دخولتسجيل الدخول

المجلس الثاني عشر والأخير

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله وبياكم الإخوة والأخوات الكرام والكريمات في هذا الصباح الطيب المبارك. يا رب هل الصوت جيد؟ الله ينفع ويبارك. حياك الله دكتور طارق، حياكم الله الإخوة جميعا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا على آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في غزة خاصة، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ومن كل بلاء عافية. اللهم عليك بالظالمين، اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرج أهل السنة من بينهم سالمين. اللهم عليك بكل من حارب دينك وكتابك وعبادك الصالحين، اشغلهم بأنفسهم ولا تسلطهم على عبادك يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك وفي عودة ميمونة لدرس السبت في صبيحة السبت. اليوم بإذن الله كما اتفقنا نختم الصفحات أو الورقات التي بقيت من كتاب أدب الدين والدنيا للإمام الماوردي عليه رحمه الله. هذا الكتاب الذي عشنا في أفيائه مدة ستة أشهر تقريباً مضت في الحديث عن آداب النفس وآداب الدين وآداب الدنيا، وكان فيه مقدمة نفيسة حقيقة عن طلب العلم وآدابه وقواعده وأحكامه.

في كل مرة نختار كتاباً نحاول أن يكون الكتاب جديداً في طرحه، جديداً في طريقة عرضه للمواضيع والزوايا التي يغطيها، ونحاول أيضاً ألا نطيل فيه سنوات؛ لذلك دائماً الكتب تنتهي لما نعطيها وقتاً. بعض الناس يسأل: لماذا ثلاث ساعات؟ لماذا ما يكون أحياناً الدرس نصف ساعة؟ لو كان الدرس نصف ساعة أو ساعة لما أنهينا الكتاب إلا بعد دهر من الزمن، لكن العمر يمشي والحياة تكبر بنا، وإذا كان الإنسان المسلم وطالب العلم الحريص على الثقافة والمعرفة الشرعية والنظر في كتب التراث يريد أن يتعامل بالهوينا لن ينجز.

لكن أحياناً لا نتعب قليلاً ونأتي على أنفسنا، والهدف من ذلك أن نقف في مرحلة حياتنا العمرية إن شاء الله على أكبر قدر ممكن مما كتبه علماء التراث أو حتى بعض العلماء المعاصرين، كما سيأتي معنا إن شاء الله في الكتاب الذي اخترناه لهذا الصباح؛ كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، حيث غيرنا البوصلة قليلاً إلى كتاب معاصر، لكنه كتاب مفيد جداً ومفيد ونوع من المعرفة التي يحتاجها طالب العلم، وسأترك التعليق عليه إلى أن يبدأ إن شاء الله موعده حتى لا نطيل.

بإذن الله نقرأ الصفحات التي بقيت من كتاب أدب الدنيا والدين، وقد وصلنا مع الماوردي في الكلام عن المروءة، وهذا ما انتهينا إليه؛ الكلام عن المروءة. وقلنا المروءة نوعان أو تنقسم إلى قسمين: شروط المروءة في نفس الإنسان وشروطها في غيره. فإما المروءة في نفسك فهي أن تتسم بثلاثة أمور: العفة، والنزاهة، والصيانة. هذه مروءتك في علاقتك مع نفسك، وسيتكلم عن المروءة في علاقتك مع الآخرين.

بالنسبة للمروءة في علاقتك مع نفسك: عفة، نزاهة، صيانة. تكلمنا عن العفة بأقسامها: العفة عن المحارم، العفة عن المآثم إلى غير ذلك. اليوم سنتكلم عن النوع الثاني من أنواع أقسام العفة في النفس أو المروءة في النفس، وهي النزاهة. قال عليه رحمه الله: «وأما النزاهة...».

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجِّ إخواننا المستضعفين المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: «وأما النزاهة فنوعان: أحدهما النزاهة عن المطامع الدنية، والثاني النزاهة عن مواقف الريبة».

جميل، حتى تحافظ على مروءة نفسك عليك أن تتنزه عن أمرين: أن تتنزه عن المطامع الدنية، سواء منصب تريد أن تصل إليه بشكل دنيء، أو لعاعة من لعاعات الدنيا عند سلطان جائر أو عند فاسد ظالم تريد أن تصل إليه بدناءة. النزاهة عموماً عن المطامع الدنية، ثانياً: النزاهة عن مواقف الريبة. لا تضع نفسك في موقف ريبة، وهذا حقيقة مهم في تحصيل المروءة، الإنسان الذي يحافظ على مروءة نفسه لا يضع نفسه في مواقف يتهم فيها أو يشكك فيها بأخلاقه وسلوكياته. دعنا مع الماوردي يوضح.

قال: «فأما المطامع الدنية، فلأن الطمع ذل، والدناءة تلوم، وهم أدفع شيء للمروءة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طمع. وقال بعض الشعراء: لا تضرعنَّ لمخلوق على طمعِ ... فإن ذاك مضرٌ منك بالدينِ واسترزقِ الله مما في خزائنهِ ... فإنما هو بين الكافِ والنونِ والبعث على ذلك شيئان: الشره، وقلة الأنفة. فلا يقتنع بما أُوتي وإن كان كثيراً لأجل شرهه، ولا يستنكف مما مُنع وإن كان حقيراً لقلة أنفته».

قال: «وهذه حال من لا يرى لنفسه قدراً، ويرى المال أعظم خطراً، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلهما مغنماً، وليس لمن كان المال عنده أجلّ ونفسه عليه أقل إغضاءً، وليس لمن كان المال عنده أجلّ، ونفسه بالنسبة له قليلة -يعني ما بتسوى شيء- لا يصغي إلى تأنيب ولا قبول لتأديب».

نعم، روي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: «عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وإذا صليت صلاة فصِلِّ صلاة مودع، وإياك وما تعتذر منه». وقال بعض الحكماء: وإياك وما يعتذر منه؛ يعني هذا ربما يناسب الفكرة الثانية أن لا تضع نفسك في موقف محرج تحتاج أن تعتذر منه.

نعم، وقال بعض الحكماء: «عز النزاهة أشرف من سرور الفائدة». وقال بعض الشعراء: سرور الفائدة -يعني سرور المال الذي يأتيك أو أي فائدة دنيوية- أن تحافظ على مروءة نفسك هذا أجمل من السرور الذي ستشعر فيه عندما تحصل طمعاً دنيوياً. نعم، وقال بعض الشعراء: ومن كانت الدنيا مناه وهمه ... سبته المنى واستعبدته المطامعُ المنى: الأماني. نعم.

قال: «وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس والقناعة». وقد روى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي كيف تحسم هذه المطامع في النفس -من اللي هو الطمع في المكاسب الدنيئة- باليأس مما في أيدي الناس، والقناعة بما رزقك الله، أن تيأس مما في أيدي الناس وتقنع بما رزقك الله.

قال: «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم إبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله تعالى؛ فإن الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته».

هذا من أجمل الأحاديث حقيقة؛ أولاً: «إن روح القدس نفث في روعي» -ماذا نفث في روعه جبريل؟- «أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها»؛ بالتالي لا تكن حريصاً على الدنيا لأنه لن يأتيك إلا ما كُتب لك، أنت حتماً ستحصد كل ما كتبه الله. و«أجملوا في الطلب»؛ يعني لا تكن حريصاً أي حثيثاً خائفاً وجلاً، وإنما أجمل، وكأننا نقول: يا رب أسألك رزقاً واسعاً، وإذا طلبت فاطلب على قدر استطاعتك. لا تتعنى، لا تبق خائفاً وجلاً.

«ولا يحملنكم إبطاء الرزق» -وهذا ما يحصل عند الكثير من الناس- «على أن تطلبوه بمعاصي الله»؛ يقول لك: والله دورت يا شيخ على شغلة حلال، حاولت وحاولت وحاولت بس ما مش عم يجي باب الرزق، فبروح بختار السبيل الحرام أو القروض الربوية أو ما شابه ذلك. «فإن الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته». الرزق سيأتيك، لكن أنت من سيختار طريقته، تريد أن تحصله بالحلال يأتيك، وإذا اخترت بالحرام لن يؤتيك إلا ما كتب لك؛ لا تفكر، لكن أنت لما اخترت الوسيلة الحرام أكلت مالاً حراماً، وذلك ذاك لما اختار الوسيلة الحلال يعني فرحة دنيا وأخرى.

نعم، قال: «وأما مواقف الريبة، فهي التردد بين منزلتي حمد وذنب، والوقوف على حالتي سلامة وسقم، فتتوجه إليه لائِمَة المتوهمين، وتناله ذلة المريبين، وكفى بصاحبها موقفاً إن صح افتضح، وإن لم يصح امتهن». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وسئل محمد بن علي -السلام عن المروءة- فقال: «ألا تعمل في السر عملاً تستحيي منه في العلانية». محمد بن علي اللي هو باقر، لذلك قال عليه السلام على طريق الرواة، تمام، واحد الأئمة محمد بن علي الباقر.

نعم، قال: وقال حسان بن أبي سنان: «ما وجدت شيئاً هو أهون من الورع». قيل له: وكيف؟ قال: «إذا ارتبت بشيء تركته». والداعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظن. والمانع منها شيئان: الحياء، والحذر. الداعي؛ ما الذي يجعل الإنسان يقع في مواقف الريبة؟ يقول: الاسترسال الزائد مع النفس، يعني إعطاء النفس مناها ومرادها وعدم كبح جماحها، هذا معنى الاسترسال، أنه خطر في ذهني الفكرة، يلا بدي أعملها. طيب قبل ما تعملها، ولا خطر في ذهني والله أسأل فلانة، طيب قبل ما تمشي مع هذه الفكرة أنت حاسب حساب الموقف صحيح ولا لا؟ خلص كل ما خطر في ذهني يسترسل معه، كل ما جاءته خاطرة يمشي فيها ولا ينتبه أنه يفكر، أنه يهدأ حتى يحسب الأمور. الاسترسال، ثانياً: حسن الظن بالناس. وهذا جهل، بعض الناس يا أخي إذا وقف موقف ريبة فالناس دخلت في عرضه، قال: يا أخي شوف الناس كيف تغيرت أخلاقها وتستغيبني وكذا. طيب يا أخي ماشي أنت برضو أنت أحسنت الظن بالناس زيادة عن اللزوم. الناس بطبيعتها -إذ امرأة العزيز وقالت نسبة في المدينة، امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حب- الناس بشكل عام لا تطالب بالمثاليات، وألا تطلب منهم أنه حتى لو رأيتموني في موقف ريبة يجب أن تحسنوا الظن بي؛ الناس ليست هكذا، ليست هكذا. النفوس جبلت على تتبع العثرات، جبلت على الخوض في الناس بعضها في بعض، فحسن الظن بالناس الزائد نوع من الحمق والغفلة. لا، عليك أن تعرف أن الناس لن ترحم؛ فاسترسالك مع كل فكرة بدك تفعلها بدون ما تحسب عواقبها، مع حسن الظن الزائد بالناس هو الذي يجعلك تقع في مواقف الريبة.

نعم، قال: «والمانع منها شيئان: الحياء والحذر». نعم، ما الذي يمنع الإنسان من مواقف الريبة؟ الحياء، يكون يستحي أن يرى في مكان يتهم فيه، والحذر من الناس. نعم، قال: «وربما انتفت الريبة بحسن الثقة، وارتفعت التهمة بطول الخبرة». نعم، ربما الآن في بعض المواطن، أنت مثلاً قد تقف فيه مع امرأة أو قد تقف فيه في مكان معين، نعم ما يكون موقف ريبة في حقك؛ لأنه الناس عندها ثقة فيك، تمام؟ يعني في نوع من الثقة، أصبحوا يعرفون والله فلان لا، هذا موقف طبيعي هنا؛ لأنه هي طبيعة عمله أصلاً، تمام؟ أنت حتى في حياتك ترى مثلاً شخص موظف في مكان معين، قد ترى معه مثلاً امرأة أو ترى شيئاً ما يخطر في بالك اتهامه؛ لأنك تعرف أنه طبيعة عمله هكذا، أو يقتضي هذا النوع من التعامل؛ فبسبب طول الخبرة كما قال، وطول الثقة أحياناً تنتفي الريبة، وهذا واقع.

نعم، قال: «كالذي حُكي عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه رآه بعض الحواريين وقد خرج من منزل ذات فجور». فقال: منزل امرأة ذات فجور، نعم، فقال له: يا روح الله، ما تصنعها هنا؟ فقال: «الطبيب إنما يداوي المرضى». قال: «لكن لا ينبغي أن يجعل ذلك طريقاً إلى الاسترسال، وليكن الحذر عليه أغلب، وإلى الخوف من تصديق التهم أقرب، فما كل ريبة ينفيها حسن الظن». نعم، حسن الثقة، حسن الثقة إيش يعني؟ يعني طيب يا حتى لو أنك عرفت أن الناس تثق فيك، لكن مع ذلك يقول لك لا تسترسل. صح نحن عارفين أن طول الثقة والخبرة ينفي الريبة في كثير من الأحايين، لكن الماوردي بينصحك لا تعتمد على هذا كثيراً فتسترسل وتقول ما هو خلص.

إيه خاصة إخواني هذه لكم فائدة، طلاب العلم أو الشباب بكره بصير دعاء في العلاقة مع النساء أو ما شابه ذلك، بصير يعتمد على إيش؛ لا ما هم الطلاب يثقون في، لا ما هم لا، أنت ماشي مرة مرتين ثلاث، لكن في موقف معين ممكن أحد الطلاب يقع في نفسه شيء، يمكن يخطر في بالك، فأنت لا تعتمد أو لا تتكئ كثيراً على حسن ثقة طلابك فيك؛ لأنه في النهاية النبي عليه الصلاة والسلام أوقف الصحابيين، فقالوا: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنها صفية. معقول؟ فالصحابة أكثر الناس ثقة بالنبي، قالوا: يا رسول الله، يا رسول الله، يعني الصحابيان كأنهما معقول نشك فيك؟ قال: «إن الشيطان يجري لابن آدم مجرى الدم». فلا تعتمد على طول ثقة طلابك أو اتباعك فيك.

نعم، قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد خلق الله من...

الريب وأصوانه من التهم، وقف مع زوجته صفية ذات ليلة على باب مسجده يحدثها، وكان معتكفًا، فمر به رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا، فقال لهما: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: أويخالجنا فيك شك يا رسول الله؟ فقال: إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى اللحمة والدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا. فكيف بمن تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظنون؟ هل يرى من مواقف الريب من قادح محقق ولائم مصدق؟ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا لم يشق المرء إلا بما عمل فقد سعد.

يعني كأنه يقول: إذا لم تشق إلا بعملك فقد سعدت، وكأنه يقول إن أكثر الناس يشقى بأشياء لم يعملها؛ فهذا يدل على أنه تتهم بأمور وتنسب إليك أشياء أنت لم تقع فيها، فيقول: لو لم تشق عند الناس إلا بعملك أنت المنيح، يعني على الأقل أنك قيل فيك ما فيك، وأكثر الناس تتكلم فيك وتسقط فيك وأنت لم تفعل؛ فهذا يؤكد ألا تكن مسترسلًا مع ثقتك بالناس ومع الأفكار التي تطرح أمامك.

قال: وإذا استعمل الحزم وغلب الحذر وترك مواقف الريب ومظان التهم، ولم يقف موقف اعتذار ولا عذر لمختار، لم يختلج في نزاهته شك ولم يقدح في عرضه أفك. وقد قال الشاعر: أصونك أن أدل عليك ظنًا، لأن الظن مفتاح اليقين. وقال سهل بن هارون: مؤنة التوقف أيسر من تكلف التعسف. وقال بعض الحكماء: من حسن ظنه بمن لا يخاف الله تعالى فهو مخدوع. وأنشد بعض أهل الأدب لأبي بكر الصولي: أحسنت ظني بأهل دهري، فحسن ظني بهم دهاني، لا آمن الناس بعد هذا، ما الخوف إلا من الأمان. قال: فهذا شرط قد استوفينا فيه نوعي النزاهة.

هكذا انتهى من النزاهة، الآن سينتقل الكلام عن الصيانة، وهي القسم الثالث من أقسام مروءة النفس. قال: وهي الثالث من شروط المروءة، فنوعان، أحدهما: صيانة النفس بالتماس كفايتها وتقدير مادتها؛ أولًا: صيانة النفس بأن تحصل لها من المادة والقوت ما لا تحتاج به إلى أن تمد يدك إلى الناس. ثانيًا: قال: صيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة، ثانيًا: صيانتها عن تحمل المن للجمايل من الناس والاسترسال في الاستعانة بالناس والطلب منهم.

قال: فأما التماس الكفاية وتقدير المادة، فمعنى تقدير المادة أن تحصل كفايتك من الراتب الشهري أو الحياة والمادة اللي هو المال؛ فالمحتاج إلى الناس كل مهتضم وذليل، وهو لما فطر عليه محتاج إلى ما يستمده ليقيم أود نفسه؛ يعني كل إنسان فطر على الاحتياج، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]. كل إنسان أكيد فقير ويحتاج إلى ما يستمده من الأموال ليقيم نفسه، أي حاجة ويدفع ضرورة وقته من الطعام والشراب والمسكن وهكذا. ولذلك قالت العرب في أمثالها: كلب جوال خير من أسد رابط. لماذا كلب جوال خير من أسد رابط؟ لأنه الكلب يبحث ويدور، أحسن ماشي أسد وكذا بس قاعد نايم في الدار، يعني مش عم يشتغل، لا روح ابحث ولو تعبت أفضل من أنك تبقى تعمل لحالك كذا وكذا لكنك لا يأتيك رزقك.

قال: وما يستمده نوعان، يعني الآن الأرزاق التي أنت تطلبها نوعان؛ نوع لازم لابد تطلبه، والثاني ندب. فأما اللازم فهو الكفاية التي تحصل بها كفاية نفسك وزوجتك وأولادك والناس الذين تصرف عليهم، فما قام بالكفاية يفضى إلى سد الخلة وهي الحاجة، وعليه في طلبه أي هذا اللازم ثلاثة شروط: أحدها استطابته من الوجوه المباحة، أولًا عليك أن تتأكد من أنك تطلب الرزق من الجهة المباحة وتوقي الوجوه المحظورة في كسب الأموال، فإن المواد المحرمة مستخبثة الأصول، ممحوقة المحصول؛ أي رزق حرام فأصله خبيث وبركته الحاصلة ما في بركة، ممحوقة المحصول يعني لا يوجد بركة تحصل منه. إن صرفها في بر لم يؤجر؛ لأنه مال حرام، رحت حجيت فيه لا تؤجر، تصدقت به لن تؤجر، كثير من الناس بكون في بنوك ربوية، تقول له يا أخي اترك البنك الربوي، يقول لك يا أخي بس أنا الحمد لله والله بتصدق وبعمل أشياء منيحة في الحياة، كل مالك هذا حرام، يعني لن تؤجر على هذه الصدقات ولن تؤجر على هذا الحج ولن تؤجر على الأعمال التي تفعلها بمالك الحرام.

