الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن الأدب مع الله. ولكن قبل الكلام عن الأدب مع الله سبحانه وتعالى، لابد من الكلام عن الله سبحانه بذاته؛ عن عظمته وجلاله وكرمه ورحمته؛ لأن مقدار الأدب أو التأدب مع الله إنما يكون بحسب معرفتنا بالله؛ لأن كل أدب يكون بحسب معرفة المتأدب معهه.
فمثلا، الأدب مع السلطان يكون لأجل سلطانه وبحسب عظمة ذلك السلطان، والأدب مع العالم يكون لجلاله وعلمه وبحسب عظمة علمه وكثرته، وهكذا الأدب مع الجواد من الناس يكون بحسب جوده وكرمه، وهكذا؛ فكل يكون الأدب معه بحسب مكانته. فإذا كان الأدب مع هؤلاء وهم من المخلوقين يتاكد لاجل مكانتهم، فكيف بالادب مع الخالق سبحانه وتعالى الذي هو اساس كل ملك وجلال وكرم وغير ذلك من الصفات الكريمة المحمودة؟
ومن المعلوم أنه على حسب معرفتنا بعظمه الله وجلاله وكرمه ورحمته وسائر صفاته يكون تعاملنا وأدبنا معه جل وعلا. ولذلك لم يبدأ الله سبحانه وتعالى عباده بالأحكام في أول البعثة أو في العهد المكي، بل كان جل القرآن في ذلك العهد في بيان عظمة الله وجلاله وبيان كبريائه ووحدانيته. وأما الأحكام فلم تنزل إلا في آخر العهد المكي، فالصلاة مثلا لم تفرض إلا في السنة الثانية عشرة من البعثة قبل الهجرة بسنه واحدة، وإنما نزلت هذه الأحكام بعد أن امتلأت قلوب الصحابة بعظمة الله وجلاله، ولذلك سهلت عليهم بعد ذلك اتباع الأحكام أو اتباع الأوامر.
ولكن قبل أن نتكلم عن عظمة الله وعن جلاله وعن كبريائه وعن الصفات العظيمة، لابد أن نتكلم عن وجود الله سبحانه وتعالى؛ مع أن وجود الله سبحانه وتعالى لا ينكره موجود من الموجودات، إلا أننا في هذا الزمان قد صرنا نسمع ويذكر لنا في الناس أن هناك من ينكر وجود الباري جل وعلا. بل اصبحنا نسمع أنه يوجد من هذه الأمة وللاسف -هذه الأمة التي نزل عليها القرآن- من يدعي في هذا الزمان أن العالم قد جاء صدفة، وأن الناس أو الخلق خلقتهم الطبيعة أو الدهر؛ مع أن الحجة في هذا الوقت -في هذا العصر الذي فيه التطور والتقدم الهائل الذي نراه- الحجة فيه أبلغ وأقوى.
ولذلك كم من متخصص في علم من العلوم في هذه الأيام نجده يبرز في قلبه ما يدعوه إلى توحيد الله وتعظيمه، بل وجدنا كثيرا من الناس يسلمون وهم لم يدعهم أحد إلى توحيد الله، وإنما أسلموا بعد أن كانوا ينكرون وجود الخالق سبحانه وتعالى بسبب ما اطلعوا عليه من تلك العلوم. إذا، وجود الخالق جل وعلا لا يجوز أن يماري فيه في الحقيقة أحد من العقلاء؛ لأن أدلته كثيرة جدا، يكفي فيها هذه المخلوقات بشتى أنواعها؛ يستحيل أن توجد هذه المخلوقات بدون موجد، ويستحيل أن توجد نفسها.
ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]. العلماء يقولون، يسمون هذا التقسيم العقلي التقسيم العقلي؛ يعني أحيانا يكون تقسيم رباعي، أحيانا يكون تقسيم ثنائي، أحيانا يكون تقسيم ثلاثي، فهنا التقسيم ثلاثي. أما أن يكون هؤلاء قد اوجدوا هكذا من غير شيء، هذا الأول من التقسيم، وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾. وإما أن يكونوا قد اوجدوا من غير شيء وهذا يستحيل عقلا لأن كل موجود لابد له من موجد. القسم الثاني: أن يكونوا قد اوجدوا أنفسهم، وهذا أيضا من المستحيلات كما قال تبارك وتعالى: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، لأن ما كان معدوما في الأساس لا يمكن أن يوجد نفسه لأنه كان معدوما في الأصل. والقسم الثالث: أن يكون وجودهم قد أوجههم موجد سواهم، وهذا هو الحق.
