دخولتسجيل الدخول

الحلقة 2: أهمية الأخلاق ونهضة الإسلام

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة وعذاب أليم، وعلى فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله فانه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة والتي نكمل فيها بإذن الله ما تقدم وتكلمنا عنه من الأخلاق. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن شيء مما يتعلق بالأخلاق، فنكمل في هذه الحلقة ما يتعلق بها أيضاً؛ وذلك كأهم الأخلاق ونهضة الأمم. لا شك أن الأخلاق سبب لنهضه الأمم، ولذلك جاء الانبياء يدعون إلى الأخلاق، وفي المسند وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». في بعض الروايات: «لأتمم مكارم الأخلاق». معناها أن الأنبياء جاؤوا بالأخلاق، والنبي جاء يتمم تلك الأخلاق.

ولما قال هرقل لأبي سفيان، وهذا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فاستدعى من رأى من العرب في الروم أو في بلده، فقالوا: إن هنا رجلاً يقال له أبو سفيان، فأتي به وقصته طويلة، وسأله هرقل وجلس خلف أبي سفيان أناس من العرب وقال: إن كذب فكذبوه. فقال له هرقل: ساله -يعني- فماذا يأمركم به -يعني هذا النبي-؟ فقال أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا -يعني من الأصنام- ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. وهذه كلها أخلاق. فرد عليه وقال: هذه -يعني- هذا ما يأمر به الأنبياء.

ولذلك يقول الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ويقول الآخر: أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعاب وأصفح عن سباب الناس حلماً وشر الناس من يهوى السباب

ويقول أحد أهل موريتانيا وهو حماد بن الأمين في منظومة له في الآداب يقول في مطلعها: بني إن البر شيء هين دونك منه ذا الذي أبين نصيحة من والد حفي بك هديت الرشد من بني شمر إلى مكارم الأخلاق.

الأخلاق لو اردنا أن نقسم الأخلاق أو حسن الخلق يمكن أن نقسمه قسمين: هناك حسن الخلق مع الله سبحانه وتعالى أو مع الحق، وهناك حسن الخلق مع الخلق.

أما حسن الخلق مع الحق سبحانه وتعالى فيعتمد على قاعدتين. القاعدة الأولى: أن كل ما يأتي من الإنسان تجاه ربه يوجب عذراً. ما معنى هذا الكلام؟ يعني الانسان مهما فعل تجاه ربه -سواء كان فعل -يعني- طاعة أو فعل معصية- كل ذلك يوجب اعتذاراً منه. إذا فعل المعصية، نحن نعلم أن المعصية توجب اعتذاراً وتوجب استغفاراً، والطاعة أيضاً توجب عذراً أو توجب استغفاراً؛ لأن هذا الإنسان ناقص، والناقص مهما فعل تجاه ربه فما يأتي به ناقص؛ لأن الله سبحانه وتعالى كما قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، أول ما يقول بعد الصلاة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله -يعني- يا ربي أنا لم آت بالصلاة على وجهها. مهما فعل ومهما فعل الإنسان لا يمكن أن يأتي بالخلق الذي يستحقه الرب سبحانه وتعالى.

حسن الخلق مع الله أولاً قلنا: حسن الخلق وعرفناه في الحلقة الماضية بأنه بسط الوجه، وهكذا مع الرب سبحانه وتعالى. حسن الخلق معناه أن الإنسان يرضى عن ربه. فعندنا قاعدتان ذكرت في حسن الخلق مع الرب سبحانه وتعالى أو مع الحق: أولها أن كل ما يأتي به الإنسان يوجب اعتذاراً. والثاني: أن كل ما يأتي من الرب سبحانه وتعالى يوجب شكراً -يعني- سواء جاءني من الرب خير أم جاءني غير ذلك، كل ذلك يحتاج مني إلى شكر، ولذلك يقال: لا يحمد على مكروه سواه. وأي شيء ياتي من الرب سبحانه وتعالى ينبغي على الإنسان فيه أن يرضى، سواء كان هذا خيراً أو كان ما لا يتمنى الإنسان.