قال: وإن صرفها في مدح لم يشكر، لأن الله يذهب بركتها؛ يعني لو صرفها في إكرام الناس وإهدائهم هدايا الله عز وجل يصرف عنه الشكر، ثم هو لأوزارها محتقب، أي حامل، ومعاقب يوم القيامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يعجبك رجل كسب مالًا من غير حله؛ فإن أنفقه لم يقبل منه، وإن أمسكه فهو زاده إلى النار». وقال بعض الحكماء: شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمت أجر إنفاقه. ونظر بعض الخوارج إلى رجل من أصحاب السلطان يتصدق على مسكين فقال: انظر إليهم حسناتهم من سيئاتهم، وصدق هذا الخارجي؛ يعني يصح الخوارج لكنه قال حكمة. وقال علي بن الجهم: اقرأ سر من عاش ماله، فإذا حاسبه حاسبه الله سر الإعدام.

قال: والثاني طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غضب ولا يتدنس له بها عرض؛ فإن الإعدام -والإعدام يعني الإنسان في هذه الدنيا بكون مبسوط على أنه في مال، لكن لما يأتي يوم الحساب يوم القيامة ويرى أنه سيحاسب عن مال من أين اكتسبه وفيما أنفقه- سيسره يوم القيامة الإعدام؛ ما معنى الإعدام؟ يعني لو كان معدمًا ما عنده شيء في الدنيا، ماشي أنت مسرور بالمال بس يوم القيامة لما تشوف الحق ستسر بماذا؟ ليتني كنت معدمًا ما عندي شيء.

قال: والثاني طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقها فيها غض ولا يتدنس له بها عرض، إذا الشرط الأول الرزق أن تتأكد من أن المال حلال، ثانيًا وهذا كثير من الناس يزهد فيه، بقول لك خلص المال حلال، إذا بأي طريقة أجيبه أجيبه، لا، العاقل حتى لو أنه حلال في هناك مكاسب دنيئة وفي هناك مكاسب شريفة، أليس قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كسب الحجام خبيث»، هسا هو قالوا مال حلال لكن قالوا خبيث بمعنى دنيء، يعني مش أفضل المكاسب، والإنسان الذي يهتم بنفسه وبمروءتها يهتم أنه حتى لو كان المال حلال أريد أن أحصله بعزة النفس وليس بدناءة النفس.

قال: فإن المال يراد لصيانة الأعراض لا لابتذالها ولعز النفوس لا لإذلالها. فقد قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: يا حبذا المال أصون به عرضي وأرضي به ربي. وقال أبو بشر الضرير: كفى حزنًا أني أروح وأغتدى، ومالي من مال أصون به عرضي، وأكثر ما ألقى صديقي بمرحباً، وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي صديقًا، بده مصاري يعني. وسئل ابن عائشة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه»، فقال معناه من أحسن الوجوه التي تحل.

والثالث: اطلب الحوائج من حسان الوجوه، بعض الناس يفهمها فهمًا رديئًا؛ يعني اطلب الحوائج من النساء الجميلات وكذا ويجي بيستدل لك على هذا الحديث، يقول لك حط سكرتيرة عنده حسنة المظهر يقول لك اطلب الحوائج من حسان الوجوه، طبعًا هذا حديث متكلم في سنده، لكن الفكرة يقول لك هي هكذا تقول الحكمة، وهذا شوف موسى بن أبي عائشة أظنه، هذا كيف فهم الحديث؟ يقول المراد اطلبوها من أفضل وجوهها، هذا معنى من حسان الوجوه، هذا معنى هذه الإضافة، اطلبوا المال من أحسن وجوهه التي تحل، شوف التفسير العاقل عندما يخرج من العقلاء.

الشرط الثالث في الرزق أن يتأنّى في تقدير مادته وتدبير كفايته بما لا يلحقه خلل ولا يناله زلل، فإن يسير المال مع حسن التقدير وإصابة التدبير أجدى نفعًا وأحسن موقعًا من كثير من المال مع سوء التدبير وفساد التقدير؛ كالبذر في الأرض، كما أنه إنسان يبذر في الأرض، إذا روعي يسيره زكى، أنت ممكن تضع في الأرض أشجار قليلة بس تحسن تقليمها وتظبيطها وتهذيبها فتزكو يعني تنمو، وإن أهمل كثيره ممكن تزرع ألف شجرة عندك لكنك لا تقلمها ولا تهتم بتدبير ستتلف. وقد قال محمد بن علي الكمال في ثلاثة: العفة في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التدبير في المعيشة. وهذا حقيقة يا شباب جدًا مهم، عرفت كثير من الشباب سواء راتبك قليل أو كثير، حاول أن تقتصد، أولًا لا تضع على نفسك ديون، حاول قدر المستطاع لا تضع نفسك ديون خاصة الكماليات، لا تحاول تقتحم باب كماليات أنت ما عندك قدرة عليها، فتجد نفسك دائمًا عن طريق البنوك حتى لو البنوك الإسلامية، لا تذهب إلا إلى حاجة ملحة، لا تراكم على نفسك مشاكل الحياة الدنيا حتى ترتاح.

وقيل لبعض الحكماء: فلان غني، فقال: لا أعرف ذلك ما لم أعرف تدبيره في ماله؛ يعني الغنى جميل، هذا مش أنه فعلًا معه مادة، خبرني كيف بيدير أمواله بعدين احكي لي أنه غني ولا لا؛ أنه ممكن ماله ما شاء الله 5000 شهري بس هو فقير ما يحسن تدبير المال.

فإذا استكمل هذه الشروط فيما يستمده من قدر الكفاية، فقد أدى حق المروءة في نفسه. وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: العفة والحرفة، أن تعف نفسك عن الحرام، وتكون لديك حرفة تكتسب بها. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني لا تكن على أحد كلًا أي عبئًا، فإنك تزداد بذلك ذلة، واضرب في الأرض أي اسعى عودًا وبدءًا، ولا سفن لمال كان فذهب خلاص إذا مالك ما راح يأتي، ولا تعجزن عن الطلب لوصب ولا نصب أي لتعب؛ فهذا حال الرزق اللازم، نحن قلنا الرزق هناك لازم وهناك مندوب، هيك انتهينا من القسم اللازم من الرزق.

وقد كان ذوو الهمم العلية والنفوس الأبية يرون ما وصل إلى الإنسان كسبًا أفضل مما وصل إليه إرثًا؛ يعني أيهما أفضل أموالك التي تأخذه من أبوك ولا اللي أنت بتشتغل فيه وتكتسبه بعرق الجبين؟ لأنه في الإرث في جدوى غيره، وبالكسب مجد إلى غيره، تمام لما أنت تأخذ مال الإرث أنت تعتمد على غيرك، وأما بالكسب فأنت مجد إلى غيره، يعني أنت تعطي الآخرين، أنت الذي فعلت شيئًا للناس، أما الإرث هو شيء فعل فعله الناس لك، وفرق ما بينهما في الفضل ظاهر. وقال كشاجم أو أحد الشعراء مر معنا سابقًا: لا أستلذ العيش لم أبذل له طلبًا وسعيًا في الهواجر والغلس، أنا لا أستلذ بعيش أنا ما تعبت له، وأرى حرامًا أن يواتيني الغنى حتى يحاول بالعناء ويلتمس، يعني حرام علي أصير غني حتى أتعب من أجل تحصيل الرزق، فاصرف نوالك عن أخيك موفرًا، فالليث ليس يسيغ إلا ما افترس، الأسد لا يأكل إلا الفريسة التي هو جابها ما بيعتمد على فريسة افترسها غيره.

وأما الرزق المندوب، قال فهو ما فضل عن الكفاية وزاد على قدر الحاجة، فإن الأمر فيه معتبر بحال طالبه؛ فإن كان ممن تقاعد عن منازل الرؤساء وتقاصر عن مطاوله النظراء وانقبض عن منافسة الأكفاء، فحسبه ما كفاه، فليس في الزيادة إلا شره ولا في الفضول إلا نهم، وكلاهما مذموم. نعم يقول لك أما الرزق المندوب يعني ما زاد على قدر الكفاية، فالناس نوعان، إنسان شريف من أصحاب المنازل أو أمير أو حاكم أو قاضي وهو محتاج إلى أن يكون لديه بعض الفضول من أجل أن يكافئ أقرانه ويذر قوته لديهم، فإذا يقول لك إذا أنت مش من هذا النوع إنسان بصي حالك ببالك يعني لست من أصحاب المناصب ولا من أصحاب الجهات ولا كذا، مواطن عادي، قال فهذا خير له أن يبتعد عن المندوب ويقتصر على قدر الكفاية في جذب المال، فإن هذه الزيادة مذمومة، خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي، كما نسب حديث ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

وقال علي: الدنيا كل على العاقل. وقال عبد الله: المستغني عن الدنيا بالدنيا كمطفئ النار بالتبن، واحد يطفي النار بالتبن شو بصير؟ برجع يولعها. يقول لك المستغني عن الدنيا من خلال الدنيا، قال لي بحط على النار كاز بده يطفيها عمر ما راح تطفي، فكيف تستغني عن الدنيا من خلال طلب الدنيا؟ مش حينفع هذا معنى الكلام. وقال بعض الحكماء: اشترِ ماء وجهك بالقناعة، وتسلى عن الدنيا بتجافيها عن الكرام.

قالوا: وإن كان ممن قد مني -أما شخص لا مني- يعني أعطي علو الهمم وتحركت فيه أريحية الكرم، إنسان طبيعته بحب يكون عنده مال يعطي ويحب أن يكون صاحب اليد العليا، وآثر أن يكون مرأسًا ومقدمًا وأن يرى في النفوس معظمًا ومفخمًا، فهذا الكفاية لا تقله، ما بتشيلك الكفاية وحدها ما بتشيلك حتى يكون ماله فاضلًا ونائله فائضًا.

قيل لبعض العرب: ما المروءة فيكم؟ قال: طعام مأكول، ونائل مبذول -يعني مال تبذله- وبشر مقبول. وقد قال الأحنف: فلو مد سروي بمال كثير لجدت، وكنت له باذلاً، فإن المروءة لا تستطاع إذا لم يكن مالها فاضلاً. يعني لن تصل إلى المروءات العالية لأصحاب المناصب عموماً إذا لم يُرَ معطاءً للناس، وهذا بالتالي يحتاج إلى فضل مال.

وقال أحيحة بن الجلاح: رزقت مالاً ولم أرزق مروءته، وما المروءة إلا كثرة المال. إذا أردت مساماة -أي إذا أردت أن أسامي مثلي من الأشراف- تقاعد بي مالي الدنيء؛ أي نزل بي عما ينوه باسمي رقة الحال.

أما صيانة النفس؛ فقد انتهى من موضوع النوع الأول من الصيانة وهو صيانة النفس، كما قلنا بالتماس كفايتها وتقدير مادتها سواء على قدر اللازم أو على قدر المندوب. النوع الثاني من الصيانة: صيانة النفس عن تحمل المن، تحمل الجمائل. تمام؟ كيف تصون نفسك عن تحمل المن والاسترسال في الاستعانة؟ قال فلان: المنة في استرقاق الأحرار تحدث ذلة في الممنون عليه. هذا نوع من الاسترقاق لكنه رق للأحرار، ليس رقاً للعبيد. هذا تمام أن تبقى تحت أيادي الناس ومعروفهم، هذا ذل للأحرار، قال: تحدث ذلة في الممنون عليه وسطوة في المان به.

والاسترسال في الاستعانة، لما كل يوم تحكي مع أصحابك: فلان بدي مساعدتك في كذا، فلان بدي مساعدتك في كذا، هذا قال: هذا تثقيل، بصير الناس تتثاقل منك، يقول لك: هذا إذا جاء تليفونه بدي أرد؟ الله يستر شو بده منك! تمام؟ بصير أنت بترد على التليفون بتعرف في مصيبة جاية، بده إياني أكيد أساعده في كذا، بده إيانا في كذا، نفسي يوم يحكي معي يقول لي: بدي أعطيك، كل ما بيحكي معي بده يأخذ. قالوا: ومن ثقل على الناس هان، ولا قدر عندهم لمهان.

وقد قال رجل لعمر بن الخطاب: خدمك بنوك؟ فقال: أغناني الله عنهم. شوف جميل، أغناني الله عنهم. وقال علي بن أبي طالب لابنه الحسن في وصيته: يا بني، إن استطعت ألا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، ما يكون أحد له عليك يد، ولا تكن عبد غيرك، فقد جعلك الله حراً. فإن اليسير من الله تعالى أكرم وأعظم من الكثير من غيره، وإن كان كل ما يأتيك من الله كثير، حتى القليل من الله كثير. يقول لك: كل شيء يعطيك الله إياه فهو كثير حتى ولو كان يسيراً.

وقال زياد لبعض الدهاقين -يعني بعض المسؤولين-: ما المروءة فيكم؟ قال: اجتناب الريب، فإنه لا ينبل مريب، وإصلاح الرجل ماله فإنه من مروءاته، وقيامه بحوائجه، وهذا موطن الشاهد، وحوائج أهله، فإنه لا ينبل من احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله إلى غيره. وهي أكبر فضيحة أنه زوجتك تحتاج تلتجئ إلى غيرك، أنه أبناؤك ما يعرفوا يحكوا معك يذهبوا إلى أعمامهم وأخوالهم، قال: لأنه أبونا ما بيشيل همنا. هذه معنى فضيحة وعار، أنه أنت زوجتك وأولادك يقضون حوائجهم عند غيرك، معناته أنت لست صاحب مروءة.

وأنشد ثعلب: من عف خف على الصديق لقاؤه وأخو الحوائج وجهه مملول شايف هذا موطن الشاهد، وأخو الحوائج اللي دائماً بيحكي معك مشان الحوائج وجهه مملول، الناس بتمله. وأخوك من وفرت ما في كيسه فإذا عبثت به فأنت ثقيل أخوك بضله أخوك إذا أنت مش ماس مصاريه، قال: فإذا عبثت به، إذا صرت بدك منه مصاري صرت أنت ثقيل عليه هيك الحياة ويصير أخوك يستثقلك.

وإذا كان الناس لا يستغنون عن التعاون -هس الناس عموماً بشكل عام نحتاج إلى بعضنا البعض هكذا سنة الحياة، ولا يستغنون عن المساعدة والتظافر هكذا سنة الحياة- فإنما ذلك تعاون ائتلاف يتكافؤون فيه ولا يتفاضلون. هذا القدر نعم طبيعي، وربما كان المستعين فيه مفضلاً والمعين مستفضلاً. تخيل بعض الناس يعتبر أنه إذا شخص طلب مني العون والله متفضل علي أنه قصدني لقضاء حوائجه فيكون المعين هو المتفضل والمستعين هو المتفضل عليه، هذه حالة كريمة وشريفة جداً. فاستعانة السلطان بجنده؛ فهنا السلطان وإن كان يستعين بالجند لكن السلطان في العرف يعتبر هو المتفضل. والمزارع استعانته بأكرته الذين استأجرهم، فليس من هذا بد ولا لأحد عنه غنى. وإنما الذي يتصاون التفضيل، إذا كان التعاون الأساسي هذا شيء طبيعي في الحياة، لكن تعاون التفضيل الذي فيه الجمائل كما يقولون والمن، هذا الذي يرتفع عنه الكرام فينقبضون عن أن يستعينوا لئلا يكون عليهم يد، ويسارعون أن يعينوا لئلا يكون لهم يد، فهم أصحاب اليد والمعروف.

ومن أخدم من غير اضطرار على الاستعانة بجاه أو مال فقد أوهى مروءته واستبذل صيانته. ومن دعاه الاضطرار لنائب ألم أو حادث هجم إلى الاستعانة بمن يتنفس به من خانق كربه، ويتخلص به من وثاق نوائبه، فلا لوم على مضطر؛ يعني هذه ممكن تصير في الحياة فعلاً الضرورات تبيح المحظورات كما يقولون. فإن أغناه الاستعانة بالجاه عن الاستعانة بالمال فلا عذر له في التعرض للمال، ويعدل إلى ولاة الأمور، فإن الحوائج عندهم أنجح، وهي عليهم أسهل. دائماً طبعاً هذا بيتكلم شكله عن زمانهم؛ أنه عادة إذا ألمت بك ملمة وأردت أن تستعين بأحد، الأفضل أن تستعين بولي الأمر، لا تروح تستعين بالناس العاديين، لأنه عادة ولي الأمر المال في يده حاضر، وفي عنده بيت مال المسلمين، فعادة ما يقضي حوائجك. فيقول: فإن الحوائج عند ولاة الأمر أنجح، عادة ما تقضى وهي عليهم أسهل، وهم لذلك مندوبون أصلاً، يعني هو لماذا هو ولي أمر حتى يقضي حوائج الناس؟ فهم لا يجدون لهم مساوياً، لأن هو أصلاً الحاكم فهو لا يبحث يعني هو مش عم يتحدى شخص في ضمن مرتبته. فلا يجدون لهم مساوياً.

وليصبرن على إبطائهم، لو تأخر عليك الحاكم في قضاء حاجتك فاصبر، فإن تراكم الأمور عليهم مشغلهم، أكيد الحاكم مشغول في كثير من الأمور يعني ما هو متفضٍ لك وحدك، إلا عن الملح الصبور، تمام؟ فإن تراكم الأمور يشغلهم إلا عن الملح الصبور، تمام؟ فعليك أن تلح مع صبر. الحاكم عنده مهام كثيرة، هو ما في غيرك، لكن إذا بتبقى تلح بالطلب كل يوم بتروح تطلب مرة ثانية وتصبر، آخرتها بتجيك. ولذلك قيل: قدم لحاجتك بعض لجاجتك، يعني خليك شوي دافش، بتأخذ شيء من ولاة الأمور من الحكومة، بدك تضلك تدافش، بعض لجاجتك.