والله سبحانه وتعالى ذكر القسمين الأولين من القسمة العقلية وأبطلهما، فبقية النتيجة وهي القسم الثالث، وأنه لهؤلاء الموجودين موجد، وهذا هو الصواب. والقران لم يذكر إلا القسمين الأولين؛ القسم الأول والثاني، لأن القسم الثالث نتيجة -كما ذكرت- نتيجة لبطلان ذينك القسمين الأولين. فتبين أن هؤلاء المخلوقين لم يخلقوا من عند أنفسهم، لم يخلقوا أنفسهم ولم يخلقوا من غير شيء، وإنما خلقهم الخالق سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق السماوات ولذلك جاء في آخر الآيات: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾. إذا الذي خلق السماوات والارض هو الذي خلقهم، ما دام انهم لم يخلقوا انفسهم فكيف يخلقوا السماوات؟ السماوات يعني جاءت قبلهم فإذا هم غير موجودين في الأساس، فلا شك ولا ريب أن الموجود قبلهم قد خلق من خالق قبلهم، فهم لا يوجدون أنفسهم ولا يوجدون ما هو موجود قبلهم، فبقي أن الذي اوجد هذا كله هو الخالق سبحانه وتعالى.
ولذلك في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم يقول: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 35-37]، قال جبير بن مطعم: كاد قلبي أن يطير لما سمع هذه الآيات». يقول: «كاد قلبي أن يطير».
الحقيقة، كثيرا ما نجد الله سبحانه وتعالى يرشدنا إلى الاستدلال على معرفته باياته بالمخلوقات. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَات لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]. الأرض كم فيها من الآيات، كم فيها من النباتات والجبال والحيوانات؟ بل وفي أنفسكم أفلا تبصرون! ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ -هنا وفي أنفسكم أفلا تبصرون ثم بين في آيات أخرى هذا الخلق الذي يرشدنا الله إليه- ﴿مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12-14]. وآيات في هذا كثير؛ ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 47-49]. وهذا الباب من الاستدلالات بايات الله كثير جدا.
والمخلوقات تدل على وجود الخالق وعلى قدرته وعلى عظمته، وهي أكثر في الحقيقه من أن تحصر. والاستدلال على الرب سبحانه وتعالى أكثر وأشهر، والله سبحانه وتعالى أعظم وأكبر وأجل من أن يحتاج في معرفته أو معرفة وجوده إلى شواهد واستدلالات، بل كل من فكر ولو قليلا في الخلق ولو لم ياته رسول فلا بد ان يهديه عقله إلى الخالق العظيم جل وعلا.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ما حصل بين موسى وفرعون من المناظرة في الرب سبحانه وتعالى، وكيف استدل عليه موسى بالخلق. فقال تبارك وتعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: 23-28]. ولذلك لما جاءهم موسى بالآيات الدالة على صدقه نسبوه إلى السحر. والله سبحانه وتعالى يقول عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَ انفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]. فهم متيقنون في الداخل أن هذه الآيات حق، وأن ما يقوله موسى حق، ولكنهم جحودا واستكبارا ينكرون ذلك.
وهكذا الله سبحانه وتعالى ذكر المناظرة بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين نمرود، وكيف أن إبراهيم قد قطع نمرود وحجه؛ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258]. ومناظرات الرسل مع أقوامهم كثيرة في القرآن ذكرها الله سبحانه وتعالى. وهكذا أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة في القرآن كثيرة، إلا أن هذه الأمة التي أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم أحد يجحد الخالق، كلهم مقرون بوجوده وبربوبيته مع أنهم يشركون بالله. ولهذا قال تبارك وتعالى في شانهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: 63]. إذا هم مقرين، ولكنهم تركوا عبادة الله، والآيات في هذا كثير.
وقد سئل بعض الأئمة عن أشياء من وجود الله فأجابوا باجوبة مختصرة ومفهومة. كما يحكى عن أبي حنيفة رحمه الله عليه أن قوما من أهل الكلام أو من الدهريين الذين ينكرون وجود الخالق أرادوا البحث معه في وجود الخالق، فقال لهم قبل أن نتكلم في هذا الموضوع أنا أسالكم عن مسألة وهي؛ هناك سفينة في دجله كانت تذهب وتمتلئ من الطعام والمتاع وترجع بنفسها وترسو على المرسى ثم تفرغ ما فيها من الأشياء وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، ليس فيها لا ربان ولا ملاح. فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبدا، لا تصدقه العقول. فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟! فبهت القوم.
