الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سيستمر الحديث فيها بإذن الله عن الأدب مع الله. وذكرنا في الحلقة الماضية أننا قبل أن ندخل في الأدب مع الله لابد من الكلام عن بعض صفات الله، بعض جلاله؛ الكلام عن جلال الله وعظمته وكرمه ورحمته. وكنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن عظمة الله وعن قدرة الله وعن خلق الله وعن ملك الله، ونستكمل في هذه الحلقة الكلام عن كرم الله ورحمته.
وإذا أردنا أن نتكلم عن كرم الله فبالله عليكم ماذا نقول ومن أين نبدأ؟ هل نبدأ بنعمة الإيجاد، أو بنعمة الإسلام، أو نبدأ بنعمة الابصار، أو نعمة الأسماع، أو نعمة الصحة، أو الهواء، أو الطعام، أو الشراب، أو ماذا؟ والله لو تكلم البشر كلهم بشتى اللغات على كثرتها في هذا العصر، وكتبت كتب ذلك كله بالأقلام وبأحسن أنواع البيان، ما بلغ ذلك مثقال ذرة صغيرة من كرم الله جل وعلا.
الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ۗ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: 5-8].
آيات كثيرة؛ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. والقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون، وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم.
آيات كثيرة؛ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون الله؛ فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: 17-19].
ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
كان بعض العلماء إذا تلا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34] يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من خلقه من معرفة نعمته إلا المعرفه بالتقصير عن معرفتها. ما معنى هذا الكلام؟ يعني ليس عندنا من معرفة نعمة الله إلا معرفتنا بقصور معرفتنا بها؛ نحن متيقنون وعارفون بأننا مقصرون في معرفتنا بنعمة الله سبحانه وتعالى. وهذا القصور الذي نشعر به في الحقيقة هو نوع من الشكر، ولذلك كان الشكر نفسه على النعمة نعمة يحتاج إلى شكر، وهكذا كل شكر يحتاج إلى شكر فلا ينتهي استحقاق الله سبحانه وتعالى للشكر.
وفي هذا المعنى يقول الزمخشري رحمه الله عليه في أطواق الذهب، وهو كتاب فيه عدد من المقالات الجميلة، يقول في مقدمة هذا الكتاب: اللهم إني أحمدك على ما أزللتني، وكنت بالثانية أولى، لولا فضل منك سابق. حمد الحامد وراءه يقطف، وإن أعنق فكانه مصفد يرسف. يقطف يعني يمشي ببطء، وإن أعنق يعني وإن أسرع فكانه مقيد يمشى في قيده. وكرم باسق شكر الشاكر ينوء تحته بجناح مهيض، وإن حلق فكانه لاصق بالحضيض؛ يعني أن شكر الشاكر بالنسبة لنعمة الله كأنه يمشي بجناح مكسور، وإذا أراد التحليق فكانه لاصق بالحضيض أي بالأرض، فأي شكر يبلغ نعمة الله سبحانه وتعالى؟
ولذلك يقول الشاعر: إذا كان شكري نعمة الله نعمةً عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
يقال إن الرشيد -وهو هارون الرشيد رحمه الله عليه- قال لأحد الوعاظ المشهورين، وهو أبو العباس محمد بن السماك، قال له: عظني. وهذا الرجل محمد بن السماك من الوعاظ المشهورين، وهو الشيخ للإمام أحمد، قد روى عنه في المسند ربما حديثين من الأحاديث. لما قال له الرشيد عظني وكان الرشيد في يده كاس فيه ماء يشربه، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة بماذا كنت تفديها؟ أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو حبس عنك خروجها -يعني هذه الشربة التي تشربها إذا لم تخرج وحبس عنك الخروج- بماذا كنت تفديها؟ قال: بملكي. قال: فإن ملكك ذهب في شربه وفي خروجها! فعند ذلك بكى الرشيد رحمه الله عليه.
ولذلك مهما عمل الإنسان، مهما شكر الإنسان، مهما عبد الله؛ فهذه العبادة نفسها هي من نعم الله على العبد. من الذي يسر له العبادة؟ العبد في عبادته مولاه إنما يكدح لنفسه، إنما يعجل لأجل نفسه، وإلا الله سبحانه وتعالى غني. الله هو الذي وفقه والله غني عن عبادته، وغني عن تسبيحه، وغني عن حمده، وغني عن شكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
الله لا يحتاج لعبادة أحد؛ السماوات تسبح بحمده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]. يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه، والله عليم بما يفعلون. ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء.
يعني كل شيء يعبد الله، فالله سبحانه وتعالى غني عن عبادة البشر، ليس محتاجا لأحد، بل البشر هم الذين يحتاجون لعبادتهم، فعبادتهم لأجل أنفسهم، ولذلك الذي يَدِلُّ بعبادته هذا قليل العقل، والذي يَدِلُّ معناه يتمنن بالعبادة. ولذلك قيل: ذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه. بعض الناس يأتي أحيانا يقول: أنا جئت من العمرة، أنا أصوم الاثنين والخميس، أنا ما كذا.. كأنك تتمنن على ربك! مهما فعلت من العبادة فهي لك، والله ليس محتاجا لعبادة العابدين.
