دخولتسجيل الدخول

الحلقة 1: أهمية الأخلاق

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 133-134].

الحمد لله الحليم العليم، القائل في كتابه الكريم لنبيه الرؤوف الرحيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. والصلاة والسلام على أكرم الخلائق على الإطلاق، الذي أرسله الله سبحانه وتعالى ليتمم مكارم الأخلاق. أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة المباركة، وهي الحلقة الأولى من برنامج أخلاق، والذي سنتكلم فيه بإذن الله عن الأخلاق بشكل عام، وأهميتها في حياة المجتمع والفرد والتحلي بها، وعن بعض الأخلاق بشكل خاص كالصدق والأمانة والحلم والصبر والكرم والعدل والحياء ونحو ذلك، سائلين الله الكريم أن يبارك لنا ولكم أيها المشاهدون الكرام فيما نقول ونسمع، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿نٓ ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 1-4]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. والآيات في معنى الأخلاق أو فيما يحض على الأخلاق كثيرة جدا.

وأما الاحاديث، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا». وفي الترمذي بسند حسن صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء». وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال: حسن صحيح، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج». نسأل الله العافية والسلامة.

وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي: حسن صحيح، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم». وأيضا هناك أحاديث كثيرة؛ من حديث عائشة في أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». يعني هناك شخص يصوم النهار ويقوم الليل، وهذا بمجرد حسن خلقه يدرك درجة هذا أو أجر هذا. وكذلك في أبي داود من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». هذه الآيات وهذه الأحاديث التي ذكرناها كلها تحض على حسن الخلق.

الآيات التي ذكرناها الكلام فيها كثير وطويل، ولكن لعلنا نتكلم عن آية منها وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. هذه الآية فيها ثلاثة واجبات، الواجب الأول: خذ العفو؛ الله سبحانه وتعالى يقول: خذ العفو. ما معنى خذ العفو؟ العلماء يقولون: العفو هو ما تيسر مما لا يجهد، يعني خذ ما تيسر من أخلاق الناس واترك الاستقصاء والتفتيش فيها، يعني المتيسر من أخلاقهم خذه. العفو معناه المتيسر، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]، يعني أنفقوا العفو الذي هو المتيسر أو الفاضل السهل.

وفي هذا المعنى أيضا يقول أبو الأسود الدؤلي رحمه الله وهو ينصح ابنته، يقول لها: وعليك بالزينة وأزين الزينة الكحل، وعليك بالطيب وأطيب الطيب إسباغ الوضوء، وكوني كما قلت لأمك في بعض الأحيان: خذي العفو مني تستديمي مودتي، ولا تنطقي في ثورتي حين أغضب. خذي العفو مني؛ يعني خذي ما تيسر ولا تجهدين. في العادة النساء يجهدن أزواجهن في الطلبات، والزوج إذا أجهد بالطلبات ساء خلقه وشانت أخلاقه، ولذلك يقول أبو الأسود الدؤلي لزوجته: خذي العفو مني تستديمي مودتي؛ يعني إذا اخذت ما تيسر تبقى الموده التي بيني وبينك.

خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في ثورتي حين أغضبِ فاني وجدت الحب في الصدر والاذى إذا اجتمع لم يلبث الحب يذهبُ. إذا كان في الصدر الحب والأذى لا بد أن يذهب الحب، والذي يذهبه الأذى. الشاهد من هذه الأبيات قوله: خذي العفو مني، يعني خذي ما تيسر. إذا قول الله تبارك وتعالى: خذ العفو، يعني خذ ما تيسر من أخلاق الناس، لا تجهدهم فيما يعطون من أمورهم.

الواجب الثاني في قوله تبارك وتعالى: وأمر بالعرف. خذ العفو هذا الواجب الأول، الواجب الثاني: وأمر بالعرف. ما معنى وأمر بالعرف؟ أي الأمر بالمعروف، العرف والمعروف بمعنى واحد، وهذا معروف في لغة العرب. ومنه قول الحطيئة وهو يهجو الزبرقان بن عمرو وقصته مشهوره لما اشتكى عليه الزبرقان عند عمر وسجنه عمر إلى أن أطلقه بعد ذلك بعد قصيدة له يقول فيها: ماذا اقول لافراخ بذي مرخ، إلى آخرها وهي مشهورة.

يقول الحطيئة، وشاهدنا هنا في قوله: وأمر بالعرف: ازمعت ياسا مبينا من نوالكم ولا يرى طاردا للحر كالياسِ. دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانك انت الطاعم الكاسي. هذا البيت هو الذي هجا به الزبرقان: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي؛ يعني أنك تأكل وتشرب وتكتسي، يعني شبهه بالمرأة التي لا تعمل. ثم قال: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس. هنا الشاهد: لا يذهب العرف، يعني لا يذهب المعروف. إذا الواجب الأول: خذ العفو، يعني خذ ما تيسر. الواجب الثاني: وأمر بالمعروف، وهذا يكون للناس كلهم أن تامرهم بالمعروف.

الواجب الثالث في قوله تبارك وتعالى: وأعرض عن الجاهلين. من الناس من إذا أمرته ازداد في طغيانه وفي جهله، فالله سبحانه وتعالى يقول: إذا لم يمتثل للمعروف فأعرض عنهم وأعرض عن الجاهلين. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذا في آيات أخرى؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. والشاعر يقول: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوتُ سكت عن السفيه فظن أني عييت عن الجواب وما عييتُ

الجاهلون أو السفهاء إذا سكت عنهم العاقل ظنوا أنه لا يحسن الجواب، وهو إنما يسكت ومراده بسكوته الجواب على هذا الجاهل، وأفضل ما يجاب به الجهلة أو الجاهلون هو السكوت عنهم. والله سبحانه وتعالى يقول في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وهذه مرتبة أعلى؛ ادفع بالتي هي احسن، يعني بدلا من العفو عنه والاعراض عنه أن تدفع إليه بالحسنى تقابل سيئته بالحسنة.

والله يقول في آية أخرى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، يعني السيئة تجازى بمثلها. قابل بين السيئة والسيئة، وسمى السيئة الثانية أو عمل الشخص الذي يجيب السيئة سماه سيئة، وهي ليست بسيئة، وإنما هي في مقابل السيئة الأولى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. يصبح العدو وليا وصديقا حميما، لماذا يصبح عدوك صديقا؟ لأنه يخجل عندما تقابل إساءته بالإحسان، يكون هذا يثير فيه الخجل؛ يعني أنت تحسن وهو يسيء إليك وأنت تحسن إليه.

وفي الحديث الآخر يقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحلم عنهم ويجهلون علي، إلى آخر الحديث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك». يعني الملَّ يقول: الرماد الحار، ولا يزال من معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، إذا كنت بهذه الصفة ولا تقابل إساءتهم بإساءة فالملك معك ظهيرا وناصرا.

لكن الاحسان إلى من أساء إليك هذا من المراتب العالية وهو أعلى مرتبة، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]. إذا لا يلقى هذا الاحسان أو هذا الخلق الكريم إلا الصابرون إلا أهل المرتبة العليا.

والآية التي تكلمنا عنها: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، بعض الشعراء أخذها واقتبس وجعلها في بيتين فيهما جناس تام جناس عجيب، يقول الشاعر: خذ العفو وأمر بعرف كما أمرت وأعرض عن الجاهلينْ ولن في الكلام لكل الأنام فمستحسن من ذوي الجاهلينْ

الجاهلين الأولى كلمة واحدة، والجاهلين الثانية كلمتين؛ في الأولى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وفي الثانية: فمستحسن من ذوي الجاه أصحاب الجاه لين.

وهكذا كانت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم كانت من أرقى الأخلاق عليه الصلاه والسلام، ولذلك لما سئلت عائشة الصديقة بنت الصديق، سالها سعد بن هشام، قال لها: كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قالت: كان خلقه القرآن، أو كان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن. وهذا الحديث في صحيح مسلم.

وفي الصحيحين من حديث انس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا. وفي الصحيحين أيضا من حديث أنس أنه قال: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟

يعني هذا عجب العجاب؛ عشر سنين وهو يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل لشيء: أف، ولم يقل لشيء فعله: لم فعلته؟ ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلت كذا؟ يعني ما هذا الخلق الكريم؟ ما هذا الصبر العظيم؟ لا بد أن الخادم يخطئ يوما يفعل شيئا لا يحسن عند مخدومه، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأنس: أف، ولم يقل لشيء فعله: لم فعلته؟ وأما نحن فربما في اليوم الواحد نقول للخادم يعني: افعل كذا ولماذا لم تفعل كذا ولماذا صنعت كذا، يعني في اليوم الواحد! النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ما قال لشيء: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء: ألا فعلت كذا؟ صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح البخاري من حديث أنس أيضا قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم. يعني النبي كان عند إحدى نسائه، وأرسلت امرأة أخرى من نسائه صحفة فيها طعام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت امرأة أخرى، فكان ينبغي على تلك التي أرسلت الصحفة ألا ترسلها، يعني كان الأولى التي هو في بيتها غارت؛ لما هي ترسل بالطعام وهو في بيتي أنا هذا هذا واجبي أنا! فالتي النبي كان في بيتها قامت وضربت الصحفة من يد الخادم فانفقت الصحفة وسقط الطعام، وكان النبي عنده ضيوف، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يجمع الطعام وفلق الصحفة، ويقول: «غارت أمكم، غارت أمكم». ولم يبد من النبي صلى الله عليه وسلم أي تذمر إلا أنه قال: «غارت أمكم، غارت أمكم». ثم أمسك بالصحفة المكسورة وأعطاها للتي هو في بيتها، وأخذ الصحفة الجديدة من التي هو في بيتها وأرسلها إلى امرأته التي كسرت صحفتها.

وأخلاق النبي كثيرة وعظيمة جدا، ولكننا نكملها إن شاء الله بعد الفاصل، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام. كنا وقفنا عند ذكر الأحاديث التي فيها خلق النبي صلى الله عليه وسلم، والأحاديث كثيرة التي تدل على كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، والأخبار في ذلك كثيرة، ويكفي فيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. الله يقسم سبحانه وتعالى: ﴿نٓ ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 1-4]. أقسم على خلق النبي صلى الله عليه وسلم، والعظيم هو الذي يقول إن خلقه صلى الله عليه وسلم عظيم، يعني ربنا سبحانه وتعالى على عظمته وجلاله يقول عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه عظيم، فلا شك ولا ريب أن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأخلاق.

ولذلك أهل الجنة إذا دخلوا الجنة يدخلون على جمال يوسف عليه الصلاه والسلام، وعلى لحن داوود عليه الصلاه والسلام، وعلى خلق محمد صلى الله عليه وسلم. وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ليست من بداية الاسلام أو من بعد البعثه، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم مجبولا عليها قبل البعثة، فقد كان يسمى صلى الله عليه وسلم الصادق ويسمى الأمين، وكان الناس يقنعون بصدقه ويقنعون بأمانته، وإذا أقبل إليهم صدقوه وقبلوا حكمه، كما قبلوا حكمه في حمل الحجر لقريش لما اختلفت في الحجر الأسود فقالوا: أول ما يطلع عليكم احكموا بينكم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: الصادق الأمين.

ورسوا بحكمه صلى الله عليه وسلم. ومن عجائب أخلاقه قبل الإسلام ما حدث بينه وبين زيد بن حارثة. وزيد بن حارثة كان وهو صغير قد أخذه أناس من أمه عندما ذهبت أمه إلى أخواله زائرة لهم، أغارت خيل من بني القين على أم زيد بن حارثة والولد معها، فأخذوا الولد خطفوه منها وباعوه في سوق عكاظ.

فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد وأهداه لعمته خديجة بنت خويلد التي هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أهدت زيد بن حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم، فعامله النبي صلى الله عليه وسلم بخلق كريم. وكان أبو زيد عندما فقد ابنه وبحثوا عنه فلم يجدوه وعلموا أنه خطف أو سرق واسترق وأصبح عبداً، صار يبكي عليه الليل والنهار ويقول أشعاراً في ذلك.

من ضمن ما كان يقول أبوه حارثة كان يقول: بكيت على زيد ولم أدري ما فعل، أحيه فيرجى أم تادونه الأجل؟ فوالله ما أدري وإن كنت سائلاً، أغالكَ سهل الأرض أم غالَك الحزنُ؟ شعري هل لك الدهر رجعة، فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل. تذكرنيه الشمس عند طلوعها، وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل الغروب. وإن هبت الأرواح هيجْنَ ذكره، فيا طول ما حزني عليه ويا وجل!

سأعمل نَص العيس في الأرض جاهدًا، ونَص العيس يعني خبب الإبل، يعني أنه سيركب على الإبل يبحث عنه في الأرض جاهدًا. سأعمل نَص العيس في الأرض جاهدًا، ولا أسام الطَّوْف أو تسأم الإبل، حياتي أو تأتي عليَّ منية، وكل امرئ فانٍ وإن غرَّه الأمل. وأوصي به قيسًا وعمراً كليهما، وأوصي يزيداً ثم من بعده جَبَل. هذه أبيات من الأبيات التي قالها حارثة أبو زيد.

ثم حج أناس من كُلْب أو من قبيلة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، فصادفوا زيداُ فعرفوه وعرفهم، فأعطوه أبياتاً يسكن بها لهفة أبيه وأمه عليه. يقول في تلك الأبيات: أحن إلى قومي وإن كنت نائياً، فإني قعيد البيت عند المشاعر. فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم، ولا تعملوا في الأرض نَص الأباعر. فإني بحمد الله في خير أسرة، كرامِ مَعَدٍّ كابراً بعد كابر. ولا تعملوا في الأرض نَص الأباعر، يعني خبب الإبل التي ذكرت في كلام والده حارثة.

فلما وصلتدهم الأبيات جاؤوا إلى مكة وعلموا أنه عند النبي صلى الله عليه وسلم أو عند محمد، وهذا كان قبل النبوة، قبل النبوة ربما بعشر سنين. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا ابن عبد المطلب جئناك في فكاك ابننا فأحسن في فدائه. فقال: وما ذاك؟ قالوا: ابننا زيد أو ولدنا زيد عندك، نريد أن نفديه منك ونعطيك في ثمنه إبلاً، فأحسن في فدائه ولا تكلفنا. فقال: أو غير ذلك؟ قال وما ذاك؟ قال: آتي به فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. فقالوا: أنصفت بل زدتنا على الإنصاف. يعني لا يحتاج إلى فداء، وهو سيختار أباه وقومه وأمه، هذا الذي كانوا يتوقعونه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا زيداً فقال: يا زيد أتُعرف هذين؟ فقال: نعم، هذا أبي وهذا عمي. قال: فأنَا من قد عرفت صحبتي لك، فإما أن تختارني وإما أن تختارهم. فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا. فأبوه تعجب وصار يقول: يا زيد أتختار العبودية على أبيك وقومك وأمك وأهلك؟ فقال: يا أبتاه، إنّي رأيت من هذا الرجل أخلاقاً، أو رأيت منه إحساناً يجعلني لا أختار عليه أحدا.

فعند ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد زيد وذهب به إلى الكعبة، ثم نادى قريشاً وقال: يا معشر قريش اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه. فعند ذلك طابت نفس أبيه وعمه وقومه ورجعوا، وصار يسمى زيد بن حارثة زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5].

فقال: لما نزلت هذه الآيات ونزلت في المدينة، أصبح ينادى زيد إلى أن جاءت النبوة، وصار زيد من أول من أسلم فهو أول الموالي أسلم، ثم أصبح يسمى زيد بن محمد إلى أن نزل القرآن في المدينة المنورة: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. فصار زيد يقول: أنا زيد بن حارثة. فلأجل امتثال زيد لأمر الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى، الله سبحانه وتعالى ذكر زيداً في القرآن باسمه، وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر باسمه في القرآن يتلى إلى يوم القيامة.

يقول العلماء إن سبب ذكره هنا أنه امتثل أمر الله في قوله أنا زيد بن حارثة، وقد كان يسمى زيد بن محمد. فهنا ذهبت منه أبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فبدلاً من أن يسمى زيد بن محمد وهذا فخر عظيم له، أصبح يسمى زيد بن حارثة، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يواسيه وأراد أن يكرمه على امتثاله فذكر اسمه في كتابه: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37].

الأخلاق أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من قبل النبوة ثم من بعد النبوة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم أو صالح الأخلاق. والخلق لو أرَدنا أن نعرفه أو نعرف ما معنى الخلق، الخلق له معنيان، معنى عام ومعناه الدين كله، ولذلك فسر بعض السلف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] يعني وإنك لعلى دين عظيّم، وهو دين الإسلام.

وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر فقال: «البر حسن الخلق». فقابل بين البر وبين حسن الخلق مما يدل على أن حسن الخلق كلمة جامعة، وهذا المعنى العام، لأن البر يدخل فيه كل خير من الأعمال، يدخل فيه الإيمان، يدخل فيه الأدب، يدخل فيه الصلاة، يدخل فيه الزكاة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «البر حسن الخلق». إذاً حسن الخلق كلمة جامعة تشمل الدين كله، هذا المعنى العام لححسن الخلق.

المعنى الخاص وهو ما يعلمه الناس من كلمة حسن الخلق، وهي لين العريكة أن يكون الشخص مألوفاً عند الناس. ولذلك قال ابن مسعود كما في الترمذي: المؤمن مألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. والعلماء المشهور عندهم في تعريف الخلق الذي يعرفه الناس أنه بسط الوجه أو طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى. بسط الوجه يعني الابتسامة، يعني أسهل الخلق هو الابتسامة أن تبتسم في وجه أخيك.

ولذلك يقول حبيب بن أبي ثابت: من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يتبسم. وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله قال: ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا راني إلا تبسم في وجهي صلى الله عليه وسلم. وهكذا في صحيح مسلم يقول سماك بن حرب: قلت لجابر بن عبد الله أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، وكان لا يقوم مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان جل ضحكه التبسم.

عائشة تقول: ما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكا حتى تبدو منه لهواته. وفي صحيح مسلم أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». أو بوجه طلق، يعني هناك ضبط: بوجه طلق وبوجه طلق، وفي بعض الروايات: بوجه طليق. وفي الترمذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». وابن عمر يقول: بنيّّ، البر شيء هين؛ وجه طليق وكلام لين. والشاعر يقول: لن تتم جميلاً أنت فاعله إلا وأنت طليق الوجه بهلولُ. ما أبسط الخير فابسط راحتيك به، وكن كأنك دون الشر مغلولُ.

وفي الأمثال أيضاً يقولون: أكسَف وأمسك، يعني أنت بخيل ومع ذلك عابس الوجه. أكسَف وأمسك، إذا بخلت أو إذا أمسكت ولم يوجد عندك ما تعطيه أقل شيء تبسم. ولذلك يقولون: البشر الحسن إحدى العطيتين. وزهير بن أبي سلمى يقول في هرم بن سنان الكريم الجواد المشهور، يقول عنه: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله. يعني إذا جئت تساله عطية فيكون متهلل الوجه. تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله، أخو ثقةٍ ما تهلك الخمرُ ماله، ولكنه قد يهلك المال نائله. نائله يعني عطاؤه.

والآخر يقول: إذا المُرء وافى منزلاً منك قاصداً قراك، وقراك يعني ضيافتك، قراك وأرمت لديك المسالك، فكن باسماً في وجهه متهللاً وقل مرحبا أهلاً ويوم مباركُ. وقدّم له ما تستطيع من القِرى عجولاً ولا تبخل بما هو هالكُ، فقد قيل بيت سالف متقدم تداوله زيد وعمر ومالك: بشاشة وجه المرء خير من القِرَى، فكيف الذي يأتي به وهو ضاحكُ؟

ثم هذا التبسم لا يكلف شيئاً، يعني ماذا ستخسر إذا تبسمت في وجه أخيك؟ ولذلك يقال لسعيد بن الخمس: ما أبشك؟ يقوم عليّ برخص، يعني رخيص جداً، التبسم لا يكلفني شيئاً. وعمرو بن كلثوم العتابي يقول لما قالوا له إنك تلقى العامة ببشر، فقال: دفع ضغينة بأيسر مؤنة واكتساب إخوان بأيسر مبذول.

ثم إذا تبسمت أحبك الناس، فالتبسم سبب للمحبه. ولذلك يقول عروة بن الزبير: مكتوب في الحكمة: فليكن وجهك بسطاً وكلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من الذي يعطيهم العطاء. والله لقد صدق. أنا أعرف شيخاً من الشيبان أو من شيباننا أو من شيوخنا الكبار في السن بلغ الآن ربما مئة سنة، وكان يتبسم لكل أحد إذا جئت تسلم عليه تبسم في وجهك حتى أن الذي يسلم عليه أو يأتيه يظن أنه أحب الناس عنده، ولذلك كل الناس كانوا يحبونه وما زال حيا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطيل عمره على طاعته. ولذلك يقول بعض السلف: قد استرقكَ بالود من سبقك إلى البشر.

وفي بعض الكتب المتقدمة يقال إن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم لقي يحيى بن زكريا ابن خالته عليه الصلاة والسلام لقيه فتبسم في وجهه، يحيى فقال له عيسى: إنك لتتبسم تبسم آمن! يعني أنت هل أمنت العذاب يوم القيامة؟ إنك لتتبسم تبسم آمن. فقال له يحيى: وإنك لتعبس عبوس قانط! فأوحى الله إلى عيسى أن الذي يفعل يحيى أحب إليّ. ولذلك يقول الشاعر: أخو البشر محبوب على حسن بشره، ولن يعدم البغضاء من كان عابسا. ويسرع بخل المرء في هتك عرضه، وما رأيت مثل الجود للمرء حارسا.

وقال بعض العلماء: لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداواتِ. إنّي أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحياتِ، وأظهر البشرى للانسان أبغضه كأنما قد حشى قلبي محباتِ. يعني كأنّه حشى هذا القلب محبات من تبسمي له يتبين عنده أنه أحب الناس إليّ.

وهكذا صاحب الابتسامة وصاحب الأخلاق أهله يحبونه والناس يحبونه، بخلاف سيء الخلق الذي لا يتبسم، عبوس دائماً، وسيء الخلق أشق الناس به نفسه التي بين جنبيه وزوجته وأهله، حتى إنهم إذا سمعوا صوته وكانوا في سرور ربما وجم أو فروا منه هنا وهناك. ولذلك حسن الأخلاق ينبغي علينا أن نتحلى بها فإنها محمودة عند الله سبحانه وتعالى ومحببة في قلوب الناس.

إلى هنا ناتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.