دخولتسجيل الدخول

المجلس الحادي عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح المبارك، وفي مجلس جديد من مجالس أدب الدنيا والدين مع الإمام الماوردي عليه رحمة الله. نبدأ مستعينين بالله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. نسأله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا في غزة فرجاً قريباً عجيباً مدهشاً، وأن يتلطف بهم في هذه الأيام العشر الطيبات المباركات. نسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا الذنوب والزلات، وأن يعيننا على طاعته، ومن خير ما تستغل به هذه الأيام أن يقرأ الإنسان ما ينفعه، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس من مجالس الخير النافعة في أيام العشر من ذي الحجة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

قال رحمه الله تعالى: الفصل الخامس في الصدق والكذب. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105]. ما زال الماوردي في القسم الأخير من هذا الكتاب في أدب النفس، يتكلم عن الأخلاقيات التي ينبغي للإنسان أن يتخلص منها وأن يعالجها، والأخلاق التي ينبغي للنفس الإنسانية أن تكتسبها. تكلمنا في الدرس الماضي عن العجب، وكذلك الكبر، واليوم نتكلم عن موضوع الصدق والكذب.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن بن علي عليهما السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله امرأ أصلح من لسانه، وقصر من عنانه، وألزم طريق الحق مقوله، ولم يعد الخطل مفصله». الخطل يعني الخطأ، ومفصله يعني أعضاءه عموماً. وروى صفوان بن سليم قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: «نعم». قيل: أفيكون بخيلاً؟ قال: «نعم». قيل: أفيكون كذاباً؟ قال: «لا».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42]، أي لا تخلطوا الصدق بالكذب. وقيل في منثور الحكم: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب، وصدق اللسان أول السعادة. وقال بعض البلغاء: الصادق مصان جليل، والكاذب مهان ذليل. وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق. وقال بعض الشعراء: وما شيء إذا فكرت فيه بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه وأبعد بالبهاء من الرجال

قال: والكذب جماع كل شر وأصل كل ذنب لسوء عواقبه وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة. ولذلك قيل: من قل صدقه قل صديقه. والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة؛ فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما كان عليه.

ولكل واحد منهما دواعي؛ فدواعي الصدق لازمة، ودواعي الكذب عارضة، لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد، والكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع. ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو اتفاق الدواعي. فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها، حتى إذا نقلوا خبراً وكانوا عدداً ينتفي عن مثلهم التواطؤ، وقع في النفس صدقه؛ لأن الدواعي إليه نافعة، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن.

ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير الذي لا يمكن تواطؤ مثلهم على نقل خبر يكون كذباً؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة، وربما كانت ضارة، وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع نافعة، فلذلك جاز اتفاق الناس على الصدق لجواز اتفاق دواعيهم، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيه. وهذا كلام جميل حقيقة يفيدك في الخبر المتواتر، أننا دائماً نقول في الخبر المتواتر: ما رواه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

الماوردي يحاول أن يؤصل لك فكرة لماذا العادة تحيل التواطؤ على الكذب. لماذا إذا كان هناك عدد من بلدان مختلفة أخبروا بخبر، فهذا الخبر لا بد وأن يكون صادقاً؟ ومن هنا أخذ الخبر المتواتر قوة صدقه؛ لأن الناس في مناطق مختلفة لا يمكن أن تتفق دواعيهم على الكذب؛ لأن الأصل في الكذب أنه خلاف طبيعة الإنسان، والأصل في الكذب أنه مضرة، والأصل في الكذب أنه خلاف العقل. وبالتالي الناس إذا كانوا في مناطق مختلفة ومن أجناس مختلفة لا تتفق على خبر واحد يكون فيه مضرة أو خلاف العقل. وأما الصدق فهو الحالة الأصلية في الإنسان لأن فيه نفعاً، وبالتالي نعم يمكن أن تتفق الناس في أماكن مختلفة وأحوال مختلفة على أن تروي الخبر الصادق.

وإذا كان للصدق والكذب دواعي فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر من دواعيهما. أما دواعي الصدق فمنه العقل؛ لأنه موجب لقبح الكذب لا سيما إذا لم يجلب نفعاً ولم يدفع ضرراً، وموجب لحسن الصدق لا سيما إذا لم ينفِ نفعاً ولم يجلب ضرراً. والعقل يدعو إلى فعل ما كان فيه مستحسناً، ويمنع من إتيان ما كان فيه مستقبحاً. وليس ما استحسن من مبالغات الشعراء حتى صارت كذباً صريحاً استحساناً للكذب في العقل، كالذي أنشدني الأسدي لبعض الشعراء، توهمه فكري فأصبح خده، وفيه مكان الوهم من فكرتي أثر. وصافحه كفي فالفه، فمن لمس كفي في أنامله عقر، ومر بقلبي خاطراً فجرحته، فلم أرَ شيئاً قط يجرحه الفكر.

وكقول العباس بن الأحنف، وإن كان دون هذه المبالغة، تقول وقد كتبت دقيق خطي إليها لم تجنبت الجليلا، فقلت لها نحلت فصار خطي مساعدة لكاتبه نحيلا؛ لأنه خرج مخرج المبالغة في التشبيه والاقتدار على صنعة الشعر، وإن شواهد الحال تخرجه عن تلبيس الكذب، فلذلك استحسن في الصنعة ولم يستقبح في العقل، وإن كان الكذب مستقبحاً فيه.

ومنها الدين الوارد باتباع الصدق وحذر الكذب؛ لأن الشرع لا يجوز أن يرد بإرخاص ما حظره العقل، بل قد جاء الشرع زائداً على ما اقتضاه العقل من حظر الكذب. الدين لا يأتي مخالفاً لما يقتضيه العقل الصحيح، والعقل الصحيح يأبى الكذب؛ لأن الشرع ورد بحظر الكذب وإن جر نفعاً أو دفع ضرراً، والعقل إنما حظر من الكذب ما لا يجلب نفعاً ولا يدفع ضرراً.

ومنها المروءة، فإنها مانعة من الكذب باعثة على الصدق؛ لأنها قد تمنع من فعل ما كان مستكرهاً، فأولى أن تمنع من فعل ما كان مستقبحاً. ومنها حب الثناء والاشتهار بالصدق حتى لا يرد عليه قول ولا يخلف بذنب. وقد قال بعض البلغاء: ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى معين، والصدق أفضل قرين. وقال بعض الشعراء: عود لسانك قول الصدق تحظى به إن اللسان لما عودت معتاد موكل بتقاضي ما سننت له فاحتل لنفسك وانظر كيف ترتاد

وأما دواعي الكذب فمنها اجتلاب النفع واستدفاع الضرر، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغتراراً بالخدع واستشفافاً للطمع، وربما كان الكذب أبعد لما يأمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسناً، والشر لا يصير خيراً، وليس يجنى من الشوك العنب، ولا من الكرم الحنظل. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة، فإن فيه النجاة، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة، فإن فيه الهلكة». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لأن يضعني الصدق وقل ما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقل ما يفعل. وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته.

وقال الجاحظ: الصدق والوفاء توأما، والصبر والحلم توأما، فيهن تمام كل دين وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد. ومنها أن يؤثر أن يكون حديثه مستغرباً وكلامه مستظرفاً، فلا يجد صدقاً يغرب، ولا حقاً يطرب، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة ولا طرائفه معجزة. وهذا أسوأ حالة مما قبل لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة الهمة، وقد قال الجاحظ: لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده. وقال ابن المقفع: لا تتهاونن بإرسال الكذبة من الهزل، فإنها تسرع إلى إبطال الحق.

ومنها أن يقصد بالكذب التشفي من عدو، فيشتمه بقبائح يترخصها عليه، ويصمه بفضائح ينسبها إليه، ويرى أن معرة الكذب غنم، وأن إرسالها في العدو سهم وسم. وهذا أسوأ حالاً من النوعين الأولين؛ لأنه قد جمع بين الكذب المعر والشر المضر، ولذلك ورد الشرع برد شهادة العدو على عدوه.

ومنها أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها، فصار الكذب له عادة، ونفسه له إليه منقادة، حتى لو رام جانب الكذب عسر عليه؛ لأن العادة طبع ثانٍ، وقد قالت الحكماء: من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه. وقيل في منثور الحكم: لا يلزم الكذب شيئاً إلا غلب عليه. واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه؛ فمنها أنك إذا لقنته الحديث تلقنه، ولم يكن. الكذاب قبل خبرته، يعني قبل أن تخبره وتتعامل معه، علامات تدل عليه تعرف منها مباشرة أنه كذاب.

كاذب واحد، أنك إذا لقنته الحديث تلقنه، ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده.

نعم، قال: ومنها أنك إذا شككته فيه تشكك، حتى يكاد أن يرجع فيه، ولولاك ما تخلجه الشك فيه. ومنها أنك إذا رددت عليه قوله. أول علامة من علامات الكاذب أنك إذا لقنته الحديث تلقنه، ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده، يعني أحيانا حتى تعرف شخص كاذب ولا لا؟ خليه يتكلم، يبدأ يسولف زي ما يقولوا، بعدين أنت من عندك حاول تضيف له عناصر في القصة، رح تلاقيه: آه والله صار زي ما حكيت. يعني يبدأ هو يتلقن منك، التلقين هو أنك أنت تعطيه إضافات ويقول لك: آه صارت. هسا أنت عارف أنها ما صارت؛ لأنه أنت ما كنت أصلا موجود، لكن أنا بدي أختبر القصة هذه حقيقية ولا لا.

فأنت تبدأ تضيف له أشياء وهو يتقبلها ويضيفها ويصير يحكيها حتى للآخرين، مع أنك أنت تعلم أني ما كنت في القصة، لكن أردت أن أختبره: هل سيقبل تلقيني والإضافات التي سأضيفها؟ بتعرف منها مباشرة أنه هو ينسج من خياله قصة، لدرجة أنه قبل التلقين مني. أيضاً قضية أنك إذا شككته تشكك؛ أنت تقول له: متأكد فلان إجا؟ لا والله ما أتوقع فلان إجا. والله بصير يفكر: آه والله ما أظن أنه فعلا، عاد أنت مش ما عندك أدنى معلومة، بس أنا بدي أحاول أشوف هو واثق من خبره ولا لا؟ فيمكن أبدأ أشككه في بعض التفاصيل التي يرويها من باب اختباره، فإذا هو ممكن يظن أني أنا والله مطلع على الموضوع، فإذا بمجرد ما أشككه سيبدأ يشك، بقول لك: ولا يكون أمامي عارف القصة، فبالتالي بصير هو يشك لأنك تشككه، فهذا دلالة أنه ليس صادقاً أو ليس واثقاً من خبره.

قال: ومنها أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك، ولم يكن عنده نصرة المحتجين ولا برهان الصادقين. ولذلك قال علي بن أبي طالب عليه السلام: الكذاب كالسراب. ومنها ما يظهر عليه من ربكة الكذابين، وينم عليه من ذلة المتوهمين. قال: لأن هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه لما في الطبع من إثارتها. ولذلك قالت الحكماء: العينان أنم من اللسان. وقال بعض البلغاء: يعني العينان أنم، أي خبرهما أوثق من خبر اللسان، يقول لك عينيك بتحكي عنك أنك صادق ولا مش صادق. نعم. وقال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا. وقال بعض الشعراء: تريك أعينهم ما في صدورهم، إن العيون يؤدي سرها النظر.

قال: وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة، وأضيفت إلى أكاذيبه زيادة مفعولة، حتى يصير الكاذب مكذوباً عليه. نعم، الإنسان إذا عرف بالكذب تصبح شوارد الكذب، يعني إذا في كذبة انتشرت في البلد، هذه من شغل فلان، مع أنه بالزيه هو ما كذب فيها، بس لأنه أنت لما تصبح مشهوراً بالكذب خلص تصبح شوارد الكذب والقصص تنسب على ظهره؛ لأنه هو الذي فتح الباب. قال: حتى يصير الكذاب مكذوباً عليه، فيجمع بين معرة الكذب منه ومضرة الكذب عليه. وقد قال الشاعر: حسب الكذوب من البلية بعض ما يحكى عليه، ما إن سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه.

قال: ثم إن تحرى الصدق اتهم، وإن جانب الكذب أكذب، حتى لا يعتقد له حديث مصدق ولا كذب مستنكر. نعم، زي هذه قصة الرائد الذي لا يكذب أهله، وقصة الذي صدق كذب أول مرة، فحاول أن يصدق في المرة الثالثة، فالقصة المشهورة للأطفال هي فكذب لما حاول أن يصدق. قال الشاعر: إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكد يصدق في شيء وإن كان صادقاً، ومن آفة الكذاب نسيان كذبه، وتلقاه ذا حفظ إذا كان حاذقاً.

قال: وقد وردت السنة برخصة الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية والتأويل دون التصريح به؛ فإن السنة لا يجوز أن ترد بإباحة الكذب لما فيه من التنفير، وإنما ذلك على طريق التورية والتعريض، كما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطرف بدراً وانفرد عن أصحابه، فقال له رجل: ممن أنت؟ قال: مما، فورى عن الإخبار بنسبه بأمر محتمل، فظن السائل أنه عن القبيلة المنسوبة إلى ذلك، وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الماء الذي يخلق منه الإنسان هو المني، فبلغ ما أحب من إخفاء نسبه وصدق في خبره صلى الله عليه وسلم.

وكالذي حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر معه، فتلقاه العرب وهم يعرفون أبا بكر ولا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون يا أبا بكر: من هذا؟ فيقول: يهديني السبيل، فيظنون أنه يعني هداية الطريق الحسي، وهو إنما يريد سبيل الخير، فيصدق في قوله ويوري عن مراده. إنه يرى أن هذه الرخص في الكذب إنما جاءت في المعاريض والتوريات، وليست في الكذب الصريح الذي لا يتأول فيه صاحبه. ولا يعني عموماً في نقاش في هذه القضية حقيقة، لكنه هو أكيد الأولى أن الإنسان إذا كان في مجال للتورية أن يذهب للتورية. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن في المعاريض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب. وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: 73] أنه لم ينسَ، ولكنه معاريض الكلام. وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يصرح فيه بالكذب.

واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب في القبح والمعرة، ويزيد عليه في الأذى والمضرة، وهو الغيبة والنميمة والسعاية. فأما الغيبة فإنها خيانة وهتك ستر يحدثان عن حسد وغدر. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12]. يعني أنه كما لا يحل لحمه ميتاً لا تحل غيبته حياً. وروي أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلتا تغتابان الناس، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صامتا عما أحل لهما وأفطرتا على ما حرم عليهما». وروت أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقاً على الله تعالى أن يحرم لحمه على النار».

وقال عدي بن حاتم: الغيبة رعي اللئام. وقال الحسن البصري: كان الحسن البصري يقول: الغيبة فاكهة النساء، لأنها تكثر فيهن، تستغيب جارتها وصديقتها. وقال رجل لابن سيرين: إني اغتبتك فاجعلني في حل. قال: ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك. وقال ابن السماك: لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك. وقال الشاعر: لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا، فيه الله ستراً من مساويك، واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا، ولا تعب أحداً منهم بما فيك.

وربما أعذر المغتاب نفسه بأنه يقول حقاً ويعلن فسقاً، ويستشهد بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة ليست غيبتهم بغيبة: الإمام الجائر، وشارب الخمر، والمعلن بفسقه». فيبعد من الصواب ويجانب الأدب كثير من الناس لما يغتاب مثلاً شخص وزير أو مسؤول أو شيء، قول لك الشيخ: هذول الفجار ما لا غيبة لفاجر، بتكون هي أسهل طريقة حتى يعذر نفسه، أو هذا والله فاسق أصلاً يا شيخ، ولا هذا فلان أصلاً كثير المعاصي ما له غيبة، أو نحن نستغيبه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو غيبة المشايخ وأهل العلم بحجة أننا من باب التجريح والتعديل؛ هذا يقتضي أننا نستغيب المشايخ في مجالسنا ونذكر عيوبهم، ويكون المجلس عامراً بذكر عيوب المشايخ وما فيهم من المشاكل، بس والله قصدنا النصيحة. العلماء قديماً كانوا يعدلون ويذكرون التعديل والتجريح من باب حماية الدين. طبعاً كله يكذب على نفسه، هي شهوة الإسقاط وشهوة الحديث وشهوة الكلام، والله يعلم صدق المصلح والصادق تظهر أمارته، والكاذب تظهر أمارته في هذا الميدان.

قال: فيبعد من الصواب ويجانب الأدب؛ لأنه وإن كان بالغيبة صادقاً فقد هتك ستراً كان بصونه أولى، وجهر من أسر وأخفى، وربما دعا المغتاب ذلك إلى إظهار ما كان يستره والمجاهرة بما كان يضمره، فلم يفده ذلك إلا فساد أخلاقه من غير أن يكون فيه صلاح لغيره. وقد قيل لأنوشروان: ما الذي لا خير فيه؟ قال: ما ضرني ولم ينفع غيري، أو ضر غيري ولم ينفعني، لا أعلم فيه خيراً. وقيل في منثور الحكم: لا تبدِ من العيوب ما ستره علام الغيوب.

وقد روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال: «هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقاً فقد اغتبته، وإن كنت كاذباً فقد بهته». وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11] أنه استهزاء المسلم بمن أعلن بفسقه. ودخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه، فلما خرجت قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله ما أقصرها! فقال: «مهلاً، إياك والغيبة». قالت: يا رسول الله إنما قلت ما فيها. قال: «أجل، ولولا ذلك لكان بهتاناً». وسئل بعض الأدباء عن صفة اللئيم فقال: اللئيم إذا غاب عاب، وإذا حضر اغتاب. فأما الخبر فمحمول على الإنكار لأفعال هؤلاء، ولا يكون الإنكار غيبة؛ لأنه نهي عن منكر، وفرق بين إنكار المجاهر وغيبة المساتر.

وأما النميمة فهي تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشراً، وتضم إلى لؤمها دناءة وغدراً، ثم تؤول إلى تقاطع المتواصلين وتباعد المتقاربين وتباغض المتحابين. وقد روى شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم بشراركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من شراركم المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون العيوب». وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كل شقار، ملعون كل قتات، ملعون كل منان». الشقار المحرش بين الناس، يلقي بينهم العداوة والبغضاء، والقتات النمام. وقيل إن النمام هو الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم، والقتات هو الذي يتسمع على قوم وهم لا يعلمون فينم حديثهم، والمنان الذي يعمل الخير ويمن به. وقيل في منثور الحكم إن النميمة سيف قاتل. وقال بعض الأدباء: لم يمشِ ماشٍ شر من واشٍ وق.

وأما السعاية فهي شر الثلاثة؛ لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ولؤم النميمة التغرير بالنفوس والأموال، والقدح في المنازل والأحوال. روى ابن قتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة لا يدخلها ديبوب، ولا قلاب، ولا قلاع». الديوث الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدب بينهم. والقلاع هو الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء، اللي هو المخبر، المخبر بالضبط، تمام، الذي يقع ويخبر عند الأمراء، اللي يكتب التقارير، هذا اللي تعرفونه اللي بيكتبوا التقارير، اللي يحاول يوقع الناس في السجون ويحال إلى الجهات الأمنية وهم براء من ذلك أو هم يفعلون خيراً وديناً، هؤلاء والعياذ بالله من شر الناس. سمي قلاعاً لأنه يأتي رجلاً متمكناً عند الأمير، فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه.

وقال بعض الحكماء: الساعي بين منزلتين قبيحتين، إما أن يكون صدق فقد خان الأمانة؛ الساعي بين منزلتين قبيحة، هذا الساعي الذي يسعى للأمراء وغيره، إما أن يكون تكلم بصدق فقد خان الأمانة؛ لأنه صاحبه استأمنه على هذه المعلومة أو على هذا الشيء أو على هذا الموقف، وإما أن يكون قد كذب فخالف المروءة. قال: وقال بعض حكماء الفرس: الصدق يزين كل أحد إلا السعاة، فإن السعي أذم وأثم ما يكون إذا صدق. وقال بعض البلغاء: النميمة دناءة، والسعاية رداءة، وهما رأس الغدر وأساس الشر، فتجنب سبيلهما واجتنب أهلهما. لأنه الساعي، إنسان في موضوع الساعي، الساعي يسلط السلطان على هذا الرجل في نهاية هذا الرجل، إذا صدق، يعني ماشي حكى كلمة صدق ما بصير أنت تبلغها حتى للسلطان؛ أنه في النهاية السلطان قادر أن يوقع به البطش، فالساعي مذموم حتى ولو صدق؛ أنك في النهاية لو كان المعلومة التي نقلتها صادقة عن هذا الرجل، فإنك تضره في أهله وماله وما شابه ذلك، طبعاً إلا إذا كان فيها فساد دولة أو فيها إضرار نظام، لا هي سعايتها قضية مختلفة يعني، لكن المراد.

وقع الفضل بن سهل على قصة ساعٍ سعى إليه في رجل، نحن نرى قبول السعاية شراً منها؛ لأن السعاية دلالة والقبول إجازة. فاتقوا الساعي، فإنه إن كان في سعايته صادقاً، كان في صدقه آثماً؛ إذ لم يحفظ الحرمة ويستر العورة. وقال الإسكندر لرجل سعى إليه برجل: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك الشر.

وحكي أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن في بلدك ساعياً ولست أمطرك وهو في أرضك. قال: يا ربي، دلني عليه حتى أخرجه. فقال: يا موسى، أكره النميمة وأنا أنم! يعني كأنه فعل من جنس ما فعلت: أكره النميمة للناس وأنا أنم. طبعاً هذا خبر من الإسرائيليات عموماً، هذا إذا ساعٍ واحد منعهم من المطر، عاد إحنا عبى البلد من هؤلاء.

قال رحمه الله: الفصل السادس في الحسد والمنافسة. اعلم أن الحسد خلق ذميم مع إضراره بالبدن وإفساده الدين، حتى لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شره، فقال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]. ونهيك بحال ذلك شراً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد، هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بأمر إذا فعلتم تحببتم؟ أفشوا السلام بينكم». فأخبر صلى الله عليه وسلم بحال الحسد، وأن التحابب ينفيه، وأن السلام يبعث على التحابب، فصار السلام إذاً نافياً للحسد.

وقد جاء كتاب الله تعالى بما يوافق هذا القول، قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. قال مجاهد: إنما معناه يدفع بالسلام إساءة المسيء. وقال الشاعر: قد يلبث الناس حين ليس بينهم ود فيزرعه التسليم واللطف

وقال بعض السلف: الحسد أول ذنب عُصي الله تعالى به في السماء، يعني حسد إبليس لآدم عليه الصلاة والسلام، وأول ذنب عُصي الله تعالى به في الأرض، يعني حسد قابيل ابن آدم لأخيه حتى قتله. وقال بعض الحكماء: من رضي بقضاء الله تعالى رضي الله عنه ولم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد. وقال بعض البلغاء: الناس حاسد ومحسود، ولكل نعمة حسود.

وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود؛ نفس دائم وهم لازم وقلب هائم. فأخذه بعض الشعراء فقال: إن الحسود الظلوم في كرب يخاله من يراه مظلوماً ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود، يعني كأن الظالم ظلم نفسه، هو ظالم صح، لكنه المظلوم في الوقت نفسه؛ لأنه ظلم نفسه. قال: نفس دائم، وهم لازم، وقلب هائم. ما معنى نفس دائم هنا؟ يعني غيظ دائم ومتابعة دائمة لأخبار حاسده، فيتعب نفسه، ومتابعة مستمرة لأحوال محسوده فيبقى مهموماً مغتاظاً.

قال: وقلب هائم، قلب حائر مش عارف شو بده يسوي. قال: إن الحسود الظلوم في كرب يخاله من يراه مظلوماً ذا نفس دائم على نفس يظهر منه ما كان مكتوماً

ولم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيء، يتوجه نحو الأكفاء والأقارب ويختص بالمخالط والمصاحب؛ لكانت النزاهة عنه كرماً والسلامة منه مغنماً، فكيف وهو بالنفس مضر وعلى الهم مؤصر، حتى ربما أفضى بصاحبه إلى التلف من غير نكاية بعدو ولا إضرار بمحسود. نعم، يتلف الإنسان الحاسد تغيظاً؛ أنه كيف فلان أفضل مني؟ كيف كذا؟ مش قادر يفعل شيئاً فيتلف نفسه وأعصابه وحياته. مساكين الحساد خسروا دينهم ودنياهم.

وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. نعم، الحاسد نفسه يقتل غيظاً. وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي ما أطول عمرك؟ فقال: تركت الحسد فبقيت. وقال رجل لشريح القاضي: إني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك.

وقال عبد الله بن المعتز: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

وحقيقة الحسد: شدة الأسى على الخير أن يكون للناس الأفاضل، وهو غير المنافسة. وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد. وليس الأمر كما ظنوا؛ لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم، والحسد مصروف إلى الضرر؛ لأن غايته أن يُعدم الفاضل فضله من غير أن يصير الفضل له، فهذا هو الفرق بين المنافسة والحسد. إن الحسد ما هو؟ أن يعدم الفاضل فضله، أنه أخوك تروح عنه النعمة، هذا معنى الحسد بغض النظر هذه النعمة راحت عليه، ستأتي إليك؟ لن تأتي إليك، المهم أن أخي تزول عنه النعمة. أما المنافسة لا، المنافسة أنا ما بدي أخوي يزول عنه النعمة، بل أريد النعمة التي له أن أحصل على مثلها، بس هذه هي.

قال: فالمنافسة إذاً فضيلة؛ لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بالأخيار والأفاضل. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد». وقال الشاعر: نافس على الخيرات أهل العلا فإنما الدنيا أحاديث كل امرئ في شأنه كادح فوارث منهم وموروث

واعلم أن دواعي الحسد ثلاثة: أحدها: بغض المحسود، فيأسى عليه بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر، فيثير حسداً قد خامر بغضاً، وهذا النوع لا يكون عاماً وإن كان أضرها؛ لأنه ليس يبغض كل الناس. والثاني: أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه الحاسد، فيكره تقدمه فيه واختصاصه به، فيثير ذلك حسداً لولاه لكُفي، هذا أوسطها؛ لأنه لا يحسد الأكفاء ومن دنا، وإنما يختص بحسد من علا، وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها ما عجز عنه، فلذلك صارت حسداً. والثالث: أن يكون في الحاسد شح بالفضائل وبخل بالنعم، وليست إليه فيمنع منها، ولا بيده فيدفع عنها.

إذاً الحالة الأولى: أن يكون أنا أبغض شخصاً معيناً ولذلك أتمنى زوال النعمة عنه، فدافع الحسد في الحالة الأولى ما هو؟ أنه هذا بعيني ما أبغضه، بالتالي ما بدي أشوف أي نعمة عليه، عادي لو هي النعمة عند شخص غيره أنا ما عندي مشكلة، بس عند هذا، فلذلك قال هي أخص واحدة. الثانية: أن يظهر من المحسود فضائل يعجز عنها الحاسد، فعندئذ يحسده، أما لو كانت هذه النعم موجودة عنده وعند أقرانه، يعني على مستوى الأكفاء، يعني ما عنده ما فيش أنت أفضل مني، لا هي عندك وعندي، فإنه ما عنده مشكلة ولن يتمنى زوال النعمة عنك؛ لأنه أهم شيء بالنسبة له أنه لم يظهر تفوقك عليه، إذا كانت عندي وعندك ما عندي مشكلة، أما تكون عندك ما تكون عندي هنا المشكلة، فهي الدرجة المتوسطة.