ولذلك قيل: ذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه. وأنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب بعمله لا يصعد عمله. وأنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ -أي مُدِلٌّ بالطاعة- ولذلك يقال: أنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المُدِلِّينَ.
وهكذا كان الصحابة، كان الصحابة يعبدون الله ويجتهدون في العبادة ومع ذلك لا يرون هذه العبادة شيئا. ولذلك يقول أبو أراكة البجلي: صليت مع علي رضي الله تعالى عنه صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث؛ كان عليه كآبة، حزين! حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئا يشبههم! لقد كانوا يصبحون صُفراً شُعثاً غُبراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباهم وأقدامهم؛ فاذا اصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم. والله لكان القوم باتوا غافلين!
يعني هم يصلون الليل والنهار ثم إذا قاموا في الصباح وذكروا الله هملت دموعهم، وعلي رضي الله عنه يقول في وصفهم: والله لكان القوم باتوا غافلين، يعني كأنهم البارحة أمسوا غافلين، ومع ذلك أمسوا وهم كانوا يعبدون الله ثم أصبحوا وعيونهم تهمل يبكون وكأنهم في غفله! على خلافنا في هذه الأيام؛ نبيت ونحن غافلين ونصبح ونحن ضاحكين وكأننا قد أمنا أو ضمنا الجنة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا. نقف هنا قليلا ثم نرجع اليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن كرم الله سبحانه وتعالى، ونتكلم الآن عن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ يقول تبارك وتعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].
ويقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مَن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: 147]. والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ يقول تبارك وتعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ من رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعل الله الرحمة مئة جزء، فأنزل في الأرض جزءا واحدا، فبها يتراحم الخلائق، حتى أن الدابه لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وفي صحيح مسلم من معنى هذا الحديث من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه يقول: «إن لله مئة رحمة فمنها رحمة واحدة بها يتراحم الخلق بين هم وتراحم الخلائق، وإذا كان يوم القيامة أتمها بهذه الرحمة».
فرحمة الله واسعة؛ إذا كانت رحمة واحدة أنزلها الله على الأرض يتراحم بها الخلائق، فما بالك بمئة رحمة قد ادخرها الله لعباده يوم القيامة؟ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي».
وفي الصحيحين أيضا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس إذ أتي بسبي، وإذا امرأة من السبي تسعى كلما وجدت طفلا أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته -ليس هذا الطفل ولدها كما قد يتبادر لذهان كثير من الناس، وإنما كلما وجدت طفلا من قومها أخذته فأرضعته- فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصنيع منها قال لأصحابه: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» فقالوا: لا والله يا رسول الله وهي تقدر على ألا تطرحه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه يقول: «لله أشد فرحا بتوبه عبده حين يتوب إليه من رجل كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ برطامها فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح». النبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا المثال: «الله أشد فرحا بتوبه عبده حين يتوب إليه من هذا الرجل براحلته».
مع أن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى هؤلاء الخلق، ولكنه يحب توبة عباده إليه ويريد رحمتهم، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]. والبدوي رحمه الله عليه يقول في منظومة المغازي بعد ما ذكر هبار بن الأسود وجماعه من الذين عفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ هبار بن الأسود هو الذي نخس بعير زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأسقطها حتى أسقطت جنينها، مع ذلك جاء وأسلم فقبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه، وكان النبي قد أمر بحرقه في البداية ثم رجع النبي عن ذلك. ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه يتكلم عن هبار وأمثاله:
وبعد ما أشقى على الإحراق تداركته رحمة الخلاقِ أحنى وأرأف من الأم بنا وهكذا كان رسوله لنا يدخلنا الجنة إلا من شرد عنه وعن توحيده أبى وصدْ يقرب بالذراع أو بالباعِ ومن أتاه يمشي أتاه هرولةً ويضاعف الأجر له، لسبعمائة ففوقُ.
يؤجر بحسن النية. ومن لطفه أن صحائف الذنوب، وهي عظيمة تروع القلوب، لا تزن التهليل في بطاقة، كأنها الظفر في الدقاقة. كأن هذه الأشياء أو هذه البطاقة كالظفر في الدقاقة، ومع ذلك تطيش بها الصحائف. يعني هو يشير في هذه المنظومة إلى الحديث الذي في المسند وفي الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله سيخلص رجلاً من أُمَّتِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشر له أو عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقول: لا والله يا رب! فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، فيُؤْتَى بهذه البطاقة مكتوب عليها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. فيقول له الرب سبحانه وتعالى: احضر وزنك. يعني تعال كن حاضراً في الميزان. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة في هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فتطيح». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يثقل مع اسم الله شيء».
وفي الحديث الآخر، حديث أبي سعيد في السنن الكبرى للنسائي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرض السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله». وهذا من العجب العجاب. يعني لو أرادنا تفسير هذا الحديث: الأرض كلها بما فيها من الحديد والنحاس والذهب وكل مخلوقات الله فيها هذه الأرض في كفة، والسماء الأولى في الكفة، والثانية في الكفة، والثالثة، والملائكة، واللوح، والعرش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وعامرهن. يقول الله: «وعامرهن غيري» في كفة، ولا إله إلا الله لو كُتِبت فقط في بطاقة صغيرة ووضُعت في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله. فكلمة لا إله إلا الله على لسان العبد كم لها من الوزن عند ربنا سبحانه وتعالى!
ولذلك في الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما من حديث ابن عمر أن الله سبحانه وتعالى يدني المؤمن يوم القيامة، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتُعرف ذنب كذا؟ أتُعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم يا رب! حتى إذا تقرر أو قرره بذنوبه ورأى أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم.
وأبو عثمان النهدي يقول: إن المؤمن ليعطى كتابه، أو ليعطى كتابه في ستر من الله، يعني لا أحد يراه، فيقرأ سيئاته فيتغير لونه، وقد يسقط لحم وجهه حياءً من الله سبحانه وتعالى، ثم يقرأ حسناته فيرجع إليه لونه، ثم ينظر وإذا سيئاته قد بُدِّلت حسنات! فعند ذلك يقول: هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ.
وواحد الشعراء يقول في نظم له، يعني يحكي وقوف العبد بين يدي الله، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يستر عليه، وكيف أن الله يبدل السيئات حسنات، يقول: عبدي عصيت أنا سترت فيما مضى واليوم قد غفرت بل قد جعلت لك كل سيئة حسنة وكل طاعة مئة.
والآيات والأحاديث في تبديل السيئات حسنات كثيرة جداً؛ منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أنس في مسند أحمد: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات». فالله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، يبدل السيئات حسنات.
يروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله عشرين سنة، ثم عصاه عشرين سنة. يعني اتاه الشيطان وقال: أنت استعجلت في الطاعة، فلو رجعت أو لو أخذت شهواتك قليلاً، أو رجعت إلى نفسك قليلاً. ثم بعد عشرين سنة، يعني صار عمره، أو عشرين اطاع الله فيها ثم عشرين عصى الله فيها، ثم بعد الأربعين نظر في المرآة فإذا في لحيته شيب! فساءه ذلك، فقال في نفسه: إلهي! أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع قائلاً يقول -أو في المنام يقول له-: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك.
وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى قصة لموسى عليه الصلاه والسلام، كان يستسقي؛ ذهب للاستسقاء مع قومه، فدعوا الله، وكان معه الرهبان والصالحون، وكان في السماء شيء من السحاب فانقشع ذلك السحاب! فتعجب موسى: يا رب! أدعوك أنا الكليم ومعي بنو إسرائيل، ونحتاج إلى السقيا أو إلى المطر! فقال: يا موسى! إن بينكم عبداً عاصياً لي منذ أربعين سنة. فموسى التفت إلى الناس وقال: يا أيها العبد العاصي، اخرج من بيننا، فقد منعنا القطر بسببك! فهذا الرجل علم نفسه، وقال يا رب! وأطرق رأسه وقال: يا رب! لا تفضحني على رؤوس بني إسرائيل، يا رب! أرجع إليك وتآب. يقول ابن قدامة: ما أتم كلامه إلا وقد جاء السحاب من ها هنا وها هنا، وجادت السماء كأنها أفواه القرب! فقال موسى: يا رب! سقيتنا ولم يخرج أحد! فقال: يا موسى! سقيتكم بمن منعتموه به، بعبد تاب إلي. فقال موسى: يا رب! من هذا العبد؟ فقال الله سبحانه وتعالى: يا موسى! إني قد كنت أستر عليه وهو عاصٍ، أفأفضحه بعد ما تاب؟! الله سبحانه وتعالى يحب التوابين.
روي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب! إذا قام العبد، ما تقول؟ قال: أقول: لبيك عبدي. قال: فإذا صام؟ قال: أقول: لبيك عبدي. قال: فإن أتاك تائب؟ قال: أقول: لبيك لبيك لبيك عبدي.
وفي الحديث القدسي؛ الله سبحانه وتعالى يقول: «يا من إذا مرض شكى وبكى، إذا عُوفي تمرد وعصى، يا من إذا دعاه العبيد عدا ولَبَّى، وإذا دعاه الجليل أعرض ونأى، إن سالتني أعطيتك، وإن استغفرتني غفرت لك، وإن أقبلت قبلتك، وإن تبت تبت عليك، وأنا التواب الرحيم».
وابن القيم رحمه الله تعالى يذكر في مدارج السالكين حديثاً قدسياً عجيباً، يقول فيه: «إن الله يقول: متى جئتني قبلتك، إن أتيتني ليلاً قبلتك، وإن أتيتني نهاراً قبلتك، وإن تقربت مني شبراً تقربت منك ذراعاً، وإن تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، وإن مشيت إلي هرولت إلي، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بمثلها مغفرة إذا لم تشرك بي شيئاً».
إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري