الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة عذابا أليما، وعلى فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.
أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتكلم فيها إقمالا لما تكلمنا فيه عن الأخلاق بشكل عام بإذن الله تعالى. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن أشياء كثيرة مما يتعلق بالخلق؛ منها أقسام الأخلاق، وهو حسن الخلق مع الحق، وحسن الخلق مع الخلق. ثم تكلمنا أيضا عن الأسباب التي تحدث سوء الخلق، وذكرنا منها الولايات، أن الإنسان إذا تولى المناصب قد يتغير أو تتغير أخلاقه. أحيانا تتغير الأخلاق بسبب ضيق الصدر؛ لأن الناس يكثرون عليه ويطالبونه بمطالب. وأحيانا يكون ذلك بسبب أنه أصبح غنيا.
وذكرنا أشياء في ذلك؛ منها قول محمد بن سهل: إن كانت الدنيا أنالتك ثروة وأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر، لقد كشف ثراء منك خلائقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر. والغنى كذلك هو من قبيل المناصب. وكذلك الهموم؛ إذا كثرت الهموم على الإنسان قد يتغير خلقه، لأن الهم كالسم. وبعض الشعراء يقول: همومك بالعيش مقرونة، فما تقطع العيش إلا بهم. العيش لابد له من الهم. حلاوة دنياك مسمومة، فما تأكل الشهد إلا بسم.
ومن الأشياء التي تغير الخلق ذكرنا الأمراض؛ عندما يمرض الإنسان يتغير طبعه أو يتغير خلقه، كما أن المرض يغير الجسم كذلك يغير الخلق. ولذلك على المريض أن يصبر، وعلى الذي يزور المريض أن يخفف. ولذلك يقال: المريض يعاد والصحيح يزار، الزيارة قد تطول ولكن عيادة المريض ينبغي أن تكون قصيرة، يكفي فيها أن تقول: كيف حالك؟ ثم تذهب وتسأل الله أن يشفيك ونحو هذا الكلام. ولذلك يقال: عيادة المرء يوم بين يومين، وجلسة لك مثل اللحظ بالعين. لا تبرم مريضا في مسألة، يكفيك من ذاك تسأل بحرفين؛ يعني كيف حالك، كيف أنت.
ومن ضمن ما يسيء الخلق أو من الأسباب التي تجعل الإنسان ضيق العطن -كما يقال- الهرم، يعني كبر السن وتولي الشباب. فكبر السن كما يضعف الجسد ويضعفه ويجعله لا يتحمل ما كان يطيقه أيام شبابه، كذلك يجعله لا يصبر على ما لا يوافق نفسه. ولذلك قال المتنبي: آلة العيش صحة وشباب، فاذا ولي عن المرء ولى. وإذا الشيخ قال أف فما مل حياة وإنما الضعف ملا. ويقول منصور النمري: ما كنت أوفي شبابي كنه عزته حتى مضى، فإذا الدنيا له تبع. ثم قال: لقد كنت تقضي على فوت الشباب أسا لولا يعزيك أن العمر منقطع.
ومن الأسباب أيضا التي قد تسبب سوء الخلق البغض، لكن البغض هذا سبب خاص. الأسباب السابقة: الهرم، والمرض، والمناصب، والغنى، هذه أسباب عامة قد تسوء الخلق، تجعل الإنسان يسوء خلقه مع كل الناس. أما البغض فهذا سبب خاص يسوء خلق الإنسان فيه مع من يبغضه ويحدث له نفور.
ونحن ذكرنا هذه الأسباب التي يسوء معها الخلق لكي نحاذر، ولكي نتصبر فيها؛ فإن الخلق السيئ يمكن تغييره. بعض الناس يظن أن الأخلاق لا يمكن أن تتغير، ولذلك يقول بعض الشعراء: يا أيها المتحلي غير شيمته ومن شمائله التبديل والمَلَق. ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه، فإن التخلق يأتي دونه الخلق. كما يقال في المثل: الطبع يغلب التطبع. لكن هذا ليس بصواب، الحقيقة أنه يمكن تغيير الأخلاق، يمكن تحسين الأخلاق.
ولذلك هناك المواعظ؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». والله سبحانه وتعالى يقسم أقساما كثيرة في القرآن، أحد عشر قسما يقسم بها الله سبحانه وتعالى على أن من زكى النفس قد أفلح؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا * وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 1-9]. إذن يمكن أن تزكى النفس وتغير أخلاقها.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي ذر، كما في المسند والترمذي: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع الحسنة السيئة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». بل أكثر من ذلك، لو نظرنا إلى هذه الحيوانات البهائم؛ البهائم لا عقل لها، ومع ذلك تتغير أخلاقها، فالصيد المتوحش يأنس بالناس إذا علم ودرب. فما بالك بالانسان الذي فيه العقل، أعطاه الله العقل وأعطاه الله الإدراك والفهم، بل فضله على سائر المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وإنما كرمه الله بالعقل الذي يمكنه أن يتدرب على الأخلاق، ويحسن أخلاقه، ويغير من سوئها. ولذلك يقول أبو تمام: فلم أجد الأخلاق إلا تخلقا، ولم أجد الأفضال إلا تفضلا.
ويقول الآخر: وفي الحلم والإسلام للمرء وازع، وفي ترك طاعات الفؤاد المتيم. بصائر رشد للفتى مستبينة، وأخلاق صدق علمها بالتعلم. نعم، قد يكون الإنسان مجبولا على شيء من الأخلاق المذمومة، وقد يعجز عن إزالتها بالكلية، لكنه يمكن إزالتها. محمد مولود رحمه الله عليه يقول: واعلم بأن المحو حتى لا أثر لهن يبقى ليس في طوق البشر. يعني محو الأخلاق الذميمة أو ما جبل الله عليه الإنسان من الأخلاق لا يمكن محوها بالكلية، لابد أن يوجد غضب، وأحيانا يكون الغضب من حسن الخلق، أو مما يطلب الغضب لله، كما سياتينا في الكلام عن خلق الحلم.
لكن هذه الأخلاق التي جبل عليها الإنسان، وإن كانت لا يمكن إزالتها بالكلية، لكن لا يعني ذلك عدم إمكانية تهذيبها، وعدم إمكانية قهرها وجعلها سلسة بالمجاهدة وبالأسباب المعينة على تحسين الأخلاق. والأسباب في ذلك كثيرة، يعني الأسباب التي تعين على حسن الخلق ممكن نذكر منها: استحضار فضيلة حسن الخلق نفسه. إذا استحرنا في أنفسنا كم فضل حسن الخلق عند الله سبحانه وتعالى يكفينا أحاديث مرت معنا، مثل حديث: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». هذا يصلي ويقوم الليل ويصوم النهار، وهذا بحسن أخلاقه يدرك درجة هذا وأجره.
بل قال بعض السلف: لأن أصحب فاسقا حسن الخلق أحب إلي من أن أصحب عابدا سيء الخلق. هذا الفسق الذي في الرجل قد يكون على نفسه، لكن حسن خلقه يعود ويتعدى إلى غيره، بينما العابد عبادته لنفسه، لكن سوء خلقه قد يتعداه إلى غيره. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في المرأة التي كانت تؤذي جيرانها: هي في النار، مع أنها عابدة. ومن الاحاديث التي ينبغي لنا استحضارها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق».
إذن هذا هو السبب الأول، وهو استحضار فضيلة الأخلاق، وأن حسن الأخلاق، وأن صاحب حسن الخلق هو أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن بحسن الخلق تدخل الجنة ويكون لك بيت في الجنة. تخيل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». لو أن دولة، أو أن غنيا من الأغنياء قال: يا فلان، حسن أخلاقك وأعطيك هذا البيت، قصرا بمفاتيح وبسيارات وبخدم وحشمه، وهو قصر أو بيت في الدنيا. وتعلمون أن بيوت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ الدنيا بحذافيرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعدل عند الله جناح بعوضة». لكن البيت الذي وعد به من حسن خلقه هو بيت في الجنة، بيت لا يفنى ولا يموت صاحبه. فيحق لنا أن نجتهد في تحسين أخلاقنا إذا استحرنا فضائل حسن الخلق. إذن هذا هو السبب الأول في تحسين الأخلاق.
السبب الثاني هو الدعاء؛ يعني الإنسان إذا توجه إلى ربه: يا رب، حسن أخلاقنا. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم، كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك». هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
النبي الذي قال فيه الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، يدعو الله أن يحسن أخلاقه. ويقول في الدعاء الآخر كما في المسند وهو بسند صحيح عن ابن مسعود وعن عائشة: «اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي». النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أحسن خلقي، يا ربي حسن أخلاقي. إذا كان النبي يقول ذلك، ألسنا نحن أحوج إلى هذا الدعاء؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أخلاقا منا، ونحن والله أحوج إلى أن ندعو الله أن يحسن أخلاقنا. إذن هذا هو السبب الثاني.
السبب الأول ذكرناه وهو استحضار فضائل الأخلاق، السبب الثاني هو الدعاء ندعو الله سبحانه وتعالى أن يحسن أخلاقنا.
السبب الثالث: لوم النفس ومحاسبتها. قد يفرط من الإنسان شيء؛ ذكرنا في البداية استحضار حسن الخلق، وذكرنا أيضا الدعاء، والثالث لوم النفس ومحاسبتها. قد تسوء أخلاق الإنسان لعارض، أما لغضب أو لسبب من الأسباب لهرم أو لمرض كما ذكرنا، فعليه أن يلوم نفسه وعليه أن يحاسبها. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مر على الصحابه، على ضعفاء من ضعفاء الصحابه بلال وعمار، وكان معه أبو سفيان. فلما راوه وأبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها! فقال أبو بكر: تقولون هذا لسيد قريش؟! فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبو بكر بما قال لهم وما قالوه، فقال: «يا أبا بكر، لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فرجع أبو بكر إلى هؤلاء الصحابة وقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا والله، يغفر الله لك يا أخي. فكان أبو بكر بعد ذلك يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، يحاسب نفسه. إذا من الأسباب: لوم النفس ومحاسبتها. نقف هنا في فاصل قصير، ونعود إليكم بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبا بكم أيها المشاهدون من جديد. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الأسباب التي تعين على حسن الخلق، وذكرنا ثلاثة أسباب.
والسبب الرابع: مصاحبة الأخيار من أهل الأخلاق. من المعلوم، وكل الناس يعلمون هذا الحديث، وهو حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة». وهكذا الصاحب كما يقال: الصاحب ساحب.
ولقمان يقول: يا بني، لا تصحب إلا الأخيار، اصحب الأخيار فإن ذكرت أعانوك، وإن نسيت ذكروك. ولا تصاحب الأشرار فإنهم إن ذكرت لم يعينوك، وإن نسيت لم يذكروك. والناس يقولون: إنك إذا اردت أن تعرف خلق شخص أو تعرف حاله فانظر إلى قرينه؛ كما يقول الشاعر: إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي. عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي. فالقرين ينظر إلى قرينه، والقرين يستفيد من قرينه. فهذا من أعظم الأسباب؛ ولذلك من أسباب صلاح الناس مصاحبة الأخيار، وعدم مصاحبة الأشرار أو عدم مصاحبة سيء الخلق؛ لأنه يسحبك بأخلاقه وتتعلم منه أيها البعيد. بينما إذا صاحبت الصالحين ورايت منهم الأخلاق الطيبة تحاول أن تحاكيه، وتحاول أن تستفيد من أخلاقهم.
الأخلاق، هناك نستطيع أن نقول: هناك أركان للأخلاق، أركان للأخلاق الحسنة وأركان للأخلاق السيئة. من الأركان المهمة للأخلاق الحسنة: الصبر، والعفة، والشجاعه، والعدل. الصبر مهم من أحد الأركان العظيمة في الأخلاق الحسنة؛ الصبر لماذا؟ لأن الصبر يحمل الإنسان على الاحتمال، يحمله على كظم الغيظ، يحمله على كف الأذى، يحمله على التاني، يحمله على الحلم، يحمله على الرفق، يحمله على عدم العجله وعدم الطيش. التاني وعدم الطيش وعدم الجهل على الغير.
ومن الأركان أيضا: العفة، يكون الإنسان عفيفا؛ عفيفا في لسانه، عفيفا في
قلبه، وهذه العفة تحمله على اجتناب كل الرذائل، تحمله على اجتناب بالقبيح من الكلام، تحمله على اجتناب القبيح من الفعل، تحمله على الحياء الذي هو رأس كل خير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، والحياء خير كله. طبعا الحياء الممدوح، وياتينا أن الحياء منه ما هو مذموم.
وهكذا الأخلاق؛ يعني منها، يعني أحيانا الخلق الحسن يكون بين خلقين، كما سياتي؛ يعني مثلا الغضب، الغضب خلق مذموم، لكنه قد يكون حسنا لأنه بين الحلم وبين يعني الذلة والمهانة. فالحلم خلق حسن؛ يعني إذا زاد الإنسان في الحلم فقد يجهل عليه الجهل، فيكون هذا الحلم ينتقل من الحلم إلى المهانة، وإذا ذهب إلى الطرف الثاني فقد يعني يصل إلى الغضب الشديد الذي يحمل على كل سوء، كما قال الشاعر وهو يتكلم عن الأخلاق السيئة وسوأتها العظيمة أعني الغضب: أنت تأتي شطة ترى العجائب أمواجها طامية كالجبل الراسخ أما عن حدها ولا حرج
الشاهد أن كل خلق يكون بين خلقين. فقلنا العفة تحمل الإنسان على الحياء، والحياء هو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء، وتمنعه من البخل، وتمنعه من الكذب، وتمنعه من الغيبة، وتمنعه من النميمية.
ومن أركان الأخلاق الحسنة الشجاعة. الشجاعة خلق حسن عظيم، والشجاعة تحمل الإنسان على عزة النفس، وتحمله على إيثار معالي الأخلاق والشيم، وتحمله على البذل والكرم والندى الذي هو الكرم، والكرم يعني هو من أعظم الشجاعة؛ لأنه يحمل النفس على أن تخرج المحبوب وتفارقه.
والشجاعة تحمل النفس على كظم الغيظ، وتحملها على الحلم الذي يصبر ويضم غيظه، هذا من أشجع الناس؛ بقوة النفس وشجاعتها يمسك الإنسان عنانها ويكبح جماحها عن النزق وعن البطش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالسرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
ومن أركان الأخلاق الحسنة أيضا العدل. العدل يحمل الإنسان على الاعتدال في أخلاقه، يحمله على التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط؛ فالكرم مثلا بين البخل وبين الإسراف، والحلم كما ذكرت بين الذل والمهانة وبين الغضب، وهكذا يعني كثير من الأخلاق نجدها يعني وسط بين طرفين. الشجاعة بين الجبن والتهور، وتحمل الإنسان على الحلم الذي هو متوسط بين الغضب وبين المهانة وسقوط النفس. فهذه التي ذكرناها أركان حسن الخلق؛ قلنا الشجاعة والعفة والصبر والعدل هذه أهم الأركان.
وهكذا سوء الخلق له أركان مهمة؛ منها الجهل، ومنها الظلم، ومنها الشهوة، ومنها الغضب. فالجهل مثلا يري الإنسان الحسن في صورة القبيح، ويريه القبيح في صورة الحسن، ويريه الكمال نقصا، ويريه النقص كمالا.
وهكذا الظلم، الظلم يحمل الإنسان على وضع الشيء في غير موضعه؛ فيغضب في وقت الرضا، ويرضى في وقت الغضب، ويجهل في وقت الأناة، ويبخل في وقت البذل، ويبذل في وقت البخل، ويحجم في وقت الإقدام، ويقدم في وقت الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، وهكذا.
