الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن الأدب.
الأدب له إطلاقان مشهوران عند أهل العلم؛ الإطلاق الأول معناه التهذيب، يقال أدبه المؤدب تأديبا إذا هذبه وراض أخلاقه بحيث يكون في جميع أحواله ومعاملاته على وفق العقل الكامل والذوق السليم. والإطلاق الثاني إطلاق خاص، وهو إطلاق علمي أو ما يعرف بإصلاح المنطق أو إصلاح الألفاظ، وهو يعني جزء من الأدب العام. وفي هذا الإطلاق الخاص يقولون: لا يكون الأديب أديبا حتى يحفظ المثل السائر، والبيت النادر، والحكاية المغربة، والنكتة المطربة، والحكمة الجامعة، والفائدة النافعة. وهكذا يقال فلان أديب، بمعنى أنه عنده شيء من الشعر، عنده شيء من الحكم، عنده شيء من الفوائد. هذا الإطلاق هو إطلاق خاص، الذي هو إطلاق الأدب بمعنى إصلاح اللسان أو إصلاح المنطق. والأدب بالمعنى العام هو التهذيب، ومنه الإطلاق الخاص.
الأدب ورد فيه آيات كثيرة من حيث المعنى ومن حيث التأدب، ومنها قول الله تبارك وتعالى كما في سورة الإسراء، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمُ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تخرق الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 34-39]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومنها موعظة لقمان لابنه، وذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن، ومواعظه كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12] إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 17-19].
يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. في هذه الآية يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: قوا أنفسكم وأهليكم نارا أي علموهم وأدبوهم. ولذلك لما قيل لابن المبارك: ما خير ما أعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره. قيل: فإن لم يكن؟ قال: سمت طويل. قيل: فإن لم يكن وكثير الكلام؟ قال: موت عاجل. ولذلك قالوا: من قعد به حسبه نهض به أدبه. وقال العلماء: ما ورث الأبناء شيئا خيرا من الأدب، هذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن في سنده شيء، ولذلك بعض العلماء ينسبه إلى الحكمة: ما ورث الآابا الأبناء خيرا من أدب حسن. ويقول بعضهم: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب، وأي شيء فات من أدرك الأدب؟ والشاعر يقول: عود بنيك على الآداب في الصغر كيما تقر بهم عيناك في الكبر فإنما مثل الآداب تجمعها في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ولا يخاف عليها حادث الغير
ويقول الآخر: إذا أعجبتك خلال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
والكلام عن الأدب بشكل عام كثير في الحقيقة، وله أنواع ثلاثة مشهورة، وهي: الأدب مع الله، والأدب مع الرسول، والأدب مع الخلق. والأدب في الحقيقة هو الدين كله، كما أن كل الدين في الخلق. ولذلك نجد أقسام الأدب كثيرة؛ فمثلا هناك أدب الانسان مع خالقه، وهناك أدب الإنسان مع نفسه، وهناك أدب الإنسان مع الخلق، وهناك أدب الإنسان المتعلق بالإيمان، وهناك أدب الإنسان المتعلق بأوامر الله، وهناك أدب الإنسان مع نفسه في الأكل والنوم واللباس والطهارة ونحو ذلك. وأدب الإنسان مع الخلق أنواعه كثيرة جدا؛ فهناك الأدب مع العالم، وهناك الأدب مع المتعلم، وهناك الأدب مع الجاهل، وهناك الأدب مع الوالد، وهناك الأدب مع الولد، وهناك الأدب مع الجار، وهناك الأدب مع القريب ذو القرابة أو الرحم، وهناك الأدب مع الصاحب والصديق، وهناك الأدب مع الرفيق في السفر، آداب كثيرة جدا يطول بها الكلام.
لعلنا ناخذ منها أمثلة، فمن الأمثلة: رحمة الصغير وتوقير الكبير، وهذا ورد في الحديث في مسند أحمد وفي الترمذي وأبي داود، وهو حديث صحيح من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا -أو لم يعرف قدر كبيرنا- فليس منا». وفي بعض الروايات أن رجلا شيخا كبيرا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فتباطأ الناس في التوسيع له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث: «من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا». وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: إن من إجلال الله -نتخيل هذا الكلام العجيب أن من إجلال الله، وقد روي مرفوعا لكن الصواب أنه من قول أبي موسى- إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، واكرام ذي السلطان المقسط -أي الحاكم العادل لابد من إكرامه أيضا-. ولذلك يقول حماد بن الامين في نصيحته: وكل من سما عليك تكرمه وكل من صغر عنك ترحمه
أما رويت قدما أو حديثا ولا تزال أمتي -الحديث يقول الم تروي في القديم أو في الحديث ولا تزال أمتي الحديث-. الحقيقة أن هذا اللفظ الذي أشار إليه حماد بن الأمين في نصيحته لم يرد في السنة، والوارد هو الحديث الذي ذكرته: «من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا». وفي الصحيحين من حديث عائشة أن وفدا جاؤوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض الصبيان فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أحد هذا الوفد: أتقبلون صبيانكم؟ قال: نعم. فقال -أظنه الأقرع بن حابس-: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة». ولذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من لا يرحم لا يرحم». وفي الصحيحين أيضا: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله».
وبعض الشعراء يقول: ومن سمى عنك سنا فلتكن ولدا له وإن كان فضا فاحترم كبره وكل لكل صغير والدا حدبا -حدبا أي عطوفا- وإن أتى بعقوق فارحم صغره
وقال الآخر: ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين اللطف والشفقة وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه
الآداب في الحقيقة كثيرة جدا، ولكننا نتوقف في هذا الفاصل القصير ثم نعود إليكم بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام من جديد. كنا تكلمنا عن بعض الآداب أو عن شيء من الآداب، وهو رحمة الصغير وتوقير الكبير، والآداب كثيرة؛ ومن الآداب: استماع الحديث وعدم مقاطعته ولو كان هذا الحديث معلوما عندك، يعني أحيانا يتحدث الناس باحاديث وانت تعلمها، قد سمعتها قبلهم وقد تكون سمعتها قبلهم بسنين، لكن من الأدب ألا تقاطعهم، ومن الأدب ألا تقول: أنا اعرف هذا الحديث وهذه القصة، أنا صاحبها، أو نحو هذا الكلام. عليك أن تستمع للمتحدث بإنصات وكأنك لم تسمع هذا الحديث من قبل. وفي ذلك يقول أحد العلماء: وأن تجد أكبر منك في خبر تعلم عكسه وانه خبر
لأن أنواع الخطاب أو أنواع الكلام نوعان؛ هناك الخبر وهناك الإنشاء. الإنشاء هو مثل قول القائل بعتك أو قول القائل هات أو خذ، يعني هو إنشاء لا يمكن أن تقول تكذب أو أنت صادق أو أنت كاذب. وهناك النوع الثاني وهو الكلام الذي فيه مثلا هذا حرام وهذا حلال، أو خذ هذا أو بعتك هذا أو اشتريت هذا، هذا يسمى إنشاء يعني تنشئ الكلام. وهناك الخبر، أنت تخبر عن شيء، هذا الخبر يمكن أن يصدق ويكذب، الخبر يحتمل الصدق والكذب. فهو يقول: وأن تجد أكبر منك في خبر تعلم عكسه -يعني تعلم خلاف ما أخبر به هذا الرجل الكبير- وأن تجد أكبر منك في خبر تعلم عكسه وانه خبر -يعني أنه يحتمل الصدق والكذب- فلا تكذب واصغ له جدا، حتى إذا سمعته يقول حكاية مضغها العجل فاصغ له كأنه أمر عجب لم تعه قط، فذا هو الأدب -استمع كأنه شيء عجيب لم تسمعه إلا هذا اليوم-.
وفي ذلك يقول بعض العلماء، يقول معاذ بن سعيد: كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه -يعني قاطعه- فقال عطاء بن أبي رباح: سبحان الله، ما هذه الأخلاق؟ ما هذه الأحلام؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أععلم منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا. وفي رواية: أن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمع، ولقد سمعته قبل أن يولد. ويقول خالد بن صفوان: إذا رايت حدثا يحدث حديثا قد سمعته أو يخبر خبرا قد علمته فلا تشاركه فيه حرصا على أن تعلم أو تعلم من حضرك أنك قد علمته -يعني لا تشاركه وأنت تريد أن الناس يعلمون أنك تعلم هذا الحديث- فإن ذلك خفة وسوء أدب، يعني كونك تشاركه وتقاطع هذا من قلة الأدب. ولذلك كان ابن وهب يقول: إني لأسمع من الرجل الحديث قد سمعته قبل أن يجتمع أبواه، فاسمع كأني لم اسمعه إلا الآن. والأخبار في هذا كثير.
هناك قصة مشهورة للشيخ صاحب أضواء البيان، لما جاء من موريتانيا وهو محمد بن الأمين الشنقيطي، وهو رجل من أعلم الناس في عصره -مات قريبا، قبل سنين ربما قبل عشرين سنة- جاء من موريتانيا وهو من أعلم الناس وحج. جاء للحج، يقولون: فاستظهر من أمراء الجزيرة العربية مشهورين، وهما من أهل الأدب يعرفون اللغة ويعرفون الشعر، والرجل يستظل في ظل خيمتهم فدعوا إلى داخل الخيمه، وكانا يتكلمان في بيت من الشعر مختلفين فيه، وهو لجرير بن الخطفة. والرجل ساكت لم يتكلم عندهم بشيء، فلما أراد أن يذهب قال له: هل تعلم شيئا منها مما كنا نتكلم به؟ قال: نعم، هذا بيت جرير بن خطفة يهجو به الأخطل، وهو من قصيدة كذا وكذا. فأخبرهم بها وأخبرهم بإعراب البيت، وتعجب من سعة علمه وقد كاد يذهب ولم يخبرهم بشيء، وهذا هو الأدب، من الأدب ألا تقاطع في الحديث. ولذلك كان بعض الحكماء يقول: إن من الأدب أن يشارك الرجل غيره في حديثه وإن كان أعلم به منه. وفي ذلك يقول الشاعر: ولا تشارك في الحديث أهله وإن عرفت فرعـه وأصله
ومن الآداب عدم الاعتراض على الخطأ أو إصلاحه أمام الناس كأصحابه. وفي ذلك يقول الشاعر: ومصلح الشكل لدى حكاية سوى حديث المصطفى أو آية قد فاته الأدب والسكينة من غير إذن منه أو قرينة
ومن القصص البديعة التي حصلت ما ذكره ابن العربي رحمه الله عليه، أبو بكر بن العربي مع أحد شيوخه.
ابن العربي وشيخه أبو الفضل الجواهري قال: جئت مجلس الشيخ، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وظاهر والى، والى بمعنى أقسم حلف، وطلق معروف، وظاهر بمعنى قال أنت علي كظهر أمي وهي كلمة منكرة. الله سبحانه وتعالى قال في الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، والنبي لم يقل، لم يفعل الظهار.
فالشيخ أخطأ قال: طلق وظاهر وإلا، وكان ابن العربي موجوداً ولم يتكلم، فلما خرج الشيخ قال ابن العربي: تبعته حتى بلغت معه إلى المنزل ومعه جماعة من أصحابه، فلما ذهب أكثرهم قال لي: أراك غريباً فهل لك من كلام، يعني لك حاجة؟ قلت: نعم. فقال لجلسائه: اتركونا، وبقي ابن العربي والشيخ وحده.
قال: فقلت له: حضرت المجلس اليوم وسمعتك تقول كذا وكذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقت، وتقول طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقت، ولكنك قلت ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يكن ولا يصح أن يكون، لأن الظهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فضمني إلى نفسه وقبل رأسي، الشيخ ضم ابن العربي تلميذه وقبل رأسه وقال لي: أنا تائب من ذلك جزاك الله من معلم عني خيراً. قال: ثم بكرت في اليوم الثاني -يقول ابن العربي- إلى المجلس، فجئت فوجدت الناس قد سبقوا والشيخ جالس والناس حوله والجامع غاص بأهله.
قال: فلما دخلت من الباب وراني نادى بأعلى صوته: مرحباً بمعلمي، أفسحوا لمعلمي. قال: فتطاول أعناق الناس ينظرون إلي وشخصت أبصارهم نحوي، قال: وانا من شدة الحياء لا أعرف في أي بلد أو في أي بقعة أنا، وقد سال العرق مني أو الحياء مني.
قال: وأقبل الشيخ على الناس يقول لهم: أنا معلمكم وهذا معلمي، ثم أخبرهم بما دار بينه وبينهم، ثم قال: وانا تائب من قولي بالأمس وراجع عنه إلى الحق، فجزاه الله عني خيراً. وأخذ الشيخ يدعو لابن العربي ويجتهد في الدعاء والناس يؤمنون.
هذا خلق راقي جداً، يعني التلميذ أدرك خطأ شيخه ولكنه لم يبين أمام الناس أن هذا الذي ذكرته خطأ، وكان خطأ شنيعاً، انتظر حتى ذهب الشيخ إلى بيته ثم بين له بينه وبينه باسلوب جميل، على خلاف ما يحصل معنا في هذه الأيام.
أنا أذكر يعني أننا كنا في الجامعة، وكان يعني قد جاءنا شيخ جديد علينا في السيرة، ونحن في كلية الحديث، نحن من أهل الحديث وأكثر الطلاب يعلمون الرجال، يعني هذا فلان ثقة وفلان ضعيف، والشيخ الذي يدرس السيرة لم يكن له علم بالرجال، فكان يتكلم في السيرة ذكر الواقدي، قال فلان قال الواقدي.
فقال التلاميذ بصوت قوي: يا شيخ الواقدي متروك، الواقدي كذاب. فردوا على الشيخ، فكان الشيخ يعني راعه ذلك وانصدم، وكان هذا من قلة الأدب في الحقيقة، أولاً الواقدي صحيح أن العلماء تكلموا في حديثه لكنه في السيرة كان معتمداً، وكان كثير من الناس يقبلونه في السيرة ويأخذون منه يعني ما يتعلق بالسيرة مما ليس فيه حلال ولا حرام.
فكان على الطلاب أن يسكتوا لأن الرجل معتمد في السيرة، وهذا الشيخ يعني انحرج من الطلبة وقال: فلان متروك، أول مرة يسمع هذا الكلام لأنه في السيرة دائماً يذكر الواقدي الواقدي. فجاء من اليوم التالي وقال: قال محمد بن إسحاق وقال، لم يأت بالواقدي، وضحك الطلاب، وكان يعني ما فعله الطلاب في رأيه أنه كان يعني يجانبه شيء من الأدب.
ولذلك يعني قيل إنه للشافعي هذه الابيات التي ساذكرها وقيل إنها لغيره يقول: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحه في الجماعه فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه.
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة، فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه، فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تغضب إذا لم تعط طاعة.
لذلك النصح ينبغي أن يكون يعني على الانفراد، هذا من الآداب ومن الآداب يعني عدم جواب سائل سأل غيرك، يعني شخص يسال شخص وأنت تجيبه، لذلك يقول مجاهد رحمه الله عليه: قال لقمان لابنه: إياك إذا سئل غيرك أن تكون أنت المجيب كأنك أصبت غنيمة أو ظفرت بعطية، فإنك إن فعلت ذلك أزريت بالمسؤول وعنفت السائل ودللت السفهاء على سفاهة حلمك وسوء أدبك.
واحد العلماء وهو ابن بطه يقول: كنت عند أبي عمر الزاهد فسئل عن مسألة هو وشيخه، فسئل عن مسألة فبادرت فأجبت، التفت إلي هذا الرجل الزاهد فقال لي: تعرف الفضوليات المنقبات؟ يعني أنت فضولي، يعني فضولي متستر أو نحو هذا الكلام، قال فأخجلني.
وأحد علماء موريتانيا يقول وهو البشير بن مباريك يقول: وجه الجليس، يقول في بعض الآداب: وجه الجليس لا تكن نظارة، يعني لا تحدق في وجه الجليس إذا تكلم معك، يعني تنظر إليه نظراً شديداً، وجه الجليس أو حتى إذا لم يتكلم وجه الجليس لا تكن نظارة، واسمع كلامه ولو تكراراً، لا تقطعا حديثه وإن يطل في غير ما يعني، فبالذكر اشتغل، يعني إذا كان يتحدث حديثاً وإن طال فلا تقطعه ولكن اشتغل بالذكر إذا كان حديثه في غير ما يعني في غير ما يعني، فبذكر اشتغل، بحيث ظاهراً تكون منصتاً وباطناً معتزلاً ومخبي.
واغبط بطن كونه تولى عنك الكلام خوف أن تزل، يعني افرح أنه هو الذي تولى الكلام لأنك لو أنت الذي تتكلم ربما تخطئ، واغبط أن كونه تولى عنك الكلام خوف أن تزل، وليكن السكوت فيك أكثر لا سيما عند حضور الكبر، إذا حضر في المجلس الشيوخ الكبار فليكن سكوتك فيه أكثر من كلامك.
ولذلك في حديث الصحيحين ابن عمر يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام: مثل هناك شجرة مثلها مثل المسلم لا تسقط ورقها فما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، يقول ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخله ولكني رأيت أبَا بكر وعمر والكبار فاستحييت أن أتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخله.
فبعد أن خرجت قلت لعمر لأبيه عمر بن الخطاب قلت له: لقد وقع في نفسي أنها النخله، فقال: لم لم تتكلم؟ قال: رأيتك رأيت أبا بكر ساكتين فلم أتكلم، فقال عمر: والله لو تكلمت لكان أحب إلي من كذا وكذا.
لذلك يقول ابن باريك: لا سيما عند حضور الكبراء، وإن ثم قال: وإن تحدث فلتكن مفيداً، وما به حدثت لا تعيد.
وهذه مسألة مهمة جداً، إذا حدثت بحديث لا تعيد هذا الحديث، لأن بعض الناس أحياناً يتكلم بقصة أو حديث فيقطع الحديث بسبب أمر طارئ، يأتي مثلاً مسلم فيسلم عليه الناس ويقومون أو يأتي شخص ويتكلم بكلام وينتبه له الناس لأنه كلام مهم، وهذا ما زال متمسكاً بحديثه، فأول ما يسكت الناس قليلاً أو يجلسون يقول: ما زلت في قصتي الفلانية أو في حديث الفلانية، هذا يسمى يعني من ق, هذا يعتبر من خفة العقل ومن قلة الأدب أو من عدم مراعاة الأدب.
ولذلك يقول: وإن تحدث فلتكن مفيداً، يعني تاتي بفائدة، وما به حدثت لا تعيد، واجتنب الغفلة والبهتان والفخر والجدل والأيمان.
والكلام في الحقيقة في الأدب كثير، منها الكلام في المنطق، والله سبحانه وتعالى علمنا يعني الأدب في المنطق، الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، والرفث إلى نسائكم كناية عن مواقعة النساء، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض.
والحقيقة الكلام في الأدب كثير جداً ولكننا وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري