب في الدنيا؛ لأن الله سبحانه وتعالى هذا العبد يععلم أن الله زهده في الدنيا ورغبه في ترك ملذاتها، فهو يستحي أن يراه الله راغبا فيها.
وكذلك إذا خاف من غير الله، استحيى من الله أن يراه يخاف من غيره أو يطمع في غيره أو يرجو غيره.
ويقول بعض أهل العلم في معنى الحياء بيتين يجمل فيها الكلام عن الحياء من الله سبحانه وتعالى، فيقول: إن الحياء أولى به مولاك فاستحي من موليك ما أولاك وذا بأن حيث نهاك لم يرك وليس يفقدك حيث أمرك.
ويقول محمد ولود فيما تقدم: مبادرا أمره، ومن دخل إساءة الأدب في أي وجل. ويقول الدقاق رحمه الله عليه: ترك الادب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب.
وابن المبارك أيضا الإامام ابن المبارك المشهور يقول: من تهاون بالادب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة. فالتهاون بالادب يوصلنا في النهاية -نسأل الله العافيه والسلامة- أو يوصل البعيد إلى التهاون بالمعرفة؛ بمعرفة الله سبحانه وتعالى.
ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى -أنواع الأدب كثيره- منها: نسبة الخير دون الشر إليه، يعني أن ننسب الخير إلى الله ولا ننسب الشر إليه، والقرآن علمنا هذا النوع من الأدب. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]، جاء إلى الضراء قال بعد ضراء مسته، فلم يقل بعد ما أمسسناه بضراء كذا، قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36].
وهناك أيضا آية أخرى، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: 49]، فالله ينسب له الخير ولا ينسب له الشر. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها المشاهدون من جديد. كنا وقفنا عند ذكر الأدب الذي فيه أن الخير ينسب إلى الله والشر لا ينسب إليه.
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». ومع أن الشر لا ينسب إلى الله، إنما لا ينسب إليه أدبا وإلا فكل شيء من الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّا أَصَابَكَ منْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 78-79].
صحيح أن كل شيء من الله، لكن السيئة سببها الإنسان نفسه، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
وهكذا هذا الأدب الذي علمناه القرآن، كذلك تادب به الأنبياء، وقد ذكر الله ذلك في القران. يقول مثلا عن آدم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، يعني لما أراد أن يستغفر أو أراد أن يدعو الله نسب الظلم إلى نفسه.
لكنه لما حاجه موسى كما في الصحيحين؛ احتج آدم وموسى في حديث أبي هريرة، فقال: أنت آدم الذي أخرجت ذرية من الجنة؟ يقوله موسى عليه الصلاة والسلام. فقال آدم عليه الصلاة والسلام لموسى: أنت موسى كلم الله، وتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن خلق؟ فحج آدم موسى. فهنا في المحاجة لما موسى عاتب آدم رد عليه بالقدر، لكنه في استغفاره لربه كان ينسب الظلم إلى نفسه: ربنا ظلمنا أنفسنا.
وهكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ يعني نسب الخير لله، ثم لما جاء يلمح فيه يعني شيء من الشر نسبه إلى نفسه. يقول الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 75-80].
والذي هو يطعمني نسبه إلى الله، ثم لما جاء عند المرض قال: وإذا مرضت فنسبه إلى نفسه، وإن كان كل شيء من رب العالمين.
وهكذا الخضر عليه الصلاة والسلام في قصة السفينة والجدار: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] فنسب العيب إلى نفسه: فأردت أنا، فأردت أن أعيبها. ولما تكلم عن الجدار قال: ﴿وَأَمَّا الْجَدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82] لأن هذا فيه معنى يعني صالحا، نسبته إلى رب العالمين.
وهكذا أيوب عليه الصلاة والسلام وهو ينادي ربه، يعني تلطف في النداء لما أصابه المرض، المرض الشديد، ولذلك كان أيوب يقال له يعني ضرب بصبره المثل، صبر 18 سنة، فيقول الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83] فنسب الضر إلى الضر نفسه: مسني الضر، لم يقل أمرضتني، أو مسني بسء، فجاء بالخطاب في غاية من الأدب. ﴿وَأَيُّوبَ إِذ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ثم ذكر الرب سبحانه وتعالى باسم الرحمة كأنه يقول: وأنت أرحم الراحمين فرحمتك ستشملني وتعمي بالفضل والعافية.
وهذا معنى بديع، والعرب يقولونه، هذا أمية بن أبي الصلت لما جاء إلى ابن جدعان ذكر له أبياتا والمح إلى السؤال دون أن يصرح به، فقال: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء.
وهكذا مؤمن الجن كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10] لما ذكروا الشر قالوا: اريد بمن في الأرض، ولما ذكروا الرشد قالوا: أم أراد بهم ربهم رشدا.
فالأدب مع الله كثير جدا ومهم جدا. وهناك من الأدب مع الله ما هو يعني في غاية من الأهمية، وهو ذكر المشيئة؛ يعني إذا ذكر الإنسان شيئا يقول: سافعل ذلك غدا أو بعد غد، أو سافعله في الأسبوع القادم، أو الأشياء المستقبلية، على الإنسان أن يذكر المشيئة، أن يعلق ما يريد فعله بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
وهناك حديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن سليمان عليه الصلاة والسلام قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة -ولم يقل: إن شاء الله- كلهم تاتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فطاف على النساء فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث».