الدرجة الثالثة: وهي أسوأها، أنه شخص هو يكره جنس الفضائل أن يحصلها الناس، يعني حتى إنه يكون أنا وإياك زي بعض ما بدي، لا بدي إياك دائماً تكون كل الفضائل لي وتسحب عن غيري، فهذا أسوأهم وأرذلهم والعياذ بالله. قال: وليست إليه فيمنع منها، ولا بيده فيدفع عنها؛ لأنها مواهب قد منحها الله تعالى من شاء، فيسخط على الله تعالى في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه، وإن كانت نعم الله تعالى عنده أكثر ومنحه عليه أظهر. نعم، يعني حتى لو كان نعم الله عليه أكثر من غيره، يبقى يتمنى زوال النعمة عن غيره الذين هم أدنى منه. وهذا نوع من الحسد أعمها وأخبثها؛ إذ ليس لصاحبه راحة ولا لرضاه غاية، فإن اقترن بشر وقدرة كان بواراً وانتقاماً، وإن صادف عجزاً ومهانة كان كمداً وسقامه. وقد قال عبد الحميد: الحسود من الهم كساق السم، فإذا سرى سمه سرى عنه همه.

واعلم أن بحسب فضائل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له، فإن كثر فضله كثر حسده؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قضاء الحوائج بسترها، فإن كل ذي نعمة محسود». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما كانت لله على أحد نعمة إلا وجد لها حاسداً، ولو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزاً. يعني لو كان مستقيماً أكثر من القدح -والقدح هي العيدان التي كانوا يضربون بها الأزلام تماماً، تعرفوا كانوا يستقسمون بالأزلام قديماً، فكل عود يسمى قدح، القدح المعلق- فيقول: لو كنت أنت أقوى من القدح لن تعدم الغامز، والغامز هو الذي يريد أن يصلح القدح المعوج أو العود المعوج، يغمزه بيده حتى يصلح كالثقاف للرمح. فيقول: ولو كان الرجل أقوم من القدح، لو كنت أنت مستقيم استقامة أكثر من استقامة القدح، ستجد شخصاً يحاول أن يغمزك. بمعنى طبعاً هي كناية عن ماذا؟ أنه لو كنت في أفضل أفضل أحوالك وما عندك أي مشاكل، راح يطلع لك واحد يذمك، هذا معنى قوله: ولو كنت ما عاد تغامز، راح يظل في واحد لا فلان في عنده كذا وكذا.

وهذا في البيئات الدعوية والإصلاحية وبين المشايخ وطلاب العلم موجود، وهذا يهم الإنسان العامل في الساحة الدعوية وطلاب العلم، حتى ما تكون أنت مثالي؛ أنه يا أخي ليش في بعض طلاب العلم يلومونني أو يذمونني؟ لما تصير أنت متصدر إن شاء الله وداعية أو شيخاً أو عالماً، ستجد من يريد إسقاطك، ستجد من يريد إسقاطك ويتهمك بكل الاتهامات، تمام؟ يعني ما تظن أنك لو كنت في قمة الجودة وقمة الأخلاق والرقي أنك لن تجد من يحسد أو من تجد من يسقط أو من تجد من يتهمك أو يحاول أن يشوه صورتك: أنه لا فلان أنا بعرفه، ترى فلان أفكاره مش جيدة، لا ترى فلان بعرفه ترى عنده كذا، بعض الشغلات يعني.

هذا دائم وخاصة في مثل هذه الأزمنة التي كثر فيها الفتن وقلت الديانة، فأنت بده يكون عندك حصانة نفسية، يعني لا تكون هشاً؛ أنه خلاص أنا ما أريد أن أدرس لأنه في بعض الناس تبقى تتكلم في عرضي، أو تدخل في نفسيتي أو تتهمني، وأنا والله يا شيخ ما قلت أي شيء وأنا وسطي في منهجي. دعك من هذا، يعني لا تعبأ بالناس أحياناً كما يقول: امضِ في طريقك، امضِ في طريقك فإنه سيبقى من نفسه مريضة في كل الجماعات وفي كل الطوائف وكل شيء. فصاحب المشروع الإسلامي الناضج لا يعبأ بكل هؤلاء ويمضي في طريقه.

وقد قال الشاعر: إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظاً بما يجد

وربما كان الحسد منبهاً على فضل المحسود ونقص الحاسد، كما قال أبو تمام الطائي: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

لو تخبأت فضائله مطوية، كيف تنشر فضائله؟ يسخر الله حاسداً، يسخر الله حاسداً يذكرك بسوء، فالناس تتنبه من هذا الشخص الذي يذكر بسوء أو يحسد أو يتمنى زوال النعمة عنه، فتبدأ تفتش الناس عنك، تكتشف ما فيك من الفضائل؛ فكانت الفضائل انتشارها بسبب ألسنة الحاسدين.

فأما ما يستعمله من كان الحسد عليه غالباً وكان طبعه إليه مائلاً لينتفي عنه، فيكفاه ويسلم من ضرره وعدواه، فأمور لها حسم إن صادفها عزم؛ منها اتباع الدين في اجتنابه، والرجوع إلى الله تعالى في ندبه وآدابه، فيقهر نفسه على مذموم خلقها وينقلها عن لائم طبعها، وإن كان أكيد نقل الطباع عسر، تغيير العادات النفسية مش سهل صحيح، لكن بالرياضة إن شاء الله الرياضة القلبية والتدريج يسهل منها ما استصعب وتُحَبب منها ما أتعب.

نقول: إذا عانى تهذيب نفسه، تظاهر بالتخلق دون الخلق، ثم بالعادة يصير كالخلق. ما معنى هذا الكلام؟ وما معنى تظاهر بالتخلق دون الخلق؟ يعني ولو كانت حقيقته حاسدة، فإنه يظهر غير الحسد على نعم؛ أحسنت. أحياناً قد تكون فيك عادة ليست جيدة، أقول لك في البداية: يا أخي تظاهر أنها ليست فيك. يعني ممكن أنت شخص لا تحب أن يذكر أمامك أي أخ بخير، خلص عندك طبع الحسد، فلما يذكر أمامك شخص بخير، أنت قلبك لسه مشتعل من الداخل، لكن تظاهر أنه مشتعل. آه، والله فلان أخونا ما شاء الله عليه، وأنت لسه بتغلي من جوا، فلان أخونا الله يرضى عنه، الله أن ينفع به وبعلومه، ولا يحكي لك ظل ادعي، مع أنك أنت جوا تشتعل؛ تظاهر بهذا الخلق، ثم مع الوقت هذا التظاهر بهذا الخلق، وإن لم يكن خلقاً، لكن مع العادة سيصبح خلقاً فيك. فهمت؟ وهذه حقيقة من العلاجات النافعة التي يقولها؛ فعلاً أحياناً أنت تحتاج فترة من أن تتظاهر بالخلق وإن كنت تعلم أنك لست من أصحابه حتى تصبح من أصحابه.

هي هذه الرياضة التي يتكلم عنها، هذا معنى الرياضة؛ إذا وجدت فيك طبعاً سيئاً تصنع، مش مشكلة، بعض الناس يقول لك: لا لا أنا ما بتصنع، أنا بحب أكون واضح، أنا التصنع لا، أخي في تصنعات مطلوبة، في تصنعات مطلوبة أنها تصنعات علاجية الهدف منها تغيير نمطك. أنه أنا نمطي شخصية انتقادية، كل ما ذكر أمامي شيخ بحب أنتقده، كل ما ذكرت أمامي طائفة بحب أقدح فيها، ترى هذا فعلاً عادة، وهذه منتشرة كثيراً بين طلبة العلم أو من يحسبون على البيئة العلمية أو الدعوية أو ما شابه ذلك، أنه هو شخص انتقادي، ما بحب الجماعات الأخرى أن تذكر أمامه؛ أخ ترى في جماعة ما شاء الله أفلحت في مكان، لا هذول عندهم أصلاً مشاكل، طب وجماعة لا لا، في عندهم طيب ومين الجماعة الصح؟ طب أنت لا تعرف إلا أن تنتقد الآخرين ولا تنظر إلى محاسن. ونفس الشيء الطالب المعجب بشيخه، فيرى أن الشيوخ الآخرين المخالفين للشيخ دائماً هم على باطل وعلى فساد وعلى كذا، أصلاً شيخي حكى لي إنه هذوك المشايخ خوارج أو تكفيريين أو مبتدعة أو كذا، وبيكون شيخه طبعاً لقنه ما شاء، فبصير هو؛ لا، عود نفسك أنك مش دائماً تنتقد حتى ما تصبح، خاصة إذا الأطراف الآخرين مثلاً ممكن برز نجمهم وشيخك قلّ نجمه أو ما عنده سوق، فبصير أنت نار الحقد تأكلك، أنه لا لازم أسقط الشيوخ الآخرين الذين لمع نجمهم حتى يكون في هذا نصرة لشيخي.

فتكون كلما ذكر المشايخ المخالفون لشيخك ترى أصلاً هؤلاء انتظروا قليلاً ستكشف أمورهم، أنا بقول لكم ستكشف أمورهم، سيظهر عوارهم، أنا بحكي لكم أمثلة أنها التي تسمعونها، عرفت؟ وهذا كله من الحسد ومن الغيظ ومن أكل بعضهم، فدائماً عود نفسك شيئاً أنه لا بد حتى لو ذكر أمامي من أغطاض من ذكره، ما دام ليس فاجراً ولا فاسقاً وإنما في خلافات، مش مشكلة، ما هي الساحة دائماً مليئة بالخلافات، في تباين في وجهات النظر، تعود وتصنع على الأقل عفة اللسان حتى تصبح نهجاً.

نعم، قال أبو تمام الطائي: فلم أجد الأخلاق إلا تخلقاً ولم أجد الأفضال إلا تفضلاً جميل هذا الكلام، لم أجد الأخلاق إلا تخلقاً، الأخلاق أنت أولاً تتخلق، اللي هي التصنع، ما معنى التخلق حذيفة؟ أنك أول شيء تتصنع وتجيء، وكذلك الأفضال تفضل، يعني تبذل وأنت كاره حتى تستطيع أن تبذل بعد ذلك وأنت محب للبذل. نعم، ومنها العقل الذي يستقبح منه من نتائج الحسد ما لا يرضيه، ويستنكف من هجنة مساوئه، فيذلل نفسه أنفة، ويقرها حمية، فتذعن لرشدها وتجيب إلى صلاحها، وهذا إنما يصح لذي النفس الأبية والهمة العلية، وإن كان ذو الهمة يجل عن دناءة الحسد، وقد قال الشاعر أبي له نعم، لأن الإنسان ذو الهمة العالية لا يجد وقتاً للحسد، يعني حتى لو عندك ميل للحسد، شغل عقلك أنا شو بدي استفيد؟ ماذا سأستفيد؟ عم بتعب نفسي وبحرق أعصابي وبزيد همي وكذا وكذا، اللي عنده هم نفس شريفة يأبى لنفسه الحسد، يعني أن يكون في هذا الموضع.

وقد قال الشاعر أبي له: نعم، نفس زكية، ونفس إذا ما خافت الظلم تشمسي، تشمسي قال ومنها أن يستدفع الضرورة ويتوقى الأثرة، ويعلم أن نكايته في نفسه أبلغ ومن المحسود أبعد، فيستعمل الحزم في دفع ما كدّه وأجهده ليكون أطيب نفسه، والذي أذكره إذا لم تشمسي هو حركة الذيل تبعت الخيل تمام، يعني أبي له نفساً، نفس زكية، ونفس إذا ما خافت الظلم تشمسي، تشمسي يعني بمعنى ترفض كخيل، هذا ذيل الخيل، ذيل الخيول والحيوانات التي إذا جاء عليها ما يؤذيها تجدها تحرك ذيلها بطريقة عنيفة.

نعم، ومنها أن يستدفع ضروراته ويتوقى الأثرة ويعلم أن نكايته في نفسه أبلغ ومن المحسود أبعد، فيستعمل الحزم لدفع ما كدّه وأجهده ليكون أطيب نفسه، وهنا عيشه، وقد قيل: العجب العجب العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد، وقال الشاعر: بصير بأعقاب الأمور كأنما يرى بصواب الرأي ما هو واقعه. ومنها ما يرى من نفور الناس عنه وبعدهم منه فيخافهم، أما على نفسه من عداوة وأما على عرضه من ملامة، فيتألفهم بمعالجة نفسه، ويراهم إن صلحوا أجدى نفعاً وأخلص ودّاً، وقال ابن العميد: داوى جواً بجوٍ، وليس بحازم من يستكف النار بالحلفاء، وقال المؤمل بن أميل: لا تحسبوني غنياً؛ الحلفاء هذا نوع من الحشيش قالوا توقد به النار، هذا الحلفاء نوع من الحشيش، الآن هل شخص يمكن أن يدفع النار عن نفسه من خلال مادة قابلة للاشتعال؟ تخيل واحد بده يدفع النار عن نفسه بيكب عليها بنزين، شو بتعمل؟ أنت عم تولع فيها مش عم بتدفعها، نفس الشيء اللي بيعالج مرض بمرض، قال داوى جو مشكلة نفسية بجوٍ بمشكلة نفسية أخرى، طب شو استفدت؟ أنت عم تشعل الإشكال مش عم بتحله، نعم. وقال المؤمل بن أميل: لا تحسبوني غنياً عن مودتكم، أني إليكم وإن أيسرت مفتقر.

ومنها أن يساعد القضاء ويستسلم للمقدور، ولا يرى أن يغلب قضاء الله تعالى، يعني استسلام للقضاء والقدر يساعد على معالجة الحسد، يرجع مغلوباً ولا أن يعارضه في أمره فيرد مسلوباً محروباً، وقد قال أردشير بن بابك: إذا لم يساعدنا القضاء ساعدناه، وقال محمود الوراق: ايش يعني إذا القضاء لم يأت لنا بالحظوظ الجميلة نحن ساعدناه فاستسلمنا له، هيك أنت خلص يعني، نعم هذا معنى إذا لم يسعدنا. قدر الله كائن حين يقضى وروده قد مضى فيك علمه وانتهى ما يريده وأخو الحزم حزمه ليس مما يزيده فأرد ما يكون إن لم يكن ما تريده

فإن أظفرته السعادة بأحد هذه الأسباب وهدته المراشد إلى استعمال الصواب، سلم من سقامه وخلص من غرامه، واستبدل بالنقص فضلاً، واعتاد من الذم حمداً، ولمن استنزل نفسه عن مذمة وصرفها عن لائمه، فهو أظهر حزماً وأقوى عزماً ممن كفته النفس جهادها وأعطته قيادها، ولذلك قال علي بن أبي طالب عليه السلام: خياركم كل مفتن تواب. نعم، وإن صدته الشقوة عن مراشده وأضله الحرمان عن مقاصده، فانقاد للطبع اللئيم وغلب عليه الخلق الذميم حتى ظهر حسده وشد كمده، فقد باء بأربع مذام؛ إحداهن حسرات الحسد وسقام الجسد، ايش يعني خياركم كل مفتن تواب؟ يفتن ثم يتوب من نعم، الذي دائم التوبة من أخطاء نفسه وزلاته، يعني خياركم كل مفتن تواب الذي تعارض له الفتن ويكثر فيخطئ ويزل ويتعثر ثم يتوب، ثم يتعثر ثم يتوب؛ وجود الخطأ في الحياة التي يعقبها التوبة المستمرة والإصلاح المستمر، هذا دلالة النفس الجيدة، ترى قد تقول لي يا شيخ طب هذاك الذي سلم من العيوب ما هو أفضل منه؟ أنت بدك تفهم ليس شرطاً أن يكون أفضل منه؛ لأن ذاك لو فتن بما فتن به هذا لربما لم يستطع المقاومة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء أنه سلمه، لكن هذا عم يقاتل، هذا عم يجاهد على إصلاح نفسه.

نعم، قال فقد باء بأربع مذام؛ إحداهن حسرات الحسد وسقام الجسد، فثم لا يجد لحسرته انتهاء ولا يأمل لسقامه شفاء، وقد قال ابن المعتز: الحسد داء الجسد. والثانية انخفاض المنزلة وانحطاط الرتبة لانحراف الناس عنه ونفورهم، وقد خلف في مأثور الحكم: الحسود لا يسود؛ نعم لا يمكن أن يصبح زعيماً، الناس ما بتحبه. والثالثة مقت الناس له حتى لا يجد فيهم محباً، وعداوتهم له حتى لا يرى فيهم ولياً، فيصير بالعداوة موتورا، وبالمقت مزجوراً، ولذلك موتوراً لمقطوعاً عنا، قال صلى الله عليه وسلم: شر الناس من يبغض الناس ويبغضونه. والرابعة إشخاص في معارضته أي في قضائه وقدره واجتناء الأوزار في مخالفته، ليس يرى قضاء الله عدلاً ولا لنعمه من الناس أهلاً، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». وقال عبد الله بن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه، طالب ما لا يجده. وإذا بلي الإنسان بمن هذه حاله من حساد وأعداء الفضائل، استعاذ بالله من شره وتوقى مصارع كيده، وتحرز من غوائل حسده، وبعد عن ملابسته وإدنائه، دائماً تجنب الشخصية الحسودة، لا تقترب منها، تخلي لها مساحة أنها تدخل على حياتك أو تعرف ما عندك لعضل داء، يعني هذا داء صعب وأعواد دوائه، فقد قيل: حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها، وقال بعض الحكماء: من ضر بطبعه فلا تأنس بقربه، فإن قلب الأعيان صعب المرام، يعني خلص لما يكون شخص طبيعته حاسد، صعب جداً تأمل من أن يتغير، فالحل أنك تجتنبه. وقال عبد الحميد: أسد تقاربه خير من حسود تراقبه، أنت منشغل أنه متى ينقض عليك. وقال محمود الوراق: أعطيت كل الناس من نفسي الرضا إلا الحسود فإنه أعياني ما لي ذنب إليه علمته أنا ما غلطت في حقه يعني إلا تظاهر نعمة الرحمن فقط إن ربنا أنعم علي وأبى فما يرضيه إلا ذلتي وذهاب أموالي وقطع لساني فاستعنت بخالقي مولى الورى يكفينا بها من الشيطان فساستعين بخالقي.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث لا يسلم أحد منهن: الطيرة، وسوء الظن، والحسد»، فإذا تطيرت فلا ترجع، يعني خلص امضِ في ماضيه، ولا شو والله الطير مشى على اليسار ما والله ما أمشي لا أمشي توكل على الله، وإذا ظننت ظن سوء فلا تحقق، والله إذا قلت فلان أنا أظن فيه أنه كذا وكذا لا تحقق، لا تجزم، لا أقول لعله ليس كذلك، وإذا حسدت فلا تبغِ.

فصل، وأما أداب المواضعة والاصطلاح فضربان؛ قال أحدهما ما تكون المواضعة في فروعه والعقل موجب لأصوله، والثاني ما تكون المواضعة في فروعه وأصوله، وذلك يتضح في الفصول التي نذكرها إذا سبرت، وهي ثمانية. قال رحمه الله: الفصل الأول في الكلام والصمت؛ اعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره ولا يقدر على رد شوارده. نعم، قال فحق على العاقل أن يتحرز من زلله بالإمساك أو بالإقلال منه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله من قال خيراً فغنم أو سكت فسلم». وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يا معاذ أنت سالم ما سكت، فإذا تكلمت فعليك أو لك». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: اللسان معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل. وقال بعض الحكماء: الزم الصمت تعد حكيماً، جاهلاً كنت أو عليماً. وقال بعض الأدباء: سعد من لسانه صموت وكلامه قوت. وقال بعض العلماء: مما يعود ما يتكلم به العاقل، ألا يتكلم إلا بحاجته أو حجته، ولا يتفكر إلا في عاقبته أو آخرته. وقال بعض البلغاء: الزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الوقار ويكفيك مؤونة الاعتذار. وقال بعض الفصحاء: أعقل لسانك إلا عن حق توضحه أو باطل تدحضه أو حكمة تنشرها أو نعمة تشكرها. وقال بعض الشعراء: رأيت العز في أدب وعقل وفي الجهل المذلة والهوان وما حسن الرجال لهم بحسن إذا لم يسعد الحسن البيان كفى بالمرء عيباً أن تراه له وجه وليس له لسان

قال: واعلم أن للكلام شروطاً لا يسلم المتكلم من الزلل إلا بها ولا يعرى من النقص إلا أن يستوعبها، وهي أربعة.

والشرط الأول أن يكون الكلام لداعٍ يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع أو دفع ضرر. والشرط الثاني أن يأتي به في موضعه ويتوخى به إصابة فرصته. والشرط الثالث أن يقتصر منه على قدر حاجته. والشرط الرابع أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به. قال: فهذه أربعة شروط، ما أخلّ المتكلم بشرط منها فقد أوهن فضيلة باقيها، وسنذكر من تعليل كل شرط منها ما ينبئ عن لزومه.

فأما الشرط الأول وهو الداعي إلى الكلام، فلأن ما لا داعي إليه، وما لا سبب له، يُعد هجراً. فمن سامح نفسه في الكلام إذا عَنَّ له أن يتكلم، في بعض الناس يتكلم مجرد أن يعلم، بيحكي، بيعلق الأحداث والوقائع والمجريات، كل ما خطر بباله يتكلم، مش إنه بيحسب في داعي للكلام، لا، في داعي للكلام؛ هذه يا إخواننا انتبهوا لها في حياتكم، ليس كلما عنّ لك الكلام تتكلم. احسب فائدة كلامك، يا أخي ما في فائدة من كلامي، اصمت، ليس شرطاً أن يكون لك رأي في كل حادثة ولا في كل نازلة ولا في كل واقعة. لا تظن أن ذلك الذي يتكلم في كل واقعة هو الأشطر، هو الأجدر، كحال هؤلاء -بسموهم اليوتيوبرز- هؤلاء من أشر الناس اليوم، جماعة اليوتيوبرز، حتى لو كان باسم الدعوة والمشيخة، كلما وقعت واقعة في أخبار على الجزيرة أو كذا بده يعلق، كلما نزلت نازلة، طبعاً هو يتأول لنفسه ذلك، إنه الناس محتاجتني، عاد الناس والله ما هي محتاجيتهم، لا له ولا لرأيه ولا لفكره، لكن هو خلص عوّد نفسه كلما عنَّ خبر وظهر على السوشيال ميديا قضية، أنه أنا لازم أعلق، لازم يكون لي رأي، الناس أكيد بتنتظر تحليلي، هو يظن نفسه منقذ العالم، وأنه آراؤه هي الأفكار الناضجة التي سُبرت واختُبرت، عاد هو كل قارون في حياته كم كتاب؟ ومتعب الناس معه، فاكر أنه هو الذي الناس فعلاً تصدر عن رأيه، وأنه هو الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، كل هذه تأويلات، لكن الحقيقة حب الكلام غلب على هؤلاء.

هؤلاء خاصة، أقول لك اليوتيوبرز اللي بيشتغلوا في الأخبار والسياسات، غير التافهين، التافه أنتم أصلاً لسنا في صدد الكلام عنهم، لكن هؤلاء الذين يعلقون على كل واقعة ونازلة وشاردة وواردة، وإذا طلع خبر في الشام بيعلق عليه، وإذا طلع خبر في تنزانيا بيعلق عليه، وإذا طلع خبر فلسطين بيعلق عليه، وإذا الشيخ تكلم بيعلق عليه، وإذا كذا، هذه نفسية مريضة، هذه ليست نفسية علمية ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر. فيقول لك: ومن سامح نفسه في الكلام إذا عَنَّ -يعني كلما ظهر شيء- سامح نفسه خليني أعلق خليني أحكي، هذا معنى سامح نفسه، ولم يراعي صحة دواعيه، أنه يفهم فعلاً في داعٍ أتكلم، طيب المشكلة لو هو صمت، أحياناً بيكون الصمت حكمة، ما راعى هذه القضايا وأصاب معانيه، كان قوله مرذولاً، ورأيه وعقله معلولاً مريض، رأيه لا قيمة له.

كذي حكى ابن عائشة أن شاباً كان يجالس الأحنف بن قيس ويطيل الصمت، فأعجب ذلك الأحنف، فخفت الحلقة يوماً من الأيام، فقال له الأحنف: تكلم، خليك تتكلم يا ابن أخي، فكر أنه هذا بده يتكلم استحياء وكذا، اليوم من الأيام كانت حلقة الأحنف ما فيها حدا، الأحنف قال للشاب: تعال تكلم، فقالوا له: يا عم، أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد هل كان يضره شيء؟ قال: يا ابن أخي، ليتك لم تتكلم! يعني هو فكر أنه ساكت عن علم، ساكت لأنه ما عنده سالفة يسولفها، هو بيسأله لو واحد سقط من شرفة المسجد شو راح يصير فيه؟ الأحنف ندم أنه خلاه يحكي، قال: بتعرف يا ابن أخي، ليتنا تركناك مستوراً، ما خلينا تحكي، بعض الناس إذا سولف بيجيب لك سالفة ما لها أي معنى، فبتعرف فعلاً والله إنه الصمت خير له، فحن بيقول يا ريتنا ما سألناك تتكلم، قال: ثم تمثل الأحنف بقول الأعور الشني: وكم من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

نعم، وكالذي حكي عن أبي يوسف الفقيه صاحب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أن رجلاً كان يجلس إليه فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تسأل؟ قال: بلى، متى يُفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال: فإن لم تغرب الشمس إلى نصف الليل؟ فتبسم أبو يوسف وتمثل، قال له: خلص إذا ما، خليك صامت أحسن ما تسأل.

عدمت لازدراء العِيّ بنفسه، وصمت الذي قد كان بالقول أعلما، وفي الصمت ستر للعيّ، وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلم، الذي يكشف عقلك، هذا معنى صحيفة لب المرء، ما هو الشيء الذي يكشف لبك ويجعله صحيفة مكشوفة للناس؟ لسانك، ماذا تتكلم، القضايا التي تتكلم بها.

قال أقضى القضاة الماوردي رحمه الله عليه: ومما أطرقك به عني أني كنت يوماً في مجلسي بالبصرة وأنا مقبل على تدريس أصحابي، إذ دخل شيخ مسلم قد زاد الثمانين أو جاوزها، فقال لي: قد خصصتك بمسألة اخترتك لها، فقلت: سل عافاك الله تعالى، وظننته يسأل عن حادث نزل به، فقال: أخبرني عن نجم إبليس ونجم آدم عليه السلام ما هو؟ فإن هذين لعظم شأنهما لا يسأل عنهما إلا علماء الدين، فعجب من في مجلسي من سؤاله، وبدر إليه قوم منهم بالإنكار والاستخفاف فكففتهم، -يعني بعض الطلاب يتمسخروا على الشيخ أنه لا، شوف كيف وقف الطلاب، قال لهم: لا تستهزئوا به- وقلت: هذا لا يقنع مع ما يظهر من حاله إلا بجواب مثله، فأقبلت عليه وقلت: يا هذا، إن المنجمين يزعمون أن نجوم الناس لا تعرف إلا بمعرفة مواليدهم، فإن ظفرت بمن يعرف ذلك فاسأله.

جيد الماوردي قال: هذا الشيخ ما راح يقنعه إلا إني أعطيه جواب يضيعه، يعني كيف السؤال ضيعني فيه، بدي أعطيه جواب يضيعه لأنه ما في فائدة، قال له: اسمع، نجم إبليس ونجم آدم، نحن ما راح نقدر نعرفهم على قول المنجمين إلا إذا عرفنا متى ولد إبليس ومتى ولد آدم، روح اعرف لي متى ولد إبليس وآدم تعال لي، يعني فهمت علي؟ فهو ضحك عليه، أنه روح أنت جيب لي المعلومة وبعدين نحن بنكمل، قال: هذا رأي، خلص والله يسهل عليك.

طيب قال فحينئذ أقبل علي وقال: جزاك الله خيراً، ثم انصرف مسروراً، انصرف مسروراً! ظن أنه أجابه ولو في جواب، نعم، فلما كان بعد أيام عاد وقال: ما وجدت إلى وقتنا هذا من يعرف مولد هذين، قال، فقال: والله فعلاً ما حداش، طبعاً هو ونجم آدم اللي هي بسموها اليوم أنت البرج بتاعك مش بسموه الأبراج؟ مش بيقول لك هذا ولد ببرج الثور وهذا ولد ببرج الخروف، فقال له: أنا بدي أعرف برج الثور وبرج الخروف وكذا، قال له: روح شوف متى ولد عشان أنا وإياك نسولف مع بعض.

