دخولتسجيل الدخول

الحلقة 5

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي ما زلنا نتحدث فيها عن الأدب. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن بعض الآداب، ونكمل في هذه الحلقة عن بعض الآداب، وإن كانت الآداب في الحقيقه كثيرة ويتسع لها المقام.

من الأدب: أدب الإنسان في منطقه. وقد علمنا الله سبحانه وتعالى الأدب في المنطق، كيف أن الإنسان ينبغي عليه أن يحسن من ألفاظه وأن يرتقي بها عن أن يتكلم بالفحش ورديء الكلام. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أقربكم مني منزلا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم عندي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». وفي الحديث الآخر: «إن الله يبغض الفاحش البذيء». والبذيء هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام.

ومن تعليم الله لعباده التهذيب في المنطق والأدب في المنطق، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ۖ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، يعني الذهاب إلى نسائكم، وهذا كناية عن وطء النساء، ولم يصرح القرآن الكريمة بشكل صريح.

وفي الآية الأخرى، قال تبارك وتعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6]. هنا مسألة، وهي الغائط؛ بعض الناس يظن أن الغائط المقصود به الكلمة البذيئة وهو ما يخرج من الإنسان، والحقيقة أن الغائط معناه في اللغة المكان المتواضع أو المكان النازل؛ لأن العرب في القديم كانوا يقولون إذا أرادوا أن يذهبوا إلى التبرز أو إلى قضاء الحاجة: نذهب إلى الغائط، يعني للمكان المنخفض، كناية عن أنهم يريدون حاجة معينة. فمع استمرارهم في هذه الكلمه واستعمالهم لها صار بعض الناس يظن أن كلمة الغائط المقصود بها ما يخرج من ابن آدم، والمقصود بها في الحقيقه المكان المنخفض، وهو مجازا يطلق على ما يخرجه الإنسان. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]، يعني من المكان المنخفض، لقضاء حاجته؛ ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهذا كناية عن الوقاع، وعبر الله عنه بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].

والمعاني في هذا كثيرة، والآيات في هذا كثيرة، التي علم الله عباده كيف يهذبون منطقهم. وفي ذلك يقول بعض العلماء، وهو البشير بن مبارك رحمه الله عليه في منظومة له في الآداب يقول فيها: وبدلا ضمائر الخطاب بغيبه في مجلس الآداب. وبدلا ضمائر الخطاب، ضمير المخاطب لما تقول يا فلان جئتك ورايتك، هذه الكاف كاف الخطاب، يقول هذا العلامة: وبدلا ضمائر الخطاب بغيبه في مجلس الآداب، من كل محكي إذا ما انصرف إلى الجليس كان ذكره جفاء. من كل كلام محكي إذا انصرف إلى الجليس كان ذكره جفاء.

مثلا لو تريد أن تقول: يا فلان لو فعلت الشيء الفلاني لدخلت النار، فهنا تخاطبه: دخلت النار، أو لكنت قبيحا، أو لكنت كذا وكذا. يعني هذا ليس من الأدب الرفيع؛ صحيح أنه جائز في المخاطبة، لكن أرقى أنواع الأدب أن تصرفه عنه؛ تقول: يا فلان لو فعلت مثلا الشيء الفلاني لكان المصير للبعيد النار نسال الله العافية، فتقول البعيد، وتحكيه بصيغة الغائب. وهذا كثير في السنة وفي كلام الأدباء وفي كلام العقلاء.

والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ لمسلم، قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا». لاحظ التعبير، فاتاه فقال: المفروض يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إني قتلت؛ لكن النبي لا يريد أن يضيف إلى نفسه القتل؛ لأن القتل شيء شنيع، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا؛ عبر كان يتكلم بصيغة الخطاب ثم عبر في المسألة المكروهه بصيغة الغائب. ثم بعد ذلك عبر عن رد العالم لأنه أتى الجاهل وقال له: ليس لك توبة، ثم كمل به المائة، فدل على عالم، فقال له العالم: ومن يحول بينه وبين التوبة؟ ولم يقل: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ النبي يحكي القصة فقال: ومن يحول بينه وبين التوبة. فعبر؛ لأن التوبة لو قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، لكان خطابا للمخاطب وفيه شيء انك تحتاج إلى توبة.

والأحاديث في هذا كثيرة؛ فمثلا حديث أبي سعيد الآخر في صحيح البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني». الآن أضاف الضمير إلى نفسه: «فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها». لم يقل: يا ويلي، لا يريد أن يضيف إلى نفسه الكلام السيء: «يا ويلها أين يذهبون بها؟». هكذا قال العلماء: عدل عن حكاية قول الجنازة إلى ضمير الغائب حملا على المعنى كراهية لإضافة الويل إلى نفسه، وهذا من أحسن الأدب.

المسيب بن حزن، والد سعيد بن المسيب، في صحيح مسلم يحدث عن حديث يحدث به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس عند عمه وهو أبو طالب يقول في هذا الحديث: «يا عم، قل لا إله إلا الله»، إلى آخر الحديث. حتى قال أبو طالب، لما قال له عبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ يقول في الحديث هذا سعيد بن المسيب عن أبيه: حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب. ولم يقل: أنا على ملة عبد المطلب. خشي المسيب بن حزن أن ينسب ذلك إلى نفسه؛ قال: هو على ملة عبد المطلب. وفي هذا يقول النووي رحمه الله عليه: هذا من أحسن الآداب والتصرفات، وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه.

وهذا المعنى كثير؛ يعني أنك تأتي بصيغة الغائب. أنا أحيانا أسمع بعض المتحدثين، وإن كان كلامهم جائزا، لكن من حيث الأدب لما يتكلم مع المخاطبين، وليكن خطيبا خطيب جمعة مثلا، ويقول: يا ناس اتقوا الله وإلا ستدخلون النار، لو قال: وإلا سيدخل البعيد النار، أو سيدخل من لم يتق الله النار، لكان أحسن في التعبير وأجمل في الأدب.

ومن الأدب أيضا -أو من عدم الأدب- الاستماع لآناس يسرون حديثهم أو يكرهون أن يسمعه غيرهم. فمن الأدب عدم الاستماع؛ إذا جئت إلى اثنين مثلا أو جماعة وقد اخذوا جانبا يتكلمون فيما بينهم، ويعلم أنهم لا يريدون أحدا يستمع كلامهم أو هم في زاويه، فمن الأدب ألا تاتي إليهم. في صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنه الأنك يوم القيامة». الأنك يعني الرصاص المذاب. ولذلك يقول بعض الشعراء يقولون: إن الذي يستمع حديث الناس وهم له كارهون أحد الثمانية الذين يستحقون الصفع. هناك ثمانية أشخاص يستحقون أن يصفعوا؛ منهم هذا الذي يستمع حديث القوم وهم له كارهون. ولذلك يقول الشاعر: قد خص بالصفع في الدنيا ثمانية لا لوم في واحد منهم إذا صفعا المستخف بسلطان له خطر فشخص يستخف بالسلطان بالحاكم أو يستخف بالقاضي. وهذا حصل، يعني أنا أذكر كنت في القضاء وكان أحد القضاة في مجلس القضاء، وكان الناس يتقاضون، وكان أحد المتقاضين جالسا فأخذ الهاتف وهو الآن في مجلس قضاء ويتصل في مجلس القضاء والقاضي يكلمهم ويشير للقاضي يسكت القاضي، يتصل: يا فلان يا كذا افعل كذا وافعل كذا. والقاضي يقول له: اغلق الهاتف اغلق الهاتف، ولم يغلقه، فاشار القاضي إلى العسكري فاخذه وسجنه حتى تعذر أو جاء يستسمح من القاضي ويرجوه أن يطلقه. ولذلك يقول في الثمانية الذين يستحقون الصفع: المستخف بسلطان له خطر، وداخل في حديث أذنين قد جمع، وامر غيره في غير منزله؛ واحد جاي واحد في منزله ويامره؛ وامر غيره في غير منزله، أنت لست في منزلك حتى تامر الناس أو تامر صاحب المنزل؛ وامر غيره في غير منزله، وجالس مجلسا عن قدره ارتفع؛ تاتي إلى مجلس ليس مكانك.