وهكذا الله سبحانه وتعالى عتب نبيه لما جاءه جاءه بعض قريش وسالوه عن مسألة علموهم اليهود إياها، وهي السؤال عن أهل الكهف عن فتية وعن أشياء من هذا القبيل، فقال: ساخبركم غدا، فنزلت الآيات: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ...﴾
لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ. وَهَكَذَا الْقُرْآنُ يُعَلِّمُنَا حَتَّى فِي فِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 27]. اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، دُخُولُهُمْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ رَبُّنَا يَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ كَأَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَنَا أَنْ نَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَائِمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَمِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، فَلَا يُشْكَرُ عَلَى نِعَمِهِ سِوَاهُ، وَلَا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى مَعَاصِيهِ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَى رِزْقِ غَيْرِهِ، وَلَا يُعْبَدُ سِوَاهُ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ: «إِنِّي وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ فِي نَبَأٍ عَظِيمٍ، أَخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ سِوَايَ». وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «يَابْنَ آدَمَ، مَا أَنْصَفْتَنِي؛ خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَأَنَا عَنْكَ غَنِيٌّ، وَتَبْغَضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيَّ».
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «يَابْنَ آدَمَ، مَا مِنْ يَوْمٍ جَدِيدٍ إِلَّا وَيَأْتِيكَ مِنْ عِنْدِي رِزْقٌ جَدِيدٌ، وَتَأْتِي عَنْكَ الْمَلَائِكَةُ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ؛ تَأْكُلُ رِزْقِي وَتَعْصِينِي، وَتَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَكَ، وَتَسْأَلُنِي فَأُعْطِيكَ، وَأَنَا أَدْعُوكَ إِلَى جَنَّتِي فَتَابَى ذَلِكَ».
وَمِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَدَبُ عِنْدَمَا يَخْطُبُ الْخَطِيبُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَذْكُرُ رَسُولَهُ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ فِي ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ. وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَلَمْ يَقُلْ فَهِجْرَتُهُ إِلَيْهِمَا؛ لَمْ يَجْمَعِ الرَّبَّ وَالرَّسُولَ فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ».
وَلِذَلِكَ لَمَّا خَطَبَ رَجُلٌ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وَمِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَلَقِّي أَقْدَارِ اللَّهِ بِالرِّضَا، لِأَنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَجْعَلُ صَبْرَهُ اخْتِيَارًا؛ بِمَعْنَى أَنْ يَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ دُونَ أَنْ يَتَأَفَّفَ وَدُونَ أَنْ يَعْتَرِضَ، فَإِنَّ مَا قَضَى اللَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
وَهُوَ مَا يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هُوَ اخْتِبَارٌ وَامْتِحَانٌ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وَمِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ اللَّهُ يُحِبُّ الدُّعَاءَ بَلْ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ.
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ». عَجِيبٌ؛ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَغْضَبُ إِذَا لَمْ يَدْعُهُ عَبْدُهُ! بِخِلَافِ الْبَشَرِ، الْبَشَرُ إِذَا سَأَلْتَهُ شَيْئًا غَضِبَ عَلَيْكَ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبَنُو آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وَمِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ دُعَاءُ اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ الشِّدَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ رَبَّهُ وَقْتَ الرَّخَاءِ وَيُعْرِضَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ عَادَ يَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، كَمَا هُوَ حَالُنَا -نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْجَمِيعِ-. يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8].
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ: يَا مَنْ إِذَا مَرِضَ شَكَى وَبَكَى وَإِذَا عُوفِيَ تَمَرَّدَ وَعَصَى، يَا مَنْ إِذَا دَعَاهُ الْعَبِيدُ عَدَا وَلَبَّى وَإِذَا دَعَاهُ الْجَلِيلُ أَعْرَضَ وَنَأَى، إِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنِ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَإِنْ أَقْبَلْتَ قَبِلْتُكَ، وَإِنْ تُبْتَ تُبْتُ عَلَيْكَ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
كَمْ كَرُمَ اللَّهُ وَكَمْ أَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ! نَعْلَمُ جَمِيعًا قِصَّةَ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فظن أن لن نقدر عليه أي ظن أن لن نضيق عليه، لأن نقدير بمعنى نضيق، وهو وارد في القرآن كما قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني أصبح كأنه في ظلمات وهي ظلمات كثيرة؛ يُونُسُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ قَرْيَةِ نِينَوَى وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مُغَاضِبًا لَهُمْ وَوَعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا تَأَكَّدُوا وَتَيَقَّنُوا مِنْ ذَلِكَ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكْذِبُ، خَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ بِأَطْفَالِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهَا، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ وَجَارُوا إِلَيْهِ وَرَغَا الإِبِلُ وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَثَغَتِ الْغَنَمُ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذَابَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98].
فَيُونُسُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ سَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَابْتَلَعَهُ الْحُوتُ وَغَاصَ بِهِ فِي قَاعِ الْبَحْرِ، فَهُوَ فِي قَاعِ الْبَحْرِ فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَفِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَفِي ظُلْمَةِ السَّحَابِ دَعَا اللَّهَ: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.
إِلَى هُنَا نَاتِي إِلَى نِهَايَةِ هَذِهِ الْحَلْقَةِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
د. سعيد المري