فانظر إلى هؤلاء كيف أبان الكلام عن جهلهم، وأعربوا بالسؤال عن نقصهم، إذ لم يكن لهم داعٍ إليه، ولا روي فيما تكلموا فيه، ولو صدر عن الروية ودعا إليه داعٍ لسلموا من شينه وبرئوا من عيّه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك»، لأن الكلام شوف إذا لمصلحتك تتكلم، إذا ليس لمصلحتك تسكت، «وقلب الجاهل من وراء لسانه»، بالعكس الجاهل قلبه من وراء لسانه، يتكلم بكل ما عرض له الآن، العاقل لسانه وراء قلبه بيخلي قلبه في الأمام ولسانه تبع، فبيجعل القلب حاكماً، وأما الجاهل بالعكس بيخلي لسانه في الأمام والقلب تبع لما يريد.

وقال عمر بن عبد العزيز: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، بعض الناس فعلاً هو لا يظن أن كلامه سيحاسب عليه عند الله، لازم تعتبر أن كل كلمة هي عمل من الأعمال ستحاسب عليه لأنك عندئذ ستقلل كلامك. وقال بعض الحكماء: عقل المرء مخبوء تحت لسانه. وقال بعض البلغاء: احبس لسانك قبل أن يطيل حبسك في نار جهنم والعياذ بالله أو يتلفك، فلا شيء أولى بطول حبس من لسان يقصر عن الصواب ويسرع إلى الجواب. وقال أبو تمام الطائي ومهما كانت الحكماء قالت لسان المرء من تبع الفؤاد، يجب أن يكون تابعاً لفؤادك. وكان بعض الحكماء يحسم الرخصة في الكلام ويقول: إذا جالست الجهال فأنصت لهم، وإذا جلست العلماء أيضاً فأنصت لهم، فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم.

وأما الشرط الثاني من شروط الكلام وهو أن يأتي به في موضعه ويتوخى به إصابة فرصته، فقال: فإن الكلام في غير حينه لا يقع موقع الانتفاع به ولا ينتفع به من الكلام، فقد تقدم القول فيه بأنه هذا هوان وهجر، فإن قدم ما يقتضي التأخير كان عجلة وخرقاً، وإن أخر ما يقتضي التقديم كان توانياً وعجزاً، لأن لكل مقام مقالاً وفي كل زمان عملاً، وقد قال الشاعر: تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعده نزل

قال: وأما الشرط الثالث، نعم، أي يصف امرأة أنها تضع الكلام في مكانه المناسب، تمام، إذاً أولاً عليك أن تعرف داعي للكلام، ثم إذا تكلمت فتختار الكلمة المناسبة في التوقيت المناسب، أحياناً قد يكون في داعٍ للكلام لكن الوقت لا يسمح، يعني الرجل غضبان، يعني أنا الآن رجل تكلم أمامي بمنكر، هسا الكلام فيه له داعٍ من حيث الداعي موجود، لكن أنا أعتقد أنه في هذا المجلس لو أنكرت عليه سيزداد غضبه أو يزداد منكره، فأختار الكلام في مكان آخر أو توقيت آخر بحيث لا يأتي بفتنة ولا يستجلب شراً.

ثالث وهو أن يقتصر منه على قدر حاجته، فإن الكلام إذا لم ينحصر بالحاجة ولم يتقدر بكفاية لم يكن لحده غاية ولا لقدره نهاية، وما لم يكن من الكلام ورى، كان إما حصراً إن قصر أو هذراً إن كثر. روي أن عربياً نعم، الكلام إما حصر، الحصر هو الذي يكون أقل من الحاجة، الهذر الذي يكون أكثر من الحاجة، وروي أن عربياً تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم وطوّل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كم دون لسانك من حجاب؟» قال: شفتاي ثم أسناني، بعدين بيجي لساني، قال: «فإن الله عز وجل يكره الانبعاث في الكلام، فنضر الله وجه امرئ أوجز في كلامه واقتصر على حاجته». طبعاً هذه الأحاديث أنا قلت لكم مشكلة الماوردي في انتقائه للأحاديث التي ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن خذ الفكرة العامة.

وحكي أن بعض العلماء رأى رجلاً يكثر الكلام ويقلل السكوت، فقال: إن الله تعالى إنما خلق لك أذنين ولساناً واحداً ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به. وقال بعض الحكماء: من كثر كلامه كثرت آثامه. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنذركم فضول المنطق. وقال بعض البلغاء: كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله، فأقصره على الجميل واقتصر منه على القليل، وإياك وما يسخط سلطانك أو يوحش إخوانك، فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية، ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية.

وقال بعض الشعراء، يعني من أسخط سلطانه تعرض للمنية يعني السلطان بيؤذيك بيقتلك الحاكم يعني، ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية، وقال بعض الشعراء: وزن الكلام إذا نطقت فإنما يبدي عيوب ذوي العيوب المنطق

ولمخالفته نعم، قدر الحاجة في الكلام حالتان: تقصير يكون حصراً وتكثير يكون هذراً، وكلاهما شين، وشين الهذر أشنع وربما كان في الغالب أخوف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟». وقال بعض الحكماء: ما قتل الرجل بين فكيه، وقال بعض البلغاء: الحصر خير من الهذر، لأن الحصر يضعف الحجة والهذر يتلف المهج، يتلف المهجة يعني يقتلك، أنك ما تعرف تحكي أحسن من أنك بتعرف تحكي كثير، فهمت علي، أنك ما بتعرف تحكي أحسن من أنك بتحكي كثير.

نعم وقال بعض الشعراء: رأيت اللسان على أهله إذا ساسه الجهل ليثاً مغيراً

وقال آخر: ويا رب ألسنة كالسيوف تقطع أعناق أصحابها وما ينتقص من سباب الرجال يزد في نهاها وألبابها

وقد ذهب بعضهم إلى أن الكلام إذا كثر عن قدر الحاجة وزاد على حد الكفاية وكان صواباً لا يشوبه خطل، وسليماً لا يعتوره زلل، فهو البيان والسحر الحلال. وقال سليمان بن عبد الملك وقد ذم الكلام في مجلسه: كلا، إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت بأحسن بقادر على أن يتكلم فيحسن. ووصف بعضهم الكاتب فقال: الكاتب من إذا أخذ شبراً كفاه، وإن وجد طماراً ملأه، وأنشد بعضهم، يعني قادر على كل شيء، قادر أن يتكلم على قدر طمار، طبعاً وهي الصحيفة الكبيرة التي يكتب عليها، وقادر أن يتكلم على قدر شبر، نعم على هذا يعني البعض قال طول الكلام إذا كان فيه حسن لا إشكال فيه، وأنشد بعضهم في خطباء إياد يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي.

إياد قبيلة من قبائل العرب مشهورة بخطبائها، فقيل إن هؤلاء خطباء مفلقون، إذا أردت يعطيك خطبة طويلة، وإذا أردت يعطيك مثل الوحي؛ كلام سريع وخفيف ويمشي، قادرون على كل شيء. وقال هيثم بن صالح لابنه: يا بني، إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب. قال: يا أبتِ، فإن أنا أكثرت وأكثرت يعني كلاماً وصواباً؟ قال: يا بني، ما رأيت موعوظاً أحق بأن يكون واعظاً منك.

قال: وأنشأت لأبي الفتح البستي: تكلم وسدد ما استطعت فإنما كلامك حي والسكوت جماد هو أعجب بكلام ابنه، ما رأيت موعوظاً أحق بأن يكون واعظاً منك، أنت فعلاً كلامك صحيح، إذا أكثرت الصواب وأكثرت الكلام، بالتالي هذا يكون أنفع وأنفع على هذا الرأي. فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله، فصمتك عن غير السداد سداد. وقيل لأياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام، قال: أفتسمعون صواباً أم خطأ؟ قالوا: لا بل صواباً، قال: فالزيادة من الخير خير.

قال أبو عثمان الجاحظ: وليس كما قال؛ لأن للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى الاستثقال والملل، فذلك الفاضل هو الهذر. هذا هو الرأي الصواب، حتى لو كان كثرة كلامك صواباً، في النهاية الناس لها طاقة معينة وبعدين تمل، ولنشاط السامعين نهاية، وبعدين يبدأ الطالب حتى لو كلامك صح يقول لك مش قادر أستقبل. وصدق أبو عثمان الجاحظ؛ لأن الإكثار وإن كان صواباً يمل السامع ويكل الخاطر، وهو صادر عن إعجاب به لو لا هو قصر عنه، ومن أعجب بكلامه استرسل فيه، والمسترسل في الكلام كثير الزلل دائم العثار. وقال بعض الحكماء: من أعجب بقوله أصيب بعقله، يعني نقص عقله، وليس لكثرة الهذر رجاء يقابل خوفه، ولا نفع يوازي ضرره؛ لأنه يخاف من نفسه الزلل، ومن سامعيه السامة والملل، وليس في مقابلة هذين حاجة داعية ولا نفع مرجو.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أبغضكم إلي المتفيهقون والمكثرون والملحون هذراً». وسأل رجل حكيماً فقال: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت الصمت. فقال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام؛ يعني خلِّ نفسك على خلاف هواها. وقال الشاعر: الصمت زين والسكوت سلامة وإذا نطقت فلا تكن مهذاراً فإن ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مراراً

وقال جعفر بن يحيى: إذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً، وإذا كان الإكثار واجباً كان التقصير عجزاً. وقال في منثور الحكم: إذا تم العقل نقص الكلام. وقال بعض الأدباء: من أطال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه، ومن الوحشة ما لا يضره. وقال بعض البلغاء: عي تسلم به خير من نطق تندم عليه، فاقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك، وإياك فضوله؛ فإنها تزل القدم وتورث الندم. وقال الشاعر: إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزاً فأنت عن الإبلاغ في القول أعجز

وقال بعض الفصحاء: فم العاقل ملجم إذا همَّ بالكلام أحجم، وفم الجاهل مطلق كلما شاء أطلق. وقال بعض الشعراء: إن الكلام يعز القوم جلوته حتى يلج به عي وإكثاره.

أما الشرط الرابع، وهو اختيار اللفظ الذي يتكلم به، فلأن اللسان عنوان للإنسان، يترجم عن مجهوله ويبرهن عن محصوله، فلزمه أن يكون بتهذيب ألفاظه حرياً، وبتقويم لسان ملياً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عليك أن تحسن اختيار الكلمة التي ستتكلم بها، ماشي في داعي للكلام وجاء الوقت المناسب، الآن بدك تعتني باختيار ألفاظك، حتى تكون مقبولة، ولا تكون ألفاظك فظة غليظة، ولا كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك. قال عليه الصلاة والسلام لعمه العباس: «يعجبني جمالك»، فقال: وما جمال الرجل يا رسول الله؟ قال: «لسانه».

وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. وقال بعض الحكماء: اللسان وزير الإنسان. وقال بعض الأدباء: كلام المرء وفيد أدبه. وقال بعض البلغاء: يستدل على عقل الرجل بقوله، وعلى أصله بفعله. وقال بعض الشعراء: وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل

وليس يصح اختيار الكلام إلا لمن أخذ نفسه بالبلاغة، وكلفها لزوم الفصاحة، حتى يصير متدرباً بها معتاداً لها، فلا يأتي بكلام مستكره اللفظ ولا مختل المعنى؛ لأن البلاغة ليست معاني مفردة ولا ألفاظاً عارية، وإنما البلاغة أن تكون المعاني الصحيحة مستودعة في ألفاظ فصيحة، فتكون فصاحة الألفاظ مع صحة المعاني هي البلاغة.

وقد قيل لليوناني: ما البلاغة؟ فقال: اختيار الكلام وتصحيح الأقسام. وقيل للرومي: ما البلاغة؟ فقال: حسن الاختصار عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقيل للعربي: ما البلاغة؟ فقال: ما حسن إيجازه وقل مجازه. وقيل للبدوي: فقال: ما دون السحر وفوق الشعر، يثقب الخردل ويحط الجندل. وقيل للحضري: فقال: ما كثر إعجازه وتناسب صدوره وأعجازه. وقال ابن المقفع: البلاغة قلة الحصر والجراءة على البشر.

وسأل الحجاج ابن القرية عن الإيجاز فقال: أن تقول فلا تبطئ، وأن تصيب فلا تخطئ. ثم قال: أقلني، قال: قد فعلت، قال: هو ألا تبطئ ولا تخطئ. وقال الشاعر: خير الكلام قليل على كثير دليل والعي معنى قصير يحويه لفظ طويل وفي الكلام فضول فيه.

وقيل: هي قصة جميلة، الحجاج سأل ابن القرية عن الإيجاز فقال: الإيجاز أن تقول فلا تبطئ وأن تصيب فلا تخطئ، طبعاً هو الآن لما أجاب بهذه الإجابة هو نفسه أطال، فقال له: اسمع اسمع أقلني، خليني أرجع أصيغ لك إياها بعبارة أكثر اختصاراً، قال: هو ألا تبطئ ولا تخطئ، راح حذف من كل جملة نصفها؛ لما رأى هو سألته عن الإيجاز جاء جوابك في إطالة. الأصل إذا أنت بدك تعبر عن الإيجاز أنك تكون أنت قادراً على الإيجاز؛ فهو لما أجاب أولاً أجاب "أن تقول فلا تبطئ"، خلص كان من الأول احكِ لا تبطئ بدون "أن تقول". فهو قال: أقلني، يعني خليني أرجع أصيغ لك الفكرة بإيجاز، فقال: ألا تبطئ ولا تخطئ، فكان جوابه عن الإيجاز بإيجاز.

أما صحة المعاني فتكون من ثلاثة أوجه: أحدها إيضاح تفسيرها حتى لا تكون مشكلة ولا مجملة، والثاني استيفاء تقسيمها حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج عنها ما هو منها، أن يكون جامعاً مانعاً، والثالث صحة مقابلاتها، والمقابلة تكون من وجهين: أحدهما مقابلة المعنى بما يوافقه، وحقيقة هذا المقاربة لأن المعاني تصير متشاكلة، والثاني مقابلته بما يضاده وحقيقة المقابلة، وليس للمقابلة إلا أحد هذين الوجهين؛ الموافقة في الائتلاف، والمضادة مع الاختلاف.

وأما فصاحة الألفاظ فتكون بثلاثة أوجه: أحدها مجانبة الغريب الوحشي حتى لا يمجَّه سمع ولا ينفر منه طبع، والثاني تنكب اللفظ المستبذل والعدول عن الكلام المبتذل حتى لا يستسقطه خاصي ولا ينبو عن فهم عامة، كما قال الجاحظ في كتاب البيان: أما أنا فلم أرَ أقواماً أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب؛ وذلك أنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً ولا ساقطاً عامياً، الوحش الذي تنفر النفوس منه إما لغرابته أو صعوبة ألفاظه. الثالث أن تكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة المطابقة، أما المطابقة فهو أن تكون الألفاظ كالقواليب لمعانيها، فلا تزيد عليها ولا تقصر عنها.

وقد قال بشر بن المعتمر في وصيته في البلاغة: إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ولا صائرة إلى مستقرها ولا حالة في مركزها، بل وجدتها قلقة في مكانها، لفظة مش مناسبة هنا نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على القرار في غير موضعها؛ فإنك إن لم تتعاطَ قريض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبْك بترك ذلك أحد، وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقاً فيهما عابك من أنت أقل عيباً منه، وأزرى عليك من أنت فوقه في المنزلة. فبالتالي هو يقول لك عليك أن تحسن اختيار الكلمة وتراعي أن تكون في مكانها المناسب، هذا معنى المطابقة؛ أن تكون الألفاظ كالقوالب للمعاني. أنا عندي معنى معين، أنا هجاء، مدح، ثناء، حمد، شكر؛ اختر اللفظ المناسب للسياق الذي تريد أن تتكلم فيه.

أما المناسبة فهو أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ، أما لعرف مستعمل أو لاتفاق مستحسن؛ حتى إذا ذكر تلك المعاني بغير الألفاظ كانت نافرة عنها وإن كانت أفصح وأوضح؛ لأن الناس اعتادت ما سواها، خلاص يعني هكذا العرف مثلاً في الكلام في مجتمع وبيئة معينة. وقد قال بعض البلغاء: لا يكون البليغ بليغاً حتى يكون معنى كلامه أسبق إلى فهمك من لفظه إلى سمعك. فأما معاطاة الإعراب وتجنب اللحن فإنما هو من صفات الصواب، والبلاغة أعلى منه رتبة وأشرف منزلة، وليس لمن لحن في كلامه مدخل في الأدباء، فضلاً عن أن يكون في عداد البلغاء الفصحاء.

واعلم أن للكلام آداباً إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه وطمس بهجة بيانه، ولها الناس عن محاسن فضله بمساوٍ أدبه، وعدلوا عن نشر مناقبه بذكر مثالبه، فمن آدابه ألا يتجوز في مدح ولا يسرف في ذم، وإن كانت النزاهة عن الذم كرماً، والتجوز في المدح ملق يصدر عن مهانة، والسرف في الذم انتقام يصدر عن شر، وكلاهما شين وإن سلم من الكذب. روي أنه لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الأهتم عن قيس بن عاصم فمدحه، فتكلم قيس بما غضب منه ابن الأهتم فذمه، فقال له رسول الله: «ما هذا؟ مدحته ثم ذممته»، فقال قيس: والله يا رسول الله لقد علم أني خير مما وصف ولكنه حسدني، فقال: ثم ذمَّه عمرو، وقال: والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى؛ لأني رضيت في الأولى فقلت أحسن ما علمت، وسخطت في الأخرى فقلت أقبح ما علمت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحراً»، على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذرة، لا سيما إذا مدح تقرباً وذم حنقاً.

يتجوز في المدح في شيء، مدح شيخه فيذكر فيه مناقب ليست فيه، وإذا ذم شخصاً تجاوز في ذمه فيذكر فيه شروراً ليست فيه؛ لأن الدافع للمدح هو الإعجاب، والدافع للذم هو الحنق الذي هو الغضب، وهذا يدفعان الإنسان إلى المجاوزة في الحد. وحكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: سهرت ليلة أفكر في كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسقط بها ربي فما وجدتها. وقال: ما شيء أرضي به الحاكم ولا أسقط شره ما لقيت. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه دينه، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يرضيه بما يسخط الله تعالى. وسمع ابن الرومي رجلاً يصف رجلاً ويبلغ في مدحه فأنشأ يقول: إذا ما وصفت أمراً لامرئ فلا تغلو في وصفه واقصده فإنك إن تغلو تغل الظنون إلى الأمد الأبعد فيضؤل من حيث فخمته لفضل المغيب على المشهد

لأنه هو أنت وصفته وهو غائب فالناس، "يا شيخه ما شاء الله أحد علامات العصر وباقرة الزمان"، شيخه غائب، فإذا جلست مع شيخه وعرفت مشهده عرفت أنه يا أخي أنت خيَّلت لنا شيخك، ولكن لما جلسنا معه شاهد غير الغائب، قلت له فانت قد تكون أزريت بشيخك لما وضعته في منزلة ليست منزلته، الناس ما تعود تحب جلس معه.

ومن آداب الكلام أيضاً ألا تبعثه الرغبة ولا الرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنهما ولا يقدر على الوفاء بهما، يعني لا تعطِ وعداً أو وعيداً أعلى من قدراتك، هذا من الآداب، لا تقول: والله لأخلينك كذا وأعطيك كذا، وأنت عارف نفسك دوبك محصل مصروف العائلة. وكذلك الوعيد، أنه والله إذا فعلت بي كذا فسأشكي عليك، وأنت بتعرف بعض الناس في المشاكل هو بيعمل شيء ومش قادر بباله يشكي، يعني قد مش بس يسرف في الوعيد، فإنت بتقول هذا مش رجل صح، بصير يسقط من عينك. يقول لك إياك أن تسرف في وعد أو وعيد تعجز عنهما ولا تقدر على الوفاء بهما، فإن من أطلق بهما لسانه وأرسل فيهما عنانه، ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل، صار وعده نكثاً ووعيده عجزاً. وقد حكي أن سليمان بن داوود عليه السلام مر بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول لها؟ قالوا: لا يا نبي الله، قال: إنه يخطبها إلى نفسه ويقول: زوجيني نفسك أسكنك أي غرف في دمشق شئت، قال سليمان عليه السلام: وكذب العصفور، وغرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها هناك، ولكن كل خاطب كذاب، ولكن كل خاطب كذاب يا جماعة، تمام بدكم تعرفوا هي الشغلة ولكن كل خاطب كذاب، يعني الشباب لما يجي يخطب بنت يعدها.

بالوعود الجميلة، وأنا سأسكنك أبصر وين، وأجيب لك سيارة، وراح نطلع كذا سياحة، وأنا الإنسان أصلاً الذي يراعي مشاعر المرأة، أنت يا الله لو تشوفيني كيف أنا إنسان رائع وراقي ومراعي للنفوس البشرية. بسميها موشح بعد ثاني يوم زواج، الحقيقة تنصدم بالحقيقة. طبعاً هي النساء برضه عندها نفس الشيء نوعاً ما، بس مش بدرجة الشباب، عندها أن تصف نفسها بما ليس فيها، وأنه أنا طالبة العلم المجدّة، القارئة لكذا، هذه ما تلاقيها مش قارة قرآن تمام، وأنها كذا بتقول لك أنا بتابع مشايخ وأنا بتابع الدروس وكذا، وبتلاقيها خير الله إن شاء الله. فالفكرة أن الناس بشكل عام نوعاً ما تحب طبيعة عرض النفس وتسويقها، لكن أحياناً خليك صادق فيما أنت فيه حقيقة دون مبالغات، هذا أفضل؛ لأن الطرف الذي أمامك بعد ذلك يشعر بصدقك بدون صحيفة الوعود التي بعد الزواج، ما أنت قلت لي راح تعمل لي كذا وكذا. لا، هو أنت كل شيء بتصدقينه؟ في النهاية مش كل شيء حُكي عنا حُكي.

طيب، قال: ومن آدابه أنه إذا قال قولاً حققه بفعله، وإذا تكلم بكلام صدّقه بعمله؛ فإن إرسال القول اختيار والعمل به اضطرار، ولأن يفعل ما لم يقل أجمل به من أن يقول ما لا يفعل. وقد قال بعض الحكماء: أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى الكلام، ويُكتفى بالفعل من القول. وقال محمود الوراق: القول ما صدّقه الفعل، والفعل ما وكّده العقل، لا يثبت الفرع إذا لم يكن يقلّه من تحته الأصل.

ومن آدابه أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه؛ فإن كان ترغيباً قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيباً خلطه بالخشونة والعنف؛ فإن لين اللفظ في الترهيب وخشونته في الترغيب خروج عن موضوعهما، وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغواً والغرض المقصود لهواء. نعم، أنت لما تكون في مقام الترهيب ما بينفع يخرج كلامك في الأحرف الرقيقة الخفيفة كأنك تدغدغ مشاعر خصمك. ولما تكون في مقام الترغيب ما بينفع تكون ألفاظك خشنة غليظة ومعالم وجهك صعبة؛ لأنه أنت عم بترغّب، بقول لك بده يكون في نوع من الانسجام في اختيارك لألفاظ الترغيب وألفاظ الترهيب.

وقد قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بني، إذا كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من هو فوقك فيمقتوك، ولا بكلام من هو دونك فيزدروك. ومن آدابه ألا يرفع بكلامه، نعم لا تتكلم بكلام من هو فوقك، يعني لا تتكلم بكلام الجاحظ وأنت إنسان بسيط، مش مستواك مستوى الجاحظ، لأن هذا سيزري بك؛ أليس كذلك؟ لا تتكلم بكلام أناس أعلى من مقامك، وكذلك لا تتكلم بكلام العامة، ولا تتكلم أيضاً بكلام السفهاء وتدخل مع الناس في سفاهاتهم؛ لأنه برضه هذا رح يقلل من مكانك، فانت دائماً تكلم بالكلام الذي يحفظ قدرك، لكن برضه لا تتكلم بكلام أكبر من حجمك.

ومن آداب الكلام ألا يرفع بصوته صوتاً مستكرهاً، ما يكون كلامك صراخاً ولا ينزعج له انزعاجاً مستهجناً، وليكف عن حركة تكون طيشاً وعن إشارة تكون هجناً. بعض الناس هو بيتكلم دائماً بيحرك إيديه حركات مش متزنة، صحيح، بقول لك ما بينفع حتى في خطبة الجمعة أو شيء، بده يكون في نوع من انضباط الأعضاء في أثناء الكلام؛ فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حُكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنت؟ قال: نعم، لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول: أما بعد. نعم، يعني عاد قول أما بعد فش فيها مشكلة، إلا أنه يكثر أن يقول أما بعد بعد كل فقرة، خلص أما بعد مرة واحدة بتنحكى. في بعض الناس بتلاقي عنده مشكلة في ماذا إخواني؟ بكون يا حرام عنده بعض الكلمات بتظلها تتكرر أثناء محاضرته، خلص هذا بدك تنتبه منه؛ يعني وجود كلمة معينة بتظلك تحكيها، مثلاً كلمة "يعني"، أو كلمات تمسك على لسانه. في دورات أكيد لتطوير مهارات الخطاب وما شابه ذلك، عليك أن تأخذها حتى تستطيع مواجهة الجمهور؛ يعني الجمهور في فلسفة في مواجهته، الناس حتى ولو لم تكن أساتذة في البلاغة ولا يعرفون أصولها، لكنهم يعرفون من يتكلم بانطلاق ومن عنده شيء من التأتأة أو من عنده شيء من الحصر، بيميزوه حتى لو هم ليسوا أساتذة، لا تستحمق الناس أو تظن أنهم لا يعرفون المتكلم الجيد من المتكلم الرديء، وإن لم يكونوا أساتذة في هذا.

ومن آدابه أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ نعم، يعني إذا كنت تتكلم عن الغائط، عن الجماع، استعمل الكنايات ولا تستعمل الألفاظ الصريحة؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه مقصود. وقد قال محمد بن علي في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72]، قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كنّوا عنها؛ نعم، إذا ذكروا النساء أو الفروج أو العشرة كنّوا عنها. وكما أنه يصون لسانه عن ذلك، فهكذا يصون عن سمعه، فلا يسمع خنّاً، عيب تجلس مع أناس حديثهم كله فجور وألفاظ قبيحة ودخول في الأعراض، ولا يصغي إلى فحش؛ فإن سماع الفحش داع إلى إظهاره وذريعة إلى إكثاره، لما تصير تسمع أنت الكلام السيء بينطبع في ذهنك فبتصير أنت أيضاً تتكلم بهذا المستوى من الكلام السيء. ولذلك صونوا أبناءكم عن مجالسة أعمامهم وأخوالهم الذين عندهم هذا الكلام؛ لأنه ابنك لو أنت في البيت ما بتحكي هذا الكلام، بس لما يجلس مع عمه بيشوف ألفاظه سيئة، ابنك بصير يتكلم في هذا الكلام في المستقبل وبيقول لك وأنا سمعته من عمي أو من خالي، احذروا من هذه العوائد. وإذا وجد الفحش معرضاً كفّ قائله تماماً، وكان إعراضه أحد النكيرين؛ لما أنت تكون في مجلس ولما يبدأ الرجل يتكلم بفحش أنت تعرض عن المجلس، ذاك الرجل الذي يتكلم بفحش سيسكت وسيتعلم أنه أنا لما أتكلم بفحش والله أخوي بقوم، أما أنك تجامل الناس؟ بعض الناس بقول لك لا أنا بدي أكسر خاطره، طيب عم بيتكلم كلام كله هو قذارة! لا ما تكسر خاطره الآن حتى يتعلم ليجمل، وإلا سيبقى مفسداً لك ولأبنائك في المستقبل هذا العم أو الخال أو أخوك أو أختك. وأنشدني أبو الحسن بن أبي الحارث الهاشمي: تحرَّ من القول أوساطها، وعد عن الموضع المشتبه، وصونك سمعك عن قبيح الكلام، كصون اللسان عن النطق به، فإنك عند استماع القبيح، شريك لقائله، فانتبه. أنت لما تجلس مع شخص يتكلم بكلام قذر أنت شريك في الجريمة.