ولذلك يقول أحد الحماء المشهورين والحكماء، وهو الأحنف بن قيس: إذا جئت إلى الحاكم فاجعل بينك وبينه مجلسا أو مجلسين. فقيل له: لم؟ قال: لئلا يأتي من هو أوفى أو من هو أكثر حظا منك بهذا المجلس فتقام منه ويجلس مكانه، لئلا تحرج. ولذلك يقول في الثمانية هؤلاء: وجالس مجلسا عن قدره ارتفع. ثم كملها وقال: ومتحف بحديث غير حافظه؛ يتحف شخصا لا يستمع لحديثه ولا يحفظه؛ ومتحف بحديث غير حافظه، وداخل بيت تطفيل، وقارئ العلم مع من لا خلاق له؛ يقرا العلم مع شخص لا خلاق له نسال الله العافية والسلامة؛ وقارئ العلم مع من لا خلاق له، وطالب النصر من أعدائه طمعا؛ يذهب إلى عدوه يطلب منه النصر يطمع أن ينصره وهذا يستحق الصفع لأنه مغفل.

ومن الآداب -والآداب كثيرة- يمكن أن نذكر بعضها، وهي مما ذكره حماد بن الامين رحمه الله عليه في نصيحته، وهي التي ابتدا فيها: بني إن البر شيء هين دونك من هدى الذي أبين نصيحة من والد حفي بك هديت الرشد من بني شمر إلى مكارم الأخلاق خالص الأعمال من النفاق الأدب الأدب ثم الأدب، وهو أن تبر أبا وأما. إلى أن قال: ولا تكن على الموالي فاحشا واحذر على الحقير أن تناقشا وإن إلى النادي أنديت فلتكن عن الخنا أصم للخير فطن وإن يخوضوا في الهدى فانتبه ولا تصخب ولا تقهقه

يقول: ولا تكن على الموالي فاحشا. الموالي؛ يعني القريب مثل الجار، مثل الرحم. ولا تكن على الموالي القريب، الغريب القريب القرابه أو الجار، أو ابن العم، أو الصديق، ونحو هؤلاء، هذا الموالي؛ يقول: ولا تكن على الموالي فاحشا، يعني لا تفحش في الكلام. والفحش منهي عنه مطلقا حقيقه، لكن على هؤلاء أولى من باب الأولى. وفي المسند والترمذي وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». وفي الصحيح أيضا من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا. والشاعر يقول: أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلما والآخر يقول: تخالهم للحلم صما عن الخنا وخرسا عن الفحشاء عند التها‌تر ومرضى إذا لوقوا حياء وعفه وعند الحفاظ كالليث الكواسر

عند الحفاظ، يعني عند المعارك وعند الاشياء المهمة، كالليث الكواسر. وهم كانوا عند التها تر يعني كأنهم مرضى وكأنهم مساكين.

وقوله الآخر: واحذر على الحقير أن تناقشه. يعني لا تناقش على الشيء الحقير؛ على حاجة حقيرة لا تستحق المناقشه؛ لأن حقير التافه لا تصلح المناقشة فيه؛ لأنه شيء تافه لا قيمة له. والاستقصاء فيه والمناقشة في هذا الحقير يعد من البخل. ولذلك قيل: الكريم لا يستقصي ولا يستوفي؛ لا يستقصي في التدقيق ولا يستوفي حقه كله. وفي ذلك يقول الشاعر: وسامح ولا تستوفي حقك كله وأبق فلم يستقص قط كريم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد فكلا طرفي قصد الأمور ذميم

ويقول الآخر: أقول لمن يناقش وهو مثر فقير في حقير كالنقش قليل جدا؛ رويدك لا تناقش في حقير. حقير من يناقش في حقير.

نقف هنا وناخذ فاصلا إن شاء الله، ونعود إليكم بعده باذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم من جديد. كنا توقفنا عند كلام لحماد بن الامين: وإن إلى النادي أنديت فلتكن عن الخنا أصم للخير فطن

وإن إلى النادي؛ النادي هو المجلس الذي يجتمع فيه الناس، سمي النادي ناديا، يقال إنه -يعني هناك أقوال في تسميته النادي- يقال إنه من النداء لأن بعضهم كان ينادي بعضهم بعضا، والآن أصبح النادي معناه مكان لعب الرياضة أو مكان ثقافي يسمى نادي. والحقيقه أن النادي كان هو المجلس الذي يجتمع فيه الناس. وقيل إنه سمي النادي ناديا لأنه من الندى من الكرم؛ الندى الذي هو الكرم، لأن الناس كانوا يقصدون أهل النادي في أشياء فيعطون كرما، وبسبب نداهم فسمي النادي ناديا.