والشهوة أيضا من أركان سوء الخلق، وهي تحمل الإنسان على الحرص والطمع والشح والبخل وعدم العفة، وعلى النهم والجشع وعلى الدناءات كلها.
وهكذا من أركان الأخلاق السيئة الغضب. الغضب من أشد الأركان ومن أهم أركان سوء الخلق؛ لأنه يحمل الإنسان على الكبر، ويحمله على الحقد، ويحمله على الحسد، ويحمله على العدوان، ويحمله على السفه، ويحمله على مساوئ الأخلاق، وقد يخرج من الإنسان في حال غضبه كفرا، وقد يخرج منه ما يفصم فيه عقدة الأسرة، وقد يخرج منه ما يكون سببا لهلاك إنسان، وقد يقتل الإنسان بسبب الغضب، وقد يكفر، نسأل الله العافية والسلامة.
هذه أهم أركان سوء الخلق، وما ذكرناها قبل ذلك أهم أركان حسن الخلق. نختم الحديث عن الأخلاق في هذه الحلقة بإذن الله بكلام أو بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وبأبيات للمقنع الكندي أبيات جميلة جدا.
أما الحديث فنقتصر منه؛ هو حديث طويل لكن نقتصر منه على ما نحن بصدد الحديث عنه وهو الأخلاق، وهذا الحديث رواه الأئمة في كتبهم، وإن كان اسناده ليس بذاك، إلا أن له أو لمعانيه شواهد كثيرة.
هذا الحديث هو ما روي عن الحسين بن علي رضي الله عنه أنه سال أباه علي بن ابي طالب فقال: سألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيه، وكان يؤلف اصحابه ولا يفرقهم، وكان يكرم كل كريم قوم ويوليه عليهم، وكان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه؛ يعني كان يبتسم مع أنه يحذر من الناس، وكان يتفقد اصحابه ويسال الناس عما في الناس، وكان يحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهنه، وكان معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافه أن يغفلوا، ولا يجهل مخافه أن يجهلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحه، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.
ثم قال الحسين: فسالته عن مجلسه كيف كان؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن؛ يعني لا يأخذ مكانا ويستوطنه، بل كان ينهى عن ايطان الأماكن، يستوطن المكان يعني يقول هذا مكاني لا يجلس أحد فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ايطان الأماكن، واذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس مع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر بذلك، وكان يعطي كل جلسائه بنصيبه؛ كل جليس له يعطيه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، كل جليس يظن أنه أكرم الناس عنده صلى الله عليه وسلم.
من جلسه أو قاونه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف؛ شخص يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم يمسكه يتكلم معه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبر حتى هذا الرجل هو الذي ينصرف.
ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطة وخلقه، فصار لهم أباطا وصاروا في الحق عنده سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنث فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب.
قال الحسين: قلت كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفض ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه.
قد ترك نفسه من ثلاثة أشياء: من المراء، والإكثار، ومما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فاذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصت له حتى يفرغ حديثه. عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبون الغرباء ويقولون: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفقوا به، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز؛ حتى ينتهي فيقطعه بنهي أو قيام.
هذا الحديث الذي في وصف النبي، وأما الأبيات التي ذكرت أنها للكندي فهي أبيات جميلة جدا يقول فيها:
يعاتبني في الدين قومي، وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا ألم ير قومي كيف أوسر مرة وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا فما زادني الإقتار منهم تقربا ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ثغور حقوق ما أطاق لها سدا وفي جفنه ما يغلق الباب دونها مكللة لحما مدفق ثردا وفي فرس نهد عتيق جعلته حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا وإن الذي بيني وبين بني عمي لمختلف جدا أراهم إلى نصري بطاء، وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدا فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي إن تتابع لي غنى وإن قل مالي لم أكلف رفدا وإن لعبد الضيف ما دام نازلا وما شيمة لي غيرها تشبه العبد
إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقه، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].
د. سعيد المري