ومما يجري مجرى فحش القول وهجره في وجوب اجتنابه وزمن تنكّبه، ما كان شنيع البديهة مستنكر الظاهر، وإن كان مع التأمل سليماً وبعد الكشف والرويّة مستقيماً؛ كالذي رواه الأزدي عن الصولي لبعض المتكلفين من الشعراء: إنني شيخ كبير كافر، بالله سيري، أنت ربي وإلهي، رازق الطفل الصغير. يريد بكلمة كافر، الآن ظاهر هذا البيت كفر، لكن هو لا يقصد إلا معنى صحيحاً؛ فالكافر هو ماذا؟ هو "اللابس"، "إنني شيخ كبير كافر"، ايش يعني لابس؟ ولذلك سمي الكافر بالله كافراً؛ لأن الكفر في اللغة هو التغطية، هو استعمل الكفر بالمعنى اللغوي وهو التغطية، مش بالمعنى الشرعي الذي هو خروج من الدين، بس أنت عرضت نفسك، يعني ما في داعي لهذه الفلسفة في الشعر، لا تتكلم بكلام ظاهره كفر وباطنه إيمان. قال؛ لأنه قد غطّى نعمة الله بمعصيته. وقوله "بالله سيري" أقسم عليها بالله أن تسير، فانت إذا قرأت البيت "كافر بالله" تقول أعوذ بالله، بس هو كافر بعدين فاصلة "بالله سيري"، بالله عليك تمشي مثلاً، فأنت هو عامل دربكة في البيت حتى يوهمك أنه يتكلم بحرام وقصده حلال، هذا أيضاً حقيقة مستهجن لا ينبغي أن يفعل ذلك. وقوله "أنت ربي وإلهي رازق الطفل الصغير"؛ كما أنه رازق الجلْد الكبير، نعم، يعني أنت ربي أولادك، والله رزق، فـ"ربِّ" فعل أمر، أنت يا أيتها المرأة "ربّي" هو يأمرها، ربّي أولادك، بس أنت لما بدك تقرأها للوهلة الأولى ايش بيحكي؟ أنه يخاطب امرأة ويقول لها أنت ربي وإلهي، أعوذ بالله! مش هي فعل أمر، مش خبر مبتدأ. فأنظر إلى هذا التكلف الشنيع والتعمق البشع؛ ما اعتاض من حيث البديهة إذا سلم بعد الفكر والرويّة إلا لؤماً إن حسن فيه الظن، أو ذماً إن قوي فيه الارتياب والشك، وقل ما يكون ذلك إلا من خليع بطر أو مرتاب أشر، مرتاب يعني عنده إنسان شك في العياذ بالله، فيحاول يدخل الكفر بس بهذه الأبيات الموترة.

فأما الحديث المروي عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا على النبي"، فخارج من هذا النوع من التلبيس، وفي تأويله وجهان: أحدهما أنه أراد النهي عن الصلاة في المكان المرتفع المحتودب، مأخوذ من النبوة، "لا تصلوا على النبي" يعني على المكان الذي فيه نبوة؛ طبعاً بس هل هذا أصلاً يصح عن النبي عليه الصلاه والسلام حتى ينشغل الماوردي في الرد عليه؟ هي مشكلة الماوردي في بعض الأحاديث التي يوردها تكون أصلاً لا أصل لها أو ضعيفة جداً وهو يحاول أن يردها. والثاني أنه أراد الطريق، ومنه سمي رسل الله الأنبياء؛ لأنهم الطرق إليه، فلا تصلوا على النبي يعني على الطريق، ما بيصير الطرق الطرق المطروقة. وإنما زال عنه التلبيس إذ قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان من قول غيره قد يكون تلبيساً شنيعاً؛ لأن موضع خطابه وشواهد أحواله يصرفان كلامه عن التجوز والاسترسال في أمر أو نهي إلى ما لا يجوز أن يرد به شرع وينهى عنه نبي، وليس يمتنع ذلك في غيره؛ ايش يعني؟ يعني أنت لما يكون هذا الكلام صادر من محمد صلى الله عليه وسلم أنت مباشرة ستبحث عن معنى صحيح له؛ لثقتك أنه عليه الصلاه والسلام لا يمكن أن يتكلم خطأ أو هجراً، بخلاف غيره، فإنه لو قال لا تصلي على نبي فإنك مباشرة ستقع في شك أنه ليش يقول؟ لعل الرجل عنده شبهة اعتقادية، لكن حتى هذه العبارة هل صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا الذي يجب أن يناقشه الماوردي.

قال: ومن آداب الكلام أيضاً ألا يجتنب أمثال العامة الغوغاء ويتخصص بأمثال العلماء والأدباء؛ فإن لكل صنف من الناس أمثالا تشاكلهم، فلا تجد لساقط إلا مثلاً ساقطاً، وتشبيه المستقبل. يعني مثلاً طالب العلم مثلاً ما بيتكلم مثلاً بمثل والله "طنجرة ولقت غطاها"، هسة هذا واحد عامة يحكيه مشايخ، صح؟ لكن أنت كطالب علم أو عالم بدك تشوف المثل، لما بدك تحكي مثل أمام الناس بدك تستعمل المثل الراقي الذي يتناسب مع مستواك العلمي؛ طبعاً أحياناً يغتفر في مجلس مداعبة الشيخ يداعب الطلاب بمثل هذه الأمثال العامية، لكن في الخطاب الرسمي وفي خطب الجمعة، تخيل خطيب الجمعة بيقول لك طنجرة ولقت غطاها، يعني أنت نفسك تستهجن أن تكون في خطبة الجمعة بتتكلم بمثل هذه الأمثال العامية؛ فيقول لك عليك أن تختار المثل الذي يتناسب مع مستواك الأدبي. كما قال الصنوري: وللسقاط أمثال، فمنها تمثلهم: لذيذ الشيء المريب، إذا ما كنت ذا بول صحيح، فلا تضرب به وجه الطبيب. يعني بقول لك الناس الساقطة لها أمثال تناسب عقولها، من هذه الأمثال أنهم يقولون إذا كان بولك صحيح ما في عندك مشاكل صحية فاضرب بهذا البول وجه الطبيب، يعني هذا واحد عامي من سقط الشوارع ممكن يتكلم به، لكن طالب علم مثلاً يتكلم بمثل هذا الكلام لا يصح. ولذلك علتان، إحداهما: أن الأمثال من هواجس الهمم وخطرات النفوس، ولم يكن لذي الهمة الساقطة مثل إلا مثل مرذول؛ أما أنت همتك عالية فلا ينبغي أن تأتي بالمثل المرذول والتشبيه المعلول. والثانية: أن الأمثال مستخرجة من أحوال المتمثلين بها؛ اللي دائماً هو عقله بفرجه أو عقله بين رجليه بتلاقي أمثاله كلها من بين فرجه وما تحت سرته، أما اللي نفسه شريفة وعقله شريف تجد أمثاله من النمط الشريف؛ فبحسب ما هم عليه تكون أمثالهم، فلهاتين العلتين وقع الفرق بين أمثال الخاصة وأمثال العامة. وربما ألف المتخصص مثلاً عامياً أو تشبيهاً ركيكاً لكثرة ما يطرق سمعه من مخالطة الأرذال؛ هذه مشكلة الشاب طالب العلم لما يكون أولاد عمه وأولاد خاله والناس اللي حواليه أمثالهم رديئة، أنه بيصير يلقط منهم بعض الأمثال ويستحضرها في أدبياته العامة؛ قال فبالتالي فيسترسل في ضربه مثلاً أثناء محاضرته أو أثناء درسه فيصير به في الناس مثلاً، يقول لك والله هذا الشيخ اللي بيحكي هذاك المثل! أنتم بعض الناس مسكوا على بعض المشايخ كلمات، كل ما حكيت لهم اسم الشيخ اه مش هذا الشيخ اللي بيحكي هذاك المثل؟ لا تفضح نفسك من البداية. كالذي حكي عن الأصمعي أن الرشيد سأله يوماً عن أنساب بعض العرب فقال: على الخبيل سقطت يا أمير المؤمنين! فقال له الفضل بن الربيع: أسقط الله جنبيك، كيف تحكي أسقطت تمام؟ أتخاطب أمير المؤمنين بمثل هذا الخطاب؟ فكان الفضل بن الربيع مع قلة علمه...

اعلم بما يستعمل من الكلام في محاورة الخلفاء، من الأصمعي الذي هو واحد عصره وقريع دهره؛ ومع ذلك الأصمعي أخطأ في أدب الحكام. ولكن الحاكم ما بصير تقول له والله سقطت على الخبير، لأن كلمة سقطت عيب تحكيها لحاكم. زي ما قيل إن هارون أراد أن يختبر ذهن أبنائه الأمين والمأمون؛ فقال لأحدهما -سأل الأمين-: ما جمع مسواك؟ فقال: مساويك. فأتى المأمون فقال: ما جمع مسواك؟ فقال: مثل أصابع الأمير. ذاك الأذكى؛ لأنه أنت بصير إيش تحكي للأمير مساويك؟ ماشي، حتى لو كان مسواك جمعه مساويك، هي كلمة يقبح أن يخاطب بها أصحاب المراتب العالية؛ مساويك كأنك تقول لهارون إن لك مساوئ، فعرف عقل المأمون من عقل الأمين من خلال اختيار الألفاظ.

وللأمثال من الكلام مواقع في الأسماع وتأثير في القلوب؛ يعني الأمثال لها مواقع في السمع وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها ولا يؤثر تأثيرها. يعني لا تستقل من المثل؛ أي مثل بتحكيه، ترى المثل أحياناً ممكن يكون أوقع في النفس من خطبة جمعة؛ مثل واحد أوقع في النفس من خطبة جمعة، فلا تقول هو الشيخ كله مثل؛ لا لا المثل خطير وقد يكون أوقع في النفس من الكلام المسترسل ومن محاضرة كاملة؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة -أي عاشقة ومتعلقة- والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة. ولذلك ضرب الله سبحانه الأمثال في القرآن؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا﴾، والقرآن فيه كثير من الأمثال لأن الأمثال ترسخ، وجعلها من دلائل رسله وأوضح بها الحجة على خلقه؛ لأنها في العقول معقولة وفي القلوب مقبولة.

ولها أربعة شروط: أولاً صحة التشبيه وإصابة التمثيل، أنه لما تأتي بمثل لواقعة معينة بده يكون في تطابق بين المثل الذي تضربه والواقعة التي تريد أن تسقط المثل عليها. ثانياً أن يكون العلم بها سابقاً والكل عليها موافقاً، يعني يكون المثل معروفاً؛ شو فائدة إنك تحكي للناس مثل وما حدا فاهمه؟ الثالث أن يسرع وصولها للفهم ويعجل تصورها في الوهم من غير ارتياء في استخراجها، ما يكون مثل صعب الناس تجلس نص ساعة وهي تحاول تفهم ألفاظه. والرابع أن تناسب حال السامع لتكون أبلغ تأثيراً وأحسن موقعاً. فإذا اجتمعت هذه الأربعة في الأمثال التي تضربها للناس، كانت زينة للكلام وجلاء للمعاني وتدبراً للأفهام.

قال رحمه الله: الفصل الثاني في الصبر والجزع. اعلم أن من حسن التوفيق وأمارات السعادة الصبر في الملمات والرفق عند النوازل، فبذلك نزل الكتاب وجاءت السنة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]؛ يعني اصبروا على ما افترض الله عليكم، وصابروا عدوكم، ورابطوا؛ ورابطوا فيها تأويلان: أحدهما رابطوا على الجهاد، والثاني رابطوا على انتظار الصلوات. وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يحبط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط».

فنزل الكتاب بتأكيد الصبر فيما أمر به وندب إليه، وجعله من عزائم التقوى فيما افترضه وحث عليه. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: «الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو». وقال عبد الحميد: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما ركبت. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أفضل العدة الصبر على الشدة. وقال بعض البلغاء: من خير خلالك الصبر على اختلالك. وقيل في مأثور الحكم: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً. وقال بعض الحكماء: إن الحياة مليئة بالمصائب؛ من أحب البقاء إذا بدك تضلك عايش جهز قلب كبير لتحمل المصائب، فالحياة جبلت على مصائبها.

وقال بعض الحكماء: بالصبر على مواقع الكره تدرك الحظوظ. وقال بعض الشعراء، وهو عبيد بن الأبرص: صبر النفس عند كل ملم... إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن في الأمور فقد... تكشف غمَّاؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من الأمر... له فرجة كحل العقال طبعاً عبيد بن الأبرص هذا أحد أصحاب المعلقات العشر. وقال ابن المقفع في كتاب اليتيمة: الصبر صبران؛ فاللئام أصبر أجساماً، والكرام أصبر نفوساً. وليس صبر الممدوح صاحبه أن يكون الرجل قوي الجسد على الكد والعمل؛ لأن هذا من صفات الحمير، لكن أن يكون للنفس غلوباً وللأمور محتملاً ولجأشه عند الحفاظ مرتبطاً. تجد إنساناً عاملاً يحرث من الصباح للمساء، والله بيصبر بس هو لئيم النفس؛ اللئام صبرهم في الأجساد فقط، وأما الكرام فصبرهم في النفوس.

قال: واعلم أن الصبر على ستة أقسام وهو في كل قسم منها محمود. أول أقسامه وأولاها الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى به والانتهاء عما نهى الله تعالى عنه؛ لأنه به تخلص الطاعة وبخلوص الطاعة يصح الدين وتؤدى الفروض ويستحق الثواب، كما قال تعالى في محكم الكتاب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»، وليس لمن قل صبره على طاعة الله تعالى حظ من بر ولا نصيب من صلاح؛ ومن لم ير لنفسه صبراً يكسبها ثواباً ويدفع عنها عقاباً، كان مع سوء الاختيار بعيداً من الرشاد حقيقاً بالضلال. وقد قال الحسن البصري: يا من يطلب من الدنيا ما لا يلحقه، أترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه؟ وقال أبو العتاهية: أراك امرأً ترجو من الله عفوه... وأنت على ما لا يحب مقيم تدل على التقوى وأنت مقصر... فيا من يداوي الناس وهو سقيم قال: وهذا نوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع وشدة الخوف؛ فإن من خاف الله تعالى صبر على طاعته، ومن جزع من عقابه وقف عند أوامره.

القسم الثاني: الصبر على ما تقتضيه أوقاته من رزية قد أجهده الحزن عليها، أو حادثة قد استكده الكمد والهم بها؛ فإن الصبر عليها يعقبه الراحة منها ويكسبه المثوبة بها، فإن صبر طائعاً وإلا احتمل هماً لازماً وصبراً كارهاً آثاماً. يعني باختصار الصبر على المصائب عموماً؛ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: «من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليختر رباً سواي». هذا هو الواقع؛ بدك تتقبل الحياة كما هي. وقال علي بن أبي طالب للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك القلم -أي القضاء والقدر- وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور. فذكر ذلك أبو تمام في شعره فقال: وقال علي في التعازي لأشعث... وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للوى عزاءً وحسبةً... فتؤجر أو تسلو سلو البهائم

وقال شبيب بن شيبة للمهدي: إن أحق ما صبر عليه ما لم تجد سبيلاً إلى دفعه؛ وأنشد: وإذا تصيبك مصيبة فاصبر لها... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر وقال آخر: تعظم المصيبة لما لا تصبر عليها، لكن إذا صبرت عليها بتهون. تصبرت مغلوباً وإني لموجع... كما صبر الظمآن في البلد القفر وليس اصطباري عنك صبر استطاعة... ولكنه صبر أمر من الصبر

القسم الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة وأعوز نيله من مسرة مأمولة؛ فإن الصبر عنها يعقب السلوة منها؛ يعني إذا كنت تريد الزواج من امرأة وفاتتك أو وصول إلى مرتبة وأعطيها غيرك، بدك تصبر نفسك عليها حتى تسلوها -تسلو يعني تنسى الموضوع وخلص يتغير الملف-. والأسف بعد اليأس خرق؛ خلص إذا يئست من شيء لا تأسف عليه حتى لا تكون أحمق. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون». وقال بعض الحكماء: اجعل ما طلبته من الدنيا فلم تنله مثل ما لم يخطر ببالك ولم تنله؛ يعني كأنه لم يخطر في بالك، انس الملف تماماً. وقال بعض الشعراء: إذا ملك القضاء عليك أمراً... فليس يحله غير القضاء فمالك والمقام بدار ذل... ودار العز واسعة الفضاء

وقال بعض الحكماء: إن كنت تجزع على ما فات من يدك، فاجزع على ما لم يصل إليك. فأخذه بعض الشعراء فقال: لا تطل الحزن على فائت... فقل ما يجدي عليك الحزن سيان محزون على فائت... ومضمر حزناً لما لم يكن

القسم الرابع: الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها أو يحذر حلوله من نكبة يخشاها؛ فلا يتعجل هم ما لم يأت، فإن أكثر الهموم كذباً. بعض الناس تجده يخاف؛ يقول لك والله يا شيخ أنا خايف تصير حرب عندنا وكذا وأولادي كذا يموتوا أو شيء، طيب أنت الآن ما صار شيء والدنيا آمنة، لا تجلب هم؛ فإن أكثر الهموم كاذبة. لا تستجلب هماً لم يحصل، والأغلب من الخوف مدفوع. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بالصبر يتوقع الفرج، ومن يدمن قرع الأبواب يلج». وقال الحسن البصري: لا تحملن على يومك هم غدك، فحسب كل يوم همه؛ فكري في يومك يعني.

وأنشد الجاحظ لحارثة بن بدر: إذا الهم أمسى وهو داءٌ فامضه... ولست بمضيه وأنت تعادله ولا تنزلن أمر الشديدة بامرئ... إذا هم أمراً عوقته عواذله وقل للفؤاد إذا نزى بك نزوة... من الروع أفرخ أكثر الهم باطل أفرخ يعني نسيبك؛ أكثر الهم باطل ما رح يقع، أكثر هي الهموم اللي بتفكر فيها.

القسم الخامس: الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها وينتظره من نعمة يأملها؛ فإنه إن أدهشه التوقع لها وأذهله التطلع إليها، انسدت عليه سبل المطالب واستفزته تسويل المطامع؛ فكان أبعد لرجائه وأعظم لبلاءه. وإذا كان مع الرغبة وقوراً وعند الطلب صبوراً، انجلت عنه عمايه الدهش وانجابت عنه حيرة الوله، فأبصر رشده وعرف قصده. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر ضياء»؛ يعني والله أعلم أنه يكشف ظلمة الحيرة ويوضح حقائق الأمور. وقال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال ابن المقفع: كان في القسم الخامس أنه إذا كان في شيء أنت تنتظر حصوله فاصبر؛ يعني بعض الشباب إذا أراد أن يخطب أو شيء تجده اليوم الثاني بده يكتب العقد، وأهل البنت يطلبون منه الصبر كذا، خلص بتنالها إن شاء الله بس يعني.. صبر بعد العيد يا شيخ.. لا أنا قبل العيد لازم أكتب عقدي.. يا شيخ لا شيخ عادي خفف شوي يعني؛ تلاقيه مش صبور، ماشي يعني هذا الشيء يتجه باتجاهه بس هو بده يأخذ بسرعة؛ ترى أحياناً استعجالك في قطف الثمر بضيعها ويزري من مقامك، خليها تأتي في وقتها المناسب أفضل.

وقال ابن المقفع: كان في قصر أردشير مكتوب: الصبر مفتاح الدرك. وقال بعض الحكماء: بحسن التأني تسهل المطالب. وقال بعض البلغاء: من صبر نال المنى ومن شكر حصن النعمة. وقال محمد بن بشير: إن الأمور إذا انسدت مطالبها... فالصبر الصبر يفتق منها كل ما ارتتج فلا تيأسن وإن طالت مطالبه... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجاً أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

القسم السادس: الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف؛ وبالصبر في هذا تنفتح وجوه الآراء وتستدفع مكيد الأعداء؛ فإن من قل صبره عزب رأيه واشتد جزعه فصار صريع همومه وفريسة غبوه. وهذا الكلام عن المصائب التي تنزل والله أعلم وتستطيع أن تدفعها؛ يعني الفرق بين هذا والقسم الثاني، القسم الثاني عن المصائب التي تنزل خلص ولا يمكن دفعها كموت حبيب، أما القسم السادس يتكلم عن المكروهات التي تنزل أو تحل وتستطيع أن تدفعها؛ فلما ينزل بك مكروه من هجوم عدو أو شيء اهدأ، اهدأ حتى تفكر كيف بدك تعالج الموقف؛ لأنه أحياناً الجزع والهلع بخليك لا تحسن معالجة الموقف ودفع المحظور.

وقد قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً». واعلم أن النصر مع الصبر، وفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً. قال علي بن أبي طالب: الصبر مناضل الحدثان... والجزع من أعوان الزمان تمام، والجزع من أعوان الزمان؛ يعني هو يقول لك الصبر مناضل، أي يرمي بالسهام.

الحوادث يعني ما يحدث وما ينزل بك، فكأنك بالصبر كأنك ترمي على حوادث الدهر ما يدفعها، وأما الجزع فإنه يساعد الزمان على أن يقتلك، فادفع الجزع واستعمل الصبر، فالصبر كأنه سهم ترميه بخلاف الجزع كأنه سم تأخذه. وقال بعض الحكماء: نعم بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور. وقال بعض البلغاء: عند سدد الفرج تبدو مطالع الفرج.

وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام لما استكد شياطينه في البناء شكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله، يعني أتعبهم في البناء، شكوا ذلك إلى إبليس أنه سليمان عليه السلام أتعبنا. فقال: ألستم تذهبون فراغاً وترجعون مشاغيل؟ قالوا: بلى. قال: ففي ذلك لكم راحة. فبلغ ذلك سليمان على نبينا، فشغلهم ذاهبين وراجعين. فشكوا ذلك إلى إبليس، قال لهم: أنتم بتروحوا فراغاً ما في في أيديكم شيء وترجعون مشاغيل، ففي عندكم جزء من الراحة، يعني أنتم بتروحوا مرتاحين وبترجعوا مشاغيل. فشغلهم سليمان، فأصبح يشغل الشياطين وهم رايحين جايين، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ألستم تستريحون بالليل؟ مش أنتم بتناموا بالليل؟ قالوا: بلى. قال: ففي هذا راحة لكم نصف دهركم. فأفرغ ذلك سليمان فشغلهم بالليل والنهار، ما نيمهم للعفاريت. فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: الآن جاءكم الفرج. فما لبثوا أن أُصيب سليمان ميتاً على عصاه، يعني باعتبار أنه أتعبكم فوق ما يمكن أن تعرفوه.

فإذا كان هذا في نبي من أنبياء الله عليهم السلام يعمل بأمره ويقف على حده، فكيف بما جرته الأقدار من أيد عادية وساقه القضاء من حوادث نازلة؟ هل تكون مع التناهي إلا منقرضة؟ وعند بلوغ الغاية إلا منحسرة؟

بقول لك إذا كان نبي من الأنبياء ابتلى الشياطين بهذا البلاء، أنت متخيل يعني مقام النبوة ومقام الشياطين، في شيء أحسن من الأنبياء؟ لا. في شيء أسوأ من الشياطين؟ لا. ومع ذلك لما نبي من الأنبياء ابتلى الشياطين وتسلط عليهم في النهاية كان أمد محدد وانتهى البلاء، وهذا نبي والمقابل شيطان، فما بالك العكس؟ لما تكون الذي ينزل بك عدوك الذي هو من أعداء الله سبحانه وأنت تكون شاب صالح، فمن باب أولى أن يكون انتهاء بلائه أسرع وفرج الله عليك أقرب، هذا المقايسة التي يريد أن يأخذها الماوردي من القصة.

وأنشد بعض الأدباء لعثمان بن عفان رضي الله عنه: خليلي لا والله ما من ملمة ** تدوم على حي وإن هي جلتِ فإن نزلت يوماً فلا تخضعن لها ** ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلتِ فكم من كريم قد بولي بنوائب ** فصابرها حتى مضت واضمحلتِ وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة ** تلقيتها بصبري حتى تجلتِ وكانت على الأيام نفسي عزيزة ** فلما رأت صبري على الذل ذلتِ فقلت لها يا نفس موتي كريمة ** فقد كانت الدنيا لنا ثم ولتِ

قال: ولتسهيل المصائب وتخفيف الشدائد أسباب إذا قارنت حزمة وصادفت عزيمة هان وقعها وقل تأثيرها وضررها. كيف تسهل المصائب؟ فمنها إشعار النفس بما تعلمه من حلول الفناء وتقضي المسار، وأن لها آجالاً وأي مسرة تأتي في الحياة لها قضاء وتزول. فبالتالي هو ما يسمى فكرة التقبل، حتى تستطيع تجاوز المصائب عليك أن تتقبل فكرة الحياة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، خلص تقبل هذه الفكرة، وأن لها أجلاً منصر ومداً منقضية؛ إذ ليس للدنيا حال تدوم ولا لمخلوق فيها بقاء. روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مال إلى ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها». خلص أن الدنيا هذه سريعة وبتروح وتنتهي، التفكر أن الدنيا كمثل راكب بهون عليك، لكن إذا بدك أنت متعلق بالدنيا متشبث فيها ستتعب حقيقة.

وسئل علي بن أبي طالب عليه السلام عن الدنيا فقال: تغر وتضر وتمر. وسئل بعض الحكماء عن الدنيا فقال: إذا أقبلت أدبرت. وقال عمرو بن عبيد: الدنيا أمد والآخرة أبد. وقال أنوشروان: إذا أحببت ألا تغتم فلا تقتني شيئاً. فأخذه بعض الشعراء فقال: ألم تر أن الدهر من سوء فعله ** يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى فمن سره ألا يرى ما يسوؤه ** فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا

بس يعني تخفف، خلي بيتك فرشه وحرام وسيارته بسيطة وكذا حتى ما تتعب في المستقبل؛ أنه كلما كثرت مقتنياتك كثر حزنك على ما فشل منها. وأنشد بعض الحكماء لحكيمنا بقراط: خير قضية ووصية تنفي الهموم الركدا، قال: الهموم تكون من طمع الورى في لبث ما في طبعه أن ينفد، فإذا اقتنيت من الزجاجة قابلاً للكسر فانكسرت فلا تكن مكمداً، يعني الدنيا كأنها زجاجة إذا انكسرت لا تزعل كثير؛ لأنه الزجاج بطبعه ينكسر.

وأنشد لي بعض أهل العلم لسعيد بن مسلم: إنما الدنيا هبات وعوار مستردة ** هي هبات وعوار من الله سيستردها في يوم ما شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة ** هكذا فلسفة الحياة

ولما قتل بزرج مهر أحد، وجد في جيب قميصه رقعة فيها مكتوب: إذا لم يكن جد ففيما الكد؟ وإذا لم يكن للأمر دوام ففيما السرور؟ وإذا لم يرد الله دوام ملكك ففيما الحيلة؟ خلص يعني استسلم للقدر. وقال ابن الرومي: رأيت حياة المرء رهناً بموته ** وصحته رهناً كذلك بالسقم إذا طاب لي عيش تنغص طيبه ** بصدق يقين أن سيذهب كالحلم

ومن كان في عيش يراعي زواله أي يترقب زواله فذلك في بؤس وإن كان في نعم. حتى ملوك الأرض في النهاية هم يعرفون في لحظة من الأيام سينتهي كل شيء، فما هذا النعيم الذي من أجله قاتلتم البشر وسفكتم الدماء وهتكتم الأعراض؟ نسأل الله العافية.

ومنها أن يتصور انجلاء الشدائد وانكشاف الهموم، وأنها تتقدر بأوقات لا تتصرم قبلها ولا تستديم بعدها، ولا تقصر بجزع ولا تطول بصبر، وأن كل يوم يمر بها فهو يذهب منها بشطر ويأخذ منها بنصيب حتى تنجلي وهو عنها غافل. حكي أن الرشيد حبس رجلاً ثم سأل عنه بعد زمان، فقال للموكل به: قل له كل يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي مثله، والأمر قريب والحكم لله تعالى. فهذا استج احكي لهارون الرشيد كل يوم يمضي من نعيمك وهو يرضى ينهي زمان قضيته، يعني الحياة ماشية علي وعليك. وأخذ هذا المعنى بعض شعرائي فقال: لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ** ظننت ما أنا فيه دائماً أبدا لكن رأيت الليالي غير تاركة ** ما ساء من حادث أو سر مضطردا

لكم رأيتم حال هذا المجرم الذي كان في سوريا كيف أنهى الله حكمه، 50 سنة من حكم هؤلاء المجرمين الفاسدين انتهى. كان الناس في سجن صيدنايا وغيرها من البلاء استشهد من استشهد نحسبهم الله حسيبهم، وعذب من عذب، لكن بمجرد أن ينتهي البلاء كأنه لا شيء، هذه فكرة البلاء في الدنيا بمجرد أن تنتهي أمده تنسى 20 سنة 30 سنة وكأنها طرفة عين، لكن بلاء الآخرة لا ينتهي. لذلك المؤمن قيمة الإيمان بالدار الآخرة وتعزيز اليقين بها جداً مهمة؛ لأن هي التي ستصبرك على المصائب، من لا يؤمن بالدار الآخرة حقيقة مش شكلياً يتعب والله.

قال: فقد سكنت إلى أني وإنكم سنستجد خلاف الحالتين غداً. وأنشئت لبعض الشعراء: عواقب مكروه الأمور خيار ** وأيام شر لا تدوم خصار وليس بباق بؤسها ونعيمها ** إذا كر ليل ثم كر نهار

وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين حضرته الوفاة: ألم تر أن ربك ليس تحصى ** أياديه الحديثة والقديمة تسلى عن الهموم فليس شيء ** يقيم ولا همومك بالمقيمة لعل الله ينظر بعد هذا ** إليك بنظرة منه رحيمة

ومنها أن يعلم أن فيما وقي من الرزايا وكفي من الحوادث ما هو أعظم من رزيته وأشد من حادثته؛ ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفاع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى في أثناء كل محنة منحة». وقيل للشعبي في نائبة: كيف أصبحت؟ قال: بين نعمتين خير منشور وشر مستور، يعني أنت تتذكر أن كل بلية نزلت بك كان يمكن أن تكون أصعب، ولكن الله دفع عنك شرها بحصول أخفها، كان بإمكانها أن تكون أصعب من ذلك كما قال الشعراء: لا تكره المكروه عند حلوله ** إن العواقب لم تزل متباينة كم نعمة الله تستقل بشكرها ** لله في طي المكاره كامنة

يعني كم من نعمة أنت تنتظرها وجدت ضمن المحن وجدت ضمن المكاره، تمام؟ لكن الإنسان دائماً يرى الشيء ابتداءً لكن لا يرى ما فيه من المنح.

ومنها أن يتأسى بذوي الغير ويتسلى بأولي العبر، ويعلم أنهم الأكثرون عدداً والأسرعون مدداً، فيستجد من سلوة الأسى وحسن العزاء ما يخفف شجوه ويقل هلعه. ما معنى معنى أن يتأسى بذوي الغير؟ الذين صبروا حتى تغير حالهم إلى أحسن حال، تتأسى بذوي الغير يعني من حل به بلاء ثم تغير، هي فلان والله صار معه كذا بلاء وبعدين هي تحسنت أموره، وفلان مثلاً والله فقد أبناءه بعدين ربنا رزقه وغيره، يعني تتأسى وترى أن الناس الذين حل بهم البلاء دائماً، في يوم من الأيام تكون في غرفة السجن فتتذكر أنه هذه الغرفة كان قبلك فيها أحد ثم خرج. هذا كان مما يعيد الإنسان على الصبر؛ أنه كان أحد كاتب تتذكر في يوم من الأيام كان هناك أحد سبقك في هذا المكان ليه؟ لأنك لما تتأسى بذوي الغير تتذكرك في يوم من الأيام ستقوم، كان في ناس قبلك في هذا المكان وخرجوا، ما أحد بقي في هذه الغرفة. فالتأسي والتفكير بهذه النقر هي إحدى النقاط القوية للإنسان. وقال عمر بن الخطاب: الصقوا بذوي الغير تتسع قلوبكم، عرفنا الآن من هم ذوي الغير، من غير يعني كان بهم بلاء ثم تغير.

وعلى مثل ذلك كانت مراثي الشعراء حتى قال البحتري: فلا عجب لليأس أن ظفرت بها ** كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى ** وموت علي من حسام بن ملجم

يعني في النهاية هكذا هي الحياة، وقال أبو فراس: المرء بين مصائب ما تنقضي ** حتى يوارى شخصه في رمسه فمؤجل يلقى الردى في أهله ** ومعجل يلقى الردى في نفسه

قال: ومنها أن يعلم أن النعم زائرة وأنها لا محالة زائلة، وأن السرور بها إذا أقبلت مشوب بالحذر من فراقها إذا أدبرت، وأنها لا تمزج بإقبالها فرحاً حتى تعقب بفراقها ترحاً حزناً. فعلى قدر السرور يكون الحزن. وقد قيل في مأثور الحكم: المفرو به هو المحزون عليه، وقيل: من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره. وقال بعض الحكماء: من علم أن كل ثابت إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول البلاء. وقيل للحسن البصري رحمه الله: كيف ترى الدنيا؟ فقال: شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها. فأخذ أبو العتاهية فقال: تزيدك الأيام إن أقبلت ** شدة خوف لتصاريفها كأنها في حال إسعافها ** تسمعك وقعة تخويفها

ومنها أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره، وكذلك حزنه مقرون بسرور غيره؛ إذ كانت الدنيا تنتقل من صاحب إلى صاحب وتصل صاحباً في فراق صاحب، فتكون سروراً لمن وصلت وحزناً لمن فرقت. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قرعت عصا على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون». وقال البحتري: ما أردت الدنيا نباهة خامل ** فلا ترتقب إلا خمول نبيه

وأوضحه المتنبي فقال: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ** مصائب قوم عند قوم فوائد

وأنشد بعض أهل الأدب: ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ** منها جانب جف جانبه فلا تفرحن منها لشيء تفيده ** سيذهب يوماً مثلما أنت ذاهب وما هذه الأيام إلا فجائع ** وما العيش واللذات إلا مصائبه

ومعنى هذه الفكرة أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره؛ أنه لك حساد وأعداء ينتظرون منك الحزن والإساءة، فإذا نزل بك البلاء فتجلد، وسر؛ يعني حاول أن تظهر السرور والانبساط والرضا حتى تسيء الذين ينتظرون أن يروك مغموماً حزيناً مقهوراً، يعني هذا من باب منافحة الأعداء.

ومن أسباب السلوة على المصائب أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنه من شواهد نبله؛ لما تكثر عليك المحن ويكثر الخصوم إذا كنت طبعاً فاضلاً نبيلاً فاعلم أن كثرة المحن دلالة الخير، كما جاء في الحديث عند البخاري: «من يرد الله به خيراً يصب منه»، وجاء في الحديث أن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.

الرضا من الرضا، ومن سخط فله السخط. فدلائل نبلك كثرة محنك، وذلك لإحدى علتين: إما لأن الكمال معوز والنقص لازم، فإذا تواتر الفضل عليه صار النقص فيما سواه؛ وقد قيل: من زاد في عقله نقص من رزقه. تمام أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، لماذا؟ لأن الكمال من كل الجهات معوز، فإذا كان الله عز وجل رزقك الكمال في العقل فاعلم أنه في العادة سيأتيك البلاء من جهة الرزق، من جهة البدن، من جهة كذا؛ وأما من رزق الكمالات من جهة البدن والرزق ففي العادة تجد النقص في جهة العقل، فاحمد الله أنه نقصك ما جاء في العقل، جاء نقصك في الرزق، في البدن، في كذا، وأما العقل فراجح. وهذا الكلام ليس كلاماً أغلبياً؛ هذا الكلام قد يكون الإنسان عاقلاً وقد يكون مرزوقاً، بس هذا الكلام أغلبي.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما انتقصت جارحة من إنسان إلا كانت ذكاء في عقله». يعني ما في جرح أو مصيبة في البدن إلا زيارة كانت في العقل، وإن كان لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو العتاهية: ما جاوز المرء من أطرافه طرفاً إلا تخونه النقصان من طرفي وأنشدني بعض أهل الأدب لإبراهيم بن هلال الكاتب: إذا جمعت بين أمرائي صناعة فأحببت أن تدري الذي هو أحذق فلا تتفقد منهما غير ما جرت به لهما الأرزاق حين تفرقوا فحيث يكون النقص فالرزق واسع وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق

وأما لأن ذا الفضل محسود وبالأذى مقصود، فهو لا يسلم من ترهات معاد واشتطاط مناوئ. وقد قال الصنوبري: محن الفتى يخبرنا عن فضل الفتى كالنار مخبرة بفضل العنبري وقل ما تكون محنة فاضل إلا من جهة ناقص، وبلوى عالم إلا على يد جاهل لاستحكام العداوة بينهما بالمباينة وحدوث الانتقام لأجل التقدم. وقد قال الشاعر: فلا غرو أن يمنى أديب بجاهل فمن ذنب التنين تنكسف الشمس

ومنها ما يعتاضه من الارتياض بنوائب عصره، ويستفيده من الحنكة ببلوى دهره، فيصلب عوده، ويستقيم عموده، ويكمل بأدب شدته ورخائه، ويتعظ بحالتي عفوه وبلائه. حكي عن ثعلب أن قال: دخلت على عبيد الله بن سليمان بن وهب وعليه خلع الرضا بعد النكبة، فلما مثلت بين يديه قال لي: يا أبا العباس، نوائب الدهر أدبتني، وإنما يوعظ الأديب. إذا ذقت حلوا وذقت مرا كذاك عيش الفتى ضروب، لم يمض بؤس ولا نعيم إلا ولي فيهما نصيب، كذاك من صاحب الليالي تعروه في مريها الخطوب.

ومنها أن يخبر أمور زمنه ويتنبه على صلاح شأنه، فلا يغتر بالرخاء، ولا يطمع في السواء، ولا يأمل أن تبقى الدنيا على حالة أو تخلو من تقلب واستحالة، فإن من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها. جميل أيضاً من طرق التسلي عند البلاء أن تفهم الدنيا، أن يختبر أمور زمانه. فهمك لطبيعة الدنيا يساعدك على أن تمشي أمور حياتك. استشعارك لما تعلمه من نزول الفناء، أي الموت، أنك تتذكر الموت والرحيل، ولكن هنا أنك تفهم أن الدنيا هكذا؛ فما تكون أنت مصوراً لحالة مثالية، لأنه أحياناً بعض الشباب يكونون حالمين، يقول لك: أنا أكيد سأصير كذا وكذا، وستتم أموري، وأصير معي سيارة، ويبدأ في الأحلام، ولا يكون عارفاً أنه ممكن تأتي مطبات وكل هذه الأحلام تتبخر، ففهمك للدنيا هو جزء من صبرك عليها. هذا جداً يريح؛ توقع المصائب، مش أن الإنسان يريدها، لكن خلص عادي؛ في النهاية الحياة كذا، فيها فراق، في ألم، في مرض، بخلاف الذي يتوقع الدنيا بصورة مثالية جميلة، ثم يأتيه البلاء فجأة كصفعة؛ هذا يشق عليه ذلك.

قال وأنشد بعض الأدباء: إني رأيت عواقب الدنيا فتركت ما أهوى لما أخشى فكرت في الدنيا وعالمها فإذا جميع أمورها تفنى وبلوت أكثر أهلها فإذا كل امرئ في شأنه يسعى أدنى منازلها وأرفعها في العز أقربها من المهوى تعفو محاسنها لا فرق بين النعي والبشرى ولقد مررت على القبور فما ميزت بين العبد والمولى أتراك تذكر كم رأيت من الأحياء ثم رأيتهم موتى

وإذا ظفر المصاب بأحد هذه الأسباب تخفف عنه أحزانه، وتسهلت عليه أشجانه، فصار وشيك السلوة، قليل الجزع، حسن العزاء. قال بعض الحكماء: من حاذر لم يهلع، وهو مترقب البلاء ومتوقعه في أي لحظة، إذا نزل البلاء لا يهلع، ومن راقب لم يجزع، ومن كان متوقعاً لم يكن متوجعاً، أو على الأقل خف وجعه. وقال بعض الشعراء: ما يكون الأمر سهلاً كله إنما الدنيا سرور وحزون هون الأمر تعش في راحة قل ما هونت إلا سيهون تطلب الراحة في دار العناء من يطلب شيئاً لا يكون

تريدها سلمًا من الأكدار وهي جبلت عليه، فإذا أغفل نفسه عن دواعي السلوة ومنعها من أسباب الصبر، تضاعف عليه من شدة الأسى وهم الجزع ما لا يطيق صبراً عليه ولا يجد سلوة عنه. وقال ابن الرومي: إن البلاء يطاق غير مضاعف فإذا تضاعف صار غير مطاق فإذا ساعده جزعه بالأسباب الباعثة عليه، وأمده بالذرائع الداعية إليه، فقد سعى في حتفه. فمن أسباب ذلك: تذكر المصاب حتى لا يتناساه، وتصوره حتى لا يعزب عنه. هذه أول مشكلة يصاب بها الناس الذين عندهم جزع مستمر ودائماً حزن مستمر، أنه يظله يتذكر البلاء الذي نزل به؛ كلما حككت الجرح سيفتح، أليس كذلك؟ فمن فلسفات أو سياسة النفس في موضوع البلاء، أنه حاول تتناساه. بعض الناس من أخطائها لما ينزل به بلاء بفراق حبيب، يبقى واضعاً صورة حبيبه على السوشيال ميديا، أو على معرف التليجرام، أو معرف الواتساب، واضع صورة والده أو والدته أو ابنه؛ ما هو أنت بتضلك تفتح الجرح، أحياناً بدك تساعد نفسك على النسيان فلا تستحضر الصورة، وحاول أنك تشيلها من عالمك الخاص، لا تحطها على الجوال أو خلفية هاتف. نحن عارفين أن المصاب جلل، وأن الابن عزيز، أو الأب عزيز، لكن أحياناً بدك تنسى. بعضهم يكون: والله ريحة أولادي بدي أظلني حاط أواعيهم أمامي. طيب ما يا حجة، ما أنت رح تموتي، أنت كل يوم بدك تشوفي ملابس ابنك الذي فقدتيه، متعبه؛ فدائماً عود نفسك ألا تبقى متعلقاً بالذكريات، وإن كان صعباً هذا الكلام على الناس، لكن هذا حقيقة من طرق معالجة الأحزان، أنه لا تبقى تحك الجرح لأنك ستتعب.

حتى لا يعزب عنه، ولا يجد مع التذكار سلوة، ولا يخلط مع تصور تعزية. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تستغزروا الدموع بالتذكر. لا تستغزر الدموع، يعني خلص حاول أنك تنسى شوي، ولا يبعث الأحزان مثل التذكر. ومنها الأسف وشدة الحسرة، فلا يرى من مصابه خلفاً، ولا يجد لمفقوده بدلاً. خلص، إذا فقد شيئاً يقول لك راحت، هلكت، ما في حل كذا، طب قد يأتي شيء آخر بديل، فيزداد بالأسف ولهاً، وبالحسرة هلعاً. ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. وقال بعض الشعراء: إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة فيما قضى الله اليأس يقطع أحياناً بصاحبه فلا تيأسن فإن الصانع الله

ومنها كثرة الشكوى وبث الجزع، فقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]، أنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث. وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما صبر من بث»، يعني من شكى. وحكى كعب الأحبار أنه مكتوب في التوراة: من أصابته مصيبة فشكى إلى الناس، فإنما يشكو ربه. وحكي أن أعرابية دخلت من البادية فسمعت صوارخ في دار، فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان. فقالت: ما أراهم إلا من رب يستغيثون، وبقضائه يتبرمون، وعن ثوابه يرغبون. وقيل في منثور الحكم: من ضاق قلبه اتسع لسانه. وأنشدني بعض أهل العلم: لا تكثر الشكوى إلى الصديق وارجع إلى الخالق لا المخلوق لا يخرج الغريق بالغريق وقال بعض الشعراء: لا تشكو دهرك ما صححت به إن الغنى هو صحة الجسم هب أنك الخليفة كنت منتفعاً بغضارة الدنيا مع السقم

ومنها اليأس من جبر مصابه وترك طلابه، فيقترن بحسن الحارث قنوط اليأس، فلا يبقى معها صبر ولا يتسع لهما صدر. وقيل: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين، تبتلى بعدم الصبر أعظم من المصيبة نفسها. قال ابن الرومي: اصبري أيتها النفس فإن الصبر أحجى ربما خاب رجاء وأتى ما ليس يرجى

وأنشده بعض أهل الأدب: أتحسب أن البؤس للحر دائم ولو دام شيء عده الناس في العجب لو عرفتك الحادثات نفوسها وقد أدبت إن كان ينفعك الأدب ولو طلب الإنسان من صرف دهره دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب

ومنها أن يغتر بملاحظة من حيطت سلامته، فتمت نعمته، حتى التحف بالأمن والدعة، واستمتع بالثروة والسعة. كثرة النظر إلى أهل الرخاء؛ لما يكون الإنسان مبتلى يصبح ينظر إلى الملوك والسلاطين وكم هم فيه من الرغد والحياة والسيارات، فيصاب بنوع من الإحباط واليأس والاكتئاب، يقول لك: أنا في بلائي ومصابي وذاك الرجل في غناه وأولاده وثروته. هذا يسبب جزعاً عند كثير من الناس، ويرى أنه قد خص من بينهم بالرزية بعد أن كان مساوياً، وأفرد بالحديث بعد أن كان مكافئاً، فلا يستطيع صبراً على بلوى، ولا يلتزم شكراً على نعمة. ولو قابل بهذه النظرة ملاحظة من شاركه في رزية وسواه في الحادثة، لتكافأ عنده الأمران، فهان عليه صبره وحان منه الفرج. دائماً شوف الناس الذين مثلك مصابون، ولا تنظر إلى من هو أعلى منك دائماً في المصيبة. قل لك لا تنظر إلى من هو فوقك فيها، وإنما انظر إلى من هو مساويك، بل من هو أثقل منك. وأنشدت لامرأة من العرب: أيها الإنسان صبراً إن بعد العسر يسراً كم رأينا اليوم حراً لم يكن بالأمس حراً ملك الصبر فأضحى مالكاً خيراً وشراً اشرب الصبر وإن كان من الصبر أمر

وأنشد بعض أهل الأدب: يراعوا الفتى للخطب تبدو صدوره فيأسى وفي عقباه يأتي سروره ألم تر أن الليل لما تراكم الدجى بدا وجه الصباح ونوره فلا تصحبن اليأس إن كنت عالماً لبيباً فإن الدهر شتى أموره

واعلم أنه قل من صبر على حادثة وتماسك في نكبة إلا كان انكشافها وشيكاً وكان الفرج منها قريباً. أخبرني بعض أهل الأدب أن أبا أيوب الكاتب حبس في سجن 15 سنة حتى ضاقت حيلته، وقال صبره، فكتب إلى بعض إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته: صبراً أبا أيوب صبراً مبرحاً، فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها؟ إن الذي انعقدت له عقد المكاره فيك يملك حلها. صبراً، فإن الصبر يعقب راحة ولعلها أن تنجلي. فأجابه أبو أيوب: صبرتني ووعظتني وأنا لها، وستنجلي، بل لا أقول لعلها، وستنجلي، بل أقول لعلها جزماً ستنجلي؛ يعني من الثقة بالله، ويحلها من كان صاحب عقدها كرماً به، إذ كان يملك حلها. قال: فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أياماً يسيرة ثم أطلق مكرماً.

وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به صدر رحيب وأوطنت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات وإن تناهت فموصول بها فرج قريب

ولبعضهم في هذا المعنى: وإذا الأمور تعذرت ثم التوت هبط القضاء من السماء فحلها فاصبر لها ولعلها أن تنجلي وعسى الذي عقد الأمور يحلها

الفصل الثالث في المشورة. اعلم أن من الحزم لكل ذي لب ألا يبرم أمراً ولا يمضي عزماً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه صلى الله عليه وسلم مع ما تكفل به من إرشاده ووعده من تأييده، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. واختلف في معنى أمره بالمشورة، فقال قتادة: أمره بمشاورتهم تألفاً لهم وتطييباً لأنفسهم. وقال الضحاك: أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل. وقال الحسن البصري: أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون، وإن كان عن مشاورتهم غنياً. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

المشورة حصن من الندامة، وأمان من الملامة. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيصدرها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً.

وقال عمر بن عبد العزيز: إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة، لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما حزم. وقال سيف بن ذي يزن: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيداً. وقال عبد الحميد: المشاور في رأيه ناظر من ورائه. وقيل في منثور الحكم: المشورة راحة لك وتعب على غيرك. وقال بعض الحكماء: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال بعض الأدباء: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.

وقال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل. قال بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم

فإذا عزم على المشاورة ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال، لا سيما خصال الشخص الذي يستحق أن تجعله محلاً لمشورتك. أولاً: عقل كامل مع تجربة سالفة؛ فإن بكثرة التجارب تصح الروية. وقد روى أبو زناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا».

وقال عبد الله بن الحسن لابنه محمد: احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحاً كما تحذر عداوة العاقل إذا كان عدواً؛ فإنه يوشك أن يورطك بمشورته فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم؟ قال: نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وكان يقال: إياك ومشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غيره، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه. وقيل في منثور الحكم: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب، ولذلك قيل: الأيام تهتك لك عن الأستار الكامنة. وقال بعض الحكماء: التجارب ليست لها غاية، والعاقل منها في زيادة. وقال بعض البلغاء: من استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول. وقال أبو الأسود الدؤلي:

وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤتٍ نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب ... فحق له من طاعة بنصيب

الخصلة الثانية: أن يكون ذا دين وتقى، فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون سريرته، موفق العزيمة. روى عكرمة عن ابن عباس قال: صلى الله عليه وسلم: «من أراد أمراً فشاور فيه امرأً مسلماً وفقه الله لأرشد أموره».

الخصلة الثالثة: أن يكون ناصحاً ودوداً، فإن النصح والمودة بينك وبينه محبة يصدقان الفكرة وينضجان الرأي. وقد قال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود. لا تشاور شخصاً يكرهك أو ينتظر فشلك لتضحك على نفسك، لأنه ممكن يشير عليك بما ليس في صالحك. وإياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى الأفن وعزمهن إلى الوهن أقرب منه إلى النجاح. وقال بعض الأدباء: مشورة المشفق الحازم ظفر، ومشورة غير الحازم خطر. وقال بعض الشعراء:

اصفِ ضميراً لمن تعاشره ... واسكن إلى ناصح تشاوره وارضَ من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهراً

من يكشف الناس لا يجد أحداً يصح منهم له سرائره، أوشك ألا يدوم وصل أخ في كل زلاته تنافره. يعني أنت استصلح من الناس أفضلهم، وإن كان صعب تجد شخصاً كله لك.

الخصلة الرابعة: أن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل، فإن من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي ولا يستقم له خاطر. أن يكون الشخص الذي بدك تشاوره في أنضج أحواله، مش جاي عليه مصائب وهو مهموم ومغموم وتجي تستشيره؛ يعني هو مش صافي لك حتى يعطيك نصيحة. فاستشره في وقت يكون هو مستقيم الخاطر. وقد قيل في منثور الحكم: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب. وكان كسرى إذا دهمه أمر بعث إلى مرازبته فاستشارهم، فإن قصروا في الرأي ضرب قهارمته؛ أي المسؤولين عنهم، فلما يشوف المرازبة منزلتهم أقل من القهارمة، يروح يضرب المسؤولين عنهم لأنهم لما شددوا عليهم قل اتزانهم، فيضرب المسؤولين عنهم ويؤنبهم بأرزاقهم ورواتبهم الشهرية فأخطأوا في آرائهم. وقال صالح بن عبد القدوس:

ولا مشير كذي نصح ومقدرة ... في مشكل الأمر فاختر ذاك منتصحاً

الخصلة الخامسة: ألا يكون في الأمر المستشار غرض مرض يتابعه، ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد. وقد قال الفضل بن العباس:

وقد يحكم الأيام من كان جاهلاً ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب

يعني بدك تشاور شخصاً في قضية، حاول أن يكون هذا الشخص الذي تستشيره ليس له هوى في هذه القضية. يعني بدي أشاركك في قضية ممكن يكون لك صالح في أني أنجح فيها، أو يكون لك مصلحة في أني أفشل فيها؛ في كلتا الحالتين ما راح يقدم لك نصيحة جيدة. إذا كان له هوى أن أنجح، رح يقول لك مثلاً: أنت وإياك شركاء في مشروع مطعم في أي شيء، إذا هو هدفه أن تنجح، لأنه هذا مصلحة لك، يقول لك: لا، المطعم ناجح والمنطقة ممتازة وكذا وكذا؛ ولا هو عارف ولا شيء، بس لأنه هو عارف أنك إذا نجحت ممكن تصير تعطيه فلوس أو شيء من ذلك، فحاول أن يكون الشخص الذي تستشيره ليس له هوى في نجاحك ولا في فشلك.

فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهل المشورة ومعدناً للرأي، فلا تعدل عن استشارته اعتماداً على ما تتوهمه من فضل رأيك. تقول: لا لا، أنا أكيد بفهم أكثر منه في الموضوع، لا، استشر وثق بما تستشعره من صحة رويتك. فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم؛ لأنك أنت محتاج لشيء، حتى لو كنت من أعقل الناس، يبقى فيك صبوة الشيخ العاشق؛ زواج امرأة أو شراء سيارة أو الدخول في مشروع تجاري. خاصة المشاريع التجارية، بتلاقي الشاب لما يسمع عقد تجاري وممكن يربح منه، عقله بيفصل، آه والله في ربح كذا وكذا وكذا، بقول: بحط، بس تعال على شخص هو ما له مصلحة في الموضوع، ممكن يقول لك: ترى بس انتبه، ترى ممكن أنت الآن في سكرة الأحلام التي بدأت تدخل على عقلك. فسبحان الله، بقول لك: فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم، أما أنت فصاحب الحاجة فرأيك قد يكون فيه شيء من الرعونة، وهو من الصواب أقرب لخلوص الفكر وقلوب الخاطر مع عدم الهوى وارتفاع الشهوة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبد برأيه، وما هلك أحد عن مشورة. فإذا أراد الله بعبد هلكة كان أول ما يهلكه رأيه». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال لقمان لابنه: شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه بالمجان. وقال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي. وقال بعض الأدباء: من استغنى برأيه ضل، ومن اكتفى بعقله زل. وقال بعض البلغاء: للخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد. وقال بعض الشعراء:

خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي بالذي ترياني

ولا ينبغي أن يصور في نفسه أنه إن شاور في أمره ظهر للناس ضعف رأيه وفساد رويته حتى افتقر إلى رأي غيره، فإن هذه معاذير النوكى، وليس يراد الرأي للمباهة به، وإنما يراد للانتفاع بنتائجه والتحرز من الخطأ عند زلله. وكيف يكون عاراً ما أدى إلى صواب وصد عن الخطأ؟ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أمركم بالمشاورة». وقال بعض الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء، ولا تأنف من الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد، فلا أن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد وتندم.

وينبغي أن تكثر من استشارة ذوي الألباب، لا سيما في الأمر الجليل، فقل ما يضل عن الجماعات رأي أو يذهب عنهم صواب؛ لأن إرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لا يعزب عنها ممكن ولا يخفى عليها جائز. وقد قيل في منثور الحكم: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحه، وعند الخطأ عاذره، وإن كان الخطأ من الجماعة بعيداً. فإذا استشار الجماعة فقد اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه أو إفراد كل واحد منهم به؛ فمذهب الفرس أن الأولى اجتماعهم على الارتياء وإجالة الفكر ليذكر كل واحد منهم ما قدح خاطره ونتجه فكره، حتى إن كان فيه قدح عرض أو توجه عليه رد أو توجه عليه نقض كالجدل الذي تكون فيه المناظرة وتقع فيه المنازعة والمشاجرة، فإنه لا يبقى فيه مع اجتماع القرائح عليه خلل إلا ظهر ولا زلل إلا بان. يعني باختصار لما أنا عندي مشورة بدي أشاور فيها مجموعة، هل أشاورهم في مجلس واحد أم أشاور كل شخص على انفراد؟ الآن بقول لك مذهب الفرس، يعني حكماء الفرس، وصلوا لقناعة أنه إذا كنت بدك تعمل مجلس شورى فشاورهم مع بعض في نفس المكان؛ ليه؟ لأنه هذا بيحكي فكرة وهذا بينقدها، قاعدين هذا بيحكي كفكرة، فبصير في نقد وتلقيح في نفس المجلس. ما تشاور كل واحد على حدة، لن يظهر لك عيوب هذا الرأي؛ ممكن أنت ما تنتبه للأخطاء اللي في هذا الرأي، لكن أهل المجلس ينتبهون أنه خطأ، أنه هذا اللي نصحك له عيوب في رأيه واحد اثنين ثلاث. لذلك أنت دائماً في مركز في إدارة في أي شيء مشور عندك مجلس، بتشاور مع الشباب، وجودكم مع بعض أفضل من أنك تشاور كل واحد على حدة؛ لأنه أنت حتى لو كنت مديراً وثاقب النظر قد يشير عليك أحد الإخوة برأي لا يظهر لك عيوب ابتداء، ينتبه له أخ. فهذا رأي الفرس، المشاورة الجماعية.

وذهب غيره من أصناف الأمم إلى أن الأولى استسرار كل واحد بالمشورة ليجيل كل واحد منهم فكره في الرأي؛ طلباً في الحظوة بالصواب، فإن القرائح إذا انفرجت استكدها الفكر واستفرغها الاجتهاد، وإذا اجتمعت فوضت. فوضت يعني بعض الناس يقول لك: لا، اجتمع مع كل واحد منهم على حدة. ليه؟ قول لك: لأنه إذا اجتمعت معهم في مجلس واحد بصير كل واحد يركن أنه صديقه رح يعطي الرأي، يقول لك: ليش أتعب؟ هي فلان موجود خلص هو اللي بيحكي، تمام. بصير في نوع من التفويض، أنه متكاسل يتعب. لكن لما أنت تمسك عبد الرحمن: تعال بدي أقعد معك يلا أعطيني رأيك في كذا وكذا، هسا في واحد غيري يحكي، فبصير عبد الرحمن مضطر يفكر ويفكر ويفكر ويعطيك عصارة ما عنده، بخلاف لو كنا كنا جالسين، ممكن عبد الرحمن وغيري بيسولف، يعني ما في داعي أنا اللي أتكلم، فبأعطي خلاصة ما عنده. وحقيقةً، ربما الكمال أن تجمع بين الأمرين؛ أنه أولاً تعمل مشورة فردية، بعدين تعمل مشورة جماعية. هذا إذا كان في وقت يسمح لذلك، إن لم يكن، فالجماعية في اعتقادي أولى، ولن تعدم خيراً إن شاء الله.

أكبر شيء الجماعية، بعرف بشعر أنه أحياناً قد يكون مثلاً اثنين ثلاثة شخصياتهم قوية يؤثروا على آراء البقية، ما يصرحوا بآرائهم لقوة شخصية الأطراف، لقوة الأطراف الأخرى. والله كلامك صحيح، يعني هي أم يعني في لها بعض العيوب أنه بيكون في ناس متحدث متكلم وله رأي ويفرض نفسه، لا ولا لا وكذا، بس ما بيخلي مجال للآخرين يتكلموا. ففي مثل هذه الحالة، إذا كان لك رأي وأنت شعرت أنه ما استطعت توصله في المجلس، ممكن أجي للشيخ أو للزميل بعد المجلس أقول له: ترى أنا كان عندي رأي بس فلان وجع راسنا قد ما حكى، فأنا بشير عليك في كذا وكذا، ممكن. نعم.

قال: والذي أراه في الأولى غير هذين المذهبين على الإطلاق، ولكن ينظر في الشورى، فإن كانت في حال هل هي صواب أم خطأ كان اجتماعهم عليها أو لا؛ لأن ما تردد بين أمرين فالمراد منه الاعتراض على فساده أو ظهور الحجة في صلاحه، وهذا مع الاجتماع أبلغ وعند المناظرة أوضح. وإن كانت الشورى في خطب قد تبهم صوابه وتستعجم جوابه من أمور خافية وأحوال غامضة لم يحصرها عدد ولم يجمعها تقسيم ولا عرف لها جواب فيكشف.

عن خطاه وصوابه، فالأولى في مثله انفرادك لواحد بفكرك وخلوه بخاطرك ليجتهد في الجواب ثم يقع الكشف عنه أخطأ هو أم صواب، فيكون الاجتهاد في الجواب منفرداً والكشف عن الصواب مجتمعاً؛ لأن الانفراد في الاجتهاد أصح والاجتماع على المناظرة أبلغ.

هذا رأي الماوردي، هو يقول أن ينظر في طبيعة الموضوع الذي سيستشار فيه؛ إن كان طبيعة الموضوع واضحة وحالة واحدة يا صح يا خطأ، يعني هي قصة واحدة وموقف واحد، فهنا أقول لك اعمل مشورة جماعية، خلص، لأنك تراه صواباً أعطني حججك، تراه خطأً أعطني حججك، خلص واضحة ليس فيها خلاف. لكن يقول لك في بعض القضايا لا، هي بطبيعتها فيها تفاصيل وتقاسيم وأحوال، وليست صورة واحدة صح أو خطأ، فيها تفريعات كثيرة، فيقول لك الأفضل في هذه الحالة أن تجلس مع كل واحد على حدة وتسمع كيف هو يتصور الموضوع وكيف يقسمه وكيف يحلله، خاصة في الآراء السياسية والاجتماعية وكذا، هذه ليست صح أو خطأ، بل هذه فيها مساحات نسبية حتى بعضها.

وينبغي أن يسلم أهل الشورى من حسد أو تنافس يمنعه من تسليم صواب صاحبه، ثم يعرض المستشير ذلك على نفسه مع مشاركتهم في الارتياء والاجتهاد، فإذا تصفح أقاويل جميعهم كشف عن أصولها وأسبابها وبحث عن نتائجها وعواقبها، حتى لا يكون في الأمر مقلداً ولا في رأي مفوضاً، فإنه يستفيد بذلك مع ارتضائه بالاجتهاد ثلاث خصال: إحداهن معرفة عقله وصحة رويته، والثانية معرفة عقل صاحبه وصواب رأيه، والثالثة وضوح ما استعجم من الرأي وانفتاح ما انغلق من الصواب.

فإذا تقرر له الرأي أمضاه ولم يأخذهم بعواقب الارتداء فيه، فإنما على الناصح الاجتهاد وليس عليه ضمان النجح. يعني إذا أنت استشرت جماعة وأشاروا عليك بموضوع وبعدين نكبت بسبب هذه المشورة، يقول لك خلص ارضَ بالقضاء والقدر، يعني لا تأتِ تقول: ما أنا استشرتكم شايفين شو جبتوا لي من المصائب؟ يقول لك خلص في النهاية هم أشاروا بناءً على الاجتهاد وليسوا ضامنين للنجاح، نحن نجتهد وفي النهاية قد يعني زي الصحابة الذين كان قرارهم الخروج في أحد والمواجهة في الخارج، خلص بعد الاستشارة قدر الله ما شاء فعل حتى لو كان فيها فشل أو خسارة أو دماء.

قال: لا سيما والمقادير غالبة. ومتى عرف منه تعقب المشيرين وكل إلى رأيه وأسلم إلى نفسه. إذا عرف شخص عند الناس أنه فلان وعك تشير عليه، هذا إذا شخص أشار عليه وبعدين ما صار الشيء يفضح الدنيا ويعير على الشب وكذا، فبصير الناس تهاب أنها تنصحك، يقول لك من كان يتعقب المشير ويفضح أنه فلان أشار عليه، بتعرف بعض الأشخاص مثلاً يدخل في شركة ويخسر، يقول لك والله أنا أخذت نصيحة الشيخ عمر والله هو الذي أشار علي وكذا، بصير الشيخ عمر فضيحة في كل مجلس، كل ما هذا هو الذي خسر الشيخ إبراهيم لأنه هو الذي أشار عليه أن يدخل فيه، يا أخي أنت سألتني أنا ما أجبرتك تدخل وأنا أشرت بناءً على اجتهادي، طلع الموضوع ليس على ما أنا، انتهت القضية.

يعني بعض الناس فعلاً شخصيته متعبة، فبتقول أنت مرة ثانية، خاصة مثلاً أنا شخصياً حقيقة أتكلم عن تجربتي، مواضيع الزواج في العادة ما بدخل، بعض الشباب قتلوني، يقول يا شيخ طيب نحن محتاجين لوجود النصيحة والتوجيه في مواضيع الزواج، يعني أنك تجمع بين رجل وفتاة، أقول خبرتي في العادة في المجتمع أنك إذا أشرت على شاب بفتاة أو على فتاة بشاب بعدين خرج الشاب ليس كما ترجو، أنا في النهاية أنا مش جالس معه في الدار، والفتاة لما أقول لك تزوج منها جيدة أنا مش جالس معها، أنا في النهاية على ما يظهر. بيجي يقول بس ما هو أنا استشرت الشيخ، بعد الزيجة إذا صار مشاكل وطلاق شو يقول؟ ما أنا استشرت الشيخ وهو الشيخ أشار علي أن أتزوجها، أو هي تقول الشيخ عاد مدحها، فأنا صرت نوعاً ما أبتعد عن هذه المساحة؛ لأني أعرف طبيعة الناس، إذا أشرت عليهم في شيء ولم يظهر نجحه بلوموا الشيخ الذي نصحهم، ولا يعرفون أنه في النهاية إنما أنا مجتهد وإنما أتكلم على ما يظهر لي وليس على بواطن الأمور، فإنني لا أعرفها.

فأحياناً فعلاً ترى أنت بتوصلني لمرحلة أني أنا أضع حواجز، لا أريد أن أدخل في هذا الموضوع حتى لا أسمع لوماً. نعم، قال فصار فرداً لا يعان برأي ولا يمد بمشورة، وقد قالت الفرس في حكمها: أضعف الحيلة خير من أقوى الشدة، وأقل التاني خير من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء المبرم، وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد. الدولة التي هي الحرب رسول القضاء المبرم.

نعم، قال: وإذا ظفرت برأي من خامل لا يراه للرأي أهلاً ولا للمشورة مستوجباً اغتنمه، عفواً فإن رأيك الضالة تؤخذ أين وجدت، ولا يهون لمهانة صاحبه فيطرح، فإن الدرة لا يضعها مهانة غائصها، والضالة لا تترك لذلة واجدها. وليس يراد الرأي لمكان المشير به فيراعى قدره، يعني إذا رأيت مشورة عن شخص أقل منك مرتبة، هذا معنى قوله: وإذا ظفرت برأي من خامل إنسان ما له وزن وأعطاك رأي، اسمع ترى أقول لك أحياناً يكون الرأي الصواب عند الإنسان البسيط، مش ضروري يكون إنسان دارس علوم سياسية واجتماعية وبروفيسور شريعة حتى يعطيك الرأي، قد يكون والله الرأي عند حجة مسكينة بسيطة تسكن عندها من الرأي أحسن مما عند دكاترة وتحمل شهادات، فيقول لك إذا ظفرت برأي من خامل لا يراه للرأي أهلاً ابتداءً ولا للمشورة مستوجباً اغتنمه عفواً، يعني اعتبرها مكسب، لعل وعسى يكون هذا الرجل البسيط العام.. بعض الرجال البسطاء عندهم من الحكمة والله الكثير وإن لم يكن دارساً في جامعة متخصص.

والضالة لا تترك لذلة واجدها، صح إذا وجدت ضالة وفائدة ما تتركها؛ لأنه أنت الذي وجدتها، إنسان بسيط ماشي هي فكرة وجدتها عند إنسان بسيط خذها، ما تقل ما هو الذي أشار فيها شخص مش دارس جامعة، يا أخي إيش بدك بدار جامعة؟ لا، أنت بدك الفائدة. نعم، وإنما يراد لانتفاع المستشير به، وأنشد أبو العيناء يعني الأصمعي: النصح أرخص ما باع الرجال فلا تردد على ناصح نصحاً ولا تلوميه، إن النصائح لا تخفى مناهجها على الرجال ذوي الألباب والفهم.

قال: ثم لا وجه لمن تقرر له رأي أن يني في إمضائه، فإن الزمان غادر، لا تسوف خلص ظهر لك أمر بالمشورة، امشي، الزمان غادر يعني الحياة بتدور والفرص منتهزة والثقة عجز، وقيل للملك الثقة يعني الثقة بالمستقبل يعني الثقة أنه لا أنا إن شاء الله في معي وقت، هذا عجز، ترى بكرة إن شاء الله براجع الدرس عجز، الثقة بطول الزمان عجز، الآن اتخذ خطوتك. وقيل لملك زال عنه ملكه: ما الذي سلبك ملكك؟ قال: تأخيري عمل اليوم إلى الغد. دائماً الحياة إخواني فرص، لا تقول المشروع هذا بطلقه إن شاء الله على الصيف الجاي، إذا عندك فرصة أطلق الصيف هذا، إذا عندك فكرة كتاب اقرأه من الآن، لو أننا في كثير من الكتب التي نود نقرأها لو قلنا يلا، لا خليها إن شاء الله بعد كذا، بعد كذا، بعد كذا، أنا بس كذا بقرأ هذا الكتاب، صدقني ما أنجزت كتاباً. لا تبقى تقول أنا بدخل في هذا الكتاب بعدين أو إن شاء الله بعد فترة أو شيء، كل شيء تقع فيه اقرأ وامشِ وخطط واشتغل، ومشاريعك الثقافية والاجتماعية امضِ، لا تبقى تؤجل فإن هذا من العجز.

وقد قال الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ولا تك بالترداد للرأي مفسداً فإني رأيت الريث في العزم وهجناً وأن فساد ذي الرأي العزيمة أرشدا

قال وينبغي لمن أنزل منزلة المستشار وأحل محل الناصح الودود حتى صار مأمول النجح مرجو الصواب، أن يؤدي حق هذه النعمة بإخلاص السريرة، ويكافئ على الاستسلام ببذل النصح، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من حق.. يكافئ على الاستسلام، يعني استسلام الناس له، إذا كنت أنت خلص صرت رئيس عشيرة والناس تصدر عن رأيك وتستسلم لرأيك، صوب نيتك ما تشعر بالفخر والعجب، صوب نيتك، إذا الناس جعلتك محل رأيها فلا تعتبر أن هذا شيء يستحق منك الافتخار، بل اصدق مع الله سبحانه ثم أخلص للناس في النصيحة.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من حق المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه، وربما أبطرته المشاورة، يعني صار يشوف حاله أنه أنا دائماً بتستشيرني فاعجب برأيه، فاحذروه في المشاورة، الإنسان إذا شفته صار معجب برأيه ويشوف نفسه، بتعرف بعض الشباب لأنه استشير كثيراً في قضايا زوجية أو عائلية أو أسرية وأنه الناس دائماً بتستشيره وكذا بصير عنده حالة من الأجواء أنه أنا أصلاً مستشار، أنا بسميها أنا مستشار أسري أو مستشار تربوي، انتبه يا شيخ حذيفة، أو مستشار شرعي، لا دير بالك من هذا الذي هكذا يلقب نفسه المستشار، خاف منه هذا؛ لأنه إذا كان عنده شوية هكذا شعور بالاغترار أنه أنا ذكي وأنا وهذا، رأيته والله كثيراً في التجارب، أن كثيراً ممن يغتر أنه أنا مستشار أسري أو تربوي أو زوجي أو شرعي، اغتراره بنفسه يخليه يتخذ آراء غريبة وآراء أحياناً تكون العقل لا يرشد إليها، فبدك تنتبه. وانظر ماذا قال لك الماوردي: وربما أبطرته المشاورة صار عنده بطر أنه أنا مستشار اسمي، فأعجب برأيه فاحذروه في المشاورة، فليس للمعجب رأي صحيح، خلص الإنسان الذي دخل العجب سبحان الله يبدأ يفقد توازنه، فليس للمُعجب رأي صحيح ولا روية سليمة، ربما شح بالرأي لعداوة أو كبر أو حسد أو مكر، فاحذر العدو ولا تثق بحسود، ولا عذر لمن استشاره عدو أو صديق أن يكتم رأياً وقد استرشد، يعني حتى شوف إذا أنت صرت مستشار سواء استشارك شخص بتحبه أو شخص بتكرهه بدك تؤدي النصيحة زي ما هي، أن تصدق مع الله سبحانه ولا أن يخون وقد ائتمن.

وقد روي حديث عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستشار مؤتمن». وقال سليمان بن يزيد: واجب أخاك إذا استشارك ناصحاً وعلى أخيك نصيحة لا ترددي، ولا ينبغي أن يشير قبل أن يستشار إلا فيما مس، يعني إذا أنت شخص بتعرف أن عندك رأي في نوازل أو وقائع لأخ معين لا تعطِ رأيك قبل ما يسأله، إلا إذا شفت أخوك بيوقع، لا سعيت أنا بروح بطرق عليه الباب بقول له يا فلان ترى أنا لي نصيحة، فيقول لك لا تقدم نصيحتك قبل أن تطلب منك، إلا فيما مس يعني شعرت أن أخوك عم يسقط سعيت حتى لو ما استشارك أنت اطرق بابه، ولا أن يتبرع بالرأي إلا فيما لزم فإنه لا ينفك من أن يكون رأيه عندئذ متهماً أو مطرحاً، إذا أنت قدمت نصيحة وما حدا طلبها منك ستكون أنت متهماً في هذه النصيحة أو مطروح رأيك ما حدا يلتفت إليه، وفي أي هذين سواء كنت متهماً أو مطرحاً كان بصمة عار.

وإنما يكون الرأي مقبولاً إذا كان عن رغبة من الطالب أو كان لباعث وسبب، رواه أبو بلال العجلي عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، قال الأخوان لابنه: يا بني إذا استشهدت فاشهد، وإذا استعنت فأعن، وإذا استشرت فلا تعجل، لكن في الألف والسين والتاء تدل على أيش هي؟ على الطلب. وقال أيبيس الكلابي: من الناس من إن تستشره فتجتهد له الرأي يستعش أو يستغشك ما لا تتابعه، فلا تمتحن الرأي من ليس أهله، فلا أنت محمود ولا الرأي نافع.

طيب في كتمان السر، اعلم أن كتمان السر من أقوى أسباب النجاح وأدوم أحوال الصلاح، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني كن جواداً بالمال في موضع الحق، ضنيناً بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجوه البر والبخل بمكتوم السر.

وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه. وقال بعض البلغاء: ما أسرك ما كتمت سرك، ما سرك يعني ما ادعى سرورك طالما سرك بين جنبيك. وقال بعض الفصحاء: ما لم تغيبه الأضلاع فهو مكشوف ضائع، بدك تخبي سرك بين أضلاعك. وقال بعض الشعراء: ولا تفشِ سرك إلا إليك، يعني سرك ما تحكيه إلا مع حالك، فإن لكل كل نصيح نصيحة، فإني رأيت وشاة الرجال لا يتركون أدِيماً صحيحاً بخلوش حدا من شرهم، وكم من إظهار سر أراقد مصاحبه ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من سطواته آمناً وفي عواقبه سالماً ولنجاح حوائجه راجياً. وقال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان، الظفر بحاجته والسلامة من السطوات، بعض الأسرار فيها قطع رقاب بدك تنتبه، وإظهار الرجل سر غيره أقبح من.

إظهاره سر نفسه لأنه يبوء بإحدى بصمتين؛ أما الخيانة إن كان مؤتمناً، أو النميمة إن كان مستودعاً. فإما الضرر فربما استويا فيه أو تفاضلا، وكلاهما مذموم وهو فيهما ملوم. وفي الاسترسال بإبداء السر دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة: أحدها ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لم يتسع لسر ولم يقدر على الصبر. الشخص الذي يحكي أسرار نفسه أو أسرار الآخرين اعلم أنه قليل الصبر، لأن المحافظة على السر جزء من شخصيتك يدل على أنك شخص صبور.

ثانياً: الغفلة؛ الغفلة عن تحرز العقلاء وسهو عن يقظة الأذكياء، وقد قال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزيل، ولا جاهلاً فيخون. ما ترتكبه أنت عندك غفلة، تكون أنت عندك غفلة من الحذر الذي في العادة هو منهج العقلاء، والغفلة أيضاً عن السهو التي هي من طبيعة الأذكياء، دلالة غفلة وسهو عندك.

والثالث: ما ارتكبه من الغرر بحق نفسه أو حق غيره، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقت دمك. واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم، فليختل العاقل لسره أميناً إن لم يجد إلى كتمه سبيلاً. إذا يا شيخ، والله سري أنا مش قادر أكتمه، أنا صراحة محتاج واحد يشير علي، أنا واقع في مصيبة، أنا عارف أنها سر، ومش قادر ومحتاج نصيحة؟ أقول لك سعيت عندئذٍ، عليك أن تعرف عند من تودع سرك، يعني إذا اضطرت إلى إفشائه فاتخذ شخصاً أميناً، وليتحرى في اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه، فليس كل من كان على الأموال أميناً كان على السر مؤتمناً.

والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه بمبادرة لسانه وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله حفظاً له وضناً به، ولا يرى ما أذاع من سره كبيراً في جنب ما حفظه من يسير ماله، مع عظم الضرر الداخل عليه من سر ماله. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذراً وأقل وجوداً من أمناء الأموال. يعني يتعذر جداً أن تجد شخصاً أميناً، يقول لك بتفتش عن مئة شخص يحفظ مالك ممكن تلاقي، لكن صعب أن تجد شخصاً تجده أهلاً لحفظ سرك في الحياة.

ولذلك دائماً القائد القوي في الميادين يعرف عند من يضع أسرار القيادة، لأن هذه قرار دولة ما يحطوه عند شخص بسيط أو عند شخص حتى لو شيخ متدين، سر الدولة لا يوضع إلا عند من تثق به. كم من شخص أشاع سر دولة فسقطت الدولة؟ فبقول لك مش سهل أن يجد القائد شخصاً يضعه مستودعاً لأسراره. وكان حفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار، لأن إحراز الأموال منيعة وإحراز الأسرار بارزة. إحراز الأموال، الحرز الذي توضع فيه المال نوعاً ما جيد، قد تضعه في صندوق مغلق في خزانة عليها رقم سري، لكن إحراز الأسرار بارزة لأنه متعلق بمجرد لسان ينطق. وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق.

وقال عمر بن عبد العزيز: القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره. ومن صفات أمين السر أن يكون ذا عقل ساد، ودين حاجز، ونصح مبذول، وود موفور، وكتوماً بالطبع، فإن هذه أمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة. فمن كانت فيه فهو عنقاء مغرب؛ وقيل في هذا مثل: شيء نادر، يعني هذه طائر العنقاء الذي ما عاد تلاقيه. وقيل في منثور الحكم: قلوب العقلاء حصون الأسرار، وليحذر صاحب السر أن يودع سره من يتطلع إليه ويؤثر الوقوف عليه، فإن طالب الوديعة خائن.

بعض الناس طبيعته يحب يتجسس الأخبار، إياك تضع سرك عند شخص كل ما يشوفك يقول: شو صار معك بالله في الموضوع هذا؟ هذا اللي دير بالك منه، هذا اللي بيسألك شو صار معك في الموضوع هذا دير بالك منه، أنه هو يتطلع إلى أسرارك، حابب يعرف شو صار معك في قضية معينة، في موضوع، في شيء معين، فتقول: آه هذا أكيد والله حريص علي عشان هيك عم بيسألني، هذا دير بالك منه، هذا لا تعطيه إلا رؤوس أقلام لأنه متطلع ومتشوف إلى أسرارك.

وقيل في منثور الحكم: لا تنكح خاطب سرك، لا تنكح خاطف سرك، اللي يطلب دائماً أخبارك لا تعطيه الصافي. وقال صالح بن عبد القدوس: لا تذع سراً إلى طالبه منك فإن الطالب للسر مذيع.

وليحذر كثرة المستودعين لسره، بعض الناس أذكياء يقعد مع واحد يعطيه سر بس بقول بيني وبينك، بعدين يروح للثاني ترى هذا السر بيني وبينك، يضع سره عند عشرين شخصاً، ما هو مش حينفع كذا، لا تكثر، خلص عند شخص واحد، وإذا احتجت تمام، فإن كثرتهم سبب الإذاعة، خلص إلا واحد يوم يغلط في يوم من الأيام، وطريق إلى الإشاعة لأمرين: أحدهما أن اجتماع هذه الشروط -شروط أمين السر التي ذكرناها قبل قليل- في العدد الكثير معوز، ولا بد إذا كثروا من أن يكون فيهم من أخل ببعضها. الثاني أن كل واحد منهم يجد سبيلاً إلى نفي الإذاعة عن نفسه وإحالة ذلك على غيره؛ يعني إذا هو عارف أنه أنت سرك عند خمسة، إذا هو حكى ممكن يصرف عن نفسه، بقول لك: مين قال لك أن أنا حكيت؟ ممكن فلان اللي حكى سرك، ممكن يرمي الكرة في ملعب غيره، فلا يضاف إليه ذم ولا يتوجع عليه بعتاب.

قال بعض الحكماء: كلما كثر خزان الأسرار ازداد الضياع. وقال بعض الشعراء: وسر ما كان عند امرئ وسر الثلاثة غير الخفي.

السر الذي يكون عند شخص واحد، وسر الثلاثة إذا أنت معطي سرك لثلاثة ضاع، خلص ما عاد خفياً. وقال آخر: فلا تنطق بسرك كل سر إذا ما جاوز الاثنين فاشِ.

وقال آخر: إذا جاوز الاثنين سر فإنه ببث وتكثير الوشاة قمين.

وأي ضرر؟ إذا ضاق صدر المرء عن سر، فصدر الذي يستودع السر أضيق. ثم لو سلم من إذاعتهم لم يسلم من إدلالهم واستطالتهم، أنه كل شوي: ترى فلان سرك عندي ها، أوعك تزاعلني. قال: لو سلم من إذاعتهم لأسرارهم لكن رح يظلوا هال20 شخص عندهم سرك، كل ما أنت عملت شيئاً غلط والله خايف فلان يزعل وراح يحاكي أسراري، فأنت ترى بتذل نفسك لما تعطي أسرارك إلى غيرك. فإن لمن ظفر بسر من فرط الإدلال وكثرة الاستطالة، ما إن لم يحرزه عنه عقل ولم يكفه عنه فضل، كان أشد من ذل الرق، كنت كالعبد عنده وخضوع العبد لسيده. ولذلك قال بعض الحكماء: من أفشى سره كثر عليه المتآمرون.

فإذا اضطر -وأرجو أن يوفق للاختيار- واضطر إلى استيداع سره -وليتهم كفوا الاضطرار- وجب على المستودع له أداء الأمانة فيه بالتحفظ والتناسي له، حتى خلص مش يقول لك حط، مش أنت بتحكي للشخص والله سرك في بئر، خلص هون حفرنا وهون طمرنا، مش هيك نحن نحكي في الأمثال، هذا الأصل حتى لا يخطر له ببال ولا يدور له في خلد، ثم يرى ذلك حرمة يرعاها. أنت يا من استودعت السر اتق الله ولا يدل إدلالاً. حكي أن رجلاً أسر إلى صديق له حديثاً ثم قال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت، يعني اعتبرني، لا خلص كانه يقول نسيت. قال: أحفظت؟ قال: بل اعتبرني نسيت. وهذا من كرم أخلاقه. وقيل لرجل كيف تأكل السر؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر، تمام أجحد المخبر أنه أنا بعرف مين فلان، لا مين فلان أصلاً ما أعرفه، تمام وأحلف للمستخبر أنني والله لا أعرفه.

وقال بعض الشعراء: ولو قدرت على نسياني ما اشتملت مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره إذا كنت من نشرها يوماً على خطري.

وحكي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه -وهو أحد الأمراء- حفظ السر، فقال عبد الله: ومستودعي سراً تضمنت ستره فأودعته من مستقر الحشا قبراً.

يعني دفنت في قبر هذا السر، فقال ابنه عبيد الله وهو صبي: وما السر في قلبي كثاو بحفرة لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا.

لأنه حتى الميت ترى في يوم من الأيام ممكن يعيش يوم القيامة، لا، ولكنني أخفيه عني كأنني من الدهر يوماً ما أحط به خبراً. فكان كلام ابنه أبلغ من كلام أبيه.

فصل في المزاح والضحك؛ اعلم أن المزاح إزاحة عن الحقوق، ومخرج إلى القطيعة والعقوق، يصم المازح ويؤذي الممازح. فوصمة المازح أنه يذهب عنه الهيبة والبهاء، ويجرئ عليه الغوغاء والسفهاء. وأما أذية الممازح فلأنه معقوق بقول كريه وفعل ممض، إن أمسك عنه أحزن قلبه، وإن قابل عليه جانب الأدب، هذا إذا طبعاً كان مزاحاً على شخص، هذا المراد يكون أذية للممازح. فحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساوي دربي. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى»، طبعاً هذا حديث ضعيف. وقال عمر: اتقوا المزاح فإنه حمق ترث ضغينة. وقال بعض الحكماء: إن المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك. وقيل إنما سمي المزاح مزاحاً لأنه يزيح عن الحق، من الإزاحة. وقال إبراهيم النخعي: المزاح من سخف أو بطر. وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. فقال بعض الأدباء: من كثر مزاحه زادت هيبته، ومن كثر خلافه طالت غيبته.

وقال بعض البلغاء: من قل عقله كثر هزله. وذكر خالد بن صفوان المزاح فقال: يسك أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحر من الجندل. الجندل الحجر الطين الصلب، يعني بتمزح مع أخوك مزحة كأنك رميته في وجهه صخرة، بل أصعب من الصخرة، وينشقه أحر من الخردل. الخردل يقولون إذا استنشق متعب، فيقول وأنت بتمزح معها مزحة كأنها في شمها أشد من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل. المرجل فيه ماء مغلي، بتمزح معها مزحة أشد من الماء المغلي، ثم يقول: إنما كنت أمازحك. قال: هذا مزاح ما يصلح. وقال بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال. خير المزاح لا ينال يعني صعب الوصول إليه، أكثر الناس تسقط لا تؤدي خير المزاح، وشره لا يقال. فنظمه سابوري في قصيدته لجامعة الآداب وزاد فقال: شر مزاح المرء لا يقال، وخيره يا صاح لا ينال. بالتالي شو المطلوب؟ قلل المزاح قدر المستطاع.

وقد يقال: كثرة المزاح من الفتى تدعو إلى التلاحي، أي الخصومة، أن المزاح بده حلاوة لكن ما آخره عداوة، يحتد منه الرجل الشريف، ويجتري بسخفه السخيف عليك. وقال أبو نواس: خلِ جنبيك لرامِ وامضِ عنه بسلامِ مت بداء الصمت خيرٌ لك من داء كلامِ إنما السالم من ألجم فاه بلجام.

ربما استفتح بالمزح حم غاليق الحمام والمنايا، أكلات شاربات للأنام، الحمام هو الموت. يعني كم مزحة سببت موتاً؟ واعلم أنه قل ما يعرى من المزاح من كان سهلاً، فالعاقل يتوخى بمزاحه إحدى حالتين لا ثالث لهما: أحدهما إيناس المصاحبين، وتودد إلى من كان سهلاً. الشخص طبيعته سهلة، عادة لا يعلم من المزاح صح، يعني الشخص فيه وعر أصلاً هو المزاح مش من طباعه، وفي شخص طبيعته سهل خفيف حبيب، فهذا بده يمزح، والنبي صلى الله عليه وسلم كان سهلاً عليه بأبي عليه الصلاة والسلام، فكان مزاحه معتدلاً. يقول لك إذا كنت سهل الشخصية فعليك أن فالعاقل يتوخى بمزاحه إحدى حالتين لا ثالث لهما، أولاً إيناس المصاحبين له إخوانك، تؤنس بشيء من المزاح والتودد إلى المخالطين، وهذا يكون بمن آنست منه جميل القول وبسط من مستحسن الفعل. كما قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك، فإن الإفراط يذهب البهاء ويجرئ عليك السفهاء، وإن التقصير فيه أيضاً يفض عنك المؤنسين. وبرضه إغلاق باب المزاح تماماً يفض عنك المؤنسين، الناس تستثقلك، تراك ثقيلاً ويحش منك المصاحبين.

الحالة الثانية: أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم، أن يكون هذا هو الهدف. مجلس علم طويل ساعتين ثلاث، لازم يكون في شوية ملح مزاح، كذا شيء من كذا، تستجم النفوس، فيرجع الانتباه والتركيز أكثر، أما لو الدرس كله ناشف من أوله إلى آخره يكون ثقيلاً. فقد قيل: لا بد للمصدور أن ينفث. وأنشدت لأبي الفتح البستي قوله: أطبعك المكدود بالجد راحة تجم وعلله بشيء من المزح.

ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما يعطى الطعام من الملح. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح على هذا الوجه، وروي أنه قال: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً»، وهذا الحديث صحيح. فمن مزاحه صلى الله عليه وسلم روي أن عجوزاً من الأنصار أتته فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، قال: «أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجائز؟» فصرخت، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أما قرأت قوله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]». ودت أخرى في حاجة لزوجها، فقال لها: «ومن زوجك؟» فقالت: فلان، فقال لها: «الذي في عينه بياض؟» فقالت: لا.

فقال: بلى. فانصرفت عجلة إلى زوجها، بدها تشوف في عينه ما قول، صارت عينه بيضاء، وهي فكرت البياض العمى؛ لأن العمى يقال عنه بياض، وجعلت تتأمل عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخبرني صلى الله عليه وسلم أن في عينك بياضًا. فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها؟ الذي هو البياض هو الشيء الطبيعي، أن عينك فيها بياض، لكن المرأة ظنت البياض حالة مرضية.

وأتى رجل علي بن أبي طالب فقال: إني احتلمت على أمي. فقال: أقيموه في الشمس واضربوا ظله؛ الحد. نعم، يقيمونه في الشمس ويجلد الذل، بس إيش معنى قول احتلمت على الحلم؟ يعني لم تتضح لي ماذا قال.

وسئل الشعبي عن أكل لحم الشيطان فقالوا: نحن نرضى منه بالكفاف. تمام، يعني الشعبي كان كثير المزاح، معروف أحد التابعين الذي هو كثير المزاح، الشعبي قال: سئل هل يجوز أكل لحم الشيطان؟ فقال: نحن الحمد لله بطلنا نأكله، يعني ما؛ ومزح معهم، نحن شايفين الشيطان ناكل لحم الشيطان؟ فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. وقيل له: ما اسم امرأة إبليس؟ فقال: ذلك عرس ما شهدناه، أنا والله ما شهدت عرس إبليس. وقال: نعم ممكن يكون أكل لحم الشيطان بالغيبة. بس يعني ما، نعم نحن نرضى منه الكفاف، يعني الحمد لله عندنا ما يشبعنا مش محتاجينه، يعني كأنه يقول له.

وقال رجل لغلام: بكم تعمل معي؟ فقال: بطعام. فقال: أحسن قليلًا. قال: فأصوم الاثنين والخميس. تمام، يعني وقال رجل لغلام: فشغل غلمك معي، قدش بدك؟ قال: أنا بشتغل على طعامي؛ يعني وفر لي كل يوم أكلي وشربي وعشاي وغداي، بطلع معك على الشغل. قال: أحسن قليلًا؛ يعني طب خفف شوي. قال له: خلص، اثنين وخميس اعتبر أني صائم بدي يعني راتب الاثنين والخميس.

وحكي عن أبي صالح بن حسان أنه قال يومًا لأصحابه مازحًا: أفقه الناس وضاح اليمن في قوله: إذا قلت هاتي نليني تبرمت، وقالت معاذ الله من فعل ما حرم. فما نولت حتى تضرعت عندها، وأنبأتها ما رخص الله في اللمم. إيش يعني؟ يعني لو بده قبلة من زوج من عشيقة، فهي رغبت، قالت: لا، أنا لا أعطيك قبلة. فقلت لها: ما هو الله عز وجل قال إيش؟ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]، هي القبلة من اللمم، بس وإن كان هذا المزح في هذا، يعني أنا لا أرغب به، فما الخروج إلى حد الخلاعة في المزح فهجنته ومذمته كالذي حكي عن أبي معاوية الضرير، وكان أحد المحدثين الكبار، أنه خرج يومًا إلى أصحابه وهو يقول: فإذا المعدة جاشت فارمها بالمنجنيق، بثلاث من نبيذ ليس بالحلو الرقيق. يعني اشرب عليها شيء من الخمر، النبيذ طبعًا هو على رأي بعض أهل الكوفة الذين يرون أن النبيذ جائز، أما ترى فطرق بخلاعته التهمة على نفسه؛ أنه صار الناس بتفكر أن أبا معاوية الضرير يشرب النبيذ، النبيذ المحرم، فيما لعله بريء منه وبعيد عنه.

وقد كان أبو هريرة مسترسلًا في مزاحه، حكى ابن قتيبة في كتابه المعارف نعم، أن مروان ربما كان يستخلفه على المدينة، فيركب حمارًا قد شد عليه بردعة، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. ربما أتى الصبيان بيمزح معهم، افتح طالع أجا الأمير، بيحكي عن حاله؛ يعني أبو هريرة كان يستعمله مروان على إمارة المدينة، فكان بيكون ماشي على جمل ولا إمارة أبو هريرة، فبيقول: الطريق أجا الأمير ابعد؛ يعني يمزح معهم. تمام، وربما أتى الصبيان وهم يلعبون لعبة الغراب، فلا يشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان ويفرون، وهذا خروج عن القدر المستسمح به، ويشك أن يكون لهذا الفعل منه تأويل سائغ.

وقد كان صهيب بن سنان مزاحًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتأكل تمرًا وبك رمد؟ فقال: يا رسول الله، أنا أمضغ على الناحية الأخرى. وإنما استجاز صهيب أن يعرض لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالمزح في جوابه، لأن استخباره صلى الله عليه وسلم قد كان يتضمن المزح، فأجابه عن استخباره بما وافقه من المزح، نعم يعني كيف تحكي للشخص يعني بتأكل وعينك بتوجعك؟ فبتقول ما لهاش دخل وجع العين بالأكل، فقال له: أنا يا رسول الله بأكل على الجهة الثانية، يعني قابل المزحة بالمزحة طبعًا إن صح الحديث، قال: مساعدة لغرضه وتقرب من قلبه، وإلا فليس لأحد أن يجعل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزحًا؛ لأن المزح هزل، ومن جعل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله تعالى أحكامه، والمؤدي إلى خلقه أوامره، هزلًا ومزحًا، فقد عصى الله ورسوله، وصهيب كان أطوع لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون بهذه المنزلة منه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صهيب سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبش».

ومن مستحسن المزح ومستسمح الدعابة ما حكى الزبير بن بكار عن الكثيري عن القشيري عن الكندي، أن القشيري وقف عليه شيخ من الأعراب، فقال: يا أعرابي من أنت؟ قال: من بني عقيل. قال: من أي عقيل؟ قال: من بني خفاجة. فأنشأ القشيري يقول: رأيت شيخًا من بني خفاجة. فقال الأعرابي: ما شأنه؟ فقال له: إذا جن الظلام حاجته. فقال الأعرابي: ما هي؟ قال: كحاجة الديك إلى الدجاجة. تمام، هي المعاشرة، فاهمين أنتم؟ قال: فاستغرب الأعرابي وقال: قاتلك الله، ما أعرفك بسرائر القوم! كيف عرفت أننا عندنا هي القضية؟ رجع الأعرابي فضح نفسه. فانظر كيف بلغ بهذا المزح غايته، ولسانه نزه وعرضه مصون، وهذا غاية ما يتسامح به الفضلاء من الخلاعة؛ يعني حاجة الديك إلى الدجاجة غاية ما يمكن أن تكنى به عن الوطء والمعاشرة.

وإن كان مستكره الفحوى؛ يعني في النهاية نحن الأصل كشيخ أو كشيء، دعك من قضية الإشارة إلى الجماع والمعاشرة والنزاهة عن مثله أولى؛ لأنه للأسف بعض الشباب أيضًا ينبغي أن ينتبهوا، يعني بعض الشباب بيكونوا في اندفاع الشباب والزواج يكثر منهم المزح في قضايا النساء والزواج، فبدك يكون برضه في حد معقول، حتى النساء فيما بينهم في هذه الأمور، تقوى الله عز وجل تكون حاضرة، ولا حتى تقول أنا يا شيخ إحنا مزح بين الشباب ملتزمين؛ لا برضه في معيار معين، تجاوزه يكون قلة أدب. وليحذر أن يسترسل في ممازحة عدو، فالعدو ما تمزحش معه كثير، فيجعل له طريقًا إلى إعلان المساوئ هزلًا وهو مجد، ويفسح له في التشفي مزحًا وهو محض. الحكماء إذا مازحت عدوك ظهرت له عيوبك.

وأما الضحك فإن اعتياده شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر في النوائب الملمة، وليس لمن أكثر منه هيبة ووقار، ولا لمن وسم به خطر ومقدار. روى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه». وقد حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿مَا لِهَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]، أن الصغيرة تضحك. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والكبيرة القهقهة. هكذا عندنا في الكتاب صغيرة ولا كبيرة. وقال عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلت هيبته. وقال علي: إذا ضحك العالم ضحك مج من العلم، مج؛ كأنه بسق من العلم، يعني خرج من العلم بمقدار ما ضحك. وقيل في منثور الحكم: ضحكة المؤمن غفلة من قلبه.

والقول في الضحك كالقول في المزاح؛ أن تجافاه الإنسان تمامًا نفر عنه أو حشم، وإن ألفه كان حاله ما وصفناه من قلة مكانته عندنا، فليكن بدل الضحك عند الإناث تبسمًا، وهذا حال النبي عليه الصلاه والسلام. وقد قال عمر: التبسم دعابة، وهذا أبلغ في الإناث من الضحك الذي قد يكون استهزاءً وتعجبًا، وليس ينكر منه النمرة النادرة لطارئ؛ استغفل الناس عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملك الخلق لنفسه قد تبسم حتى بدت نواجذه، وإنما كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرناه إيناسًا لأصحابه.

فصل في الطيرة: اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورًا فقد جهل. نعم هذا من أسوأ الشغلات ومن العقائد الفاسدة، وهو من الشرك الأصغر، أن تعتقد أن صوت الغراب يجلب لك شرًا أو أن تحرك الطير إلى جهة يجلب لك شرًا؛ هذا غير صحيح. قال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». فالعدوى ما يظنه الناس من تعدي العلل والأمراض، فأخبر أنه لا يعدي. فقيل يا رسول الله: إن نرى النقبة من الجرب في مشفر البعير فيعدي إلى جميعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مشفر الشفة؛ مش شفة البعير ترى فيها جرب، فنراه يصبح كل القطيع فيه جرب، فقال: فمن أعدى الأول؟

طبعًا حقيقة قضية العدوى من الأمور التي كثروا فيها كلام الفقهاء قديمًا وشراح الحديث؛ هل النبي عليه الصلاة والسلام نفى العدوى على معناها الحقيقي الطبي؛ يعني أن البكتيريا لا تنتقل، أم نفى بعض الاعتقادات الجاهلية أن هذه الأمراض معدية بنفسها وليس بجعل الله لها ذلك؟ يعني بعض الناس يظن أنه إذا خالط مريضًا قطعًا سيمرض، فهذا نعم هذا الذي نقول نفاه النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن مخالطة المريض قطعًا تجلب المرض، نحن نقول ليست قطعًا، وإنما يمكن أن تنتقل البكتيريا ويمكن ألا تنتقل، فهي سبب لكن ليست قطعية، فأما أن ننفي انتقال البكتيريا والفيروسات وما شابه ذلك، فهذا أعتقد أنه أيضًا فيه إشكال.

وأما الهامة فكانت تعتقده العرب من أن القتيل إذا طل دمه؛ طل دمه يعني لم يثأر له فلم يدرك بثأره، صاحت هامة؛ الهامة هي البومة، طائر البوم؛ صاحت هامة في القبر: اسقوني. قال الزبرقان بن بدر يعيبها، يعني هذا البوم: يا عمرو ألا تدع شتمي ومنقصتي، أضربك حتى تقول الهامة اسقوني؛ يعني رح أقتلك حتى ما حدا يثأر لك. وقال إبراهيم بن هرمة: وكيف وقد صاروا عظامًا وأقبرًا، يصيح صداها بالعشي وهامها. الهام البوم: تفانوا ولم يبقوا وكل قبيلة، زيد يعد فركام.

قال: وأما الصفر فهو كالحية يقال يكون في الجوف يصيب الماشية والناس. قيل الصفر هو نوع من كيف الدودة الشريطية التي أخذتموها في العلوم، قيل هي نفسها الدودة، يعتقدون أنها حية تعيش في باطن الإنسان، بس هي مش الدودة الشريطية البكتيرية؛ لا هي حالة من توهم العرب أن هناك حية اسمها صفر تعيش في المعدة وتسبب أمراضًا، هو ما في حية بهذا المعنى وهو أغذى عندهم من الجرب، وقد يقول الشاعر: لا يمسك الساق من أين ولا وصب، ولا يعض على شرس وفيه الصفر.

وروي عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا». وقال الشاعر: طيرة الناس لا ترد قضاءها، فاعذري الدهر لا تشبه بلومي، أي يوم تخصه بسعود والمنايا ينزلن في كل يوم. يعني بعض الناس إذا شاف بلاء يقول لك هذا من فلان، يا أخي هو أصلًا كل يوم في بلاء، يعني أنت بقول لك مش كل ما تشوف بلاء تقول هذا بسبب فلان أو بسبب فلان؛ هي الحياة مليئة بالبلايا، لا تعلق دائمًا بؤسك وعدم نجاحك وعدم تيسر زواجك أكيد وجه فلان عين فلان، أو دعك من الطيرة، ليس يوم إلا وفيه سعود ونحوس؛ الحياة كل يوم ولا حزن يدوم ولا سرور ولا بؤس عليك ولا رخاء.

وقد كانت الفرس من أكثر الناس طيرة، وكان العرب إذا أراد سفرًا نفرت أول طائر تلقاه في طريقها، فإذا طار يمنة سارت، وإذا طار يسرة رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «أقروا الطير على وكناتها»؛ يعني خلوها على في وكناتها في أعشاشها، لا تستنفروا الطيور لتستجلبوا بها قدرًا. وحكى عكرمة قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير إن شاء الله. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. وقال لبيد: لعمرك ما تدري الضارب بالحصى، ولا زاجر الطير ما الله صانع. يعني الطير التي تزجرها لا تعرف القدر.

طيب واعلم أنه قل ما يخل من الطيرة أحد، لاسيما من عرضته المقادير في إرادته، وصده القضاء عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف عليه إليه أقرب، فإذا أعاقه القضاء وخانه الرجاء، جعل الطيرة عذر خيبتها، هذه الفكرة شماعة؛ يعني إذا القضاء ما أسعفك، ما نجحت اليوم في الاختبار، ما هو وجه فلان النحس طلع عليه في اليوم؛ فلان ما حصل بغيته، ما هو والله وجه فلان ما بيجيب الرزق؛ بتعرف هذه الاسم منتشرة عند الناس، قل لك احذر لا تجعل هي شماعة وغفل عن قضاء الله وقدره ومشيئته، خلص قدر الله ما فعل؛ فهو إذا تطير من نعم من بعده وأحجم عن الإقدام ويئس من الظفر، تمام، أنك إذا تطيرت فإنك في المرة القادمة سيصبح عندك نوع من التخوف كل ما رأيت فلانًا أو رأيت الطير أنك تمشي، فبقول لك لا الطيرة ترى تجعل عندك.

عائق، وظن أن القياس مضطرد؛ أنه كلما ظهر وجه فلان لن ينجح، وكلما كان اليوم غيم لن يصلح، وأن العبرة فيه مستمرة، ثم يصير له ذلك عادة، فلا ينجح له سعي ولا يتم له قصد. فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء، فهو قليل الطيرة لإقدامه ثقة بإقباله، وتعويلاً على سعادته، فلا يصده خوف، ولا يكفه حذر، ولا يؤوب إلا ظافراً، ولا يعود إلا منجحاً؛ لأن الغنيمة بالإقدام، والخيبة مع الإحجام.

فصارت الطيرة من سمات الإدبار، من سمات الفاشلين، الطيرة من سمات الشخصية الهزيلة، واطراحها من أمارات الإقبال، من علامات الشخصية القوية. فينبغي لمن بني بها وابتلي بها أن يصرف عن نفسه وساوس نوك الحمقى ودواعي الخيبة وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطاناً في نقض عزائمه ومعارضة خالقه. ولا يعلم أن قضاء الله عليه غالب، وأن رزق العبد له طالب، وأن الحركة سبب، فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقاً ولا يدفع مقدوراً، وليمضِ في عزائمه واثقاً بالله إن أعطي، وراضياً به سبحانه إن منع.

فقد روي عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الإنسان ثلاثاً: الطيرة والظن والحسد، فمخرجه من الطيرة ألا يرجع، ومخرجه من الظن ألا يحقق» وهذا مر معنا الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: «كفارة الطيرة التوكل على الله». وقيل في منثور الحكم: الخيرة في ترك الطيرة. وليقل إن عارضته في الطيرة ريب أو خامره فيها وهم؛ أي إذا خطر في ذهنك أن شخصاً معيناً سيجلب لك شؤماً فليقل من تطير: اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا دعاء لمن ابتلي بالطيرة، وهذا مشهور.

نعم، وروي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نزلنا داراً كثر فيها عددنا، وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا، وقل فيها عددنا، فقال: «ذروها وهي ذميمة». وليس هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الطيرة، ولكن على طريق التبرك بما فارق، وترك ما استوحش منه إلى ما أنس به. يعني أحياناً أنت ممكن تنصح شخصاً يقول لك: يا شيخ، أنا والله من لما سكنت هذه الدار أو تزوجت هذه المرأة أو اشتريت هذه السيارة وجدت فيها بلاء؛ فهنا أنت يمكن تنصحه، وهذا جاء فيه الشؤم في ثلاث: البيت والخادم والمرأة، أو الدابة. فقيل كيف يؤول حديث الشؤم في ثلاث؟ أنه هي ليست هي بذاتها مجلبة للشر، لكن أحياناً يبقى شخص عنده مشكلة نفسية ما دام ساكناً في هذه الدار، أو ما دام متزوجاً لهذه المرأة، أو ما دامت هذه السيارة، فأنت حتى تقطع عنه حبل الأفكار، خلص روح وياها، اقطع. إنه في شخص يكون ضعيفاً ما عنده قدرة أن يفصل بين البيت ومصائب الحياة أو بين المرأة ومصائب الحياة، فدائماً عامل مشكلة، دائماً متوتر؛ فقد يكون من النصيحة له أنه خلص اترك هذه الدار، ليست هي سبباً في القضاء والقدر، لكن أنت خلص ربطتها في ذهنك وفي العقل الباطن، فقد يكون من الخير فصل هذه الأمور حتى تهون على الرجل ما هو فيه من الكرب والبلاء.

فأما الفأل الحسن ففيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر. وقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته، فقال: «أخذنا فالك من فيك». فينبغي لمن تفاءل أن يتأول الفأل بأحسن تأويلاته، ولا يجعل لسوء الظن على نفسه سبيلاً؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن البلاء موكل بالمنطق».

حكي أن يوسف شكى إلى الله تعالى طول الحبس، فأوحى الله إليه: يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، لماذا طلبت السجن؟ ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت. وحكي أن المؤمل بن أميل الشاعر لما قال: ليت المؤمل لم يخلق له بصر؛ فعَمِي. فلما قال: ليت المؤمل لم يكن له بصر؛ شو صار فيه؟ عَمِي الشاعر. فأتاه آتٍ في منامه فقال له: هذا ما طلبت. مش أنت طلبت ألا يكون لك بصر؟ عماك الله.

وحكي، إذاً الأصل الإنسان لا يدعو على نفسه بالشر إخواني، ولا يتمنى البلاء؛ لأنك سبحان الله قد يعاقبك بكلمة تقولها. ما تقول يا رب، والله أنا ما كان قصدي ليش عاقبتني بهذه الكلمة؟ بعض الناس يقول: إن شاء الله أفشل في الاختبار، إن شاء الله البلد تنحرق، مش هيك؟ بعض الناس في لحظة الغضب ترى البلاء موكل بالمنطق، ممكن تنحرق. لا تقول والله يا رب أنا ما كان قصدي لما قلتها، أنا كنت في لحظة انفعال، والله عز وجل يريد أن يعلمك الأدب. من الأدب ألا تدعو على نفسك ولا على إخوانك بالشر حتى في لحظات الانفعال، خاصة الأبناء. كثير من الأمهات تدعو على ابنها لما يزعجها كثيراً، والله أعرف قصصاً كثيرة. بنت ابتليت بالسرطان بعد أسبوع من دعاء لوالدتها، وأنا أعرف هذه الأسرة يعني ما كان فيها شيء، سرطان مباشر. قالت لها أمها، والله أعرف أن هذا من دعائي، فإني قلت لها وهي تزعجني: الله يبتليك بالسرطان، فأصابها مباشرة خلال أسبوع، بنت صغيرة، وعاشت البنت دهراً وتوفيت قبل فترة البنت بعد أمها، ما أمها ماتت قبلها، سبحان الله. فالفكرة أنه ما في شيء اسمه انفعال، البلاء موكل بالمنطق، دائماً تكلم الكلام اللي فيه خير، إن شاء الله ربنا يعطيك بناء على خير لسانك.

أتوعد كل جبار عنيد، فها أنا ذاك جبار عنيد، إذا ما جئت ربك يوم حشر، فقل يا ربي خرقني الوليد، فلم يلبث إلا أياماً حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم هو على سور بلده. نعوذ بالله من البغي ومصارعه ومن الشيطان ومصائده وحسبنا.

أكمل الفصل السابع في المروءة: اعلم أن من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة، التي هي حلية النفوس وزينة الهمم. والمروءة هي مراعاة الأحوال لتكون على أفضلها، حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجه إليه ذم باستحقاق. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته».

وقال بعض البلغاء: نعم، من شرائط المروءة أن تتعفف عن الحرام، وتتظلف عن الآثام، وتنصف في الحكم، وتكف -يتظلف يعني يتنزه ويبتعد- ولا تطمع فيما لا يستحق، ولا تستطل على من لا يسترق، ولا تعين قوياً على ضعيف، ولا تؤثر دنيا على شريف، ولا تسر ما يعقب الوزر والإثم، ولا تفعل ما يقبح الذكر والاسم. وسئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة، فقال: العقل يأمرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل.

ولن تجد الأخلاق على ما وصفنا من حد المروءة من طبيعة، ولا عن المراعاة مستغنية، وإنما المراعاة هي المروءة، لا ما انطبعت عليه النفس من فضائل الأخلاق؛ لأن غرور الهوى ونازع الشهوة يصرفان النفس إن تركت فوضى عن الأفضل من خلائقها والأجمل من طرائقها. ولو سلمت منهما؛ لأن الهوى والشهوة بشكل عام إذا لم توقعك في المعاصي فعلى الأقل توقعك في خرم المروءات، على الأقل توقعك في خرم المروءات؛ فبدك تنتبه أن المروءة تحتاج إلى تكلف وتصنع حتى تصبح عادة.

نعم، ولو سلمت منهما، وبعيد أن تسلم، لما استكمل شرف الأخلاق طبعاً ولا استغنت عن تهذيبها تكلف تكلفاً وتصنعاً. كل نفس تحتاج أن تتعلم المروءات وتتعب، ليس بالمحض، وليس محض يخبث بعض ويطيب بعض؛ يعني ما في إنسان كامل. ثم لو استكمل الفضل طبعاً فرضاً يعني، وفي المعوز أن يكون مستكملاً وهذا صعب جداً معوز، لكان في المستحسن من عادات دهره والموضوع من اصطلاح عصره من حقوق المروءة وشروطها ما لا يتوصل إليه إلا بالمعاناة. يعني لو فرضنا أنك خلقت بطبع فاضل ونفس شريفة، فإن في أوضاع العصر وأحوال الناس يتم الاتفاق على بعض المروءات التي أنت أصلاً محتاج تتعب حتى تتعلمها، زي أدبيات التعامل مع السلاطين والملوك، أدبيات التعامل مع الوزراء، أدبيات التعامل مع العلماء والمشايخ. هذه كلها أدبيات، حتى لو كان فضلك جيداً وطبعك فاضلاً، بدك تتأدب فيها.

ولذلك كثير من طلاب العلم اليوم ممكن هو جيد أخلاقاً، لكن حقيقة أرى أن في مشكلة في الأدبيات، أنا أرى في مشكلة، هو لا يحسن التعامل مع أساتذته ومعلميه، ولا يعرف فضلهم وكيفية التعامل، وإن كان في معدنه في الأصل الطيب. السبب أنه لم يعانِ مراقبة نفسه في هذا الميدان، ظن أن القضية عفوية، وأنه أنا مش قصدي شر، هذا يكفي. لا لا يكفي أن ليس قصدك الشر، بل عليك أيضاً أن تتكلف المروءات المطلوبة، فإن هذا من دلائل خير. فلا يتوصل إلى هذه إلا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلا بالتفقد والمراعاة.

فثبت إذاً أن مراعاة النفس على أفضل أحوالها هي المروءة. مراعاة النفس، يعني أن تطلب من نفسك أن تكون على أفضل الأحوال، هذا هي المروءة، هذا تعريف المروءة: مراعاة النفس على أفضل أحوالها. وإذا كان كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلا من تسهلت عليه المشاق رغبة في الحمد. الآن المروءة فيها كلف، لأنه في رسميات ستلزمك وأمور بدك تنتبه لها خلاف هوى النفس. قال: ليست هي تثقل إلا من تسهلت عليه المشاق؛ كيف تسهل عليك؟ إذا رغبت في الحمد، فإنك تلتزم بالمروءات وهانت عليه الملاذ، هانت عليك شهوات النفس حذراً من الذنب. ولذلك قيل: سيد القوم أشقاهم؛ ليش؟ لأنه بيتعب في الرسميات، بده يجي فلان ويجامل، وبده يجي فلان وبده يقعد في جلسة معينة، والشماغ يكون بصورة معينة، ويحط هذا، يعني بتعرف سواء أدبيات اللباس والهيئة والشكل، بيتعب، لكن أنت أردت السيادة عاد تتكلف لها.

وقال أبو تمام الطائي: والحمد شهد عسل لا يرى مجتناه يجنيه إلا من نقيع الحنظلي غل لحامله، ويحسبه الذي لم يوهِ عاتقه خفيف المحمل

هسا العسل أنت بتفكره سهل لأنك بتشوفه في المرطبان، بس أنت ما بتعرف أن العسال الذي جابه بهدل حتى نزل إلى الخلية وباع النحل وكذا وتعب، فأنت لما تشوفه جاهز أمامك تظن أنه نيل بسهولة. نفس الشيء، لما ترى شخصاً ساد قومه، لا تظن أن السيادة جاءته بسهولة، اعلم أنه تعب في إصلاح طبائعه ونفسه حتى نال السيادة. وله أيضاً، لذلك تجد بعض الشباب مثلاً يطمح أن يكون شيخاً ويسود أهل زمانه في المشيخة لأنه يرى شيخاً على السوشيال ميديا أو على اليوتيوب له طلاب وكذا، هو يرى الشيخ في منتجه النهائي، هو لا يعرف أن الشيخ تعب سنوات من العلم والتحصيل ومن الأدب والمراعاة حتى نال مرتبة المشيخة، فهو يظن أنها سهلة، فيدخل في العلم هجوم، ويقول يا أخي ما زال الطلاب ما يوقروني، أنا مش عارف، طيب ليش فلان الشيخ يوقره؟ وأظن أن القضية سهلة، وأنه هو سيد على العلم دبا وعلى الأخلاق دبا، فينال السيادة وما عرف أن هذا المنتج النهائي لذاك العالم الفاضل إنما هو تعب السنوات في الأدب قبل العلم.

وقال أبو تمام، وقيل، وقد لاحظ المتنبي ذلك في قوله فقال: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قد تال

أي سيادة إنما تكون بعد مشقة، حتى لو كانت مشقة في باطل، لكنها بعد مشقة. وله أيضاً: وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

والداعي إلى استسهال ذلك شيئان، أحدهما ما الذي يجعل الإنسان يستسهل أي الالتزام بالمروءات؟ يستسهل؛ يعني تحاول أن تحصلها وترى أنني لا بد أن أسهلها على نفسي حتى أحصلها، الداعي إلى ذلك علو الهمة وشرف النفس هو الذي يجعلك تستسهل طريق المروءات. قال: أما علو الهمة فلأنه باعث على التقدم، وداع إلى التخصيص، أنفة من خمور الضعة، واستنكار لمهانة النقص. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره دنيها وسفاسفها». وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا تصغرن هممكم، فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم؛ عظيمة هي الكلام. وقال بعض الحكماء: الهمة راية الجد؛ الحظ أو السلطان ممكن تكون. وقال بعض البلغاء: علو الهمم بذر النعم، تمام؛ يعني بدك نعمة في حياتك تصير بذورها من أين؟ أن تكون شخص همته عالية تبلغ المجد في العلم والشرف وفي الأماكن الكثيرة.

طيب، أي وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان أمراً ظفر به أعظمهما مروءة. وقال بعض العلماء: من ترك التماس المعالي بسوء الرجاء لم ينل جسيمة؛ يعني لم ينل شيئاً كبيراً في الحياة. وأما شرف النفس، فإن به يكون قبول التأديب واستقرار التقويم والتهذيب؛ تهذيب؛ لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل، ابتعدت عن الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة؛ لماذا؟ لأنها عليه غير مطبوعة وله غير ملائمة، فتصير منه أنفر، ولضده الملائم، الملائم لطبيعتها. ولذلك قيل: ما أكثر من يعرف الحق.

ولا يطيعه. وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة، فإذا مازجها صارت طبعًا ملائمًا، فنمى واستقر. فأما من مُني بعلو الهمة وسلب شرف النفس، فقد صار عرضة لأمر أعوزته آلة. يعني ممكن بعض الشباب ترى عنده همة عالية في العلم، لكن نفسه مش شريفة، هو عنده همة في القراءة والدراسة والتحصيل وأنا أعرفه، لكن طبيعة نفسه مش قادر يعالج سلوكياته، مش قادر. تقول يا فلان ترى أنت قوي علميًا، لكن نفسك ستقتلك، نفسك ستقتلك؛ طبيعة نفسك التي تحب الكلام والمشاكل والجدل، طبائع نفسك ستنزل من همتك العالية. فبقول لك الذي عنده علو همة لكنه ما عنده شرف نفس، كأنه يطلب شيئًا لا يملك آلته، أنت ما عندك آلة أن تكون مبرزًا لأنك تفقد شرف النفس، وأفسدته جهالته، فصار كضرير يروم تعلم الكتابة، الأعمى بده يكتب صعب هو أعمى، وآخرس يريد الخطابة كيف سيتكلم؟ فلا يزيده الاجتهاد إلا عجزًا، ولا الطلب إلا عوزًا.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ما هلك امرؤ عرف قدره». وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالًا؟ فقال: من بَعُدت همته واتسعت أمنيته وقصُرت آلتُه وقلّت مقدرته. وقال الفنون التغلبي: ولا خير فيما يكذب المرء نفسه وتقواله للشيء يا ليت ذا لي لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيًا

وقال بعض الحكماء: تجنبوا المُنى فإنها تذهب ببهجة ما خُوّلتم، أي ما أُعطيتم، وتستصغرون بها نعمة الله عندكم. المنى اللي هي الأماني، يعني تخفف من الأماني. وقيل في منثور الحكم: المنى بضاعة ضائعة النوكى الحمقى، فإن صادف بهمته حظًا نال به أملًا؛ يعني إذا همتك العلية حالفها الحظ والنصيب في الحياة، نال به أملًا كمن فيما ناله كالمغتصب. يعني صح ستنال الأمل، بعض الناس سبحان الله بتجد أنه انشهر وهو والله مش شريف النفس، بتعرف أنه ايش قدر؟ يعني عنده همة، يعني هو ما شاف مشروع أنت شايفه مش شريف النفس، ولكن خلص قدر الله. فبقول لك هذا الذي ينال شرفًا ومكسبًا ومنصبًا مع دناءة نفسه هذا ايش يقول؟ قال: كمن فيما ناله كالمغتصب، يعني كمن أخذ شيئًا ليس له، لكن خلاص نقول قدر الله نافذ، وفيما وصل إليه كالمتغلب؛ إذ ليس في الحظوظ تقدير لحق، الحظوظ هي قضاء وقدر، يعني خلص نقول أسعفته الأقدار، ولا تمييز لمستحق؛ لأنه أحيانًا قد يرزق الجاهل ويحرم الكريم وهذا من أمر الله. وإنما هي كالسحاب الذي يمسك من منابت الأشجار إلى مغاويص البحار؛ أحيانًا تلاقي سحابة ما أمطرت على الشجر مع أنها تحتاجه، وتذهب تمطر فوق البحر مع أنه لا يحتاج. بقول لك شوف هذا المثل الجميل، فهكذا هي الدنيا، أحيانًا لا تمطر على الشخص الذي يستحق لأن لله أقدارًا في ذلك تمامًا، وينزل حيث صادف من خبيث وطيب، فإن صادف أرضًا طيبة الماء نفع، وإن صادف أرضًا خبيثة ضر. كذلك الحظ: إن صادف نفسًا شريفة فنفع وكان نعمة عامة، وإن صادف الحظ نفسًا دنيئة ضر وكان نقمة طامة. فلذلك تجد بعض السلاطين وبعض الأمراء أو كذا، هو دنيء النفس وصادف حكمًا، هذا سيبتلى به الناس، أعانهم الله على حكمه.

حكي أن موسى بن عمران دعا على قوم بالعذاب، فأوحى الله إليه قد ملّكت سفلتها على عليتها، فقال: يا رب كنت أحب لهم عذابًا عاجلًا، فأوحى الله إليه: أو ليس هذا كل العذاب العاجل الأليم على قوم؟ قد ملّكت سفلتها على عليتها؛ نعم يعني جعلت أراذلهم أسيادًا عليهم. فقال: يا رب أردت عذابًا يستأصلهم، فقال: هل تريد عذاب معجل أكثر من ذلك أن يكون سفل القوم هم سادتهم؟

فأما شرف النفس إذا تجرد عن علو الهمة، طب بالعكس لو شخص شريف النفس ما شاء الله عنده شرف نفس لكن ما عنده همة عالية، قال: فإن الفضل به عاطل، كيف يعني؟ كالمرأة الجيدة لكنها لا تتزين، قال: فإن الفضل به عاطل لم يتم تحليته، والقدر به خامل، وهو كالقوة في الجلد الكسل؛ يعني شخص قوي بس طول اليوم نايم، ما استفدنا من الفشل، تضيع قوته بكسله وجلده بفشله. وقد قيل في منثور الحكم: من دام كسله خاب أمله. وقال بعض الحكماء: نكح العجزُ التواني فخرج منهما الندامة؛ العجز راح تزوج من التواني اللي هو التسويف وعدم الجد فخرج منهما ماذا؟ الندامة. ونكح الشؤم للكسل فخرج منهما الحرمان. وقال بعض الشعراء: إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانًا بها كانت على الناس أهونها فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن عليك ألاها فاطلب لنفسك مسكنًا وإياك والسكنى بمنزل ذلة يُعد مسيئًا فيه من كان محسنًا

وشرف النفس مع صغر الهمة أولى من علو الهمة مع دناءة النفس، يعني بضل أفضل لسه؛ لأن من غلبت عليه همته مع دناءة نفسه، كان متعديًا إلى طلب ما لا يستحقه، ومتخطيًا إلى التماس ما لا يستوجبه. وأما من شرفت نفسه لكن صغرت همته فهو تارك لما يستحقه، ومقصر عما يجب له، وفضل ما بين الأمرين ظاهر، وإن كان لكل واحد منهما من الذنب نصيب. وقد قيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء على الإنسان؟ قال: أن يعرف نفسه ويكتم الأسرار؛ لأنك إذا عرفت نفسك، مش سهل الإنسان أن يعرف نفسه، صح؟ هو يقول لك ما أصعب شيء على الإنسان أنك تعرف نفسك، والله أنت عارف نفسك شريف النفس ترى ستتعب من أجل تحصيل الكمالات، لكن كثير من الناس جيد لكن هو لا يعرف مواطن القوة فيه، وكثير من الناس سيء وهو مش عارف أنه هو سيء، فبقول لك أن تعرف نفسك هذا مش شيء سهل. فإذا اجتمع الأمران وهو شرف النفس مع علو الهمة كان الفضل بهما ظاهرًا، والأدب بهما وافرًا، ومشاق الحمد بينهما مستسهلة تمامًا، وشروط المروءة بينهما متأتية؛ يعني إن شاء الله المروءة ستحصلها إذا جمعت بين شرف النفس وعلو الهمة. وقد قال الحسين بن المنذر الرقاشي: إن المروءة ليس يدركها امرؤ ورث المكارم عن أب فاضاعها أمرته نفسه بالدناءة والخنا ونهته عن سبل العلى فأطاعها فإذا أصاب من المكارم خلّةً يبني كريم بها المكارم باعها

واعلم أن حقوق المروءة أكثر من أن تُحصى وأخفى من أن تظهر؛ لأن منها ما يقوم في الوهم حسا، ومنها ما يقتضيه شاهد الحال حدسا، ومنها ما يظهر بالفعل ويخفى بالتغافل، فلذلك أعوز استيفاء شروطها. الآن حقوق المروءة هل يمكن أن نحصي حقوقها؟ قال: هذا شيء صعب، وهي فيها نوع من الخفاء قضايا المروءة؛ لأن منها ما يقوم في الوهم حسا، ومنها ما يقتضيه شاهد الحال حدسًا، يعني كثير منها ما يتم من خلال الحدس والتخمين والتقدير، يعني مش شيء يُحسب بالسنتي، مش شيء محسوس حقيقة يمكن أن تحسه؛ المروءة قضية معنوية نوعًا ما، تحتاج إلى شيء من الحدس، شيء من الظن، شيء من التوهم. ومنها ما يظهر بالفعل ويخفى بالتغافل، فلذلك أعوز استيفاء شروطها إلا جُملًا يتنبه الفاضل عليها بفطنته، ويستدل العاقل عليها بفطرته. وإن كان جميع ما تضمنه كتابنا هذا هو حقيقة يعتبر من حقوق المروءة وشروطها، وإنما نذكر في هذا الفصل الأشهر من قواعد المروءة وأصولها، والأظهر من شروطها وحقوقها ومحصورًا في تقسيم جامع، وهي تتقسم قسمين: أحدهما شروط المروءة في نفسك، وشروط المروءة في غيرك. فأما شروطها في التعامل مع نفسك بعد التزام ما أوجبه الشرع عليك من أحكامه، فيكون بثلاثة أمور: أن تكون عفيفًا والنزاهة والصيانة.

قال فأما العفة فنوعان: أحدهما العفة عن المحارم، والثاني العفة عن المأثم. قال فأما العفة عن المحارم فنوعان: ضبط الفرج عن الحرام، والثاني كف اللسان عن الأعراض. فأما ضبط الفرج عن الحرام؛ فلأن عدمه مع وعيد الشرع وزاجر العقل، معرة فاضحة وهتكة ضاحضة؛ أي إنسان يعرف بملف قبيح في هذا الموضوع تسقط حرمته عند الناس غير عذاب الله سبحانه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وُقي شر ذبذبه ولقلقه وقبقبه فقد وقي»، يريد بذبذبه الفرج، وبلقلقه اللسان، وبقبقبه البطن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب العفاف إلى الله عفاف الفرج والبطن». وحكي أن معاوية سأل عمرًا عن المروءة فقال: تقوى الله وصلة الرحم. وسأل المغيرة فقال: هي العفة عما حرم الله، والحرفة فيما أحله الله. وسأل يزيد فقال: هي الصبر عن البلوى، والشكر على النعمة، والعفو عند المقدرة. فقال معاوية: أنت مني حقًا. وقال أنوشروان لابنه يَهرمز من كامل المروءة؟ فقال: من حصّن دينه، ووصل رحمه، وأكرم إخوانه. وقال بعض الحكماء: من أحب المكارم اجتنب المحارم. وقيل: عار الفضيحة يكدر لذاتها. وقد أنشدني بعض أهل الأدب للحسين بن علي: الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جاري

والداعي إلى ذلك شيئان، ما الذي يدعو إلى؟ بدأ بقضية الوصول إلى أن تهتك حرمة الفرج؛ يعني ما الذي يجعل الإنسان يسقط في هتك عرضه واستجلاب الناس له؟ بعض الناس فعلًا يسقط في عار يتعلق بالجنس مع أن مقامه أعلى، من أين دخل عليك هذا المدخل يا طالب العلم أو يا أيها الرجل؟ قال: من إرسال الطرف واتباع الشهوة؛ إطلاق البصر للحرام واتباع كلما أتيت إلى شهوة إلى امرأة أو كذا أحببت الدخول معها، وهذا الذي سيؤدي بك إلى هذا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة، فإن لك الأولى والثانية عليك». وفي قوله «لا تتبع النظرة» تأويلان: أحدهما لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك، جميل يعني الذي تشوفه بعينك لا تفكر فيه حاول أن تطرده، هذه جميلة التأويل. والثاني لا تتبع النظرة الأولى التي وقعت سهوًا بالنظرة الثانية التي توقعها عمدًا، وهذا هو الفهم الأشهر للحديث. وقال عيسى بن مريم: إياك والنظرة بعد نظرة، فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة. وقال علي: العيون مصايد الشيطان. وقال بعض الحكماء: من أرسل طرفه استدعى حتفه. وقال بعض الشعراء: وكنت أنت متى أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظر رأيت الذي لا أنت منه قادر؛ أنت مش راح تتزوج كل النساء اللي بتشوفهم عليه، ولا عن بعضه أنت صابر.

وأما الشهوة فكيف تعالجها؟ قال فهي خادعة العقول، وغادرة الألباب، ومحسنة للقبائح ومسوّلة للفضائح، وليس عطب أي هلاك إلا وهي له سبب وعليه لب؛ أي هي التي تجمع له. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كنّ فيه وجبت له الجنة وحفظ من الشيطان: من ملك نفسه حين يرغب، وحين يرهب، وحين يشتهي، وحين يغضب». وقهر هذه الشهوة عن هذه الأحوال يكون بثلاثة أمور: غض الطرف كما قلنا عن إثارتها وكفّه عن مساعدتها، فإن الطرف العين هي الرائد المحرك للشهوة والقائد المهلك. كما روى سعيد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تقبلوا إليّ بست أتقبل إليكم بالجنة»، قال وما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخُن، غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم». والثاني ترغيبها في الحلال عوضًا، دائمًا بس تفكر في الشهوة رغبها في الحلال، الزواج الحلال أو الكسب الحلال، وإقناعها بالمباح بدلًا؛ فإن الله ما حرم شيئًا إلا وأغنى عنه بمباح من جنسه، لما علمه سبحانه من نوازع الشهوة وتركيب الفطرة ليكون ذلك عونًا على طاعته، وحادًا عن مخالفته. وقال عمر: ما أمر الله بشيء إلا وأعان عليه، ولا نهى عن شيء إلا وأغنى عنه.

والثالث عليك إشعار النفس بتقوى الله في امتثال أوامره، واتقائه في اجتناب زواجره، وإلزامها ما ألزم من طاعته وتحذيرها ما حذر من معصيته، وإعلامها أنه لا يخفى عليه ضمير ولا يعزب عنه فضمير، وأنه يجازي المحسن ويكافئ المسئ. نزلت كتب وبلغت رسله؛ روي عن ابن مسعود أنه آخر ما نزل ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281]، وآخر ما نزل من التوراة: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، وآخر ما نزل من الإنجيل: «شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا»، وآخر ما نزل من الزبور: «من يزرع خيرًا يحصد زرعًا غبطة يحصد زرعه غبطة». فإذا أشعرها ما وصفت انقادت إلى الكف، وأذعنت بالاتقاء فسلم دينه، وظهرت مروءته فهذا هو الشرط.

وأما كف اللسان عن الأعراض، بعد أن تكلم عن عفة الفرج تكلم عن عفة اللسان عن أعراض الناس، فلأن عدمه ملاذ السفهاء وانتقام الغوغاء، وهو مستسهل الكلف، وإن لم يقهر نفسه عنه برادع كاف وزاجر صادٍ تلبّط بمعرّة وتحلّط بمضارّه، وظن أنه لتجافي الناس عنه حِمى يُتقى ورتبة تُرتقى، فهلك وأهلك. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم»؛ فجمع بين الدم والعرض لما فيه من إيغار الصدور، وإبداء الشرور، وإظهار البدائل واكتساب الأعداء. ولا يبقى مع هذه الأمور وزن لموموق، الموموق هو المحبوب، ولا مروءة لملحوظ، ثم هو بها موتور وموزموز، ولأجلها مهجور مسجور. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه»؛ يعني بعض الناس بفكر أنه سلاطة اللسان بتخلي الناس تحذره، بقول لك نحن بدنا ترى سلاطة اللسان، الناس بتغتابك من وراك، لا تظن أن لسان دخولك في أعراض الناس وشتمهم والتسلط عليهم سيجلب لك.

لك ماذا؟ قوة شخصية كما تظن، وما قدح في الأعراض من الكلام نوعان: أحدهما ما قدح في عرض صاحبه ولم يتجاوزه إلى غيره، وذلك شيئان: الكذب وفحش القول. أحدهما أن يكون كلامك يطعن في عرضك أنت، وذلك يكون بالكذب لأن الناس تقول عنك كذاب، وفحش القول لأن الناس تقول عنك فاحش.

والثاني ما تجاوز إلى غيره، وذلك أربعة أشياء، كيف تكون طعنك في عرض الآخرين: الغيبة، والنميمة، والسعاية للحاكم والسلطان، والسب بقذف أو شتم. وربما كان السب أنكاها للقلوب وأبلغها أثراً في النفوس، ولذلك زجر الله عنه بالحد تغليظاً، وبالتفسيق تجديداً وتصعيباً، يقصد السب هنا إذا كان قذف عرض، في حد؛ حد القذف، وفي هناك أيضاً وصم لك بالفسق. وقد يكون ذلك إلى أحد شيئين: إما انتقام يصدر عن سفه، أو بذاء يحدث عن لؤم. وقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم». المؤمن غر، المعنى مش أنه أحمق، بقدر ما أنه يتغافل؛ عنده تغافل، بخلاف الفاجر الذي هو دائماً لئيم ويستيقظ على كل الهفوات. وقال ابن المقفع: الاستطالة على الناس بلسانك هو لسان الجهالة، وكف النفس عن هذه الحال بما يصدها من الزواجر الأسلم، وهو بذي المروءة أجمل، فهذا شرط.

وأما العفة عن المآثم، الآن سيتكلم عن العفة عن المآثم، فقال: الكف عن المجاهرة بالظلم، والثاني زجر النفس عن الاسترسال بخيانة. فأما المجاهرة بالظلم فعتو مهلك وطغيان متلف، وهو يقول إن استمر إلى فتنة أو جلاء. وأما الفتنة في الأغلب فتحيط بصاحبها وتنعكس على البادئ بها، فلا تنكشف إلا وهو بها مصروع، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفتنة نائمة، فمن أيقظها صار طعاماً لها». وقال جعفر بن محمد: الفتنة حصاد الظالمين. وقال بعض الحكماء: صاحب الفتنة أقرب شيء أجلاً وأسوأ شيء عملاً، وكما قال بعض الشعراء: وكنت كعنز السوء قامت لحينها إلى مدية تحت الثرى تستثيرها

وأما الجلاء فقد يكون من قوة الظالم وتطاول مدته، فيصير ظلمه مع المكنة جلاء وفناء، كالنار إذا وقعت في يابس الشجر فلا تبقى معها مع تمكنها شيئاً، حتى إذا أفنت ما وجدت اضمحلت وخملت، فكذا حال الظالم مهلك ثم هو هالك في النهاية. والباعث على ذلك شيئان: الجرأة والقسوة، ما الذي يجعل الإنسان يظلم؟ جرأة وقسوة. قال صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا الفضل والمعروف عند الرحمن من أمتي، تعيشوا في أكنافهم». والصاد عن ذلك أن يرى آثار الله تعالى في الظالمين، فإن له فيهم عبرة، ويتصور عواقب ظلمهم فإن فيها مزجرة. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح ولم ينو ظلم أحد غفر الله له ما اجترم». وروى جعفر بإسناده قال صلى الله عليه وسلم: «يا علي، اتق دعوة المظلوم؛ فإنه إنما يسأل الله حقه، وإن الله لا يمنع ذا حق حقه». وقد قيل في منثور الحكم: ويل للظالم من يوم المظالم. وقال بعض البلغاء: وإن جار حكمه وأهلكه ظلمه. وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالمه

وأما الاسترسال بخيانة، فهذا يضعه؛ يعني خفض في الأخلاق لأن بذل الخيانة مهين، ولقلة الثقة به مستكين، وقد قيل إن خلص الناس تتركك ما دام عرفوا أنك خائن. وقد قيل في منثور الحكم: من يخن يهن. وقال خالد الربعي: قرأت في بعض الكتب السالفة أن مما تعجل عقوبته ولا تؤخر: الأمانة تخان، والإحسان يكفر، والرحم تقطع، والبغي على الناس. ولو لم يكن من ذم الخيانه إلا ما يجد الخائن في نفسه من المذلة لكفاه زاجراً، ولو تصور عقب أمانته وجد ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهيه، وأقوى شفاعة شفعاء تقدمه عند الناس، مع ما يجده في نفسه من العز ويقابل عليه من الأعداء. وقد روي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». وقال سعيد بن جبير لما نزلت: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]، يعنون أن أموال العرب حلال لهم لأنهم من غير أهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: «كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، الأمانة مؤداة إلى البر والفاجر»، حتى الفاجر عليك أن تكون أميناً معه.

ولا يجعل ما يظاهر به من الأمانة زوراً، ولا ما يبديه من العفة غروراً، فينتهك الزور وينكشف الغرور، فيكون مع هتك التدليس أقبح. يعني لا تكن تتصنع الأمانة وأنت لست من أهلها، أو تتصنع العفة أمام الناس واهتمامك بها وأنت في الباطن فاجر؛ لأنه إذا كشفوك ازددت فضيحة، لأنه يقول لك كان يتصنع علينا العفة وهو في الباطن فاجر، ويعطينا خطب في الأمانة، ما شاء الله؛ تعرفوا هذا المدير اللي بيعطي خطب في الأمانة، لك هذا وهو في النهاية هو اللي يسرق الشركة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما لم تُر الأمانة مغنماً، والصدقة مغرماً». وقال بعض الحكماء: من التمس أربعاً بأربع التمس ما لا يكون: من التمس الجزاء بالرياء التمس ما لا يكون، ومن التمس مودة الناس بالغلظة التمس ما لا يكون، ومن التمس وفاء الإخوان بغير وفاء التمس ما لا يكون؛ أنت ما بدك تكون وفي معهم بس بدك إياهم يكونوا أوفياء معك لا يمكن ذلك، ومن التمس العلم براحة الجسد التمس ما لا يكون. والداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإن حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته.

فهذا شرط قد استوفينا به أقسام العفة، بقي علينا الكلام في النزاهة. والكلام في ماذا؟ هو يقال أي المروءة في النفس: العفة، والنزاهة، والصيانة. وإن شاء الله نختم الكتاب ما بقي إلا وريقات قليلة بإذن الله، نختمها في الدرس القادم، لكن الدرس القادم ما راح يكون السبت الجاي، إذا لأنه هو العيد إن شاء الله، يكون اليوم الثاني من العيد إن شاء الله، يعني إن كان لنا بعد العيد أمراً وبقية نختم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.