فهو يقول يعني حماد بن الامين: إذا حضرت إلى مجلس القوم؛ ﴿وإن إلى النادي أنديت فلتكن عن الخنا أصم للخير فطن﴾؛ يعني فلتكن متغافلا عن الخنا، والمقصود بالخنا ما تطرق في أو يتكلم بها في مجلس القوم، لكنها هذه النواقص لا تبلغ إلى درجة وجوب الإنكار عليها؛ لأن إذا بلغت إلى هذه الدرجة لابد من الإنكار. يقول: حتى تكون كأنك لم تسمع ولم تر هذه الأشياء الناقصة، قال: حتى -إلا إذا خاضوا في الاحاديث النافعه- ﴿وإن إلى النادي أنديت فلتكن عن الخنا أصم للخير فطن﴾. ولذلك يقول الشاعر:

ألاحظ من خُلُطي كلُّ زَيْنٍ، كما أغضي له عن كلِّ شينٍ، ولا أصغي إلى العوراء حتى يرى أني أصمُّ المُسْمَعِ. يعني إذا جاء بكلمة عوراء لا أصغي لها ولا استمع لها، حتى يظن أني لم أسمعها أو أني أصمُّ، ولذلك يقول الحkماء: العاقل هو الفطن المتغافل؛ هو فطن لكنه متغافل عن بعض الكلام الذي لا يعجب، ومتغابي -يعني تكون ناقصة في حق المتكلم والسامع-. ولذلك يقول معاوية رضي الله تعالى عنه: العقل مكيال ثلثه فطنة -يعني ذكاء وانتباه- ثلثه فطنة وثلثاه تغافل؛ أنت تغافل عن الأشياء التي لا تصلح.

قال: ولا تصخب ولا تقهقه. لا تصخب يعني لا ترفع صوتك، ولا تقهقه لا تضحك بملء فيك. ولذلك تقول عائشة رضي الله تعالى عنها، كما في الصحيحين: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى تبدو منه لهواته، إنما كان يتبسم أحياناً. الإنسان لا يمكن أن يمنع نفسه من الضحك، لكن لا يكون ذلك ديدناً دائماً يضحك بملء فيه، يعني قد يكفي في بعض المواقف التبسم.

ولذلك جاء في صحيح ابن حبان وغيره من الكتب حديث لأبي ذر طويل، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صحف إراهيم وصحف موسى، ثم قال في أثناء ذلك الحديث: قلت يا رسول الله أوصني. قال: «أوصيك بتقوى الله؛ فانه رأس الأمر كله». قال: قلت يا رسول الله زدني وصية -يقوله أبو ذر: يا رسول الله زدني-. قال: «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء». قلت يا رسول الله زدني. قال: «إياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه».

إياك وكثرة الضحك ليس المعنى أن لا تضحك؛ قد يضحك الإنسان والنبي صلى الله عليه وسلم ضحك وتبسم صلى الله عليه وسلم، وأكثر ضحكه التبسم. فلما قال زدني قال: «إياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه». وهذا هو محل الشاهد؛ يعني إياك وكثرة الضحك. ولذلك قال جماعة من السلف: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. يعني لو أن العالم يخير بين العلم الكثير وبين الأدب القليل، يقول لاخترت الأدب القليل؛ لأن الأدب مهم جداً. قد يعلم الإنسان علماً ولكنه ليس مؤدباً، فالأدب من الأمور المهمة للإنسان في حياته كلها، وهو من الذوق الرفيع ومن العقل الكامل.