وقد تقدم من قول الحكماء: ريح السلطان على قوم نسيم وعلى قوم سموم، هكذا السلطان ريحه تكون على قوم نسيم، تكون براد على بعض الناس، بس على بعض الناس بتكون ريح السلطان قاتلة، هذا مثل يضربونه. وقال عبد الله بن المعتز: من صاحب السلطان فليصبر على قسوته، كصبر الغواص على ملوحة البحر.

وقال أبو سارة سحيم بن الأعرف: نعد قرابة ونعد صهراً ويسعد بالقرابة من رعاها وما زرناك من عدم ولكن يهش إلى الإمارة من رجاها وأيما فعلت فإن نفسي تعد صلاح نفسك من غناها.

فإن تعذر عليه صلاح حاله إلا بمال يستعين به على نوائبه، كان له مع الضرورة فسحة فيه، لكن إن وجده قرضاً مردوداً لم يأخذه صلة. وجوده؛ فإن القرض -نعم معنى التالي: إذا أنت احتجت لمال من أخوك حاول أن تأخذه قرضاً ولا تأخذه صلة وهدية- ظل القرض أحفظ لماء الوجه، نعم قال: فإن القرض مستسمح به في المروءات. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما أعلى الله تعالى من قدره وفضله على خلقه، قد اقترض ثم قضى فأحسن. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أعياه رزق الله تعالى حلالاً فليستدن على الله وعلى رسوله». وقال صلى الله عليه وسلم: «المستدين تاجر الله في أرضه».

وقال البحتري: ألا يكن كثر فقل، فقل عطية يبلغ بها باغي الرضا بعد الرضا أو لا تكن هبة فقرض يسرت أسبابه وكواهب من أقرضا ولئن كان الدين رِقاً فهو أسهل من رق الأفضال.

وقد روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: من أراد البقاء -ولا بقاء- فليباكر الغداء، نعم. قال: وليخفف الرداء. وقيل: ما خفة الرداء من البقاء؟ قال: قلة الدين. هذا معنى وليخفف الرداء يعني تخفف في الديون التي تأخذها، لأن حتى الدين في النهاية هو برضه استعباد بشكل من الأشكال. نعم قال: فإن أعوزه ذلك إلا استسماحاً فهو الرق المذل. ولذلك قيل: لا مروءة لمُقِل.

وقال بعض الحكماء: من قَبِل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزة وجلالته. قال: من قَبِل صلتك فقد باعك مروءته، خلاص يعني أعطاك ذل. الله لا يضع الإنسان في هذه المواقف. والذي يتماسك به من أولي الألباب قية مروءة الراغبين، واليسير التافه من صيانة السائلين، وإن لم يبقَ لذي رغبة مروءة ولا لسائل، تصون أربعة أمور هي جهد المضطر: أحدها أن يتجافى ضرع السائلين وأبهة المستقلين، فيذل بالضرع ويحرم بالابهة. وليكن من التجمل على ما يقتضيه حال مثله من ذوي الحاجات. وقد قيل لبعض الحكماء: متى يفحش زوال النعم؟ قال: إذا زال معها التجمل. وأنشد بعض أهل الأدب لعلي بن الجهم:

هي النفس ما حملتها تتحمل وولد الدهر أيام تجور وتعدل وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأحسن أخلاق الرجال التفضل ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ولكن عاراً أن يزول التجمل

نعم قال: والثاني أن يقتصر بالسؤال على ما دعته إليه الضرورة. وقد طيب الآن بده يقول لك: إذا أنت خلص وضعت في ظرف من ظروف الحياة دفعك أن تطلب المال من إخوانك، كيف تخفف من وطأة هذا الموضوع على نفسك؟ يعني فكرة جميلة طرحها؛ ما ورد يعني الحياة أوقعتك في ظرف أنك تحتاج تطلب من إخوانك ما هي الإجراءات اللي بدك تنتبه لها حتى يعني ما تزيد على نفسك البلاء بلاء؟ فيقول: أولاً أن يتجافى ضرع السائلين وأبهة المستقلين، فيذل بالضرع ويحرم بالابهة.

ما معنى هذا؟ يعني أنت رايح تطلب حاجة، صح؟ أنت عارف حالك متورط ومحتاج الآن من مساعدة مالية من إخوانك. بقول لك الما ورد: أول خطوة تجافى -يعني ابتعد- عن إيش؟ عن ضرع السائلين، يعني لا تبدأ تتضرع وتظهر الذل والبكاء وتجهش وتشكي، لا، حافظ على ماء وجهك وأنت تطلب، ما في داعي أن تكون متضرعاً -يعني متذللاً متخشعاً- أمام أخيك، لا، اطلب وأنت محافظ على ماء وجهك كما يقولون. قال: تجافى عن ضرع السائلين. وفي نفس الوقت إيش؟ وأبهة المستقلين. إيش يعني أبهة المستقلين؟ يعني الذي أفهمه على الأقل يعني لا تروح على أخوك تطلب منه وأنت راكب سيارة مثلاً 2024! ليش؟ أبهة المستقلين، أنت عارف حالك وأنه هذه السيارة يعني أنت بجوز ماخذها من أخوك ولا من كذا، لما تروح تطلب حاجة من أخوك ما تروح بسيارة حديثة مثلاً هي مش لك، يكون مثلاً لجارك أو جاي تطلب منه وطلع على سيارتك، إيه طيب هذا جاي يطلب مني بسيارة! طيب روح بيع السيارة، هيك راح يفكر.

لذلك قال: فيذل بالضرع، أنت إذا تضرعت إليه ستذل. قال: ويحرم بالابهة. أنت لما يشوفك هذا الرجل جايب سيارة حديثة ومش عارف الواقع السيارة ما هي لك، فانت بس أنت جاي إيش يعني بدك تعمل حالك راقي بابهتك وأنت عارف أنه ما معك مال؟ قال: فتحرم بالابهة، تكون هذه الأبهة التي تصنعت بها سبباً في إيش في حرمانك، فهذا من الذكاء، روح بسيارة تعبانة حتى يكون مقنع عرضك، تمام؟ أنه أنا والله محتاج، أما تروح له بسيارة حديثة سيحرمك ما راح يعطيك. فيقول: إذا تجافى عن ضرع السائلين، لكن في نفس الوقت -لأنه بعض الناس بقول لك: أنا بدي أتجافى عن ضرع السائلين، بدي أروح متضرع، بدي أروح بكل قوة- لا، شوي شوي، بقول لك المودري برضه حتى إيش لا تظهر أيضاً بالأبهة، كن متوسطاً، يعني لا تأت بأبهتك، لكن في نفس الوقت لا تتضرع حتى يكون الطرح الذي تطرحه منطقياً.

قال: وليكن من التجمل على ما يقتضيه حال مثله -يعني يكون مظهرك التجمل في شكلك وبدنك على ما يقتضي حال مثلك- يعني هو أكيد ليس المطلوب منك أن تذهب بثياب مخرقة ومتعبة، لا، لكن اقتصر في مظهرك الخارجي. وقد قيل لبعض الحكماء: متى يفحش زوال النعم؟ قال: إذا زال معها التجمل. متى يكون زوال النعمة بلغ على الإنسان أعلى مراتبه؟ إذا زوال النعمة ما اقتضى في الإنسان أن يزول عنه حتى الرتابة، صار يعني بعرفنا اسمه شكله مبهدل، يعني هذا معنى تفحش زوال النعمة، نسال الله العافية. طيب الخطوة الثانية أن يقتصر في السؤال.

على ما دعته إليه الضرورة. أنت محتاج خمسة آلاف من أخيك، لا تطلب ستة آلاف. محتاج ألفين، لا تطلب ثلاثة. خلص إلى ما دعت إليه الضرورة وقادته إليه الحاجة، ولا يجعل ذلك ذريعة إلى الاغتنام فيحرم باغتنامه. يعني أنت الآن شو حاجتك؟ ألفان. فلما يشوف رجل سخي، ليش أطلب منه ألفين؟ طيب باخذ منه خمسة. شوف الطمع، أنت كل حاجتك ألفان، أطمعت لما شفت الرجل يده سيالة؛ قال: ممكن أنت بدك ألفين، تطلب خمسة فيبطل يعطيك شيء فلا تحصل شيئاً، فيحرم بسبب ماذا؟ جشعه ولا يعذر في ضرورته. وقد قال بعض الحكماء: «من ألف المسألة ألف المنع». إذا أنت ألفت المسألة وكثرتها، بدك تألف أن الشخص يقول لك لا والله سامحني أنا ما بقدر أعطيك، خاصة لما أنت تتردد على بابه كثيراً.

القاعدة الثالثة: أن يعذر في المنع ويشكر على الإجابة حتى الناس تبقى محافظة عليك. إذا سألت أخاك وأخوك قال لك: والله الفترة هاي ما معي سيولة، الفترة هاي أموري المالية سامحني ما بقدر، خلص لا تلم، لا تخط في عرضه، تقول والله فلان فشلني، والله فلان رحت عليه وكذا. لا، اعذر إخوانك، ففعلاً قد يكون الآن ما عنده سيولة حتى ولو كان غنياً. فقال: «فإنه إن منع فعما لا يملك». يعني إذا منعك أخوك قال لك أنا صعب أعطيك، لماذا تشتمه؟ هو منعك شيئاً حقك؟ لا، هو منعك شيئاً لا تملكه أنت، هذا ماله يعني فهو حر صاحب قرار يعطيك ولا ما يعطيك، وإنه أجيب فإلى ما لا يستحق. تمام، يعني هو مش حق عليه أن يعطيك بمعنى بالحق الشرعي، وإن كانت مروءة وإفضالاً منه. قال النمر بن تولب:

لا تغضبن على امرئ في ماله وعلى كرائم صلب مالك فاغضبي

أنت اغضب على أموالك لكن لا تغضب على أموال الآخرين إذا لم تصل إليك.

الرابع قال: أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلاً وكان النجح عنده مأمولاً. يعني إياك أن تكون مغفلاً فتذهب تطلب المال من شخص بخيل؛ لا، روح على إنسان أنت عارف أنه ما بيفشل، لأنه من أكبر الأشياء اللي بتكسر النفس أنك تحتاج وتذهب إلى شخص وتقول له أعطني ويقول لك صعب، يعني هي صعبة أنت ما بتلومه بس هي كسر نفس، فبقول لك حافظ، اذهب للإنسان أنت بتعرف أنه معطاء، ولا تذهب إلى إنسان. والمرجو للإجابة من تكاملت فيه خصالها، مين الإنسان اللي في العادة بيعطي؟ شوف المروءة وين بيدخل معك، مين الإنسان اللي في العادة رح يعطيك؟ من تكاملت فيه ثلاث خصال، أحدها: كرم الطبع، أن يكون هو كريم بطبعه، فإن الكريم مساعد واللئيم معاند، وقد قيل: «المخذول ما كانت له إلى اللئام حاجة». فعلاً هذه قمة الخذلان أن تحتاج شخصاً لئيماً في حياتك.

الثانية: سلامة الصدر، فإن العدو قلب على نكبتك وحرب في نائبتك، يكون شخص سليم الصدر عليك، مش والله من تيار فكري آخر، ويلك إذا احتجت شخصاً من تيار فكري آخر بيصير يعني ينشر غسيلك، أصلاً فلان في يوم من الأيام جاني، شايفين هذا الشيخ اللي تمام، تتبهدل، لا تروح على شخص من جماعة أخرى لأنه صدره مش سليم عليك تماماً. فقال وقد قيل: «من أوغرت صدره استدعيت شره». فإن رق لك بكرم طبعه ورحمك بحسن ظفره، فأعظم بها محنة أن يصير عدوك راحماً لك؛ يعني حتى لو كان هذا الرجل سيرحمك ويعطيك، لكن قمة الذل أن يكون عدوك هو الذي سيرحمك، وقد قال الشاعر:

وحسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه له راحمينا

الثالث: ظهور المكنة عنده، هذا الشرط الثالث، يعني عنده سيولة مالية واضح أن الرجل مقتدر؛ فإن من سأل ما لا يمكن فقد أحال، أنت الآن إذا سألت شخصاً مالاً وهو ما عنده مال حقيقي فانت قد طلبت شيئاً مستحيلاً، وبالتالي عرضت نفسك، وكان مستنهض المسجون، المسجون لو قلت له يلا افزع معي بيطلع هو مسجون، مش كيف بده يفزع معك، ومستسعف المديون، واحد مديون أنت تطلب منه الإسعاف والإعانة، وكان بالرد خليقة وبالحرمان حقيقة. وقد قال علي: «من لا يعرف لا حتى يقال له لا فهو أحمق». من لا يعرف أن يقول لا دائماً بدو حتى الناس تقول له في وجهه لا، فهو أحمق. ووصى عبد الله بن الأهسم ابنه فقال: يا بني، لا تطلب الحوائج لغير أهلها، ولا تطلبها في غير حينها، ولا تطلب ما لست له مستحقاً، فإنك إن فعلت ذلك كنت حقيقاً بالحرمان، وقد قال الشاعر:

ولا تسألن امرأ حاجة يحاول من ربها مثلها فيترك ما كنت حملته ويبدأ بحاجته قبلها

فهذا ما يختص بشروط المروءة في النفس، هيك تكلمنا عن المروءة في النفس، العفة، النزاهة، الصيانة. وأما شروط المروءة في علاقتك مع الآخرين فهي ثلاثة أيضاً: المؤازرة، والمياسرة، والإفضال.

فأما المؤازرة فنوعان، سيبدأ الآن بالمؤازرة، أحدهما: الإسعاف بالجاه، إذا شخص احتاج إلى جاهك والله معرفتك بالدولة أو بالحكام أو بالسلطان تساعده، والثاني: الإسعاف في النوائب بالأموال. فإما الإسعاف بالجاه فقد يكون من الأعلى قدراً ومن الأنفذ أمراً وهو أرخص المكارم ثمناً لأنه في مصاري الجاه سهل، وألطف الصنائع موقعاً، وربما كان أعظم من المال نفعاً، ترى أحياناً ممكن تساعد أخوك في أمر عند سلطان وحاكم تنفعه أكثر من آلاف الدنانير، وهو الظل الذي يلجأ إليه المضطرون والحمى الذي يأوي إليه الخائفون، فإن وطأه اتسع بكثرته الأنصار والشيعة، كلما بذلت جاهك للناس كثر أنصارك وأتباعك، وإن قبضت جاهك ما بدك تنفع الناس بجاهك انقطع هذا الرجل بنفور الغاشية، واتبع الناس تتركك، فهو بالبذل ينمي ويزيد وبالكف عن بذله ينقص ويبيد، فلا عذر لمن له جاه أن يبخل به فيكون أسوأ حالاً من المخيل بماله، لأن المخيل بماله قد يعده لنوائبه ويستبقيه للذته ويكنزه لذريته، أما البخيل بجاهه شو الفائدة أنك تبخل بجاهك؟ طب ما هو مش رح ينتقل بالوراثة لمن بعدك. قال: وبضد ذلك من بخل بجاهه لأنه قد أضاعه بالشح وبدده بالبخل وحرم نفسه غنيمة مكنته وفرصة قدرته، هذه غنيمة ترى أنك تساعد الناس بجاهك، فلم يعقبه إلا ندماً على فائت وأسفاً على ضائع ومقتاً يستحكم في النفوس وذماً ينتشر في الناس. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخلق كلهم عيال الله، وأحب خلق الله إليه أحسنهم صنيعاً إلى عياله». وقد قال بعض الحكماء: اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده عند زواله، وأحسن والدولة لك يحسن إليك والدولة عليك. الدوله يعني الحياة معك، واجعل زمان رخائك عدة لزمان بلائك، إذا بتساعد الناس اليوم الناس بتساعدك غداً.

وقال بعض البلغاء: من علامة الإقبال اصطناع الرجال. وقال بعض الأدباء: بذل الجاه الحبابين، وقال ابن الأعرابي: العرب تقول من أمل شيئاً هابه ومن جهل شيئاً عابه، وبذل الجاه قد يكون من كرم النفس وشكر النعم وضده من ضده، وليس بذل الجاه التماس الجزاء بذلاً مشكوراً، وإنما هو بائع جاهه ومعاوض على نعم الله تعالى وآلائه فكان بذله أحق، وأنشد بعض الأدباء لعلي بن العباس الرومي:

لا يبذل العرف حين يبذله كمشتري الحمد أو كمعتاضه بل يفعل العرف حين يفعله لجوهر العرف لا لأعراضه

وعلى من أسعد بجاهه ثلاثة حقوق يستكثر بها الشكر ويستمد بها المزيد، أحدها: أن يستسهل المعونة مسروراً بها ولا يستثقلها كارهاً لها، فيكون بنعم الله تعالى متبرماً ولإحسانه متسخطاً. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عظمت نعمة الله تعالى عليه عظمت مؤونة الناس عليه، ومن لم يحتمل تلك المؤونة تعرض تلك النعمة للزوال». والثاني: مجانبة الاستطالة وترك الامتنان، فإنهما من لؤم الطبع وضيق الصدر وفيهما هدم الصنيع وإحباط الشكر، نعم الاستطالة على الناس بجاهك والامتنان عليهم أنه أنا والله ساعدتك عند فلان، هذا يذهب فضيلة ما فعلت. وقد قيل للحكيم اليوناني: من أضيق الناس طريقاً وأقلهم صديقاً؟ قال: من عاشر الناس بعبوس وجهه واستطال عليهم بنفسه. والثاني: ألا يقرن بمشكور سعيه تقريع، والثالث: ألا يقرن بمشكور سعيه تقريعاً بذنب ولا توبيخاً على هفوة، فلا يفي مضاد التوبيخ بإدراك النجح ويصير الشكر وجداً والحمد عيباً. ولله، يعني بعض الناس يبذل لك جاهه بس بضله يأنب، طيب ليش أنت عملت كذا؟ طيب ليش خليتني؟ طيب خلص، انتب له جاهك ولا لا بدون ما تقول لي طيب ليش ورطت نفسك في القضية؟ تمام، بتروح مثلاً بتعمل لك حادث فرضا وبدك شخص يساعدك في المعاملة لأنه بتعرف في عليه غرامات مالية وكذا وكذا، والرجل واصل عند الجماعة الطيبة، فبيجي بقول لك وأنت رايح معه مشان يستشفع لك: طيب وأنت ليش عملت كذا؟ طيب أنت ليش ضربت السيارة؟ خلص ما صار اللي صار، وأحنا رايحين حتى تستشفع لي بدك تضلك تسمعني مشاكل وبهادل وكذا، أحياناً بتضيع هيبة الشفاعة من خلال كثرة اللوم. بقل لك لا تضلك تلومه، خلص إذا في خطأ انصحه، ترى يا فلان بنصحك المرة الجاية تنتبه، خلصنا. أما تبذل جاهك وبدك تضلك تلومني على الخطأ، يا تبذل جاهك وأنت كريم يا خليني في حالي. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». وقال النابغة الجعدي:

ألم تعلم أن الملامة نفعها قليل إذا ما شيء ولى فأدبرا

نعم، لما تلوم شخصاً على شيء صار وانتهى يعني صارت الملامة نوعاً ما فائدتها قليلة.

وأما الإسعاف في النوائب فإن الأيام غادرة والنوازل غائرة، إذا ذكرنا الإسعاف بالجاه، الآن سيتكلم عن الإسعاف في النوائب، لما صديقك تنزل به نكبة أو كرب من كروب الحياة، والحوادث عارضة والنوائب راكضة، فلا يعذره فيها إلا عليم ولا يستنقذه منها إلا سليم الصدر، وقال عدي بن زيد:

كفى زاجراً للمرء أيام دهره تروح له بالواعظات وتغتدي

فإذا وجد الكريم مصاباً بحوادث دهره حثه الكرم وشكر النعم على الإسعاف فيها بما استطاع سبيلاً إليه ووجد قدرة عليه. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله». وقيل لبعض الحكماء: هل شيء خير من الخير نفسه معطيه وشر من الشر نفسه فاعله؟ يعني فاعل الشر هو أشر من الشر، ومعطي الخير هو خير من الخير نفسه، شوف الكلام الجميل. وقيل لبعض الحكماء: هل شيء خير من الذهب والفضة؟ قال: معطيهما. والإسعاف في النوائب نوعان: واجب وتبرع. نعم، إسعافك للناس في نوائبهم ومصائبهم نوعان، في إسعاف واجب علينا كمسلمين وفي إسعاف يعتبر تفضل. أما القدر الواجب فما اختص بثلاثة أصناف وهم: الأهل والإخوان والجيران، أهلك زوجتك أبناؤك والداك، إخوانك، جيرانك، ومن إخوانك في الله، هؤلاء إسعافك لهم واجب.

وأما الأهل فل مماسة الرحم وتعاطف النسب، وقد قيل: لم يسد من يحتاج أهله إلى غيره. وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

وإن امرأ نال الغنى ثم لم ينل قريباً ولا ذا حاجة لزهيد وإن امرأ عاد الرجال على الغنى ولم يسأل الله الغنى لحسود

قال وأما الإخوان فلمستحكم الود ومتأكد العهد، سئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: صدق اللسان ومواساة الإخوان وذكر الله تعالى في كل مكان. وقال بعض حكماء الفرس: صفة الصديق أن يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند النكبة ويحفظك عند الغيبة. ورأى بعض الحكماء رجلين يستحييان ولا يفترقان فسأل عنهما فقيل هما صديقان، قال فما بال أحدهما فقير والآخر غني؟

قال وأما الجار فل دنو داره واتصال مزاره، وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام: ليس حسن الجوار كف الأذى ولكنه الصبر على الأذى. وقال بعض الحكماء: من أجاز جاره أعانه الله وأجاره. وقال بعض البلغاء: من أحسن إلى جاره فقد دل على حسن نجاره. وقال بعض الشعراء:

وللجار حق فاحترس من أذائه وما خير جار لا يزال مؤاذيا

فيجب في حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثلاثة تحمل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم، ولا فسحة لذي مروءة مع ظهور المكنة أن يكلهم إلى غيره ويلجئهم إلى سواه، وليكن سائل كرم نفسه عنهم. قال فإنهم عيال كرمه وأضياف مروءته، فكما أنه لا يحسن أن يلجئ عياله وأضيافه إلى الطلب والرغبة، فهكذا من عاله كرمه وأضافته مروءته. وقد قال بعض الشعراء:

حق على السيد المرجو نائله والمستجار به في العرب والعجم ألا ينيل الأقاصي صوب راحته حتى يخص به الأدنى من الخدم إن الفرات إذا جاشت غواربه روى السواحل ثم امتد في الأمم

قال أما التبرع، أما الفضل الإسعاف الذي أنت تتبرع فيه وليس واجباً، ففي من عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء الذين لا يدلون إليك بنسب ولا يتعلقون بك بسبب، فإن تبرع بفضل الكرم وفائض المروءة فنهض في حوائجهم وتكفل بنوائبهم فقد زاد على شروط المروءة وتجاوزها إلى شروط الرئاسة. وقيل لبعض الحكماء: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الإله؟ فقال: الإحسان إلى الناس، الإحسان إلى الناس لأن الله يحسن وهو لا يحتاج إلينا سبحانه. وإن كفى تشاغل بما لزم، فإن كف يعني ما أعطى متشاغلاً فقط بالإسعاف الذي يلزمه فقد فلا يلام هذا الشخص، يعني إذا فعل ما يلزمه ولكنه ترك التبرع فهذا ما لم يلجأ إليه مضطر.

التكفل بجميع حوائج الناس، أعجز ما أقدر عليه أن أشيل المجتمع، يا دوب الواحد يخلص أهله وإخوانه وجيرانه، وهذا الذي يريد أن يصل لمن بعد ذلك هذا أنعم به وأكرم. قال: فهذا حكم المؤازرة، انتهينا من المؤازرة.

ثانياً المياسرة، فنوعان: أحدهما العفو عن هفوات الإخوان، والثاني المسامحة في الحقوق. قال: فأما العفو عن الهفوات في علاقتك مع إخوانك هذه من شروط المروءة، كلها بس هي المروءة مع الغير، قال أما العفو عن الهفوات فلأنه لا مبرأ من سهو أو زلل، في واحد فينا يا إخواني ما عنده خطأ؟ بصير معه في الحياة مع إخوانه ما في إنسان لا تعد، ما عنده عيوب، قال ولا سليم من نقص أو خلل، كل إنسان فينا فيه نقص فيه خلل، ومن رام سليماً من الهفوات والتمس بريئاً من النبوة فقد تعدى على الدهر بشططه، أنت تطلب شيئاً في الحياة مش موجود في الحياة، وخادع نفسه بغلطه، وكان من وجود بغيته بعيداً، لن يجد صديقاً، وصار باقتراحه أنه أنا بدي صديق ما عنده أي خطأ هذا صار فرداً وحيداً، لن تصادق أحداً.

وقد قال الحكماء: لا صديق لمن أراد صديقاً لا عيب فيه. وقيل لأنوشروان هذا أحد الفلاسفة: هل من أحد لا عيب فيه؟ قال: نعم، من لا موت له. وإن كان الدهر لا يوجده ما طلب، ولا ينيله ما أحب، وكان الوحيد في الناس مرفوضاً قصياً، والمنقطع عنهم يعتبر بهيماً وحشياً مثل الحمار الوحشي في الغابة، لزمه مساعدة زمانه في القضاء، بدك تساعد الزمان في القضاء، شو يعني؟ أنه أرضى بإخوانك على ما عندهم من العيب، مساعدة الزمان في القضاء هنا ومباشرة إخوانه في الصفح والإغضاء. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض».

وقال بعض الأدباء: ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وهذا موطن الشاهد، وقلة الملال، ألا يكون كثير الملول من أصدقائه. وقال ابن الرومي: فعذرك مبسوط لذنب مقدم وودك مقبول بأهل ومرحبي ولو بلغتني عنك أذني أقمتها لدي مقام الكاشح المتكذب يعني لو أذني بلغتني عنك معلومة خاطئة أنك أنت حكيت عني أو كذا رح أكذب أذني، هذا من حسن الصنائع.

وإذا كان الإغضاء حتماً والصفح لازماً ترتب بحسب الهفوة وتنزل بقدر الذنب، والهفوات نوعان: يعني لما أنا بدي أتغاضى عن زلات إخواني هذا لا بد أن يقيد على حسب نوع الخطأ الذي عمله أخوي، في خطأ يعتبر من الصغائر وفي خطأ يرتكبه أخوي معي يعتبر من الكبائر. قال: ترتب بحسب الهفوة على حسب حجم الهفوة وتنزل صفح على مقدار الذنب، فالهفوات نوعان: صغائر وكبائر. فالصغائر مغفورة والنفوس بها معذورة؛ لأن الناس من أطوارهم المختلفة وأخلاقهم المتفاضلة لا يسلمون من الصغائر، فكان الوجد فيها مضطرحاً، يعني لا تجد على أخيك ولا تزعل عليه بسبب صغيرة كلمة قالها بالخطأ، وكان العتب في هذه الحالة مستقبحاً.

وقد قال بعض الحكماء: من هجر أخاه من غير ذنب كان كمن زرع زرعاً ثم حصده في غير أوانه. وقال أبو العتاهية: وشر الأخلاء من لم يزل يعاتب طوراً وطوراً يذم يريك النصيحة عند اللقاء ويبريك في السر بري القلم يعني لما تكون أنت مش موجود ويكون هو جالس يبريك بري القلم، يعني شغال فيك: فلان حكيت له، والله فلان نصحته، ترى فلان، ترى بعض الناس هكذا للأسف حتى يكون مع أصحابهم ولما يجلس مع صديقه غير موجود يبريه برياً ويتكلم عن عيوبه، وهذا ليس صاحب مروءة.

قال: وأما الكبائر فنوعان: أحدهما أن يهفو بها خاطئاً ويزل بها ساهياً، فالحرج فيها مرفوع والعتب عليها موضوع، حتى لو كانت كبيرة؛ لأن هفوة الخاطئ هدر، لما إنسان خاطئ بالغلط فاعل شيئاً حتى في الفقه الإسلامي يعتبر إيش هدر؟ يعني تسقط عنه ولومه هارج. وقال بعض الحكماء: لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه.

وقال الأحنف: حق الصديق أن تحتمل له ثلاثاً: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة. ظلم الغضب يعني الغضب لما يصدر منه فيه كلام غلط بحقك، وظلم الهفوة يعني ظلمك بالهفوة يعني بالخطأ، وظلم الدالة، هذا لم يظهر إيش يخص الدالة. إيش ما عندك الدالة تظلم والدلالة؟ يعني لما يكون بده يتدلل عليك فيؤدي هذا إلى أن يظلمك بدلالة، يعني ممكن يثقل عليك بشيء.

وحكى ابن عون أن غلاماً هاشمياً عربد على قوم فأراد عمه أن يسيء، فقال: يا عم إني قد أسأت وليس معي عقلي، فلا تسئ بي ومعك عقلك؛ لأن عمه جاء يضربه أنه ليش أسأت؟ قال: أنا أسأت هو كان عقلي مش موجود، أنت لا تسيء ومعك عقلك. وقال أبو فراس الحمداني: لم أؤاخذك إذ جنيت لأني واثق منك بالإخاء الصحيح فجميل العدو غير جميل وقبيح الصديق غير قبيح

هذه جميلة، وقبيح الصديق غير قبيح بغض الطرف عنه. فان تشبه خطاه بالعمد وسهوه بالقصد تثبت، إذا أنت شككت والله صديقك لما فعل في حقك هذه الكبيرة والله أنا شاك هو متعمد ولا مخطئ، هنا بدك تثبت، يقول لك استنَّ شوي، تروَّ عليه، تثبت، ولا يلم بالظن فيصير مذموماً، لا تسارع في لومه فتصبح أنت المذموم، ولذلك قيل: التثبت نصف العفو. وقال بعض الحكماء: لا يفسدك الظن على صديق أصلحك اليقين له، يعني أنت إنسان تيقنت من صداقة سنوات، مش بسبب تهمة أنت لم تتثبت منها تترك علاقتك معه، هذا ليس صنع العقلاء.

وقال بعض الشعراء: فبعض الأمر تصلحه ببعض فإن الغث يحمله السمين يعني إذا أخوك غلط بتشيل غلطه بخيره، فإن الغث يشيل السمين، خلص رجع هي بهي كما يقول المثل، ولا تعجل بظنك قبل خبر، فعند الخبر تنقطع الظنون. وهذا موطن، تعجل قبل أن تتأكد ترى بين الرجال العين، ترى بين الرجال العين فضلاً وفيما أضمر الفضل المبين، كلون الماء مشتبهاً وليست تخبر عن مذاقته العيون، يعني العين ممكن تشوف ماء شكله مكدر بس لما تشربه تجده عذباً زلالاً، فيقول كلون الماء مشتبهاً وليست تخبر عن مذاقته العيون، العين ما بتخبرك عن الطعم، ذق بتعرف، فهذا كأنه دلالة أهمية التثبت من الشيء.

والثاني أن يعتمد ما اجترمه من كبائره، إذاً وأما الكبائر نوعان: أحدهما أن يهفو بها خاطئاً ويزل بها ساهياً، الحالة الثانية من الكبائر لا أن يعتمد، أو أن يتعمد، كانها عندكم عفواً أن يعتمد، يعني يقصد، المراد أن يتعمد، يعني أن يكون قاصداً لهذه الكبيرة في حقك، ويقصد ما اجترمه من سيئاته، فلا يخلو فيما أتاه من أربعة أحوال.

الآن إذا أخوك تعمد أن يصنع في حقك كبيرة من الكبائر الأخلاقية أو السلوكية فهذه لها أربعة أحوال. الحالة الأولى أن يكون موتورا قد قابل على وترته، وكافأ على مساءته، فاللائمة على من وتره عائدة، وإلى البادئ بها راجعة؛ لأن المكافأة أعذر وإن كان الصفح أجمل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمشارة، فإنها تميت الغرة، وتحيي العرة»، العرة التي هي إيش القذر. وقال بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لم يشاء. وقال بعض الأدباء: من نالته إساءتك همته مساءتك.

إذاً الحالة الأولى أن يكون أخوك عمل هذا الفعل الكبير في حقك رده فعل عليك، يعني أن يكون موتورا، أنت عملت، قطعته، قصرت معه، فهو قابل هذا التقصير بكبيرة في حقك، إذاً أن يكون أخوك موتورا أي مقطوعاً، قد قابل على وترته أنت قطعته وأسأت إليه فهو قابل على الإساءة وكافأ على المساءة، فلا تلم الملامة عليك أنت فعلت فيه فهو قابل كردة فعل.

وقال بعض البلغاء: من أولع بقبح المعاملة، أوجع بقبح المقابلة. إذا أنت دائماً معاملتك سيئة مع الناس بدك تتحمل أن الناس تسيء لك وتفعل كبائر في حقك. وقال صالح بن عبد القدوس: إذا وترت امرءاً فاحذر عداوته من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا إن العدو وإن أبدى مسالمة إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا يعني إذا أخوك، وإن غض الطرف عن الإساءة التي أسأتها له، في يوم من الأيام رح يرجعها، رح يردها إذا وجد فرصة لذلك، إلا عاد إذا كان سمح الأخلاق، والإغضاء عن هذا الذنب أوجب، بالتالي إذا كان ذنب أخيك بسبب ردة فعل غض الطرف؛ لأنه أنت السبب في البداية. وإن لم تكن المكافأة ذنباً لأنه حتى لو أنت شايف أنه أنت ترد له الصاع صاعين ليس الذنب، لكن غض الطرف؛ لأنه خلص أنا بفهم أن هذا الخطأ الذي عمله أخوي معي شو سببه؟ ردة فعل، ففي داعي أني أنا أرد له الصاع صاعين؟ لأنه أنا بقول والله أنا أصلاً مقصر في البداية، خلص الله يغفر لي ولأخي؛ لأنني أنا الذي جرته لهذا المربع ولهذه المنطقة.

قال: فإن واصل الشر واصلته المكافأة، وقد قيل باعتزالك الشر يعتزلك الشر، وبحسن النصف أي الإنصاف يكثر المواصلون. وقال بعض الحكماء: من كنت السبب لبلاءه وجب عليك التلطف له في علاجه من دائه. وقد قال أوس بن حجر: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا أصبت عليماً أو أصابك جاهل

الحال الثانية أن يكون عدواً قد استحكمت شحناؤه، واستوعرت سراؤه، واستخشنت ضراؤه، فهو يتربص بدوائر السوء استنهاز فرصة، ويتجرع بمهانة العجز مرارة غصصه، فإذا ظفر بنائبة ساعدها، وإن شاهد نعمة عاندها، فالبعد منه حذراً أسلم، والكف عنه متاركة أغنم؛ فإنه لا يسلم من عواقب شره ولا يفلت من غوائل مكره. وقد قالت الحكماء: لا تعرضن لعدوك في دولته، فإذا زالت كفيت شره. فإذا زالت دولته يعني صار كان هو مسؤول الآن بطل مسؤول، خلص كفيت شره.

وقال لقمان لابنه: يا بني، كذب من قال إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار، كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. وقال جعفر بن محمد عليه السلام: كفاك من الله تعالى نصراً أن ترى عدوك يعصي الله تعالى فيك. وقال بعض الحكماء: بالسيرة العادلة يقهر المعادي. وقال البحتري: وأقسم لا أجزيك بالشر مثله كفى بالذي جازيتني لك جازياً

قال والحال الثالثة أن يكون لئيم الطبع خبيث الأصل، قد أغراه لؤم الطبع على سوء الاعتقاد، وبعثه خبث الأصل على إتيان الفساد، فهو لا يستقبح الشر ولا يكف عن المكروه، فهذا الحال أطم لأن الإضرار بها أعم، ولا سلامة من مثله إلا بالبعد والانقباض، ولا خلاص منه إلا بالصفح والإعراض، فإنه كالسبع الضار في سوانح، نعم، في سوانح بده يريد يذهب إلى غنم سارحة يريد أن ينقض عليه، وكالنار المتاج في يابس الحطب، لا يقربها إلا تالف، ولا يدنو منها إلا هالك.

روى مكحول عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الناس كشجرة ذات جنا، ويوشك أن يعودوا كشجرة ذات شوك، إن ناقدتهم ناقدوك، وإن هربت منهم طلبوك، وإن تركتهم لم يتركوك». قيل يا رسول الله فكيف المخرج؟ قال: «أقرضهم من عرضك ليوم فاقتك». وقال عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: العاقل الكريم صديق كل أحد إلا من ضره، والجاهل اللئيم عدو لكل أحد إلا من نفعه. وقيل شر ما في الكريم أن يمنعك خيره، وخير ما في اللئيم أن يكف عنك شره. وقال بعض البلغاء: أعداؤك أداؤك، وفي البعد منهم شفاؤك. وقال بعض الأدباء: شرف الكريم تغافله عن اللئيم. ووصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني إذا سلم الناس منك فلا عليك ألا تسلم منهم؛ فإنه قل ما اجتمعت هاتان النعمتان. وقال عبد المسيح بن عمر بن بقيلة: الخير والشر مقرونان في قرن، فالخير متبع والشر محذور.

طيب الآن إذاً الحالة الثانية والحالة الثالثة كان حل الموارة فيها الاجتناب، يعني من كان مشكلته معك عداوة مستحكمة أو كانت مشكلته مش عداوة بس هو لئيم طبع، في كلا الحالتين الحل أن تبتعد عن هؤلاء الأشخاص تماماً.

الحالة الرابعة أن يكون صديقاً قد استحدث نبوة وتغيراً، لا هو مش لئيم الطبع ومش عدو، هو صديق لكن تغيرت أخلاقه علي وصار أسلوبه معي غير الأسلوب القديم، أو أخاً قد استجد جفوة وتنكَراً، فأبدى صفحة عقوقه وأطرح لازم حقوقه، وعدل عن بر الإخاء إلى جفوة الأعداء، فهذا قد يعرض في المودات المستقيمة، قد يعرض في المودات المستقيمة، يعني يحصل، يعرض يعني هذا شيء ممكن يحصل أنه أخوك كنت أنت وياه كالسمن على العسل بعدين بدأت علاقته معي تتغير، قال هذا يعرض شيء طبيعي في العلاقات تحصل مثل هذه الفتور في العلاقة، ما يسمى كما تعرض الأمراض في الأجسام السليمة، فإن عولجت أقلعت، وإن أُهملت أسقمت ثم أتلفت، بالتالي ماذا يطالبك الموارة؟ اذهب فعالجها، اسأل أخاك: يا فلان ترى أنت متغير علي؟ عالج، حاول تعرف في أنت ماخذ عليَّ شيئاً؟ في موقف؟ إذا عالجت ستنحل الأمور، لا بد من المكاشفة كما يقولون هنا والمواجهة، وأما إذا لم تواجه وبقيت القضية.

خلص هو ما بده؛ خلص أقول فلان تغير علي؟ ترى أنا ما أنا مهتم فيه، ترى هذا رح يزيد المشكلة. لا روح، اذهب وعالج واعرف شو المشكلة إذا كنت حريصاً على بقاء هذه الصداقة. ولذلك قال الحكماء: دواء المودة بكثرة التعاهد؛ تعاهد أخاك، اسأله، اعرف هذا الذي يديم المودة. وقال كشادم: أَقِلَّ ذَا الود عثرته، وقفه على سنن الطريق المستقيمة، ولا تسرع بمعاتبته إليه، فقد يهفو ونيته سليمة.

ومن الناس من يرى أن متاركة الإخوان إذا نفروا أصلح؛ بعض الناس هكذا منهجه: إذا أخوي تركني ترى أنا بستغني عنه، ما هكذا عقيدته، واطراحهم إذا فسدوا أولى كأعضاء الجسد؛ إذا فسدت اقطعها؛ كان قطعها أسلم، فإن شح بها سرت إلى نفسه، وكالثوب إذا خُلِق كان اطراحه بالجديد أحمد من لبسه. نعم، وقد قال بعض الحكماء: لما عضو من جسدك يصبح في مرض، قطعُه أسلم؛ لأنه إذا شححت به سيسري الداء إلى كل الجسد، فبقول لك اقطع واستريح منه. هذا منهج بعض الناس في مشاركة الإخوان.

وقد قال بعض الحكماء: رغبتك في من يزهد فيك ذل لنفسك، وزهدك في من يرغب فيك صغر همة. وقد قال جماهر وهو أحد فلاسفة: إن تغير عليك في مودته فدعه حيث كان قبل معرفته، تمام يعني كأنك لم تعرف. وقال نصر بن أحمد: صل من دنى، وتناس ما بعد، لا تكرهن على الهوى أحداً. قد أكثرت حواء إذ ولدت؛ يعني كثير الناس إذا هذا تركك بتلاقي غيره، فإذا جفى ولد فخذ ولد، تركك صديق روح شوف لك صديق آخر.

طبعاً هي القضية حقيقة أحياناً تحتاج إلى موازنة؛ بعض الناس تشعر أنه لا، أنا مش حريص على أن أبقي مودتي إذا جفا، ما جاءت منه، ما جاءت منه. وبعض الناس لا، أنا حقيقة ما بخسر أني أخسره، فبالتالي لا، بحاول أني أواجهه وأعرف شو المشكلة التي بيني وبينه. أنا أعتقد المنتصف هو العدل، وهذا مذهب من قل وفاؤه، وضعف إخاؤه، وساءت طرائقه، وضاقت قرائقه، ولم يكن فيه فضل الاحتمال ولا صبر على الإدلال؛ فقابل على الجفاء، وعاقب على الهفوة، واطرح سالف الحقوق، وقابل على العقوق بالعقوق، فلا بالفضل أخذ، ولا إلى العفو أخلد. وقد علم أن نفسه قد تطغى عليه فترديه، وأن جسمه قد يسقم عليه فيؤلمه ويؤذيه، وهو ما أخص به وأحنى عليه من صديق قد تميز بذاته وانفصل بأدواته؛ فيريد من غيره لنفسه ما لا يجد من نفسه. يقول لك: إذا نفسك بتتغير عليك، صح بدك أخوك يتغير عليك؟ مش نفسك التي بين جنبيك أحياناً بتتغير عليك؟ ما بدك أخوك اللي نفس أخرى وبدن آخر يتغير؟ يا أخي، ارحم الناس، هذا عين المحال ومحض الجهل، مع أن من لم يحتمل بقي فرداً؛ اللي ما رح تتحمل تغير إخوانك وكل ما أخوك تركك بدك تتركه ستبقى وحيداً في هذه الحياة، وانقلب الصديق فصار عدواً، وعداوة من كان صديقاً أعظم من عداوة من لم يزل عدواً؛ أي والله، اللي هو عدوك من البداية والله أرحم من إنسان كان صديقاً وانقلب عدواً، هذا ما بيرحمك.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما». وأوصاني ربي بسبع: الإخلاص في السر والعلانية، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تترك صديقك الأول فلا يطمئن إليك الثاني؛ لأنه الناس إذا شافتك تترك أصدقاءك الأول ما بحب شخص جديد يعمل معك علاقة، بقول لك هذا متراكن لأصدقائه. يا بني اتخذ ألف صديق، والألف قليل، ولا تتخذ عدواً واحداً، والواحد كثير، أي والله الواحد بيغلبك. وقيل للمهلب بن أبي صفرة: ما تقول في العفو والعقوبة؟ قال: هما بمنزلة الجود والبخل، فتمسك بأيهما شئت. وأنشد ثعلب: إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد بكفيك في إدباره متعلقاً، إذا أنت لم تترك أخاك وزلته إذا زلها أوشك أن تفرقا؛ إذا أنت ما عفوت عن أخوك وزلته فقد اقترب فراقكما.

فإذا كان الأمر على ما وصفت من حقوق الصفح، الكشف عن سبب الهفوة؛ ليعرف الداء فيعالج كما قلت، روح اسأل شو سبب الهفوة؟ لماذا علاقتي أنا وياك تغيرت؟ حتى تعالج، فإن لم يعرف الداء لم يقف على الدواء، وكان كما قال المتنبي: فإن الجرح ينغر بعد حين؛ يعني الجرح اللي الآن التم على غش بكره بيرجع بينفتح؛ ينغر بعد حين. إذا كان البناء على فساده، مش لما تلاقي جرح على قيح، كونك خبيراً يا شيخ شو بصير؟ الجرح على قيح لو التم على قيح بكره رح يرجع مرة ثانية يفتح؛ لأنه التأم على فساد ولم يلتئم على صحة. وإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو حال ذلك السبب من أن يكون لملل أو زلل. فإذا كان يعني أخوك الآن ممكن يتركك لأيش؟ أما إذا حاولت تكتشف شو المشكلة وتواجهه ستكتشف إما ملل، مللك أو ايش؟ زلل؛ أنه أنت أخطأت في حقي. فإن كان لملل فمودة الملول ظل الغمام وحلم النيام؛ وقد قيل: فمودة الملول يعني إذا كان سبب تركه لك أنه ملَّ، كأنه بقول لك المودة خلص اتركه؛ ليش؟

قال: الذي يريد مودة من شخص طبيعته ملول كمن يطلب ظلاً من غمامة، والغمامة عمرها ما بتجيب لك ظل الشمس، بتجيب لك ظل؟ قال: كمن يطلب ظلاً من غمامة ويطلب ماذا؟ قال: وحلم النيام، حلم النيام ما له وجود في الواقع. نفس الشيء هذا الصديق الملول اللي بيتركك لأنه خلص مل، ما غلطت معه، هذا لا فائدة منه. وقد قيل في منثور الحكم: لا تأمنن لملول وإن تحلى بالصلة، وعلاجه أن يترك على ملله؛ خلها فيمل الجفاء كما مل الأخ أنه ايش؛ خليه على ملله بكره بيزهق من الملل بيرجع بصير صديق لك، تمام الفكرة، بقول لك إذا هو تركه لك لأنه ملول، بقول لك اتركه بكره بيترك الملل وبيرجع بيحكي معك؛ آه يا فلان شو بدك نطلع أنا وياك؟ يا فلان أنت تركتني شهرين، خلص أنا عارف نمطه بصير، أنه هذا إنسان بيمل مني وبيرجع لي، تمام؛ فبقول لك خليه على ملله لحتى تنتهي فترة الملل، بيرجع بيحكي معك وحده دون ما إنك ايش تذل نفسك له.

آه يا شيخ عمر، شيخنا يمكن يكون قصد أنه ذكر ظل الغمام وحلم النيام أنه هذه الأشياء التي لا تبقى، يعني ما تفتأ إلا أن تزول بعد حين. ماشي، بس هو الغمام بيجيب ظل؟ لا، يعني قد يقصد أنه الغمام ظله لا يدوم، وإنما يأتي مثلاً في فترة ثم يذهب. إذا مش الظل يأتيه من الشمس قصدك ظل الغمام، أن يظللك الغمام، والله ممكن كلامه يكون أدق من كلامي، صحيح أحسنت، ظل الغمام أنه بيقول لك سحابة صيف، سحابة صيف، نعم كلامه أصح من كلامي أنه يقصد مش الظل، ظل الشخص أنه يأتي من الشمس لا، يقصد ظل الغمام أنه فترة سريعة وتزول، وحلم النيام بمعنى أنه يعني أيضاً فترة قصيرة ويذهب، أحسنت.

قال: وإن كان لزلل، لوحظت أسبابه؛ فإن كان، أما إذا كان أخوك تركك لزلل أنه أنت أخطأت في حقه، حاول تعرف شو الخطأ اللي أخطأت فيه حقه. فإن كان لها مدخل في التأويل وشبهة تأول إلى الجميل، حمله على أجمل تأويله وصرفه إلى أحسن جهتيه، كالذي حُكِي عن خالد بن صفوان أنه مر به صديقان له فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: نعم عرج علينا هذا بفضله، وطوانا ذاك بثقته. وأنشد بعض أهل الأدب لمحمد: وتزعم للواشين أني فاسد عليك وأني لست فيما عاهدتني، وما فسدت لي يعلم الله نية عليك ولكن خنتني فاتهمتني، غدرت بعهدي عامداً وأخفتني فخفت، ولو آمنتني لآمنتني.

قال: فإن لم يكن لزلله في التأويل مدخل، نظر حاله بعد زلله، فإن ظهر ندمه وبان خجله؛ فالندم توبة والخجل إنابة، ولا ذنب لتائب ولا لوم على منيب، ولا يكلف عذراً عما سلف؛ فيلجأ إلى ذل التحريف أو خجل التعنيف. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاذر فإن أكثرها مفاجر». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كفى ما يعتذر منه تهمة. وقال سلم بن قتيبة لرجل اعتذر إليه: لا يدعونك أمر قد تخلصت منه إلى الدخول في أمر لعلك لا تخلص. وقال بعض الحكماء: شفيع المذنب إقراره وتوبته اعتذاره. وقال بعض الذي يشفع للمذنب أن يقر بذنبه. وقال بعض البلغاء: من لم يقبل التوبة عظمت خطيئته، ومن لم يحسن إلى التائب قبحت إساءته. وقال بعض الحكماء: الكريم أوسع ما يكون مغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة. وقال بعض الشعراء: العذر يلحقه التحريف والكذب، وليس في غير ما يرضيك ليارب، وقد أسأت بالنعم، فبالنعم التي سلفت ألمّ أنت بعفو ما له سبب.

يعني خلاص أحياناً أخوك فعلاً بيسيء وبيتورط، وأنت مش قادر تتأول له وهو مش عارف يعتذر، هون بيبين كرمك؛ أنه خلص اعفُ بدون سبب؛ يعني ما تحاول أنه يكون عذرك دائماً أني اقتنعت بعذرك، يعني ما يكون مسامحتك لأخوك أنه لازم اقتنع أنه معذور ولا غيرك ما بسامحه، هذا معنى: ألم أنت بعفو ما له سبب، يعني خلص أحياناً الواحد بيغلط ومش عارف يعتذر، غلط هنا كرمك يظهر؛ كرم طبيعتك ومروءتك أنك تسامح بدون سبب، خلص مشى الحال. بقول لك المرور نعم، وإن عجل العذر قبل توبته، وقدم تنصل قبل إنابته؛ فالعذر توبة والتنصل إنابة، فلا يكشف عن باطن عذره ولا يعنف بظاهر غدره؛ فيكون لائم الظفر سيء المكافأة. وقد قيل: من غلبته الحدة فلا تغتر بمودته. وقال بعض الحكماء: شافع المذنب خضوعه إلى عذره. وقال بعض الشعراء: اقبل معاذير من يأتيك معتذراً، إن بر عندك فيما قال أو فجر، فقد أطاعك من يرضيك ظاهره، وقد أجَلَّ كمن يعصيك مستتراً.

وإن ترك نفسه في زلله ولم يتداركه بعذره وتنصله، ولا محاه بتوبته وإنابته، راعيت حاله في المتاركه، فستجده لا ينفك فيها من أمور ثلاثة: أما أن يكون قد كف عن سيء عمله؛ والشخص اللي غُدِر في حقك هذا، أما أنه هو يتعجل فعلاً في الاعتذار ومحاولة التنصل؛ له والله يا فلان احكي معك تليفون سريعة، ترى يا فلان وصلك كلام ترى أنا، تفكر أنا ما قلت هذا الكلام عنك، وكذا، إذا وجدت الشخص سريع في الاعتذار لك وسريع في التنصل وبده يبرئ ساحته، هذا منيح يعني لسه عامل لك قيمة، فبالتالي لا تقول له لا أنت غلطت وأنت كذا وأنت قصدك، خلص هو شايفه وأنت جاي يعتذر، مستعجل في الاعتذار ويريد أن يتنصل من التهمة؛ فهذا خلقه جيد. المشكلة في الثاني اللي بيحكي عنه؛ اللي لا هو عارف أنه أنت وصلك عنه خبر، وأنه هو أخطأ في حقك وتارك الموضوع ولا عامل حاله سامع، تمام؛ فيقول هذا المشكلة اللي فيه.

قال: وإن ترك نفسه في زلله، ما جاء اعتذر منك على الخطأ اللي صدر منه ولم يتداركه بعذره وتنصله، ما جاء اعتذر وتنصل، لا قل انه ما لي علاقة وكذا، ولا محاه بتوبته وإنابته، فهذا راعيت حاله في المتاركة، هذا بدك تتركه أنت الآن بس بدك تراعي كيف تتركه، فستجده لا ينفك فيها من أمور ثلاثة، أحدها أن يكون قد كف عن سيء عمله وأقلع عن سالف زلله؛ فالكف إحدى التوبتين، يعني هو ما جاء اعتذر منك لكن عرفت من حاله أنه ما عاد مثلاً يذكرك بالشر، خلص ترك الخصلة الذميمة اللي بيسئ لك فيها، قال فالكف هو إحدى التوبتين، خلص كفه حتى ولو لم يعتذر اعتبره شكل من أشكال التوبة؛ والإقلاع عن الذنب أحد العذرين؛ فكن أنت المعتذر عنه بفضل، كأنك اعتذرت عنه، خلص أنا قبلت معذرتك بمجرد أنك كففت عن الخطأ، وكن المتنصل له بفضل، كما قال عمر: المحسن على المسيء أمير، تصبح كأنك سيد علي.

الثاني: أن يكون قد وقف على ما أسلف من زلله غير تارك ولا متجاوز، فوق المرض أحد البرين، أن يكون قد وقف وكف عن الزيادة أحد الحسنيين، وقد استبقى بالوقوف عن التجاوز أحد شطريه؛ فعوِّل به على صلاح شطره الآخر، وإياك ورجاءه؛ فإن الإرجاء يفسد شطر صلاحه، والتلافي يصلح شطر فساده، فإن من سقم من جسمه ما لم يعالجه.

السقم إلى ماذا؟ إلى صحته من سقم جسمه ما لم يعالجه، وأنت لم تعالج هذه المنطقة التي سقمت سيسري المرض إلى المنطقة الصحيحة. وإن عالجه سَرَت الصحة إلى المنطقة السقيمة بالعكس، فما معنى هذه الحالة الثانية؟ ما معنى أن يكون قد وقف على ما أسلف من زَلَله غير تارك ولا متجاوز؟

الآن هناك أخطاء في حقك، وما زال يخطئ بس ما زوّدها أكثر، يعني ما زال المرض موجوداً؛ ما زال مثلاً يغتابني، بس المقدار الذي يغتابني فيه ما زوّده، واقف معياره عند شيء معين، عم بكرره بس مش عم ببتجاوزه؛ يعني لا هو ما ترك وما كف عن اغتيابي، بس في نفس الوقت ما تجاوز أكثر من القدر الذي أعرفه، فبقول لك هذا عالِج بسرعة، لأن معالجة المرض وإيقافه عند مرحلته هذا أحد الحُسنيين وكفّه عن الزيادة إحدى الحُسنيين، وقد استبقى بالوقوف عن التجاوز أحد شطرين؛ أنت مجرد إيقافك للمرض عند حد معين -أنا لسه ما عالجته بس إيقافي له- ترى هذا بداية العلاج، أليس كذلك؟ أن توقف السرطان وإن كنت أنت لم تعالجه في المنطقة التي انتشر فيها، مجرد إيقافك لانتشار السرطان هو أحد شطري العلاج، بعدين بتيجي بتعالج السرطان في المنطقة التي هو فيها، فبقول لك مثل هذا حاول توقفه عند قدر معين ما يزيد، بعدين حاول تستصلح المنطقة التي فيها الخلل؛ لأنه هكذا أنفع لك، وإذا تركته فإن المرض سيزداد.

ويستشف الحالة الثالثة: أن يتجاوز مع الأوقات فيزيد فيه على مرور الأيام، فهذا هو الداء العُضال؛ فإن أمكن استدراكه وتأتّى استصلاحه باستنزاله عنه إن علا، وبإرغابه إن دنا، وبعتابه إن ساوى، وإلا فآخر الداء الكي، ومن بلغت به آخر الدواء الكي، وما بلغت به الأعذار إلى غايتها فلا لائمة عليه، والمقيم على شقاقه باغٍ مصروع، وقد قيل: من سَلَّ سيف البغي أغمده في رأسه.

فخذ هذا شرطاً؛ قال: أما المسامحة في الحقوق فلان الاستيفاء موحش والاستقصاء منفر، ومن أراد كل حقه من النفوس المستصعبة بشح أو طمع لم يصل إليه إلا بالمنافرة والمشاقة، ولم يقدر عليه إلا بالمخاشنة والمشاحة. هذا القسم الثاني من المياسرة، نحن قلنا المروءة مع الغير مؤازرة ومياسرة، وإيش الثالث؟ إفضال. طيب المؤازرة فهمناها، المياسرة أنها قسمها الأول وهو العفو عن الهفوات، بقي القسم الثاني وهو المسامحة في الحقوق، بدك تسامح في حقوقك، يعني هي من المروءة، ما تفكر أن الناس ستقف عند حقوقك الشخصية ولن تعتدي عليها، سيكون هناك نوع اعتداء، فالاستيفاء موحش أحياناً؛ الحقوق طبعاً كلمة عامة، الحق الذي تريده من الزوجة، الحق الذي تريده من الأبناء، الحق الذي تريده من الإخوان، كل حياة الناس شبكة من الحقوق، بدك تسامح بدك تغض الطرف، وإلا من لم يتغافل لم يطب له عيش، أليس كذلك؟

قال: الاستيفاء موحش والاستقصاء منفر، لما يشوفوك إخوانك: لا أنا بدي حقي يا شيخ بدي حقي، لما يكون الإنسان دائماً يطلب حقوقه هذا منفر، بعض الناس يظن أن هذه قوة؛ لا تكن ذليلاً تضيع حقوقك في غابة اللئام، لكن لا تكن مستقصياً تصبح منفراً. ومن أراد كل حقه من النفوس المستصعبة بشح أو طمع لم يصل إليه إلا بالمنافرة والمشاقة، ولم يقدر عليه إلا بالمخاشنة والمشاحة؛ لما استقر في الطباع من مقت من شاقها ونافرها وبغض من شاحها ونازعها، كما استقر فيها حب من ياسرها وسامحها، فكان أليق الأمور بالمروءة استلطاف النفوس بالمياسرة والمسامحة وتألفها بالمقاربة والمساهلة. قال بعض الحكماء: من عاش الإخوان بالمسامحة دامت له مودتهم، وقال بعض الأدباء: إذا أخذت عفو القلوب زكى ريعك، وإن استقصيت أكديت؛ أكديت يعني ستقف كالحجر الذي يقف في منتصف طريقك ما تستطيع أن تشيله، في الحفر أطأ قليلاً وأكده.

وأما المسامحة نوعان: مسامحة في العقود ومسامحة في الحقوق، فإما العقود فهو أن يكون فيها سهل المناجزة، قليل المحاجزة؛ يعني إذا شخص بينك وبينه عقد بيع وشراء خلص سهل في الإعطاء، تنتظر على أخوك إذا تأخر في الدفع، مأمون الغيبة بعيداً عن المكر والخديعة، وإذا كنت مشتري ما بتخدعه بتعطيه الثمن. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أجملوا في طلب الدنيا فإن كلاً ميسر لما كُتب له منها»، وقال: لا أدلكم على شيء يحب الله ورسوله؟ قال يا رسول الله، قال: «التغابن للضعيف»، التغابن يعني أنك تظهر نفسك أنك مخدوع، يعني يجيك واحد ضعيف جاي يشتري منك تعمل حالك مسكين، وأنه أنت مش عارف السلعة، آه والله فلان وخلص خذها، والله أنت ما شاء الله عليك أشطر مني، عدوه مسكين بس أنت اللي بدك تعمل حالك مسكين معه، هذا من قيم الأخلاق الرفيعة أنك تعمل أمام المسكين حالك مسكين، بس قدام الشاطر اعمل حالك شاطر.

إذن قال: التغابن للضعيف، أن تظهر للضعيف أنه هو والله كسبها، هو بيروح منبسط على الدار وكذا وأنه ترى والله أعطيت وكنت شاطر في المماكسة، عاد هو بيكون شاب مسكين لا عارف المماكسة ولا شيء بس أنت عملت حالك مسكين معه حتى ما تكسر خاطره، هذا من الأخلاق العالية. وحكى ابن عون أن عمرو بن عبيد اشترى للحسن البصري إزاراً بستة دراهم ونصف، فأعطى التاجر سبعة دراهم، فقال له: أي ثمنه ستة دراهم ونصف، فقال: إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهماً؛ يعني أنا ما بقبل النص دينار، أنا اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهماً. ومن الناس من يرى أن المساهلة في العقود عجز وأن الاستقصاء فيها حزم، حتى إنه لا يماكس في التافه الحقير، وإن جاد بالجزيل الكثير، كالذي حكي عن عبد الله بن جعفر، وقد ماكس في درهم وهو يجود بما يجود به، فقيل له في ذلك فقال: ذاك مالي أجود به وهذا عقلي بخلت به. يعني بعض الناس بيدخل على محل سوبر ماركت بده يماكس على باكيت الشيبس، يا عمي خلص عشر قروش ما في شلن، يعني يماكس في التافه الحقير، هذه ليست من مروءات النفس؛ إلا عشر قروش خلص، الـ12 الذي يماكس فيه، الـ5000 الست، هذه الأشياء التي يماكس فيها، أما إذا رأيت الرجل -يقولون- يماكس في شيء تافه فهذا دلالة ضعف النفس. نعم، وهذا إنما ينساغ من أهل المروءة في دفع ما يخادعهم به الأدْنياء ويغابنهم به الأشحاء، وهكذا كانت حال عبد الله بن جعفر، فأما مماكسة الاستنزال والاستسماح فكلا؛ لأنه منافٍ للكرم ومبين للمروءة.

وأما الحقوق فتتنوع المسامحة فيها نوعين: أحدهما في الأحوال والثاني في الأموال. فإما المسامحة في الأحوال فهو ألا تنازع في الرتب وترك المنافسة في التقدم، فإن مشاحة النفوس فيها أعظم والعناد فيها أكثر، فإن سامح فيها ولم ينافس كان مع أخذه بأفضل الأخلاق واستعماله لأحسن الآداب أوقع في النفوس من إفضاله برغائف الأموال؛ يعني الحالة الأولى أن تسامح في حقك في التقدم، أحياناً مثلاً بيكونوا بدهم يعملوا تصويت: من يكون رئيس هذه الجمعية الإسلامية؟ يا أخي سامح، كلهم يا إخوان أنا بسامح في الرئاسة كلها، خَلِّ فلان يتقدم، أو من يكون إماماً في المسجد، أو من يكون متقدماً في مقابلة فلان، في أمور الرتب سامح ولا تظهر حرصك على الإمامة والزعامة والقيادة، فإنك تكبر في عيون الناس بخلاف إذا ما رأوك بتزعل على الألقاب ولا تسامح بها وحريص على الزعامات والقيادات وإذا قُدّم أخوك عنك تشعر بغصة النفس؛ إذا رآك الناس حريصاً ترى الناس تتركك، فهذه المسامحة في الأحوال، ثم هو أزيد في رتبته وأبلغ في تقدمه، وإن شح فيها ونازع كان مع ارتكابه لأخس الأخلاق واستعماله لأهجل الآداب أنكى في النفوس من حد السيف وطعن السنان، ثم هو أخفض للرتبة وأمنع من التقدم.

حكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند ابن أبي دؤاد، فقال له: يا بني إن الأدب ميراث، -ابن أبي دؤاد هذا المعتزلي، أما هذا قيل ابن أبي داود وهو ابن الإمام أبو داود السجستاني ابنه صاحب الحائية المشهورة-، فقالوا: يا بني إن الآداب ميراث الأشراف ولست أرى عندك من سلفك إرثه؛ يعني أنت هاشمي الأصل، بني هاشم يعرفون الأخلاق، كيف تتخطى رقاب الناس؟ ما تقول والله لأنه أنا من بني هاشم؛ لا، ترى هذا يضعك حتى لو كنت من بني هاشم أنك تتخطى رقاب الناس.

وأما المسامحة في الأموال فتتنوع ثلاثة أنواع: مسامحة إسقاط لعُدم، مسامحة تخفيف لعجز، ومسامحة إنذار لعُسرة. مسامحة إسقاط لعُدم: أخوك بدك منه مال وهو مُعدَم تسامحه، يعني تسقط عنه الدين لعُدمه. ومسامحة تخفيف لعجز: أنا والله صعب أسقط عنك لكن بقدر أخفف الدين، 1000 أعطني 500 لأني عارف وضعك. ومسامحة إنذار: أن تُنظره، الآن ما بدك تخفف لكنك تُنظره، فنظرة إلى ميسرة كما قال سبحانه وتعالى. وهي مع اختلاف أسبابها تفضّل مأثور وتألّف مشكور، وإذا كان الكريم قد يجود بما تحويه يده وينفذ فيه تصرفه كان أولى أن يجود بما خرج عن يده وطاب نفساً بفراقه؛ يعني إذا أنت كنت تجود بما في يدك فمن باب أولى أن تجود بشيء أنت أعطيته سابقاً وصعب يرجع لك، الجود فيه أولى.

وقد تصل المسامحة في الحقوق إلى من لا يقبل البر ويأبى الصلة فيكون أحسن موقعاً وأزكى محلاً، ربما كانت المسامحة فيها أمن من رد السائل، أحياناً تسامح في بعض حقوقك تكون خير لك وأمن لك من رد السائل ومنع المُجتدي، لأن السائل كما استجرأ على سؤالك فسيستجرئ على سؤال غيرك إن رددته. وليس كل من صار أسير حقك ورهين دينك يجد بُداً من مسامحتك ومياسرتك، ثم لك مع ذلك حسن الثناء وجزيل الأجر، كما قال محمود الوراق: المرء بعد الموت أحدوثة يفنى وتبقى منه مآثره فأحسن الحالات حال امرئ تطيب بعد الموت أخباره

فهذه حال المياسرة، خلصنا المؤازرة والمياسرة، بقي الإفضال. قال: وأما الإفضال فنوعان: إفضال اصطناع وإفضال استكفاف ودفاع. فأما إفضال الاصطناع فنوعان: أحدهما ما زاد جوداً في شكور، أي ما ازداده جوداً في شكور؛ أن تجود على شخص طبيعته أنه يشكر، والثاني ما تألف به نبوة نفور؛ أن تتفضل على شخص نفور من أجل أن تأسره وتتألف قلبه، وكلاهما من شروط المروءة لما فيها من ظهور الاصطناع وتكاثر الأشياع والأتباع.

إذاً قال: إفضال الاصطناع؛ يعني أن تتفضل بصنيعة على أحد شخصين، إما شخص طبيعته شكور فهنا أنت تكون وضعت الصنيعة في مكانها، أو تتألف بها شخصاً نفوراً فتكون ألّفت قلبه وجعلته من أتباعك، ومن قلت صنائعه في الشاكرين وأعرض عن تألف النافرين كان فرداً مهجوراً. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان من سنته سهم المؤلفة قلوبهم، صح؟ لأن سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة هو ناس منافرون لك بدك تجيبه، خاصة الأعرابي والبدوي وزعماء العشائر، بدك تفعل معهم المعروف لتشتري ذممهم واتباعهم لك، فمن قلت صنائعه وأعرض عن تألف النافرين كان فرداً مهجوراً وتابعاً محكوراً، ولا مروءة لمتروك مُطّرح ولا قدر لمحكور مهتضم. وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على شيء أردته من الحق حتى بسطت لهم طرفاً من الدنيا. ها هي الحياة، أي شخص بده يكون رئيس جماعة أو طائفة بده يعرف هذه القاعدة؛ الناس لن تعطيك حتى تعطيهم، الناس لن تخدمك حتى تعطيهم شيئاً من الدنيا، هي هكذا الحياة.

وقال بعض الحكماء: أقل ما يجب للمنعم بحق نعمته ألا يتوصل بها إلى معصيته، لأنه ما أنعم عليك لأنه يريد أن يصل بها إلى معصية، بل يريد منها شيئاً من الخير أو الصلاح. وإن شُت لبعض الأعراب من جمع المال ولم يجد به، جمع المال ولم يجد به هان على الناس هوان كلبه؛ يعني صار عنده الناس زي الكلب، خاصة الحاكم أو غيره، إذا رآه الناس يجمع الأموال وما يعطيهم، الناس تستغيب الحاكم والسلطان وزبانيته وتخوض فيهم كما تخوض في الكلاب.

وقال إسحاق بن إبراهيم: يبقى الثناء وتذهب الأموال ولكل دهرٍ دولة ورجال ما نال محمدة الرجال وشكرهم إلا الجواد بماله المفضال لا ترضى من رجل حلاوة قوله حتى يصدق ما يقول فعاله

يتناسب مع قولك: فإن ضاقت به الحال عن الاصطناع بماله، فقد علم من اله المكارم عمادها، وفقد من شروط المروءة سنادها، فليواسِ بنفسه مواساة المساعد. يعني إذا ما قدرت تساعد الناس بمالك، فعلى الأقل واسهم بأخلاقك، وإلا إذا حتى بأخلاقك ما بدك تواسيهم ما باقي لك شيء من المروءة. وليسعد بها، أي بأخلاقه، إسعاد المتألف، كما قال المتنبي:

فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ

يعني على الأقل جاءك طلب، ما عندك يا أخي قل له كلمة جميلة، فليسعد النطق إن لم يسعد الحال. هكذا، شوف هذا كلام العقلاء الذي يحتاجه طلاب العلم، بيفهموا فلسفة الحياة؛ لها قوانين إخواني. إذا أردت أنك تكون مرتاحاً وتسير بمروءتك وأخلاقك، هي القضية مش تحفظ متناً بس، أو تحضر درساً عند شيخ وتكون حافظاً المعلقات العشر أو ألفية ابن مالك، لا، في قسم من الحياة؛ فهم الحياة وفلسفتها وطرق معاشرة الناس، وأن يكون عندك آلات وأدوات تساعدك على أن تستبقي حرمتك ومروءتك، وتجملك أمام الناس. وإن كان لا يراها، وإن أجهدها إلا تبعاً للمفضلين قليلة بين المكثرين، فإن الناس لا يساوون بين المعطي والمانع، ولا يقنعهم القول دون الفعل، ولا يغنيهم الكلام عن المال، ويرونه كالصدى الذي إن رد صوتاً لم يجدِ نفعاً. يعني الصدى وإن كان بيعمل لك رد صوت بس ما في نفع، وكما قال الشاعر:

يجود بالوعد ولكنه يدهن من قارورة فارغة

فكل ما خرج عندهم عن المال كان فارغاً، وكل ما عدا الأفضال به كان هيناً. يعني هو يقول لك أسعد الناس بالنطق والكلام، حتى وإن كان الناس ما بتشوفه كثيراً، يعني واحد يقول لك يا أخي شو بده ينفع الكلام إذا ما أعطيته مالاً؟ صح، الناس ما بتشوف الكلام كثيراً، بس على الأقل يعني هو أفضل من لا شيء.

وقد قدمنا من القول في شروط الأفضال ما أقنع. وأما الأفضال للاستكفاف، فلأن ذا الفضل لا يعد حاسد نعمة ومعاند فضيلة، يعتريه الجهل بإظهار عناده، ويبعثه اللؤم على البذاء بسفه، فإن غفل عن استكفاف السفهاء وأعرض عن استدفاع أهل البذاء صار عرضه هدفاً للمثالب. يعني أحياناً أنت تفعل الأفضال مش من أجل المحافظة على صديق وتأليف القلوب، لا، أحياناً أنا بفعل الأفضال حتى أكف شر الناس عني. إذا كنت غنياً أو صاحب جاه، ترى الناس ما أكثر حسد وكل ذي نعمة محسود، فبقول لك الماوردي: أحياناً تضطر تعمل معروفاً مع بعض الناس بس من أجل كيف شره عنك. جاء رجل إلى الخليفة المهدي، أحد خلفاء بني العباس، بنعل وقال: هذا نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. المهدي عرف أن الرجل كاذب، وأنه لا هذا نعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا شيء، بس ايش قال له؟ قال: أنا أشتري منك بخمسين ألف قطعة ذهبية. فقيل للمهدي: كيف اشتريته بخمسين ألف قطعة ذهبية وأنت تعرف أنه كاذب، لا نعل رسول الله ولا شيء صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو أنني لم أشترِه لخرج أمام الناس وقال: أبى أن يأخذ نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت لسانه. قال: اشتريت لسانه. اللي أنا عارف أنه لا نعل رسول الله ولا شيء، نعل جابه من الطريق وجاي بس بده يأخذ مني مالاً، فأسكته بالمال، وأظهرت له من باب أن أكف شره، وهذا من دهاء الإنسان أنه ممكن تكف شر بعض الناس بشيء من العطاء.

قال: فإن غفل عن استكفاف السفهاء وأعرض عن استدفاع أهل البلاء صار عرضه هدفاً للمثالب، وحاله أصبح عرضة للنوائب. وإذا استكف السفيه، يعني صرف عنه السفيه، واستدفع البذيء صان عرضه وحمى نعمته. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة». كل شيء تحمي به عرضك فهو صدقة إن شاء الله. وقالت عائشة: ذبوا بأموالكم عن أحسابكم. حُجَّ رجل الزهري فأعطاه قميصه، فقال له رجل: أتعطي على كلام الشيطان؟ فقال: من ابتغى الخير اتقى الشر. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد بر الوالدين فليعطِ الشعراء». تمام؟ لماذا؟ لأنه الشاعر إذا ما امتدحك بذمك، وإذا ما أعطيته اليوم مدح والدك بكره يهجوك، فأعطه وكف لسانه عنك. وهذا صحيح؛ لأن الشعر ساتر يستر به ما ضمن من مدح أو هجاء، ومن أجل ذلك قيل: لا تؤاخِ شاعراً فإنه يمدحك بثمن ويهجوك مجاناً.

والاستكفاف للسفهاء بالأفضال شرطان: أحدهما أن يخفيه، حتى لا تنتشر فيه مطامع السفهاء، هذا جميل، فيتواصوا إلى اجتذابه بسبه، وإلى ماله بثلبه. شو يعني؟ إذا بدك تعطي سفيهاً أعطه بينك وبينه، لا تعطه أمام السفهاء الآخرين، فبيصيروا يقولوا: عرفنا شو مصيدة هذا الشيخ، هذا الشيخ بخاف، فبيصير كل السفهاء كل يوم جايين على بابك، يا بتعطينا يا منداويك. قال: بدك تعطي السفيهاً أعطه بالعقل. طيب، والثاني أن يطلب له في المجاملة وجهاً، ويجعله في الأفضال عليه سبباً، لئلا يرى أنه على السفه قد أعطي، ولأجل بذاءته قد جُبي. يعني لما بدك تعطي شخصاً سفيهاً قل له: والله أنا أعطيتك لأنك شهم محترم، أعطه سبباً، بس لأنك حتى لا يظن أنك أعطيته فقط من أجل أن تكف، لأنه هو نفسه بيصير كل يوم يجيك يقول لك، يعني مش بيجي بالسفهاء لا، هو بيصير نفسه كل يوم يجيك، فأنت قل له: أنا أعطيتك والله لأنك إنسان شفتك عملت معروفاً مع فلان بدي أكافئك، أي سبب، أي شماعة تعلق عليها العطاء، أهم شيء لا يعرف أنك أعطيته لأنه سفيه تريد أن تكف شره عنك.

قال: واعلم أنك ما حييت ملحوظ المحاسن محفوظ المساوئ، ثم من بعد ذلك حديث منتشر، لا يراقبك صديق ولا يحامي عنك شقيق. فكن أحسن حديث، أنت بعد موتك عبارة عن حديث الناس، بعد ما تموت أنت حديث، اعمل معروفاً حتى تبقى حديثاً جميلاً؛ لأنك إذا لم تفعل ذلك ستكون بين الناس: الله يرحمه فلان بس كان بخيل، الله يرحمه فلان عمره ما أعطى أحداً ديناراً. حاول أن تكون قصة جميلة، فلا يراقبك صديق ولا يحامي عنك شقيق بعد موتك، فكن أحسن حديث ينشر، يكن سعيك في الناس مشكوراً، وحظك عند الله موفوراً، وأجرك عند الله مذخوراً. فقد روى زياد بإسناده قال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». فهذا ما اقتضى هذا الفصل من شروط المروءة، وإن كان كل كتابنا هذا من شروطها ومتصل من حقوقها.

الفصل الأخير، الفصل الثامن في آداب منثورة. سيختم هنا الماوردي الكتاب، فيقول: اعلم أن الآداب مع اختلافها بتنقل الأحوال وتغير العادات لا يمكن استيعابها، ولا يقدر على حصرها، وإنما يذكر كل إنسان ما بلغه الوسع من آداب زمانه، واستحسن بالعرف من عادات دهره. ولو أمكن ذلك لكان الأول قد أغنى الثاني عنها، يعني لو كان حصر الآداب ممكناً لكان سلفنا الأوائل أغنونا عن ذكرها، لكن هذا يدل على أن ما في إنسان يستطيع أن يحصر الآداب، فكل إنسان يقول ما وسعه المقام، ولكان المتقدم قد كفى المتأخر تكلفها. وإنما حظ الأخير أن يتعانى حفظ الشارد الذي لم يذكره المتقدم، الشارد يعني ما غفل المتقدم عن ذكره، بسموها شوارد الشعراء، وجمع المتفرق من كلامهم، ثم يعرض ما تقدم من كلام المتقدمين على حكم زمانه وعادات وقته، فيثبت ما كان من عادات المتقدمين موافقاً لزمانه، وينفي من عادات المتقدمين ما كان مخالفاً لعرف زمانه. ثم يستمد خاطره في استنباط زيادة في الآداب واستخراج فائدة، فإن أسعف الخاطر بشيء فاز بدركه وحظي بفضيلته، ثم يعبر عن ذلك كله، هذه الفضيلة التي أنت وصلت إليها بالاستنباط، حاول أن تعبر عنها في رسالة في شيء بما كان مألوفاً من كلام الوقت وعرف أهله، ما تأتي بعبارة مفذلكة متشدق بها حتى تعلو، عبر بعبارة سهلة يفهمها الناس وعرف أهله، فإن لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف، شوف هذا الكلام الجميل، دائماً الناس أبناء زمانها، لما بدك تعبر عن فكرة بعض الناس حتى يظهر قدراته يتكلم بكلام الجاحظ في زمن الناس دوبها فاهمة في كلام العامة، يقول لك: لا تتفلسف في الكلام، عبر عن الفكرة بأسهل السبل وأيسرها، فإن لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف، وعبارة تعرف، ليكون أوقع في النفوس وأسبق إلى الأفهام.

ثم يرتب ذلك على أوائله ومقدماته، ويبثه على أصوله وقواعده حسب ما يقتضيه الجنس، فإن لكل نوع من العلوم طريقة، يعني بدك تطرح فكرة معينة حاول أن تأتي بأصولها وقواعدها على حسب طبيعة العلم والفن الذي تتكلم فيه، فإن لكل نوع من العلوم طريقة في طرحه، هي أوضح مسلكاً وأسهل مأخذاً. فهذه خمسة شروط هي حظ الأخير، الأخير يعني المتأخر عن السلف، فيما يعانيه في طرح الآداب، وكذا القول في كل تصنيف مستحدث، أي كتاب بدك تستحدثه، ولولا ذلك لكان تعاطي ما تقدم به الأول عناءً ضائعاً وتكلفاً مستهجناً. وأرجو أن يمدنا الله تعالى بتوفيقه لتأدية هذه الشروط، وتنهضنا المعونة بتوفية هذه الحقوق، حتى نسلم من نقص التكلف، ونبرأ من عيوب التقصير، وإن كان اليسير مغفوراً، والخاطئ معذوراً، فقد قيل: من صنف كتاباً فقد استهدف، يعني عرض نفسه للناس، فإن أحسن لكتابه فقد استعطف الناس، بتقول فلان أحسن، وإن أساء فقد استقذف، يعني قذفت الناس بالشتائم، فلان ما بيعرف يكتب، فلان ما بيعرف يعبر عن أفكاره.

وقد مضت أبواب تضمنت فصوله، رأيت إتباعها بما لا أحب الإخلال به، فمن ذلك آداب المأكل والمشرب. فمن ذلك حال الإنسان مأكل ومشرب، فإن الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة وشهوة باعثة. ما الذي يجعل الإنسان يأكل يا شيخ مجد؟ إما الحاجة، إما الحاجة جوعان، أو شهوة لطعام معين يحب أن يأكله وإن لم يكن جائعاً. قال: فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع وسكن الظمأ، وهذا مندوب إليه عقداً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم يومين، الوصال أنك تصوم 48 ساعة متواصلة؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويعجز عن العبادة، وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف كان أكثر ثواباً وأعظم أجراً، إذ ليس في ترك المباح ثواب يقابل فعل الطاعات وإتيان القرب، ومن أخسر نفسه ربحاً موفوراً أو حرمها أجراً مذخوراً كان زهده في الخير أقوى من رغبة، يعني اللي يحرم نفسه من الطعام بحجة الزهد ويضيع صلاة الفجر بناءً على زهده في الطعام، أنت تحرم نفسك من الخير العظيم بتحصيل ثواب قليل، فهذا ليس من صنع العقلاء.

وأما الشهوة فتتنوع نوعين: أحدهما شهوة في الإكثار والزيادة، والثاني شهوة في تناول الألوان، يعني الأطعمة الملتذة. فإما النوع الأول فهو شهوة الزيادة على قدر الحاجة والإكثار على قدر الكفاية، فهو ممنوع منه في العقل والشرع، كما كان قدر الكفاية مندوباً إليه في العقل والشرع؛ لأن تناول ما زاد على الكفاية نهم معر، يعني معر في حقك، وشره مضر، نهم معر وشره مضر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والبطنة السمنة، فإنها مفسدة للدين، ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة». وقال علي: إن كنت بطناً فعمن الزمن، الزمن يعني المريض المقعد الذي لا يعمل شيئاً لأن السمنة بتخلي الإنسان كسول. قال بعض العلماء: أقلل طعامك تجد الصحة. وقال بعض البلغاء: أقلل طعاماً تحمد مناماً، بكون نومك خفيفاً. وقال بعض العدد: لا يسكن العلم معدة ملئت طعاماً. وقال بعض الأدباء: الرغب لؤم والنهم شؤم. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء، أكبر الدواء تقدير الغذاء، يعني تقنينه، ما تأكل فوق حاجتك. وقال بعض الشعراء:

فكم من أكلة منعت أخاها بلذة ساعة أكلات دهري وكم من طالب يسعى لأمر وفيه هلاكه لو كان يدري

زي اللي بيقله حلو كثير، آه يا شباب، تمام، عشان هيك إحنا مشينا نصائح الشيخ مسطنا نشرب السكر. وقال آخر:

كم دخلت أكلة حشا شرهن فأخرجت روحه من الجسد لا بارك الله في الطعام إذا كان هلاك النفوس في المعدة

ما بدنا نأكل إذا كان الأكل سبباً في هلاك النفوس، رب أكلة هاضت الآكل وحرمته مأكلاً. روى أبو يزيد بإسناده قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يخلق وعاءً ملئ شراً من بطن، فإن كان لا بد فاعلاً فاجعل ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً للريح».

وأما النوع الثاني وهو شهوة الأشياء الملتذة، يعني اللي بحب، أنا ما بدي آكل زيادة بس بحب يا أخي آكل اللحمة المشوية، فلان بحب الدجاجة المشوية، فلان بحب الهريسة، ليس الكذا، يحب نوعاً معيناً، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة، الناس مختلفة: هل تمكن النفس من طعام معين تشتهيه أو لا؟ فمنهم من يرى أن صرف النفس عنها أولى، وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل لها قيادها ويهون عليه عنادها؛ لأن تمكينها وما تهوى بطر يطغي وأشر يردي، لأن شهواتها غير متناهية، فإن أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، وعبد هوى لا ينتهي. ومن كان بهذه الحال لم يرجُ.

أو لم يرجى له صلاح ولم يوجد فيه فضل. وأنشدت لأبي الفتح البستي: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

إن استكمال فضائل النفس وليس فضائل الجسد، وذلك الحذر من هذا الحال ما حكي أن أبا حازم رحمه الله كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول: موعدنا الجنة. وقال آخرون: لا، الصحيح أن تمكين النفس من لذتها أولى. وهذا المذهب الثاني: إعطاؤها ما اشتهت من المباحات أحرى، لما فيه من ارتياح النفس بنيل شهواتها ونشاطها بإدراك لذاتها؛ فتنحسر عنها ذلة المقهور وبلادة المجبور، فلا تقصر عن درك، ولا تعصي في نهضة، ولا تكل عن استعانة. وهذا مذهب مر معنا في كتاب ابن الجوزي؛ هو يرى أنه يعطي نفسه أريحيّتها حتى تساعده في أمور أخرى من الأمور العلمية وما شابه ذلك.

المذهب الثالث، وأنا أعتقد أن المذهب الثالث التوسط، فالأمران أولى؛ لأن في إعطائها كل شهواتها سلاطة، والنفس السليطة معاندة، وفي منعها أيضاً من جميع شهواتها بلادة، والنفس البليدة عاجزة، وفي منعها عن البعض كف لها عن الصلاة، وفي تمكينها من البعض حسم لها عن البلادة. وهذا لأعم أشبه المذاهب بالسداد، لأن التوسط في الأمور أحمد.

وإذ قد مضى الكلام في المأكول والمشروب، فينبغي أن يتبع بذكر الملبوس. اعلم أن الحاجة وإن كانت في المأكول والمشروب أدعى، فهي إلى الملبوس أمسّ وبها إليه فاقة، لما في الملبوس من حفظ الجسد، ودفع الأذى، وستر العورة، وحصول الزينة. كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: 26]. فمعنى قولي قد أنزلنا عليكم لباساً: أي خلقنا لكم ما تلبسون من الثياب، يواري سوءاتكم: أي يستر عوراتكم، وسميت العورة سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها عن جسده.

وقوله: ﴿وَرِيشًا﴾ فيه أربعة تأويلات: قيل إن الريش هو المال، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه اللباس والعيش والنعم، وهو قول ابن عباس. وقيل: إنه المعاش يعني المال، وهو قول معبد. والرابع: أنه الجمال، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ﴾ فيه ستة تأويلات: أن لباس التقوى هو الإيمان بالله، وهو قول قتادة. والثاني: أنه العمل الصالح، وقول ابن عباس. والثالث: هو السمت الحسن، وقول عثمان. والرابع: هو خشية الله، وهو قول عروة. والخامس: هو الحياء، وهو قول معبد. والسادس: هو ستر العورة، وهو قول عبد الرحمن. وفي اعتقادي أن كل هذه الأقوال صحيحة أيها الشباب، يعني هذا كل شخص من العلماء ركز على جانب، فهذا اختلاف تنوع كما يقول ابن تيمية وليس اختلاف تضاد.

وقوله في الآية: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ فيه تأويلان: أحدهما أن ذلك راجع إلى جميع ما تقدم، أن اسم الإشارة يعود إلى جميع ما تقدم من أول الآية، ثم قال ذلك خير، أي ذلك الذي ذكرته خير كله. والثاني: أنه راجع إلى الأخير، وهذه مسألة أصولية أن اسم الإشارة هل يعود إلى جميع ما تقدم أو إلى آخر ما ذكر؟ والثاني أن ذلك راجع إلى لباس التقوى لأنه آخر ما ذكر، ومعنى الكلام أن لباس التقوى خير من الرياش واللباس، وهذا قول قتادة.

فلما وصف الله حال اللباس وأخرجه مخرج الامتنان، علم أنه معونة منه سبحانه لشدة الحاجة إليه. وإن كان كذلك ففي اللباس ثلاثة أشياء: أولاً دفع الأذى، والثاني ستر العورة، والثالث الجمال والزينة، هذه مقاصد اللباس. فأما دفع الأذى به فواجب بالعقل؛ لأن العقل يوجب دفع المضار واجتلاب المنافع، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 81]، فأخبر بحالها ولم يأمر بها اكتفاءً بما يقتضيه العقل من ضرورتها، واستغناءً بما يبعث عليه الطبع. ويعني بالظلال الشجر، وبالأكنان جمع كن وهو الموضع الذي يستكن فيه، ويعنى بقوله سرابيل تقيكم الحر هي ثياب القطن والكتان والصوف، وبقوله سرابيل تقيكم بأسكم هي الدروع التي تقي البأس وهي الحرب.

فإن قيل: فكيف قال تقيكم الحر ولم يقل وتقيكم البرد؟ قال وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ ولم يذكر من السهول أكناناً؛ يعني ذكر الجبل ولم يذكر السهل، وذكر الحر ولم يذكر البرد. فعن ذلك جوابان: أحدهما أن القوم كانوا أصحاب جبال وخيام، فذكر لهم الجبال، وكانوا أصحاب حر دون برد، فذكرت لهم نعمته، يعني الصحابة كانوا في المدينة، المدينة عبارة عن جبال وخيام وحر وليست مناطق سهول وبرد، فذكر لهم نعمته فيما هو مختص به. والجواب الثاني: أنه اكتفى بذكر أحد الأمرين عن ذكر الآخر، وهذا هو المشهور عند المفسرين أن هناك شيئاً مقدراً تقيكم الحر، التقدير وتقيكم البرد، فإنه إذ كان معلوماً أن السرابيل التي تقي الحر فإنها تقي البرد أيضاً، ومن اتخذ من الجبال أكناناً اتخذ من السهل أكناناً، وهذا قول الجمهور.

الفائدة الثانية كما قلنا ستر العورة، وقد اختلف الناس فيه: هل وجب ستر العورة بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة: وجب ستر العورة بالعقل لما في ظهورها من القبح، وما كان قبيحاً فالعقل مانع منه. ولا ترى أن آدم وحواء لما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، تنبها بعقولهما لستر ما رأياه مستقبحاً من سوآتهما، لأنهما لم يكونا قد كلفا ستر العورة ستر ما لم يبد لهما، ولا كلفاه بعد أن بدتا لهما وقبل سترهما، يعني الرأي الأول يرى أن ستر العورة عرف بالعقل قبل الشرع بدليل أن آدم وحواء ما كان عندهم شرع في الجنة بضرورة ستر العورة، وأول ما انكشفت عورتهم استحوا، لماذا استحوا؟ عقلاً وليس لوجود وحي.

وقالت الطائفة: بستر العورة واجب بالشرع؛ لأن بعض الجسد لا يوجب العقل ستر باقيه، وإنما اختصت العورة بحكم شرعي فوجب أن يكون ما يلزم من سترها حكماً شرعياً. طبعاً نحن عرفنا في بداية الكتاب أن الماوردي متأثر قليلاً بالفكر الاعتزالي كما قيل، فهو يتكلم بالمنظور الاعتزالي أحياناً وإن كان في اعتقاده ليس معتزلياً، لكن قد يكون متأثراً قليلاً ببعض الأفكار.

وقد كانت قريش وأكثر العرب مع ما كانوا عليه من وفور العقل وصحة الألباب يطوفون بالبيت عراة، فلو كان العقل يوجب الستر لما طافوا بالبيت عراة، ويحرمون على أنفسهم اللحمة والودك، والودك هو دهن اللحم، ويرون ذلك أبلغ في القربة، وإنما القربة ما استحسنت في العقل حتى أنزل الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]. يعني بقوله خذوا زينتكم الثياب التي تستر عوراتكم، كلوا واشربوا أي ما حرمتموه على أنفسكم من اللحم والودك، وفي قوله تعالى ولا تسرفوا تأويلان: أي لا تسرفوا في التحريم وهو قول السدي، والثاني لا تأكلوا حراماً فإنه إسراف وهو قول ابن زيد. فأوجب بهذه الآية الكريمة ستر العورة بعد أن لم يكن العقل موجباً له، فدل ذلك على أن سترها وجب بالشرع دون العقل.

الهدف الثالث من الثياب وهو الجمال والزينة، فهو مستحسن بالعرف والعادة من غير أن يوجبه عقل أو شرع، وفي هذا النوع قد يقع التجاوز والتقصير، والتوسط المطلوب فيه معتبر من وجهين: أحدهما في صفة الملبوس وكيفيته، والثاني في جنسه وقيمته. نعم، اللباس إذا كان قصدك منه الجمال والزينة هنا يقع تجاوز من بعض الناس فيسرف، وتقصير من بعض الناس فيذل نفسه. الماوردي يقول لك المطلوب هنا التوسط في صفة الملبوس وكيفيته، والثاني في جنسه كتان صوف، وقيمته. فإما صفته فمعتبرة بالعرف من وجهين، أحدهما عرف البلاد، فإن لأهل المشرق زياً مألوفاً، ولأهل المغرب زياً مألوفاً، إذاً من الجيد أن تلبس لباس بلدك ولا تلبس لباساً غريباً عن أهل بلدك، أهل المشرق لهم لباس، أهل المغرب لهم لباس، نعم، وكذلك لما بينهما من البلاد المختلفة عادات في اللباس مختلفة.

والثاني عرف الأجناس، فإن للأجناد زياً مألوفاً، وللتجار زياً مألوفاً، وكذلك لمن سواهما من الأجناس المختلفة عادات في اللباس مختلفة. وإنما اختلفت عادات الناس في اللباس من هذين الوجهين، نعم، ثاني الأجناس، الناس يعني الآن أهل العلم لهم لباس، العسكريون لهم لباس، التجار مثلاً، بعض الدول لهم لباس، النساء لهم لباس، فحسب جنسك بدك تختار الثياب المناسبة لك. يعني إذا كان لباس أهل العلم في بلدك الثوب مثلاً وأنت تريد أن تتصدر ما بينفع تجيهم ببنطلون وقراية، إذا كان هذا العرف؛ لأنه لهم هذا الجنس لهم طريقة معينة في اللباس، فبدك تحافظ عليه حتى لا تزري بجنسك، يعني تخيل جندي طالع بالسروال على معركة، تقول يا أخي أنت هذا مش لباس الجندية! طيب يا شيخ هو حرام لبس السروال؟ يا أخي مش قضية حرام، نحن الآن نتكلم عن الالتزام بالعرف، إن الجندي يلبس البزة العسكرية، فإذا رآك الناس بالسروال لن يقبلوا، يقول لك هذا جندي؟ هذا إيش رامد! فاحترام هذه الأدبيات جيد، وهذا من مروءتك.

قال: وإنما اختلفت عادات الناس في اللباس من هذين الوجهين من وجه عرف البلاد وعرف الجنس ليكون اختلافهم فيها سمة يتميزون بها، وعلامة لا يخفون معها، فإذا عدل الواحد في لباسه عن عرف بلده وجنسه كان منه خرقاً، كان نوعاً من الجهل والحماقة، ولذلك قيل: العري الفادح خير من الزي الفاضح. العري الفادح أنك تكون عريان أحسن من أنك تكون لابس لباساً لا يليق بك.

وأما جنس الملبوس وقيمته فمعتبر من وجهين، أحدهما بالمكنة من اليسار والإعسار، على حسب ما معك من المال البس، فإن للموسر زياً وللمعسر دونه. والثاني بالمنزلة والحال، فإن لذوي المنزلة الرفيعة زياً وللمنخفض عن المنازل، يعني الحكماء والرؤساء لهم لباس، والعامة لهم لباس، ليتفاضلوا فيه على حسب تفاضل أحوالهم فيصيروا به متميزين، فإن عدل الموسر إلى زي المعسر كان شحاً وبخلاً، وإن عدل الرفيع إلى زي الدنيء كان مهانة، والعكس، وإن عدل المعسر إلى زي الموسر كان تبذيراً وسرفاً، وإن عدل الدنيء إلى زي الرفيع كان جهلاً وتخلفاً.

ولزوم العرف المعهود واعتبار الحد المقصود أدل على العقل وأمنع من الذم. ولذلك قال عمر: إياكم ولبستين؛ لبسة مشهورة، اللي هو لباس الشهرة اللي بتخلي الناس تذمك، ولبسة محقورة تجعلك تذل. وقال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدري فيه العظماء ولا يعيبه عليك الحكماء. وقال بعضهم: أشور أن العيون رمتك إذ فاجأتها ... وعليك من شهر الثياب لباس

أما الطعام فكل لنفسك ما تشاء، واجعل لباسك ما اشتهاه الناس، هي القاعدة؛ اللباس البس ما يرتضيه الناس، وأما الطعام كل ما يرضيك أنت، ما لك علاقة بالناس صح؟ الطعام والشراب كل اللي بدك إياه من الحلال، أما اللباس لا، بدك تلبس ما هو عرف البلد، ولا تخرج عن بعضنا يقول لك يا أخي هذه الحرية الشخصية! يا أخي دعك من هذه الإطلاقات الفاسدة، في ضوابط في الحياة، مش غابة يفعل الإنسان فيها ما يشاء، احترام المجتمع والبيئة حقيقة لها أثر طيب.

واعلم أن من المروءة أن يكون الإنسان معتدل الحال في مراعاة لباسه من غير إكثار ولا اطراح، فإن اطراح مراعاة اللباس وترك تفقدها مهانة وذل، وكثرة مراعاتها هذا من عادة النساء مش للرجال، اليس كذلك؟ وصرف الهمة إلى العناية بها دناءة ونقص. ربما توهم بعض من خلا من الفضل وعري عن تمييز أن ذلك هو المروءة الكاملة والسيرة الفاضلة، لما يرى من تميزه بذلك عن الأكثرين، وخروجه عن جملة العوام المسترذلين، وخفي عليه أنه إذا تعدى طوره وتجاوز قدره كان أقبح لذكره وأبعث على ذمه، وكما قال المتنبي: لا يعجبن مضيماً حسن بزته ... وهل يروق دفيناً جودة الكفن؟

يعني إذا أنت إنسان ما حدا داري عنك، ما راح يرفعك أنك لبست بدلة إيطالية سعرها مثلاً 200 دينار، لأنه أنت أصلاً إنسان مجهول؛ الثياب ما راح ترفعك أخلاقياً ولا فكرياً عند الناس.

وحكى المبرد أن رجلاً من قريش كان إذا اتسع لبس أرث ثيابه، وإذا ضاق لبس أحسنها، فقيل له في ذلك، قال: إذا اتسعت تزينت بالجود، وإذا ضقت فعلى الأقل أتزين بالهيئة. وقال ابن الرومي بأبلغ من هذا المعنى في شعره فقال: وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصر فأما إذا كان الجمال موفراً ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوره

الجميل جميل بأخلاقه، إذا كنت جميلاً بأخلاقك ما تحتاج، أي ثياب مقبولة تؤدي الغرض، ولذلك قال الحكماء: ليست العزة في حسن البزة، تلبس بدلة وكرفته وشيء من ذلك.

وقال بعض الحكماء: وترى سفيه القوم يدنس عرضه ... سفهاً ويمسح نعله وشراكه

تمام، وترى سفيه القوم يدنس عرضه سفهاً، عرضه يتم تدنيسه، ويمسح نعله عفواً ويمسح نعله وشراكه، بتلاقيه مهتم بنعله عليه شوية غبرة بده يمسحه، وهو عرضه كلياته! استقذر بعض الناس يهتم بلون حذاءه ولا يهتم بلون أخلاقه وللأسف. وإذا اشتد كلفه بمراعاة لباسه قطعه ذلك عن مراعاة نفسه، وصار الملبوس عنده أنفس، وهو على مراعاته أحرص، وقد قيل في منثور الحكم: البس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك. وقال خالد بن صفوان: أراك لا تبالي بما لبست؟ قال: البس ثوباً أقيه بنفسي أحب إلي من ثوب أقي به نفسي. وكما أنه لا يكون شديد الكلف بها كذلك لا يكون شديد.

الاضطراح لها، فقد حكي عن عائشة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فنظر إليه رث الهيئة فقال: ما مالك؟ قال: من كل المال قد آتاني الله. فقال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا أنعم على امرئٍ نعمة أن ينظر إلى أثرها عليه». وقد قيل: المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة.

وهكذا القول في غلمانه وحشمه إذا اشتد كلفه بهم؛ لأن انتقل إلى تأديب الخدم صار عليهم قيماً ولهم خادماً، وإن أطرحهم قل رشادهم وظهر فسادهم وصاروا سبباً لمقته وطريقاً إلى ذمه. ولكن يكفهم عن سيئ الأخلاق ويأخذهم بأحسن الآداب ليكونوا كما قال فيهم الشاعر: سهل الفناء إذا مررت ببابِهِ طلق اليدين مؤدب الخدّامِ

قل لكم في تفقد أحوالهم على ما يحفظ تجمله ويصون مبتذله، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ادهنوا يذهب البؤس عنكم، والبسوا وتطهروا أو تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مماليككم فإنه أكبت لعدوكم» كان الحديث فيه نظر طبعاً. وليتوسط فيما بين حالتي اللين والخشونة؛ فإنه إن لان هان عليهم، وإن خشن كثيراً مقتوه وكان على خطر منهم.

حكي أن الموبذ -وهذا فقيه الفرس وحاكم المجوس- سمع ضحك الخدام في مجلس أنوشروان، وهذا أحد حكام الفرس، فقال: أما تمنع هؤلاء الغلمان؟ فقال أنوشروان: إنما بهم يهابنا أعداؤنا، فأنا استرضيهم حتى يقفوا معي. وقال أبو تمام: حشم الصديق عيونهم بحّاثةٌ لصديقه عن صدقه ونفاقه

فلينظرن المرء من غلمانه فهم خلائفه على أخلاقه. حشم الصديق يعني حاشيته وخدامه عيونهم بحاثة لصديقه عن صدقه ونفاقه، فدير بالك تسيء لأولادك لحشمك وخدامك؛ لأنهم هم سينقلوا مآثرك إلى الآخرين.

واعلم بالنسبة للراحة والنوم -أقرأ بقي أربع صفحات إخواننا من الكتاب إن شاء الله- واعلم أن للنفس حالتين: حالة استراحة إن حرمتها إياه كلت، وحالة تصرف إن أرحتها فيه اختلت. فالأولى بالإنسان تقدير حالتي حالتي نومه ودعته، وحالة تصرفه ويقظته، فإن لهما قدراً محموداً وزماناً مخصوصاً يضر بالنفس مجاوزة حدهما وتغير زمانهما. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «نومة الصبح معجزة، منفخة، مكسلة، مورمة، مفشلة، منساة للحاجة».

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: النوم ثلاثة: نومة خرق وهي الصبح، ونومة خلق وهي القائلة، ونومة حمق وهي العشي. وقد روى محمد بن يزداد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «نوم الضحى خرق، والقيلولة خلق، ونوم العشي حمق». وقيل في منثور الحكم: من لزم الرقاد عدم المراد. فإذا أعطى النفس حقها من النوم والدعة واستوفى حقه منها بالتصرف واليقظة، خلص بالاستراحة من عجزها وكلالها، وسلم بالرياضة من بلادتها وفسادها.

حكي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فوجده نائماً فقال له: يا أبتِ، أتنام والناس بالباب؟ قال: يا بني، نفسي مطيتي وأكره أن أتعبها فتقوم بي فلا تقوم بي. نعم، وينبغي أن يقسم حال تصرفه ويقظته على المهم من حاجته؛ فإن حاجة الإنسان لازمة والزمان يقصر عن استيعاب المهم، فكيف به إن تجاوز إلى ما ليس بمهم؟ هل يكون إلا كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحاً.

قال: ثم عليه أن يتصفح في ليله ما صدر من أفعال نهاره؛ فإن الليل أحضر للخاطر وأجمع للفكر. فإن كان محموداً أمضاه واتبعه بما شكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل؛ فإنه إذا فعل ذلك وجد أفعاله لا تنفك من أربعة أحوال: إما أن يكون قد أصاب فيها الغرض المقصود بها، أو يكون قد أخطأ فيها فوضعها في غير مواضعها، أو يكون قد قصر فيها فنقصت عن حدودها، أو يكون قد زاد فيها فقد حتى تجاوزت محدودها. وهذا التصفح إنما هو استظهار بعد تقديم الفكر قبل الفعل؛ ليعلم به مواقع الإصابة وينتهز به استدراك الخطأ. وقد قيل: من كثر اعتباره قل عثاره.

وكما يتصفح أفعال نفسه فكذا يجب أن يتصفح أفعال غيره، فربما كان استدراك الصواب معها أسهل لسلامة النفس من شبه الهوى وخلو الخاطر من حسن الظن. فإن ظفر بصواب وجده في غيره أو أعجبه جميل من فعله، زين نفسه بالعمل به؛ فإن السعيد من تصفح أفعال غيره فاقتدى بأحسنها وانتهى عن سيئها. وقد روى زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «السعيد من وعظ بغيره». وقال الشاعر: إن السعيد له من غيره عظةٌ وفي التجارب تحكيمٌ ومعتبرُ

وأنشدني بعض أهل العلم لطاهر بن الحسين: إذا أعجبتك خصال امرئٍ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على المجد والمكرومات إذا جئتها حاجبٌ يحجبك

أي خصلة تجدها في أخيك وتعجبك حاول أن تأخذها وتأتسي بها، وأي شيء تعيبه من أخيك حاول أنت أن تجتنبه؛ لأنك أنت تعبته من أخيك فحرِي أن تجتنبه.

فأما ما يروه من أعماله ويؤثر الإقدام عليه من مطالبه، فيجب أن يقدم الفكرة فيه قبل دخوله. أي شيء بدك تدخل فيه في الحياة يجب أن تتروى قبل أن تدخل فيه. فإن كان الرجاء فيه أغلب من الإياس منه وحُمدت العاقبة فيه سلكه من أسهل مطالبه وألطف جهاته، وبقدر شرفه يكون الإقدام. وبقدر شرف الشيء الذي تدخله العلم والتعب وتحصيل يكون الإقدام. وإن كان اليأس أغلب عليه من الرجاء مع شدة التغرير -يعني أنت ما رح تغر بنفسك وتلقيها في مهالك- ودناءة الأمر المطلوب فلا تدخل. يعني أي شيء بدك تدخل فيه بدك توازن: أدخل ولا ما أدخل؟ بالنظر في العواقب والنظر في شرفه بذاته، فليحذر أن يكون له متعرضاً في هذه الحالة. فقد روي أنه ﷺ قال: «إذا هممت بأمر ففكر في عاقبته، فإن كان رشداً فامضه، وإن كان غياً فانتهِ عنه». وهذا وإن لم يصح حديثاً لكنه اتفق عليه العقلاء، وقالت الحكماء: طلب ما لا يدرك عجز. وقال بعض الشعراء: فإياك والأمر الذي إن توسعت مواردُه ضاقت عليك المصادرُ

فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر. وليعلم العاقل أن لكل حين من أيام عمره خلقاً، وفي كل وقت من أوقات دهره عملاً. فإن تخلق فيك الآن وقت الصغر في أخلاق مسموحة لكن لما يصير عمرك في العشر سنوات لا تصلح لأخلاق، وأخلاق ما بنرتضيها للي عمره 60، كل فترة عمرية لها أخلاق تناسبها أليس كذلك؟ قالوا وفي كل وقت من أوقات دهره عملاً. فإن تخلق في كبره بأخلاق الصغر وتعاطى أفعال الفكاهة والبطر، استصغره من هو أصغر منه، وحقره من هو أقل وأحقر، وكان كالمثل المضروب بقول الشاعر: وكل بازٍ يمسه هرمٌ يخر على رأسه العصافير

كن يا أيها العاقل مقبلاً على شأنك، راضياً عن زمانك، سلماً لأهل دهرك، جارياً على عادة عصرك، منقاداً لمن قدمه الناس عليك، متحفناً على من قدمك الناس عليه، ولا تباينهم بالعزلة عنهم فيمقتوك، ولا تجاهرهم بالمخالفة لهم فيعادوك؛ فإنه لا عيش لممقوت ولا راحة لمعاداة. وأنشد بعض أهل الأدب: إذا اجتمع الناس في واحدٍ وخالفهم في الرضا واحدُ فقد دل إجماعهم دونه على عقله أنه فاسدُ

تمام، يعني إذا اجتمع الناس على شخص وهو الوحيد اللي بده يخالف يخرج عليه فقد دل إجماعهم على صلاح هذا الشخص دونه، على أن هو الفاسد. لما يكون العلماء متفقين على قضية ويطلعك واحد على السوشيال ميديا لا هو صاحب الحق الأوحد، تعرف أنه هذا دعك. واجعل نصح نفسك غنيمة عقلك، ولا تداهنها بإخفاء عيبك وإظهار عذرك، فيصير عدوك أحظى منك في زجر نفسه بإنكارك ومجاهرتك من نفسك. صير عدوك هو الذي يستهدفك التي هي أخص بك لإغرائك لها بأعذارك ومساءتك، فحسبك سوءاً برجل ينفع عدوه ويضر نفسه. وقال بعض الحكماء: أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعاً لك. وقال بعض البلغاء: من أصلح نفسك أرغم أنف أعاديه، ومن أعمل جده بلغ كنه أمانيه. وقال بعض الأدباء: من عرف معابه فلا يلم من عابه. وأنشدني أبو ثابت النحوي: ومصروفة عيناه عن عيب نفسه ولو بان عيب من أخيه لأبصرا ولو كان ذا الإنسان ينصف نفسه لأمسك عن عيب الصديق وقصرُ

بعض الناس يرى عيب أخيه وينسى الجذع في عينه للأسف. فهذب أيها الإنسان نفسك بإنكار عيوبك، وانفعها كنفعك لعدوك؛ فإنه من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ. أعاننا الله وإياك على القول والعمل وعلى النصح بالقول، وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسنه وتوفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وذلك يوم الأحد المبارك الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة 74 و800. هذا طبعاً كلام مين؟ الناسخ. هذه هي نسخة وجدت في زمان 874. وأما الماوردي فرحمه الله عليه توفي 450.

جزى الله الإمام الماوردي عنا خير الجزاء ونفعنا بعلومه، يعني كتاب نافع يسلط الضوء على جانب مهجور من الآداب التي ينبغي أن يعتنيها طالب العلم ليعرف فلسفة الحياة. أعود فأقول أن الحياة العلمية ليست فقط حفظ المتون وتلخيص الدروس، بل قسم آخر من نجاحك العلمي يا طالب العلم أن تعرف قواعد الحياة وسننها في المروءات والأخلاق وطب النفوس ومعالجتها. فجزاه الله عنا خير الجزاء، ونفعنا الله سبحانه بعلوم علمائنا في الدارين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أظن في بث آخر الآن لكتاب الاتجاهات الوطنية. حياكم الله مشايخنا.