كلام أبي حنيفة رحمه الله عليه ملخصه؛ أن هذه السفينة يمكن أن يصنعها الإنسان ويمكن أن يدبرها الإنسان فهي سهلة، بينما الإنسان لا يستطيع أن يخلق ذبابة كما قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73]. فإذا كانوا لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابة، فكيف هذه الذبابة توجد نفسها أو يوجدها الطبيعة أو الدهر؟ والسفينة لا يمكن أن يوجدها الدهر وهي أسهل، والدليل على سهولتها أن الإنسان يستطيع صناعتها. هذا هو فحوى أو معنى كلام أبي حنيفة رحمه الله عليه، ولذلك حجهم وقطعهم.
وهذا ما الذي يصنع هذا إلا رب العالمين؟ ولذلك يقول الشاعر: فيَا عَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَه أمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ؟ وَللهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ وَتَسْكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وسئل بعض الأعراب عن هذا؛ ما هو الدليل على وجود الرب سبحانه وتعالى؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعر يدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟! هذا مختصر الكلام عن وجود الله سبحانه وتعالى.
وأما الكلام عن صفات الله فكلام كثير، ولكننا نرجئه إلى ما بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن وجود الرب سبحانه وتعالى والأدلة على وجوده، والكلام فيها كثير. وبقي الكلام على صفات الله سبحانه وتعالى أو على بعض من صفات الله سبحانه وتعالى. والكلام على صفات الله يقصر في الحقيقة عنها الكلام، وتحار فيها الأفهام، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
مهما تكلم الناس عن عظمة الله وعن جلاله وسائر صفاته، لا يمكن أن يكون كلامهم في الحقيقة إلا كمثل القطرة بالنسبة للبحر. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]. يعني لو أن أشجار الدنيا كلها تصبح أقلاما، وبحار الدنيا تصبح مدادا لهذه الاقلام ويكتبوا مدح الله سبحانه وتعالى والكلام عن صفات الله، لنفد البحر ولا انقطع الكلام ولم تنفد كلمات الله. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «اللهم لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
فبل مجرد لفظة الجلالة؛ لفظة الله سبحانه وتعالى؛ إذا نطق الإنسان بها، كم حلاوة هذه الكلمه؟! لا يجد أحلى ولا احسن ولا أجمل ولا أعذب منها. «الله»، هذه الكلمه حلوة في المنطق، عذبة في السمع، حبيبة إلى القلب، قريبة من النفس، ساكنة في الفؤاد، منقوشة في الوجدان. الله، كما قال اهل العلم، الله أعرف المعارف وعلم الأعلام، اسم تفرد به الله سبحانه وتعالى فلم يتسمى أحد به ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65].
الله لا إله إلا هو الحي القيوم. الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والاخرة. هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.
الله يا أعذب الألفاظ في لغتي ويا أجل حروف في معانيها! الله يا أمتع الأسماء كم سعدت نفسي وفاض سروري حين أرويها!
الله هو الملك، الله الملك الحق. يقول تبارك وتعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107]. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشاء﴾ [آل عمران: 26].
وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مَّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13]. وَالْقِطْمِيرُ هِيَ اللِّفَافَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوَاةِ التَّمْرِ، يَعْنِي لَا يَمْلِكُ هَؤُلَاءِ النَّاسُ وَلَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ هَذِهِ اللِّفَافَةَ الَّتِي عَلَى نَوَاةِ التَّمْرِ.
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكَ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 15-16]. اللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ الْحَقِيقِيُّ، وَلِذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وَفِيهِ: «أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟». وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكَ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ، وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا.
مَالِكُ الْمُلْكِ، مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هَذَا الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَّنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَّنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَجِنَّكُمْ وَإِنْسَكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ». هَذَا هُوَ الْمُلْكُ.
وَلِذَلِكَ يُقَالُ إِنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمَّا اشْتَدَّ حَالُهُ وَقَرُبَ أَمْرُهُ مِنَ النَّزْعِ، قَالَ: احْمِلُونِي إِلَى قَبْرِي حَتَّى أَنْظُرَ فِيهِ. فَحَمَلُوهُ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنِي، اللَّهُمَّ أَغِثْنِي. ثُمَّ قَالَ: قَرِّبُونِي. فَلَمَّا قَرَّبُوهُ فَنَظَرَ إِلَى الْقَبْرِ وَنَظَرَ إِلَى اللَّحْدِ قَالَ: وَسِّعُوهُ عِنْدَ الصَّدْرِ قَلِيلًا. فَفَعَلُوا. ثُمَّ قَالَ: مَهِّدُوا مَوْضِعَ الرِّجْلَيْنِ قَلِيلًا. ثُمَّ أَخَذَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ثُمَّ يُشْخِصُ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا مَنْ لَا يَمُوتُ، ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ. يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، ارْحَمْ مَنْ زَالَ مُلْكُهُ. هَارُونُ الرَّشِيدِ الَّذِي يَقُولُ لِلسَّحَابِ إِذَا مَرَّ -وَهُوَ مِنَ الْمُلُوكِ الْعِظَامِ-: يَقُولُ لِلسَّحَابَةِ إِذَا مَرَّتْ: أَمْطِرِي حَيْثُ شِئْتِ فَسَوْفَ يَأْتِينِي خَرَاجُكِ. فَهُوَ يَقُولُ هُنَا: يَا مَنْ لَا يَمُوتُ، ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ، يَا مَنْ لَا يَزُولُ مُلْكُهُ، ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُهُ. ثُمَّ بَكَى حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ بُكَائِهِ وَأَنْشَدَ: أَنَا مَيِّتٌ وَعَزِيزُ مَنْ لَا يَمُوتُ ... قَدْ تَيْقَنْتُ أَنَّنِي سَأَمُوتُ لَيْسَ مُلْكٌ يُزِيلُهُ الْمَوْتُ مُلْكًا ... إِنَّمَا الْمُلْكُ مُلْكُ مَنْ لَا يَمُوتُ
فَاللَّهُ هُوَ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ، وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ، لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73].
وَاِللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 67]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16]. اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.
فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، الْخَلْقُ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 71-72].
اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ، اللَّهُ هُوَ الْقَادِرُ، اللَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَرَ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ؛ الَّذِي يَسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالَّذِي يَكُونُ ظَاهِرًا بِالنَّهَارِ كُلُّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ. أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ؟ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 54]. وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. اللَّهُ الْعَلِيمُ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].
وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ. يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، أَخْفَى مِنَ السِّرِّ، يَسْمَعُ وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصُّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الَّذِي يَقُولُ: يَا مَنْ يَرَى مَدَّ الْبُعُوضِ جَنَاحَهَا ... فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ الْأَلْيَلِ وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا ... وَالْمُخَّ فِي تِلْكَ الْعِظَامِ النَّحَّلِ امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا ... مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ
فَاللَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ، وَاللَّهُ هُوَ الْقَدِيرُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْ قُدْرَتِهِ: اللَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ قُدْرَتِهِ فِي كِتَابِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: 259]. هَذَا الرَّجُلُ مَرَّ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ دَمَّرَهَا بُخْتُنَصَّرُ وَقَتَلَ أَهْلَهَا وَهَجَرَهُمْ، فَمَرَّ عَلَيْهَا وَإِذَا هِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا كَأَنَّ لم يَبْقَ بِهَا أَنِيسٌ وَلَا جَلِيسٌ، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا؟! وَكَانَ مَعَهُ حِمَارُهُ وَشَرَابُهُ وَطَعَامُهُ، فَجَلَسَ فِي ظِلِّ حَائِطٍ وَكَانَ فِي بِدَايَةِ الضُّحَى، ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ رُوحَهُ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ اللَّهُ رُوحَهُ بَعْدَ مِئَةِ سَنَةٍ.
فَلَمَّا أَفَاقَ فَإِذَا الشَّمْسُ إِلَى جِهَةِ الْغُرُوبِ، فَظَنَّ أَنَّهُ نَامَ وَقْتًا يَسِيرًا، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ أَوْ سَأَلَهُ الْمَلَكُ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ. يَعْنِي هُوَ فِي هَذَا الْمَكَانِ لَبِثَ مِئَةَ عَامٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ كَمَا هُوَ، وَأَعْمَى اللَّهُ عَنْهُ أَعْيُنَ النَّاسِ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَنْْتَبِهْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِئَةَ سَنَةٍ. كَانَ عِنْدَهُ وَلَدَانِ وَجَارِيَةٌ عُمْرُ أَحَدِهِمَا تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا وَالْآخَرُ نَحْوَ هَذَا الْعُمْرِ، وَهُوَ أَخَذَ اللَّهُ رُوحَهُ وَعُمْرُهُ كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ بَعْدَ مِئَةِ سَنَةٍ وَشَكْلُهُ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.