ولذلك يذكر قصة -يعني- من القصص الأدبية، يقال إن ملكاً من الملوك كان عنده وزير دائماً يقول في كل شيء: الحمد لله لعله خير. فمرة من المرات قطعت أصبع الملك، فقال الوزير: الحمد لله لعله خير. فغضب الملك عند ذلك وسجن الوزير، ثم نسي ذلك الوزير -الملك نسي الوزير في سجنه فترة من الزمن حتى لم يذكر ولم -يعني- يتشفع له أحد من الناس لشده غضب الملك. راحت الأيام وذهبت، وخرج الملك كعادته للصيد مع حاشيته، لكنه في هذه المرة انفلت منه صيد وأخذ يتبعه حتى -يعني- ذهب بعيداً عن جنوده، فوجده أناس من من من يعبدون الأصنام أو يعبدون معبداً -يعني- من المعبودات، فوجدوا هذا الملك منفردا عن أهله أو عن جنوده، وأخذوه وكانوا يقدمون لذلك المعبود أو لذلك الصنم قرباناً، فأرادوا أن يقدموا الملك قرباناً لذلك الصنم. فلما جاؤوا بالملك قال أحدهم: إن أصبعك ناقصة، وأنه لا وأن الهنا لا -يعني- يتقرب له بشيء ناقص. فعند ذلك عفوا عن الملك وأطلقوه لأجل تلك الأصبع التي قطعت. فعند ذلك تذكر الملك وزيره الذي قال لما قطعت يده أو قطعت أصبعه: الحمد لله لعله خير. فأتى بذلك الوزير وأخرجه من السجن وقال: صدقت، نعم هو خير. هكذا كل شيء يجري للإنسان من الرب سبحانه وتعالى ينبغي على الإنسان أن يرضى به، إن كان خيراً فيحمد الله، وإن كان غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وليعلم أنه خير، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. هذه قواعد -يعني- حسن الخلق مع الرب سبحانه وتعالى، أن كل ما يأتي من الإنسان تجاه الرب فهو قاصر، ولذلك يوجب اعتذاراً ويوجب -يعني- استغفاراً، وكل ما يأتي من الرب للانسان فانه يوجب شكراً لله سبحانه وتعالى.

القسم الثاني من الأخلاق وهو حسن الخلق مع الخلق. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في المستدرك -كما في المستدرك-: «ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتَعفو عمن ظلمك». تصل من قطعك، وتعطي من حرمك؟ سبحان الله! يقطعني وأصله؟ نعم. يحرمني وأعطيه؟ نعم، هذا هو الأخلاق. يظلمني وأعفو عنه؟ نعم. ولذلك في بعض الأحاديث أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأعفو عنهم ويظلموني. فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل» -وهو الرماد الحار- «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك».

حسن الأخلاق سبب للألفة والمحبه، سبب لتآلف القلوب. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. رسول الله لو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله، ولكن الله ألف بين قلوب الصحابة ببركه حسن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

حسن الخلق له مراتب. إذا أرادنا أن نبين مراتب حسن الخلق -نحن بينا أن حسن الخلق قسمان: مع الحق سبحانه وتعالى وحسن الخلق مع الخلق- وهناك مراتب لحسن الخلق. ما معنى مراتب؟ -يعني- تدرجات؛ هناك المرتبة الدنيا، وهناك المرتبة الوسطى، وهناك المرتبه العليا، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

المرتبة الأولى: والكاظمين الغيظ، وهو كظم الغيظ. النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة-: «ليس الشديد بالصرعة» -الصرعة مثل همزة -يعني- الذي يصرع الناس، همزة معناه الذي يهمز، كثير الهمز للناس واللمزه كذلك كثير اللمز والضحك كثير الضحك أو الإضحاك- قال: «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وفي بعض الآثار يقول الله تبارك وتعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك. وفي الحديث الآخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء». وهذا الحديث في أبي داود والترمذي وقال: حديث حسن. هذه المرتبة الأولى وهي كظم الغيظ -يعني- الإنسان لا لا لا ينفك من أن يكون له عدو يسبب له الغيظ والغضب، فأول المراتب انك تكظم غيظك وترد غضبك.

المرتبة الثانية: أن تعفو، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]. وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، منها حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». -يعني- مهما عفوت فهذا لا يزيدك إلا عزاً، ومهما تواضعت فهذا لا يزيدك عند الله إلا رفعة. وإذا عكست -يعني- تكبرت فهذا يزيدك عند الله ضعة، وإذا -يعني- انتقمت فهذا يزيدك عند الله ذلاً. نسأل الله العافية والسلامة.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس خلقاً وأكثر الناس عفواً، وله أخبار كثيرة صلى الله عليه وسلم في العفو والصفح عن الجاهلين وعمن -يعني- يسيء إليه. ومن الأخبار خبر قريش في مكة، لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال: «اذهبوا فانتم الطلقاء». في البداية قال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، إن أخذت فبجر عظيم، وإن عفوت فبحلم عميق. فقال: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». وهذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في ابن عمه وابن عمته؛ ابن عمته عبد الله بن أبي أمية المخزومي وهو أخو زوجه النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. هذان الرجلان كانا من أعدى أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من خبر ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤذيه في مكة -يعني- بدلا من أن يكون -يعني- مصدقاً للنبي صلى الله عليه وسلم بدلا من أن يساعده.

ابن عمته مرة من المرات كان ابن عمته هذا جالس مع -اللي هو- عبد الله بن أبي أمية، هذا جالس مع جماعة من قريش دعوا النبي، قال: إذا فرغت يا محمد من الطواف فأقبل. فجاء النبي كان يظن أنهم سيسلمون، فصاروا يقولون له كلاماً، يقولون: إن كان بك جنون بدلنا لك الطب لتشفى من جنونك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كنت تريد زوجة زوجناك أجمل النساء، وإن كنت تريد مالاً جمعناك حتى تكون أغنانا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما بهذا بعثت، إنما بعثت أني رسول الله، فإن قبلتم فهو خيركم في الدنيا والآخرة، وإلا فاصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم». ثم قال له: أما إذا أبيت فأنت ترانا في مكة وعندنا جبال، ادعوا الله أن يزيل هذه الجبال وأن يجري الأنهار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بهذا بعثت، إنما بعثت رسولاً إليكم، فإن رضيتم فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإلا فاصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم». ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً.

فلحقه ابن عمته هذا وقال له: يا محمد -يعني- كلمك عشيرتك وقومك وقالوا لك ما قالوه ولم تجبهم إلى شيء مما قالوه، أما أنا فأقول: لو صعدت إلى السماء وجئت بأربعة من الملائكة كلهم يشهد أنك رسول الله ما صدقتك -يعني- بدلاً من أن تكون -يعني- تواسيني تقول لي هذا الكلام وأنت ابن عمتي؟ وكان له شيء من إذاء النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عمته هذا لما جاء النبي يفتح مكة وهو في الطريق -يعني- ضاقت به الدنيا فذهب يريد أن يسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل إلى أخته أم سلمة هند بنت أبي أمية يستشفع بها عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معه أبو سفيان بن الحارث. وأبو سفيان بن الحارث أيضاً ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو رضيعة رضيع النبي صلى الله عليه وسلم -يعني- أمهم الذي أرضعته واحدة وهي ثويبة، وكذلك كان -يعني- في سن النبي صلى الله عليه وسلم وكان محباً له قبل البعثه، ثم لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفر منه أشد النفور. كان النبي يتوقع منه المساعدة، يتوقع منه النصرة، فانقلب عليه وصار عدواً له، وهذا حسد في البداية بحيث أن هذا الرجل الذي هو أبو سفيان بن الحارث قاتل النبي و-يعني- ناصبه العداء عشرين سنة، لم تأتي قريش في غزوة إلا وكان معهم أبو سفيان بن الحارث وكان يقول هجاء، حتى أن أهل السيرة -يعني- تركوا هذا الهجاء ولم يدونه في كتبهم لشدة قبحه، وهو الرجل الذي -يعني- تكلم أو هجاه حسان بن ثابت: ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء... إلى آخر قصيدة حسان.

المشهور أن هذا الرجل استشفع بأم سلمة، فجاءت أم سلمة تستشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهو الذي هتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال». فذهب إلى علي بن أبي طالب وذكر له أن يستشفع به عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب إليه فقل له -يقصد أبا سفيان-: ت الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يكون أحد أحسن قولا منه. فجاء أمامه وقال: ت الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». نقف هنا ثم نكمل بعد قليل إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم من جديد أيها المشاهدون الكرام. كنا وقفنا وتكلمنا عن أبي سفيان بن الحارث وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: ت الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وقول النبي له صلى الله عليه وسلم: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». فأصبح بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أحب الناس إلى أبي سفيان بن الحارث، حتى صار يقول رضي الله تعالى عنه: والله ما تأملت النبي صلى الله عليه وسلم وما استطعت أن أرفع بصري إليه بعد إسلامه، لو طلب منه أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع حياء من شدة هذا الحياء أنه أصبح لا يستطيع أن ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وحين أسلم قال للنبي أبيات جميلة جدا يقول فيها: لعمرك إني يوم أحمل رايتي لتغلب خيل اللات خيل محمد لك المدلج الحيران أظلم ليله فذاك أواني حين أهدى فاهتدي هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مطرد

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم بكى عليه رضي الله تعالى عنه وقال أبيات جميلة جدا في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها: أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول وأَسعَدَنِي البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرائيل وذاك أحق ما سالت عليه نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحي إليه وما يقول ويهدينا ولا نخشى ضلالا علينا والرسول دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول

هكذا أصبح النبي من أحب الناس إليه بعد أن كان عدوا له بسبب خلق النبي صلى الله عليه وسلم. تكلمنا عن المرتبة الأولى وهي كظم الغيظ، والمرتبة الثانية وهي العفو والصفح، والمرتبة الثالثة هي الإحسان، وهذه المرتبة هي أعلى المراتب، والله يحب المحسنين. وهذه المرتبة قد تصعب على كثير من الناس، بعض الناس ممكن أن يكتم غيظه من عدوه ممن يبغضه من الناس ممن أساء إليه، وممكن أن يعفو عنه، لكن يحسن إليه؟ هذه من أصعب المراتب، أنا متأكد أن من الناس من يقول: كيف أحسن إلى فلان الذي فعل كذا وفعل كذا وفعل كذا؟

لكن هذه المرتبة، إذا علمت أنت أن بالإحسان إليه تؤجر كما تؤجر بالعفو عنه، كما تؤجر بإساءة إليك، فهو لما أساء إليك وصبرت عنه وكظمت غيظك أجرت على ذلك، وتعطى حسنات بدلا من إساءته، فإذا أحسنت فوق ذلك فهذا يزيد حسناتك، والجزاء كما يقال الجزاء من جنس العمل. فالله سبحانه وتعالى إذا رأى أنك أحسنت إلى من أساء إليك، فالله سبحانه وتعالى سيحسن إليك بلا شك، والأخبار في هذه كثيرة.

نحن نعلم قصة عائشة رضي الله تعالى عنها في خبر الإفك؛ كان أبو بكر الصديق أبو عائشة رضي الله تعالى عنها ينفق على رجل اسمه مسطح بن أثاثة، هذا الرجل من أقارب أبي بكر الصديق، لكنه لما صارت حادثة الإفك لما أهمت عائشة بصفوان بن المعطل في القصة المشهورة وعائشة لم تعلم، كان ممن تكلم في عائشة مسطح بن أثاثة هذا الذي كان ينفق عليه أبو بكر، أبو بكر كان ينفق عليه ومع ذلك يتكلم في بنته وهي بريئة. ولذلك عائشة لم تعلم بخبر الإفك إلا بعد شهر من تحدث الناس، خرجت مرة إلى المتبرز لحاجتها وكانوا لا يخرجون إلا بالليل، وكان معها أم مسطح لأنها من أقاربهم، والنساء لا يخرجون عادة في الليل لحاجاتهم في ذلك الوقت إلا معهم رفقة، فكانت عائشة ومعها أم مسطح، فأم مسطح وهي تمشي عثرت في مرطها فلما عثرت قالت: تعس مسطح ولدها، مع أنها تحبه هو ابنها وتقول: تعس مسطح لماذا؟ لأنه تكلم في عائشة، فلذلك قالت عائشة: بئس ما قلت! أتسب رجلا حضر بدرا؟ فقالت: يا هنته، أما سمعت ما قال؟ قالت: وما قال؟ فأخبرتها بخبر أصحاب الإفك.

المهم نزلت براعة عائشة في القرآن، فلما نزلت براعة عائشة غضب أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على مسطح، كيف أنا أنفق عليك وتتكلم في عائشة وعائشة بريئة وبراها الله من فوق سبع سماوات؟ فأقسم ألا ينفق على مسطح، فنزل القرآن: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر عند ذلك: بلى والله، بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع أو أرجع إلى مسطح النفقه التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، وهذا الخبر في الصحيحين كما هو معلوم.

ومرة من المرات علي بن الحسين زين العابدين المشهور ابن علي بن الحسين وهو من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت عنده جارية، وكانت هذه الجارية تسكب له الماء، جارية معناه مملوكة وكان ملك اليمين في ذلك الوقت موجودا، فكانت تخدمه وتسكب عليه الماء ليهيئه للصلاه أراد أن يقوم فسقط الابريق على راسه من يد الجارية فشج وجهه. فرفع علي بن الحسين رأسه إلى الجارية، قالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]. فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]. فقال لها: قد عفا الله عنك. قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. قال: اذهبي فأنت حرة.

هذه المراتب الثلاثة؛ مرتبة كظم الغيظ، ومرتبه العفو والصفح، ومرتبه الإحسان، هذه المراتب الثلاثة هي التي يتعامل الإنسان فيها بالخلق الحسن مع الخلق. قلنا الخلق أو حسن الخلق قسمان؛ قسم حسن الخلق مع الحق سبحانه وتعالى مع الله، وحسن الخلق مع الخلق، وذكرنا كيف يتعامل الإنسان مع الحق وكيف يتعامل الإنسان مع الخلق.

وبعض العلماء يلخص هذا التعامل وهذه المراتب سواء مع الخلق أو مع الحق سبحانه وتعالى يلخصها في امرين أو في كلمتين أو في جملتين يقول: كن مع الحق بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس. كيف يعني؟ كن مع الحق بلا خلق، كن في تعاملك مع الحق الذي هو الله سبحانه وتعالى بدون النظر إلى الخلق، فمثلا اساء اليك الخلق أو اصابتك مصيبة لا تغضب على هؤلاء الناس؛ هذا لم يعطني، هذا لم يرقيني، هذا أساء إلي؛ لأنك بهذا تكون كأنك لا ترضى بأمر الله سبحانه وتعالى وتتسخط قدر الله سبحانه وتعالى، كن مع الحق بلا خلق بغض النظر عن الخلق.

وكن مع الخلق بلا نفس؛ لأنك في إساءة الخلق إليك أنت تنتقم لنفسك، تنظر إلى نفسك أن لك حقا على الناس، لماذا هذا أغضبني؟ لماذا هذا أساء إلي؟ فيقول العلماء: إذا أردت حسن الخلق فكن مع الحق بلا خلق وكن مع الخلق بلا نفس، يعني انسى نفسك. ولذلك فساد الخلق هو بسبب توسط الخلق بينك وبين الله، وبسبب توسط النفس بينك وبين الخلق.

ثم فساد الخلق له أسباب؛ ممكن نعدد أسباب فساد الخلق وهي أسباب كثيرة لكن سنجملها في بعض الأسباب، منها تولي الولايات أو تولي المناصب، هذا يغير خلق الإنسان على الناس وإن كان هذا التغيير يدل على سوء أو لؤم نفس هذا الذي ساء خلقه بسبب منصبه. بعض الناس يكون له اصدقاء فإذا تولى المناصب يجفو ويضيق صدره عنهم، وقد يكون هذا من لؤم طبعه، وقد يكون بسبب أنه لا يتحمل كثرة الناس وكثرة كلامهم.

يذكر أن محمد بن الحسن بن سهل كان له صديق قد نالتْه عسرة يعني كان معسرا ثم تولى عملا أصبح له منصب، فجاء محمد هذا يريد حاجة مسلما عليه فرأى منه تغيرا ونبوة، فكتب إليه أبيات يقول فيها: لإن كانت الدنيا أنالتك ثروة وأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر

وفي الغنى يقول أبو العتاهية؛ كان صديقه عمرو بن مسعدة ارتقت مرتبة عمرو بن مسعد عند المأمون فتغير على أبي العتاهية فقال له أبو العتاهية أبياتا يقول فيها: غنيت عن العهد القديم غنيت وضيعت عهدا كان لي ونسيت وقد كنت لي أيام ضعف من القوى أَبَرُّ وأوفى منك حين قويت تجاهلت عما كنت تحسن وصفه ومِتُّ من الإحسان حين حييت

ومن الأسباب التي قد تغير الأخلاق؛ الهموم التي تشغل القلب، الهم كما يقال كالسم، ولذلك قال بعض الشعراء: همومك بالعيش مقرونة فما تقطع العيش إلا بهم حلاوة دنياك مسمومة فما تأكل الشهد إلا بسَمّ

ومن الأسباب التي تغير الأخلاق؛ الأمراض، المريض يتغير خلقه كما يتغير جسمه، ولذلك يقال: المريض يعاد والصحيح يزار. يعاد بمعنى تزوره بسرعة وتخرج عنه، أما الصحيح تمكث عنده. ولذلك لما مرض أبو عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة قال له أحد اصحابه: أريد أن أساهر الليلة. فقال: أنت رجل معافى وانا رجل مبتلى، أنت معافى والنوم يأتيك وانا مبتلى والنوم لا يأتيني، فمكث حيث كنت. أو كما ذكر.

والأعمش يقال إنه لما مرض أَبْرَمه الناس بسؤاله عن مرضه، فكتب مرضه في ورقة وجعلها عند رأسه فكل من سأله عن مرضه قال له: اقرا الورقة. ولذلك يقول الشاعر: عيادة المرء يوم بين يومين وجلستك مثل اللحظ بالعين لا تَبْرِم مريضا في مسألة يكفيك من ذاك سؤال بحرفين

وهذا من الأمور التي ينبغي أن يهتم بها الناس؛ المريض لا ينبغي أن يبرمه الناس بالجلوس عنده كثيرا، مجرد الزياره والسلام والسؤال بحرفين كيف حالك ثم تذهب.

ومن الأمور أيضا التي تسيء الخلق؛ الهرم، لما يكبر الإنسان يكبر سنه قد تسوء أخلاقه لأنه ولى عنه الشباب، والشباب كما يقول المتنبي: اله العيش صحة وشباب فإذا ولى عن المرء ولى وإذا الشيخ قال: أُفٍّ، فما مل حياة وإنما الضعف ملا

إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].