من الأدب التجمل؛ يعني لبس الثياب الجميلة، التزين للناس. يعني ليس من الأدب أن تكون رث الهيئة، وإن كان إذا كان هذا ليس متعمداً فلا باس. إذا كان الإنسان ليس عنده ما يلبسه من جميل نعم الله عليه فلا باس، أو إذا كان زاهداً ونيته الزهد في الدنيا فلا باس، لكن الأفضل من ذلك التجمل. كما في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». بعض الصحابه بكى من هذا الحديث؛ لأن كيف من يخلو قلبه من الذرة من الكبر؟ أحياناً يتكبر الإنسان على من ليس من بلده، يتكبر الإنسان على الخادم، يتكبر الإنسان؛ وهذا كله من الكبر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، هذا أمر شديد جداً.

قال رجل من الصحابه: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، يعني هل هذا من الكبر أني أحب أن يكون ثوبي حسن ونعلي حسنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق يعني رد الحق؛ واحد يكلمك وتخطئ أو تجانب الحق فيرد عليك، أو يكلمك بالحق فترده عليه تكبراً وعنادا، هذا هو الكبر. الكبر بطر الحق وغمط الناس، وغمط الناس يعني احتقارهم.

والتجمل للناس مهم، والتجمل لرب العالمين أحسن وأهم. ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. وهذا من العجيب، يعني نحن نرى الناس يأتون إلى المساجد بدل ما يتجمل ويتزين كما ذكر الله سبحانه وتعالى، يأتي بأقل ثيابه وأسوأ ثيابه. بعضهم مثلاً لا يقابل الناس بثوب النوم، فتراه في الصلاة في المسجد بثوب النوم، وهو الله سبحانه وتعالى أمر له أن يأخذ زينته ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ليس هذا على سبيل الوجوب، لكنه على سبيل الاستحباب والادب. ولذلك كان بعض السلف عنده حُلّة بمبلغ عظيم وكان يلبسها في كل صلاة، ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي.

هذا المعنى -يعني معنى هذا الحديث وهو اللباس الطيب والتجمل- ورد في أحاديث كثيرة، منها ما في الخمسة -السنن مسند أحمد والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه- بسند صحيح من حديث مالك بن نُضْلَة الجشمي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دُون، في ثوب يعني رث بسيط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألك مال؟» قال: قلت نعم. قال: «من أي المال لك؟» قال: قد آتاني الله من كل المال من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا آتاك الله مالاً فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته».

وهناك أحاديث كثيرة، منها ما في المسند وسنن الترمذي، وقد علق البخاري أوله بصيغة الجزم مما يدل على صحة هذا الحديث، وهو عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف»؛ يعني في غير تكبر ولا إسراف، فإن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

وفي المسند أيضاً وسنن أبي داود، من حديث قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي -وكان جليساً لأبي الدرداء- قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له ابن الحنظلية، وكان رجلا متوحداً -متوحداً يعني منفردا دائماً في العبادة- قلما يجالس الناس؛ إنما هو في صلاة، فإذا فرغ فإنما هو في تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله. يقول: فمر بنا يوم من الأيام ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك؛ يعني أعطنا كلمة أو نريد كلمة نريدها منك، كلمة أو كلمة كلاهما صالح، كلمة بالنصب وكلمة بالرفع، كلمة تنفعنا ولا تضرك. فذكر كلمة، ثم مر عليه في اليوم الثاني، ثم مر بهم في يوم من الأيام وهذه المره الثالثة، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنكم قادمون غدا على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم؛ حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش». إذاً التجمل مهم جداً.

وفي الموطأ أيضاً من حديث أبي قتادة الأنصاري، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي جُمَّةً -جُمَّةً معناه شعر طويل نوعاً ما- إن لي جمة أفأرجلها -يعني أمشطها-؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأكرمها». فكان أبو قتادة رضي الله تعالى عنه ربما دهنها في اليوم الواحد مرتين لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأكرمها».

وفي الموطأ أيضاً من حديث عطاء بن يسار قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية -يعني ليس رأسه مرجلاً ولا ممشطاً- فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج، كأنه يقول له اصلح راسك، كأنه يعني اصلاح الشعر. ففعل الرجل ثم رجع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟».

إذاً، هذا من أهم الأدب: التجمل أمام الناس والتزين، وليس هذا من الكبر في شيء، إلا إذا كان الإنسان في قلبه احتقار الناس. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقه، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة باذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].