وَالْعَجِيبُ أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ الَّذِي مَعَهُ الَّذِي لَبِثَ مِئَةَ سَنَةٍ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يَلْبَثُ طَوِيلًا؛ الطَّعَامُ يَفْسُدُ، وَهَكَذَا الشَّرَابُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَنِ، فَهَذَا الطَّعَامُ وَهَذَا الشَّرَابُ الَّذِي عِنْدَهُ بَقِيَ مِئَةَ سَنَةٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَمْ يَتَسَنَّهْ يَعْنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَفْسُدْ، يَعْنِي كُلُّ الْعَوَارِضِ وَمَا فِي الْهَوَاءِ مِنَ الْمَكْرُوبَاتِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْسِدُ الطَّعَامَ كَأَنَّهَا تَوَقَّفَتْ، وَهَذِهِ مِنْ قُدْرَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَأَمَّا الْحِمَارُ -الَّذِي يُفْتَرَضُ بِهِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُهُ قَلِيلًا؛ الْحِمَارُ رُبَّمَا يَجْلِسُ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، بَيْنَمَا الطَّعَامُ هُوَ سَرِيعُ الْفَسَادِ- فَالْحِمَارُ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا عِظَامُهُ، وَالطَّعَامُ بَقِيَ كَمَا هُوَ: ﴿وَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259]. قَامَتِ الْعِظَامُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، فَكُسِيَتْ لَحْمًا وَعُرُوقًا وَجِلْدًا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بِالْحِمَارِ يُصَوِّتُ بِصَوْتِهِ! فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
طَبْعًا عُزَيْرٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -يُقَالُ إِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عُزَيْرٌ نَبِيُّ اللَّهِ عُزَيْرٌ- هُوَ لَمَّا قَالَ: ﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ الْكَيْفِيَّةَ؛ كَيْفِيَّةَ هَذَا الْخَلْقِ. وَلِذَلِكَ لَمَّا قَامَ هُوَ بَعْدَ مِئَةِ سَنَةٍ فَإِذَا الْقَرْيَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ مِنَ النَّاسِ، وَلَمَّا ذَهَبَ إِلَى وَلَدَيْهِ لَمْ يَعْرِفَاهُ وَكَانَا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبُو عُمْرِهِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا وَالْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ، حَتَّى عَرَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. هُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ. خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَؤُودُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، وَلَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِشَيْءٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ حُمِدَ، وَأَنْصَرُ مَنِ ابْتُغِيَ، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ، وَأَجْوَدُ مَنْ سُئِلَ، وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطَى؛ هُوَ الْمَلِكُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْفَرْدُ لَا نِدَّ لَهُ. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَا يُطَاعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِهِ، يُطَاعُ فَيَشْكُرُ وَيُعْصَى فَيَغْفِرُ. أَقْرَبُ شَهِيدٍ، وَأَدْنَى حَفِيظٍ، حَالَ دُونَ النُّفُوسِ، وَأَخَذَ بِالنَّوَاصِي، وَكَتَبَ الْآثَارَ، وَنَسَخَ الْآجَالَ. الْقُلُوبُ لَهُ مُفْضِيَةٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ، السِّرُّ كَالْعَلَانِيَةِ، الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَ، وَالْأَمْرُ مَا قَضَى، وَالْخَلْقُ خَلْقُهُ وَالْعَبْدُ عَبْدُهُ وَهُوَ اللَّهُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
لَا تَرَاهُ الْعُيُونُ، وَلَا تُخَالِطُهُ الظُّنُونُ، وَلَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْحَوَادِثُ، وَلَا يَخْشَى الدَّوَائِرَ، يَعْلَمُ مَثَاقِيلَ الْجِبَالِ، وَيَعْلَمُ مَكَايِيلَ الْبِحَارِ، وَيَعْلَمُ عَدَدَ قَطْرِ الْأَمْطَارِ وَعَدَدَ وَرَقِ الْأَشْجَارِ وَعَدَدَ مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ. لَا تُوَارِي مِنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، وَلَا أَرْضٌ أَرْضًا، وَلَا بَحْرٌ مَا فِي قَعْرِهِ، وَلَا جَبَلٌ مَا فِي وَعْرِهِ، وَلَا شَيْءَ يَخْفَى عَلَيْهِ.
اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مَالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، هُوَ الْكَبِيرُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَمِنْكَ وَإِلَّا فَالْمُؤَمَّلُ خَائِبُ ... وَفِيكَ وَإِلَّا فَالْغَرَامُ مُضَيَّعُ وَعَنْكَ وَإِلَّا فَالْمُحَدِّثُ كَاذِبُ ...
إِلَى هُنَا نَاتِي إِلَى نِهَايَةِ هَذِهِ الْحَلْقَةِ، عَلَى أَمَلِ بِأَنْ نَلْتَقِيَ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ قَادِمَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري