دخولتسجيل الدخول

المجلس العاشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. نسأل عن الصوت، هل الصوت جيد في البداية؟ إذا نبدأ مستعينين بالله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة السبت في المجلس المتجدد في قراءة كتب أهل العلم، ودرسنا المستمر معنا في أدب الدنيا والدين للإمام الماوردي رحمه الله تعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى في صبيحة هذا اليوم أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وفي غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن ينصرهم على عدوهم، وأن يرفع البأس عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا نعيش في هذا الكتاب، وصلنا إلى القسم الثالث من أقسام الكتاب: أدب الدنيا، وكان يفسر رحمه الله تعالى كيف يستقر الإنسان في دنياه، وبين أن هذا يقوم على ثلاثة أركان: على وجود نفس تطيعك، وعلى وجود الألفة والصداقة، وبين أسباب الصداقة الحقيقية، ثم قال على وجود المادة التي يستقر بها العيش، وبين بعد ذلك أسباب العيش. نحن انتهينا من الركن الأول: النفس التي تطيع، والألفة، ثم انتقلنا إلى القسم الثالث وهو العيش وأسبابه، فبين أن أسباب العيش أربعة، أو أسباب المكاسب أربعة: الزراعة، والرعي، ونتاج البهائم، والتجارة، ثم بعد ذلك الصناعة. وصلنا إلى الصناعة وأسبابها، فقال: أما الرابع من أسبابها وهو الصناعة، نبدأ من بداية الفقرة.

قال رحمه الله تعالى: واما الرابع من أسبابها وهو الصناعة، فقد تتعلق بما مضى من الأسباب الثلاثة، وتنقسم أقساماً ثلاثة: صناعة فكر، وصناعة عمل، وصناعة مشتركة بين فكر وعمل؛ لأن الناس آلة للصناعات، فأشرفهم نفساً متهيئ لأشرفها جنساً، كما أن أرذلهم نفساً متهيئ لأرذلها جنساً. فهو يقول النفوس الشريفة هي التي تتهيا للصناعة الفكرية، هذه تعتبر أشرف أنواع الصناعات، والنفوس ضعيفة الهمم هي التي تتهيا للصناعات العملية فقط؛ ما عنده قدرة أن يشغل دماغه، فهذا يكدح بجسده، ويعطيه العافية. لأن طبع الإنسان يبعث على ما لاءمه ويدعو إلى ما جانسه.

حُكي أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض، قال لأرسطاطاليس: اخرج معي، قال: قد نحل جسمي وضعف عن الحركة فلا تزعجني، قال: فما أصنع في عمالي؟ قال: انظر فمن كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجند، ومن كان له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخرج. قال: فنبهه باعتبار الطباع على ما أغناه عن كلفة التجربة. هذا مهم إخواني في نصيحتك لأبنائك لطلابك إلى أين يتوجهون، في بعض الناس يريد أن يجبر ابنه أن يشتغل في صنعة معينة وابنه طباعه لا تسمح له بذلك؛ طبائع مهم أن تنظر استعدادات الولد.

بعض الشباب المتدين يريد أن يكون كل أبنائه وطلاب علم، واضح أن في كثير منهم استعداداته العقلية لا تساعد ذلك، هو مثلاً قد يصلح في عمل إنتاجي، قد يصلح في عمل زراعي، قد يصلح في عمل هندسي. فمن المهم أن يعرف الإنسان أولاً ميولاته الشخصية وطبائعه حتى يعرف هل أنا أصلح للعلوم الفكرية؟ لا تجبر نفسك على شيء ليس من طبعك ولا يلائمك وأنت تعرف استعداداتك النفسية ليست في هذا المجال. ودائماً نقول للآباء والأمهات أيضاً لا تجبروا أبناءكم على صنعة أو حرفة سواء فكرية أو بدنية هم لا يريدونها. بعض الناس يريد أن يوجه ابنه لأمور فقط من باب الأمور الاجتماعية، بدي ابني يصير طبيب وابنه ما عنده استعداد أبداً للطب ولا يحب ذلك، لكن حرص الأب والأم على الأمور الاجتماعية أنه كيف ابني يجيب معدل عالي ويدخل الطب حتى الناس لا تنظر إلينا بنظرة ازدراء، فيضيع ابنه ويضيع نشاطه وهمته واستعداداته فقط من أجل أمور اجتماعية عند الآباء والأمهات. الناجحون هم الذين يوجهون أنفسهم وأبناءهم إلى ما يعرفون من طبائعهم؛ هكذا يكون الإنتاج صحيح وتكون حياة هادئة والإنسان يشعر فيها بالطمأنينة لأنه اختار شيئاً يلائمه.

قال: وأشرف الصناعات صناعة الفكر، وأرذلها صناعة العمل؛ لأن العمل نتيجة الفكر وهو مدبر به. فأما صناعة الفكر فقد تنقسم قسمين: أحدهما ما وقعت على التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة، كسياسة الناس وتدبير البلاد، وقد أفردنا للسياسة كتاباً لخصنا فيه من جملها ما ليس يحتمل هذا الكتاب ذكر زيادة عليها. فالقسم الأول من صناعة الفكر هي ما وقفت على التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة، يعني هي عبارة عن قرارات تتخذها في الأمور الاجتماعية والسياسية بعد التأمل والفكر الصحيح، فهذه ما يسمى العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية عموماً.

والثاني ما أدت إلى المعلومات الحادثة عن الأفكار النظرية، الثاني مش موضوع قرارات، لا موضوع عبارة عن علوم أنت تكتب وتؤلف فيها معلومات حادثة من الأفكار النظرية، سواء في علوم الفيزياء، كيمياء، أحياء، جيولوجيا، أشياء زي كده، ومنها العلوم الشرعية. قال: وقد مضى في العلم من كتابنا هذا باب أغنى ما فيه عن زيادة قول فيه.

قال: وأما صناعة العمل فقد تنقسم قسمين: عمل صناعي وعمل بهيمي. فالعمل الصناعي أعلاها رتبة لأنه يحتاج إلى معاطاة في تعلمه ومعاناة في تصوره، فصار آخذاً بالشبه من المعلومات الفكرية؛ يعني ممكن نقول مثل الأعمال الهندسية، العمل الصناعي الأعمال الهندسية التي لا تعتمد فقط على البدن، بدك تكون أنت متصور العمارة التي بدك تبنيها، بدك تكون متصور المشروع الذي بدك تنشئه قبل ما تبدأ تشتغل فيه بيدك، ففي نوع من المعلومات الفكرية سابقاً.

والآخر إنما هو صناعة كد وآلة مهنة، وهي الصناعة التي تقتصر عليها النفوس الرذلة وتقف عليها طباع الجافية. وكما قال أكثم بن صيفي: لكل ساقطة لاقطة، وقال المتلمس: ولا يقيم على ضيم يُسام به إلا الذليلان الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يُشج فلا يرثي له أحد هذا دائماً مثل يُقال للذل، يعني من الناس الأذلة يشبه الإنسان الذليل بماذا؟ ببعير الحي والوتد.

وأما الصناعة المشتركة بين الفكر والعمل فقد تنقسم قسمين: أحدهما أن تكون صناعة الفكر أغلب والعمل تبعاً كالكتابة، والثاني أن تكون صناعة العمل أغلب والفكر تبعاً كالبناء، فأعلاهما رتبة ما كانت صناعة الفكر أغلب عليها والعمل تبعاً لها. فهذه أحوال الخلق التي ركبهم الله تعالى عليها في ارتياد موادهم، ووكلهم إلى فطرهم في طلب أكسابهم، وفرق بين هممهم في التماسها ليكون ذلك سبباً لألفتهم، فسبحان من تفرد فينا بلطيف حكمته، وأظهر لفطننا عزائم قدرته.

وإذ قد وضح القول في أسباب المواد وجهات المكاسب، فليس يخلو حال الإنسان فيها من ثلاثة أمور: أحدها أن يطلب منها قدر كفايته ويلتمس وفق حاجته من غير أن يتعدى إلى زيادة عليها أو يقتصر على نقصان منها، فهذه أحمد أحوال الطالبين، يعني الذي يعمل على قدر ما يحصل الكفاف؛ لا هو مقصر في الراتب الذي يحصله ولا هو مسرف ويبحث عن أعمال زائدة فقط من أجل الترف المادي.

قال: وقد روى قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحى الله تعالى إلي كلمات فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف». الكفاف أن يكون لك على قدر حاجتك لا أقل ولا أكثر. قال: الله لا يحاسبك على هذا، وإنما يحاسبك إذا قصرت في حق أهلك أو إذا أسرفت.

وروى حميد عن معاوية بن حي، قلت: يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا؟ قال: «ما سد جوعتك وستر عورتك، فإن كان دار فذاك، وإن كان حمار فبخٍ بخٍ». يعني صار عندك دار سيارة، يعني أنت أمورك طيبة، قال: فلق من خبز وجر من ماء وأنت مسؤول عما فوق الإزار.

وقد حكي عن ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20] أن كل من يملك بيتاً وزوجةً وخادماً فهو ملك. وروى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك». وهو في المعنى صحيح؛ لأنه بالزوجة والخادم مطاع في أمره، وبالدار محجوب إلا عن إذنه. وليس على من طلب قدر الكفاية ولم يتجاوز تبعات الزيادة إلا توخي الحلال منه، وإجمال الطلب فيه، ومجانبة الشبهة الممازجة له. فقد روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فلن تجد فقد شيء تركته لله».

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد فقال: «أما إنه ليس بإضاعة المال ولا تحريم الحلال، ولكن أن تكون بما بيد الله أوثق منك بما في يدك، وأن يكون ثواب المصيبة أرجح عندك من بقائها».

وحكى عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: أن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حجزاً بينك وبين الحرام فافعل؛ فإنه من استوعب الحلال تاقت نفسه إلى الحرام. وقد اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]، فقال عكرمة: يعني كسباً حراماً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو إنفاق من لا يوقن بالخلف. وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب، فإن أحسنت رُقيتها وإلا فلا تأخذها. وقيل: من قل توقيه كثرت مساوئه.

وقال بعض البلغاء: خير الأموال ما أخذته من الحلال وصرفته في النوال، وشر الأموال ما أخذته من الحرام وصرفته في الآثام. وكان الأوزاعي الفقيه رحمه الله تعالى كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات: المال ينفد حله وحرامه يوماً وتبقى بعده آثامه ليس التقي بمتقٍ لإلهه حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما يجني ويكسب أهله ويطيب من لفظ الحديث كلامه فبذاك خبرنا النبي محمد فعلى النبي صلاته وسلامه

وحكي عن ابن المعتمر السلمي أنه قال: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء، وفقراء، وأوساط. فالفقراء موتى إلا من أغناه الله تعالى بعز القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله تعالى بتوقع الغير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط، وأكثر الشر مع أكثر الفقراء والأغنياء؛ لسخف الفقر وبطر الغنى. إذاً هو يقول إن الكفاف الوسط هو أكمل أحوال الإنسان في باب المادة.

الحالة الثانية: قال أن يقصر عن طلب كفايته ويزهد في التماس مادته، وهذا التقصير قد يكون على ثلاثة أوجه، فيكون تارة كسلاً، وتارة توكلاً، وتارة زهداً وتقنعاً. الناس الذين يكون راتبهم أو مالهم أقل من حاجتهم ثلاثة أحوال: إما كسلاً، يعني هو ما بده يشتغل حتى يجيب كفايته، وتارة توكلاً، يعني هو ماشي بالحياة الدنيا مش كسل مفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى بيحاول على قدر استطاعته، خلينا نقول متوكل على الله عز وجل، وتارة لا، يعني هو بده يعلم نفسه الزهد والتقنع، يعني هو ليس من باب الكسل ما بده يشتغل، لا، أنا بدي أدرب نفسي على الزهد وعدم أخذ الزائد.

فإن كان تقصيره لكسل فقد حرم ثروة النشاط ومرح الاغتباط، ولن يعدم أن يكون كلاً مقصياً أو ضائعاً.

كاد الحسد أن يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفراً. وقال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثلها فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثله فالفقر. وقال وقيل في منثور الحكم: القبر خير من الفقر. ووجد في نيل مصر مكتوب على حجر: عقبه الصبر نجاح وغنى، ورداء الفقر من نسج الكسل.

وقال بعض الشعراء: أعوذ بك اللهم من بطر الغنى ومن نهكة البلوى ومن ذلة الفقر، ومن أمل يمتد في كل شارق ويرجعني منه بحظ يد صفر. إذا لم تدنسني ذنوب بعارها فلست أبالي ما تشعث من أمري.

قال: وإن كان تقصيره لتوكل فذلك عجز قد أعذر به نفسه، وترك حزم قد غير اسمه؛ لأن الله تعالى إنما أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل والتسليم إلى القضاء بعد الإعذار. إذا هو فسر التوكل هنا بمعنى التوكل المذموم، يعني أن يقصر ليس كسلاً بل يظن أن هذا من أشكال التوكل. أن يقصر في العمل ليس دافعه الكسل وإنما لا يريد أن يتوكل على الله، نقول هذا ليس هو التوكل المحمود؛ لأن التوكل المحمود يكون بعد بذل الأسباب.

قال: وقد روى معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل فذكر فيه خير، وقالوا: يا رسول الله، خرج معنا حاجاً فإذا نزلنا منزلاً لم يزل يصلي حتى نرتحل، فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله تعالى حتى ننزل. فقال صلى الله عليه وسلم: «فمن كان يكفيه علف ناقته وصنع طعامه؟». قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: «فكلكم خير منه». وقال بعض الحكماء: هو كان كالكل على إخوانه عبء.

وقال بعض الحكماء: ليس من توكل المرء إضاعته للحزم، ولا من الحزم إضاعة نصيبه من التوكل. وإن كان تقصيره لزهد وتقنع فهذه حال من علم بمحاسبة نفسه تبعات الغنى والثروة، وخاف عليها بوائق الهوى والقدرة. بعض الناس ما بيشتغل ويقلل من الشغل زهداً وتقنعاً، نقول هذا حال من خشي على نفسه تبعات الغنى؛ بعض الناس يقول لك يا شيخ أنا إنسان أعرف نفسي، إذا صار معي مصاري بتسوء أخلاقي ما بدي أجيب المصاري حتى تبقى أخلاقي جيدة.

وقد روى أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم طلعت فيه شمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين الجن والإنس: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى». وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انتظار الفرج من الله تعالى عبادة، ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله تعالى عنه بالقليل من العمل».

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من نبل الفقر أنك لا تجد أحداً يعصي الله تعالى ليفتقر، تجد من يعصي ليغنى لكنك لا تجد شخصاً يريد يعصي من أجل أن يصبح فقيراً، لكنك تجد من يعصي حتى يصبح غنياً؛ يأكلون الربا والحرام وما شابه ذلك من أجل الغنى مش من أجل الفقر.

قال فأخذه محمود الوراق فقال: يا عائب الفقر ألا تزدجر، عيب الغنى أكبر لو تعتبر. من شرف الفقر ومن فضله على الغنى إن صح منك النظر، أنك تعصي لتنال الغنى، ولست تعصي الله كي تفتقر.

هنا الأخ سأل ما معنى أن الله أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل؟ يعني أنت في النهاية التوكل يكون عندما تنقطع الأسباب ولا يوجد شيء تفعله، خلص تتوكل على الله سبحانه وتعالى وأقول أفوض أمري إلى الله. لكن ما دام في هناك أسباب عليك أن تتعاطى فهذا ما يريد أن يقوله؛ عند انقطاع الحيل تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى وتفوض أمرك إلى الله. طبعاً هو التفويض لله يكون حتى قبل أخذ الأسباب، لكن هو كناية أن الإنسان ما يقول أنا خلاص لا أعمل توكلاً على الله؛ هذه حالة الانقطاع عن العمل عندما تكون عند انقطاع الحبل، أما ما دام عندك سعة فاعمل.

وقال ابن المقفع: دليلك أن الفقر خير من الغنى، وأن قليل المال خير من كثيره، لقاؤك مخلوقاً عصى الله بالغنى، ولم ترَ مخلوقاً عصى الله بالفقر؛ هذا نفس المعنى السابق. وهذه الحال إنما تصح لمن نصح نفسه فأطاعته، وصدقها فأجابتها، حتى لان قيادها وهان عنادها، وعلمت أن من لم يتقنع بالقليل لم يتقنع بالكثير. كما كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما: يا أخي، من استغنى بالله تعالى اكتفى، ومن انقطع إلى غيره تعنى، ومن كان من قليل الدنيا لا يشبع لم يغنه منها كثرة ما يجمع؛ فعليك منها بالكفاف وألزم نفسك العفاف، وإياك وجمع الفضول فإن حسابه يطول. وقال بعض الحكماء: هيهات منك الغنى إن لم تقنع كما حويت.

فأما من عزفت نفسه عن قبول نصحه، وجمحت به عن قناعة زهده، فليس إلى إكراهها سبيل ولا إلى الحمل عليها وجه إلا بالرياضة والمرونة. أما نفسك لا تطيعك على الفقر وتراها "لا بدي أصبح غنياً" وأنت بتحاول تقنعها "يا نفسي ترى المال كذا وكذا" هي مصرة، إذا رأيت نفسك جموحاً صعبة الانقياد لا تستطيع أن تجبرها على الفقر أو القبول من نقص إلا بالرياضة، بدك تصير تروض هذه النفس شوي وتمرنها. المرونة يعني نوع من الممارسة، فكما أن البدن له رياضة، النفوس لها رياضة، وأن يستنزلها إلى اليسير الذي لا تنفر منه؛ يعني ما تنزلها مرة واحدة، بدك تعودها الزهد، فلتنزل رويداً رويداً الذي لا تنفر منه. فإذا استقرت عليه، يعني مثلاً نزلتها أسبوع هذا خمس دنانير من المصروف الأسبوعي، إذا استقرت عليه الأسبوع البادي بتقدر تنزل كمان خمسة؛ أما مرة واحدة تنزل 50 دينار بتكسرها. فإذا استقرت عليه استنزلها إلى ما هو أقل منه، لينتهي بالتدريج إلى الغاية المطلوبة، وتستقر بالرياضة والمرونة على الحال المحبوبة. فقد تقدم قول الحكماء بأن الكره يسهل بالمرونة.

فهذا حكم ما في الحال الثانية من التقصير عن طلب الكفاية. وأما الحال الثالثة فهو ألا يقنع بالكفاية ويطلب الزيادة والكثرة؛ فقد يدعو إلى ذلك أربعة أسباب: أحدها منازعة الشهوات التي لا تنال إلا بزيادة المال. بعض الشباب يشوف مثلاً سيارة حديثة بصير بده سيارة، يقول لك أنا بظن سيارة عتيقة فبصير لحتى ينال الشهوة هي محتاج للمال، أو يرى بيتاً فارهاً فيصبح يحلم به وهكذا. فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله إليها، وليس للشهوات حد متناه، فيصير ذلك ذريعة إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناه، ومن لم يتناه طلبه استدام كده وتعبه. ومن استدام به الكد والتعب لم يفِ التذاذه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وأتعابه، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمغالبة الشهوات والتعرض لاكتساب التبعات، حتى يصير كالبهيمة التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها فلا تنزجر منه بعقل ولا تنكف عنه بقناعة. وقد روى علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد الله به خيراً حال بينه وبين شهوته، وحال بينه وبين قلبه، وإذا أراد الله به شراً وكله إلى نفسه». وقال الشاعر: وإنك إن أعطيت بطنك همه، وفرجك نال المنتهى الذم أجمعا.

قال والسبب الثاني: أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير، ويتقرب بها في وجوه البر، ويصطنع بها المعروف ويغيث بها الملهوف. فهذا أعذر وهو بالحمد أحرى وأجدر، إذا انصرفت عنه تبعات المطالب وتوقى شبهات المكاسب، وأحسن التقدير في حالتي فائدته وإفادته على قدر الزمان وبقدر الإمكان. قال لأن المال آلة المكارم وعون على الدين والمغارم، وبه يتألف الإخوان، ومن فقده من أبناء الدنيا قلت الرغبة فيه والرهبة منه، ومن لم يكن منهم بموضع رهبة ولا رغبة استهانوا به. وقد روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحساب أهل الدنيا هذا المال»؛ وقد يعني الحسب بتحصله بالمال، الناس التي لها أحساب بالمال هيك بصير حسب ومكانة عند الناس.

وقال مجاهد: الخير في القرآن كله هو المال، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] يعني المال، ومنه ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: 32] يعني المال، ومنه ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] يعني مالاً. وقال سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ [هود: 84] يعني الغنى والمال، وإنما سمى الله تعالى المال خيراً إذا كان ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] أيضاً موسى تحت الشجرة. قال وإنما سمى الله تعالى المال خيراً إذا كان في الخير مصروفاً؛ لأن ما أدى إلى الخير فهو في نفسه خير، فهنا يكون المال خيراً فعلاً إذا أدى إلى المصارف الصحيحة.

وقد اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. قال السدي وعبد الرحمن بن زيد: الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة. وقال الحسن البصري وسفيان الثوري: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، لا تؤكل ولا تشرب، حيث قصدت بها قضيت حاجتك. وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لما تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: وهي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. وقال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرمين: الدين والعرض.

قال وقيل في منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله. ومر رجل من أرباب الأموال ببعض العلماء فتحرك له وأكرمه، فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال: لا، ولكني رأيت ذا المال مهيباً. وسأل رجل محمد بن عمير بن عطارد وعتاب بن ورقاء في عشر ديات، فقال محمد: علي دية، وقال عتاب: الباقي عليه، فقال محمد: نعم العون على المجد اليسار، اليسار الغنى. وكان يقال: الدراهم مراهم؛ لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح. وقيل المرهم والدواء. وقيل في منثور الحكم: الفقر مخذلة والغنى مجذلة، والبؤس مرذلة والسؤال مبذلة. وقال الأحنف بن قيس: لو مد سروري بمال كثير لجدت وكنت له باذلاً، فإن المروءة لا تستطاع إذا لم يكن مالها فاضلاً. وقال ابن الجلاح: رزقت لباً أريد مروءته، وما المروءة إلا كثرة المال، إذا أردتم مساماة تباعدني عما ينوه باسمي رقة الحال. وقال أوس بن حجر: أقيم بدار الحزم ما دام حزمها، وأحرى إذا حالت بأن أتحول. فإني وجدت الناس إلا أقلهم خفاف العهود يكثرون التنقلا. بنو أم ذي المال الكثير يرونه وإن كان عبداً سيد الأمر جحفلا، وهم لمقل المال أولاد علة وإن كان محظاً في العشيرة مخولا.

وقال أبو بشر الضرير: كفى حزناً أني أروح وأغتدى ومالي من مال أصون به عرضي، وأكثر ما ألقى الصديق بمرحبا وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي. أو سلمت عليه من بكرة الصبح معك مصاري ما هو. وقال آخر: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى، وكل غني في العيون جليل. وليس الغنى إلا غنى زين الفتى عشية يقري أو غداة ينيل. عشية يقري يعني عشية يضيف الناس غير الضيافة أو يعطي، هذا الذي يشكل لك مجداً في أعين العامة البسطاء.

وقد اختلف الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم. ألف ابن القيم في مسألة أيهما أفضل: الغني الصابر الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟ كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" كتاب كامل رسالة كاملة في المقارنة بين أيهما أفضل، هل الفقير الذي يصبر أم الغني الذي يشكر؟ والخلاصة أن كل واحد منهما حسن في حاله، وأن كل إنسان منهم على حسب صبر الفقير وعلى حسب شكر الغني، يعني مسألة نسبية؛ فهذا بلاء وهذا بلاء، وكل إنسان عليه أن يحسن في بلائه، فلا يوجد إجابة أن الفقير الصابر أفضل أو أن الغني الشاكر لا، كل على حسب ما يفعل في بلائه؛ فكما أن الفقر بلاء فكذلك الغنى بلاء.

قال: فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر؛ لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز، وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى نباهة أن يعرف حب النباهة، يعني أن يكون معروفاً، الناس تشير إليه وتعرفه وتستضيفه في المحافل. قال وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى؛ لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من.

هذا مذهب من غلب عليه حب السلامة، نعم الذي يريد السلامة عاد كسير فخ. وذهب آخرون إلى تضليل التوسط بين الأمرين، بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى، ليصل إلى فضيلة الأمرين ويسلم من ذم الحالين، وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال، وأن خيار الأمور أوساطها، وقد مضى من شواهد كل فريق في موضعه ما أغنى عن إعادته.

قال: والسبب الثالث أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال ليدخرها لولده ويخلفها على ورثته مع شدة ظنه. على السبب الثالث؟ لا، ما سبب الثالث لطلب الغنى؟ حكينا السبب الأول مغالبة الشهوات، أنه في شهوات يريد أن يحصلها فبالتالي يصير يطلب الغنى. السبب الثاني أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة من باب أن يصرفها في الخير، وهذا جزاه الله خيراً، قال لك هذا محمود، الذي يريد المال والغنى من أجل أن يبذلها في أوجه الخير.

السبب الثالث لطلب الغنى عند الناس: أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال ليدخرها لولده للمستقبل ولنوائب الدهر، ويخلفها على ورثته مع شدة ظنه على نفسه وكفه عن صرف ذلك في حقه، فتجده بخيلاً على نفسه، بخيلاً على صرف المال في حقه، لماذا؟ إشفاقاً عليه، يقول لك أنا خائف على أولادي في المستقبل ما يلاقوش عملاً، إشفاقاً عليهم من كدح الطلب وسوء المنقلب، فهذا شقي بجمعها مأخوذ بوزرها، قد استحق اللوم واستوجب الذم من وجوه لا تختفي على ذي لب.

منها سوء ظنه بخالقه في أنه لا يرزقهم إلا من جهته، سوء ظن بالله أنه أولادك لن يوفقوا للرزق إلا من جهتك أنت كأب، وهذا غير صحيح، الله يرزق الجميع. وقد قيل: قتل القنوط صاحبه، وفي حسن الظن بالله راحة القلوب. وقال عبد الحميد: كيف تبقى على حالتك والدهر في إحالتك؟ ومنها كيف تبقى على حالتك والدهر في إحالتك؟ أي لا تبقى على حالك، كيف تبقى؟ مستحيل تبقى على حالة واحدة لأن الدهر يتقلب.

ومنها الثقة ببقاء ذلك على ولده مع نوائب الزمان ومصائبه، المشكلة الثانية أنك أنت حتى لو كسبت كل الدنيا في لحظة واحدة ممكن رصيد البنك الذي دخلته لأولادك يذهب. يعني أنت ضامن أن هذه الأموال فعلاً سيأخذها أولادك؟ مسكين أنت! وقد قيل: الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره. وقيل في منثور الحِكم: المال ملول. وقال بعض الحكماء: المال ملول ما يحب يظل عند واحد، يحب يتنقل، بالتالي عندك إياه اليوم وبكرة بينسحب منك تلاقيه راح عند غيرك. وقال بعض الحكماء: الدنيا إن بقيت لك بقت، تبقى أنت لها.

ومنها ما حرم منافع ماله وسلب من وفور حاله، وقد قيل: إنما مالك لك أو للوارث أو للجائحة. فلا تظن أنك أنت ظللت طول حياتك فقيراً، أعرف قصصاً عن كثير من الناس كان يسكن إخواني في خيمة، ومن ينظر حاله يقول لك هذا رجل واضح أنه مسكين، لما مات وجدوا عنده من جرار المال الكثير، هذه قصة واقعية نعرفها، بقي ضنيناً بالمال شحيحاً به بخيلاً حتى عاش حياة تعب، لكن طبعاً هو ما أظن أنه أراد أولاده، يعني حتى أكون صادقاً، هو حبه للمال، يحب المال وجمعه لكن لم يتهنَّ بماله، وهذا مسكين، إما لك أو للوارث، ماذا استفدت من جمع الجرار وتخزينها؟

وقال عبد الحميد: اطرح كواذب آمالك وكن وارث مالك. ومنها ما لحقه من شقاء جمعه وناله من عناء كده، حتى صار ساعياً محروماً وجاهداً مذموماً، وقد قيل: رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. وقال الشاعر: من كلفته النفس فوق كفافها ... فما ينقضي حتى الممات عناؤه

ومنها ما يؤاخذ به من وزره وآثامه ويحاسب عليه من تابعاته وإجرامه، كما حكي أن هشام بن عبد الملك لما ثقل بكى عليه ولده، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب وتركتم عليه ما اكتسب. قال: ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! فأخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال: تمتع بمال مالك قبل الممات ... وإلا فلا مال إن أنت مت شقيت به ثم خلفته لغيرك ... بعداً وسحقا ومقتاً ومقت فجادوا عليك بزور البكاء ... وجدت عليهم بما قد جمعت فارهنتهم كل ما في يديك ... وخلوك رهناً بما قد كسبت

قال وقد روي أن العباس بن عبد المطلب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ولني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس يا عم النبي، قليل يكفيك خير من كثير يرديك، يا عباس يا عم النبي، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، يا عباس يا عم النبي، إن الإمارة أولها ندامة وأوسطها ملامة وآخرها خزي يوم القيامة»، فقال: يا رسول الله إلا من عدل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وكيف تعدلون مع الأقارب؟».

قال وقال رجل للحسن البصري: إني أخاف الموت وأكرهه، فقال: إنك خلفت مالك، ولو قدمته لسرَّك اللحاق به. وقيل في منثور الحكم: كثرة مال الميت تعزي ورثته عنه، فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال: أبقيت مالك ميراثاً لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم حالت بك الحال ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكمت كأولى القيل في الميراث والقال آلتهم وعنك دنيا أقبلت ... لهم وأدبرت عنك والأيام أحوال

والسبب الرابع لجمع وطلب الغنى: أن يجمع المال ويطلب المكاثره استحلاء لجمعه وشغفاً باحتجاره. بعض الناس عنده مهارة جمع المال، مثل هذا الحج الذي قلت لكم عنه، يحب يجمع المال، هو لا يملك أهدافاً سامية ويجمع المال من أجل أنه عنده حب الجمع والشعور أنني أستكثر من رصيد البنك، فهذا أسوأ الناس حالاً فيه وأشدهم حرماناً له، وقد توجهت إليه سائر الملاوم حتى صار وبالاً عليه ومذامَّ له، وفي مثله قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34].

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب تباً للفضة»، فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فأي مال نتخذ؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم ما قلت وقالوا فأي مال نتخذ؟ فقال: «لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه».

وروى شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيه»، ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيتان». قال: وإنما ذكر ذلك فيهما، وإن كان قد مات على عهده من ترك أموالاً جمة وأحوالاً ضخمة، فلم يكن منه فيهم ما كان في هذا، ما قال كيه من النار، مش خايفة تكوى بها جباههم؟ هذول من أهل الصفة وفقراء، وكل واحد تارك درهماً ولا درهمين، فلماذا قال كيه من النار كية مع أنه مات في زمنه صلى الله عليه وسلم من أثرياء الصحابة ولم يقل إنها كية؟ قال لأنهما تظاهرا بالقناعة واحتجنا ما ليس بهما إليه حاجة، فصار ما احتجناه وزراً عليهما وعقاباً لهما. وقد قال الشاعر: إذا كنت ذا مال ولم تكن ذا ندى ... فأنت إذا والمقترون سواء

على أن في الأموال يوماً تباعة على أهلها، والمقترون براءة. الفقير يخرج يوم القيامة براءً ما عليه مسؤولية، بس أنت صاحب الغنى عليك تباعة أي مسؤولية، ستحاسب عن مالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته.

وأنشد عن الربيع للشافعي رضي الله عنه: إن الذي رزق اليسار فلم يصب ... حمداً ولا أجراً لغير موفق والجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق

فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى عوداً فأورق في يديه فحققي، وإذا سمعت بأن محدوداً أتى ماء ليشربه فجف فصدقي، وأحق خلق الله بالهم امرؤ ذو همة يبلى بعيش ضيق، ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق.

من الدليل على وجود القضاء والقدر أن تجد شخصاً لبيباً لكن لم تفتح له الدنيا، وشخصاً أحمق والدنيا عنده. وآفت من بلي بالجمع والاستكثار، ومني بالإمساك والادخار، حتى انصرف عن رشده فغوى، وانحرف عن سنن قصده فهوى، أن يستولي عليه حب المال وبعد الأمل، فيبعثه حب المال على الحرص في طلبه، ويدعوه بعد الأمل إلى الشح به.

والحرص والشح أصل كل ذنب وسبب كل لؤم؛ لأن الشح يمنع من أداء الحقوق ويبعث على القطيعة والعقوق. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع». وقال بعض الحكماء: الغني البخيل كالقوي الجبان. وأما الحرص فيسلب فضائل النفس لاستيلائه عليها، ويمنع من التوفر على العبادة لتشاغله عنها، ويبعث على التورط في الشبهات لقلة تحرزه منها، وهذه ثلاث خلال هن جامعات الرذائل وسالبات الفضائل، مع أن الحريص لا يكسب بحرصه زيادة على رزقه سوى إذلال نفسه وإسخاط خالقه.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحريص الجاهد والقانع الزاهد يستوفيان أكلهما غير منتقص منه شيئاً، فعلام التهافت في النار؟». وقال بعض الحكماء: الحرص مفسدة للدين والمروءة، والله ما عرفت من وجه رجل حرصاً فرأيت أن فيه مصطنعاً، وقال آخر: الحريص أسير مهانة لا يفك أسره، وقال بعض البلغاء: المقادير الغالبة لا تنال بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا تنال بالشدة والمكالبة، فذلل للمقادير نفسك، واعلم بأنك غير نائل بالحرص إلا حظك، وقال بعض الأدباء: رب حظ أدركه غير طالبه ودر أحرزه غير حالبه.

وأنشدني بعض أهل الأدب لمحمد بن حازم: يا أسير الطمع الكاذب في غل الهوان ... إن عز اليأس خير لك من ذل الأمان.

عز، وخذ صفو الزمان، ربما أعدم ذو الحرص وأثرى ذو التواني. وليس أعدم أي افتقر الحريص، وأثرى الضعيف في سيره المتواني، بتلاقيه ممكن يثري عادي جداً.

نعم، قال: وليس للحريص غاية مقصودة يقف عندها، ولا نهاية محدودة يقتنع بها؛ لأنه إن وصل بالحرص إلى ما أمل أغراه ذلك بزيادة الحرص والأمل، وإن لم يصل رأى إضاعة العناء لوماً، وصبر عليه حزماً، وصار بما سلف من عنائه أقوى رجاءً وأبسط أملاً. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل». أي والله، وقيل للمسيح عليه السلام: ما بال المشايخ أحرص على الدنيا من الشباب؟ قال: لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذق الشباب. طيب، قال: ولو صدق الحريص نفسه واستنصح عقله لعلم أن من تمام السعادة وحسن التوفيق الرضا بالقضاء والقناعة بالقسم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتصدوا في الطلب، فإنما رزقتموه أشد طلباً لكم منكم له». يعني الشيء المكتوب لك هو عم يلحقك أكثر مما أنت بتلحقه، نعم، فهمت؟ وما حرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم. وروي أن جبريل هبط على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تبارك وتعالى يقرأ عليك السلام، ويقول لك اقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾، أمر النبي صلى الله عليه وسلم نادياً، فنادى: من لم يتأدب بأدب الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات.

نعم، مكتوب في بعض الكتب: ردوا أبصاركم عليكم فإن لكم فيها شغلاً. وقال مجاهد في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97] قلب القناعة. وقال أكثم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة. وقال بعض السلف: قد يخيب الجاهد الساعي، ويظفر الوادع الهادي، فأخذه البحتري فقال: لم ألقَ مقدوراً على استحقاقه في الحظ أما ناقصاً أو زائداً وعجبت للمجدود يحرم ناصباً كلفاً وللمجدود يغنم قاعداً المجدود اللي فقير يعني اللي رزقه على قده طبعاً يحرم وهو ينصب، والمجدود اللي هو المحظوظ يغنم وهو جالس نائم. طبعاً هذه فكرة دائماً تتكرر أنه مش قاعدة، برجع بقول لا من جد وجد، هي يعني مش على إطلاقها؛ هي من جد وجد لا عادي، في إنسان جد وتعب وكذا ومحروم، وفي إنسان ما جد وما تعب ولكن رزق. هذه أفضل القاعدة؛ ليه؟ حتى تشعر بالقناعة والرضا. نعم، ما خطب من حرم، لكن ليس معنى هذا أنك لا تبذل الأسباب، لا، ابذل الأسباب لكن وطن نفسك أنه ليس كل سبب بالضرورة سيؤدي إلى مسببه. نعم، ما خطب من حرم الإرادة وادعاً، خطب الذي حرم الإرادة جاهداً.

وقال بعض الحكماء: إن من قنع كان غنياً وإن كان مقتراً، ومن لم يقنع كان فقيراً وإن كان مكثراً. وقال بعض البلغاء: إن طلبت العزة فاطلبها بالطاعة، وإن طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فمن أطاع الله عز وجل عز، ومن لزم القناعة زال فقره. وقال بعض الأدباء: القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الموسر. وقال بعض الشعراء: إني أرى من له قنوع يدرك ما نال من تمنى والرزق يأتي بلا عناء وربما فات من تعنى

والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه؛ فالوجه الأول: أن يقتنع بالبلغة من دنياه، ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه، وهذا أعلى منازل أهل القناعة. وقال الشاعر: إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها

وقال مالك بن دينار: أزهد الناس في الدنيا من لم تتجاوز رغبته من الدنيا بلغته. وقال بعض الحكماء: الرضا بالكفاف يؤدي إلى العفاف. وقال بعض الأدباء: رب ضيق أفضل من سعة، وعناء خير من دعة. وأنشدني بعض أهل الأدب وذكر أنه لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أفادتني القناعة كل عز وأي غنى أعز من القناعة فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعة تحز ربحين تغنى عن بخيل وتنعم في الجنان بصبر ساعة

قال: والوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ويحذف الفضول الزائدة، وهذا أوسط أحوال المقتنع. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب، فإن قنع واقتصد أتاه رزقه، وإن هتك الحجاب لم يزد في رزقه». إذاً الحالة الأولى أن تطلب أقل من الكفاية، الحالة الأولى من القناعة ما هي؟ أن تطلب أقل من الكفاية، الحالة الثانية أن تصل إلى حد الكفاية. نعم، وقال بعض الحكماء: طلب ما فوق الكفاف إسراف. وقال بعض البلغاء: من رضي بالمقدور قنع بالميسور. الحالة الأولى بلغة، والبلغة تكون أقل من الكفاية في العادة. وقال البحتري: تطلب الأكثر في الدنيا وقد تبلغ الحاجة منها بالأقل

وأنشدت لإبراهيم بن المدبر: إن القناعة والعفاف فلا يغنيان عن الغنى فإذا صبرت عن المنى فاشكر فقد نلت المنى

طيب، الوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً. الحالة الثالثة أن يقف على ما سنح، يعني على ما سمح به القضاء والقدر فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً؛ والله جاء الشيخ مشعل أعطاني 5000 أنا مسرور، ما عندي مشكلة، يعني مش أني بدي الكفاية، لا، لو أتتني أشياء وهبات بآخذ، بس ما أتتني وما أتاني أنا راضٍ، يعني حالة من الانسجام مع الحياة؛ أجوا حتى ولو كان كثيراً بآخذ، ما جاني شيء برضه راضٍ، ولا يطلب ما تعذر. إذا شيء شايفه أنا مش مساعد ما أطلبه وإن كان يسيراً. طيب وهذا الحال أدنى منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركة في يعني فيها نوع رغبة شوي، يعني هي فيها نوع رغبة.

قال: لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة؛ أما الرغبة فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت، وأما الرهبة فلأنه لا يطلب المتعذر عند نقصان المادة إذا تعذرت. يعني اليوم معي كفاية أولادي لا نزلت شوي يعني مش الكفاف، نزلت لسه بقول لك برضه بطلب؛ يعني إذا أتاني كثير باخذ، وإذا نقصت علي الدنيا ما بروح بدور، فبقول لك هذه مشكلة؛ يعني هو يعتبروها أقل مراتب القناعة، لأنه إذا جاءه الكثير بيقبله، وإذا نقص عن حاجته ما بروح يتعب من أجل يجيب حاجته، لا برضه بيسامح في كل الأحوال؛ فهذا لا يعتبر في أكمل أحوال القناعة، وإن كان فيه نوع من طيبة النفس صراحة. وفي مثله قال ذو النون: من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرق.

وقد روى الحسن بن علي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا دُوَل، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك». ومن انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه، ومن رضي بما رزقه الله تعالى قرت عينه. وقال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين؛ قال شيئاً هو لي لن أعجله قبل أجله، يعني شيء ربنا أصلاً كاتبه لي فيعني مش خايف أتعجل عليه، لأنه هو جاييني جاييني في الوقت الذي كتب فيه، ولو طلبته بقوة السماوات والأرض رح يجيني في وقته؛ والشيء هو لغيري مش لي، وذلك ما لم أنله فيما مضى ولن أناله فيما بقي، يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري وأهلك نفسي؟

وقال أبو تمام: لا تأخذنَّ بالزمان فليس لي تبعاً ولست على الزمان كفيلاً من زاحف الأيام ثم عبأ لها غير القناعة لم يزل مفلولاً

اللي بده يقعد يزاحم الأيام ويعارضها، ولا اليوم بدي أكد اليوم بدها تجيني 100 دينار، يا عم بتتعب؛ هذا قدر مكتوب، اسعَ وارضَ، اسعَ وارضَ. من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأمان لم يزل مهزولاً، لو جار سلطان القنوع وحكمه في الخلق ما كان القليل قليلاً، والرزق لا تكمد عليه فإنه يأتي ولو لم تبعث إليه رسولاً. قال: وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي: جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين

قال: ونحن نسأل الله تعالى أكرم مسؤول وأفضل مأمون، تجد الجنين في بطن أمه ربنا بيرزقه أنت إيش خايف؟ الجنين في بطن أمه وهو في الغشاء وفي الرحم يعني يرزق أنت إيش خايف على رزقك؟ الله يرزقك. قال: أن يحسن له التوفيق فيما منح، ويصرف عن الرغبة فيما منع، استكفافاً لتبعات الثروة بقات الشهوة. روى شريك نعم حديث عن بإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير أمتي الذين لم يُعطوا حتى يبطروا، ولم يُقتر عليهم حتى يسألوا». اللي هم عايشين الكفاف، لا هو أعطي حتى يصير عنده بطر، ولا هو منع من الرزق حتى يصبح فقيراً؛ الكفاف هو خير أحوال الإنسان، وهي حال حبيبنا صلى الله عليه وسلم. وقال أبو تمام الطائي: عندي من الأيام ما لو أنه أضحى بمرقد مقلتي ما غمضا لا تطلبن الرزق بعد شماسه فترومه سبعاً إذا ما غيض ما عُوِّض الصبر امرؤ إلا رأى ما فاته دون الذي قد عُوِّضا

الباب الخامس والأخير من أبواب هذا الكتاب: أدب النفس؛ سيتكلم عن الأخلاق وكيف يقوم الإنسان بتصويبها، ولعل هذا الباب الأخير هو من أهم أبواب هذا الكتاب؛ ضرورة التأدب. اعلم، قال رحمه الله: اعلم أن النفس مجبولة على شِيَم مهملة وأخلاق مرسلة، لا تستغني بمحمودها عن التأديب، ولا تكتفي بالمرضي منها عن التهذيب؛ لأن لمحمودها أضداداً تقابلها، يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة. فإن أغفل تأديبها، حتى لو كانت عندك أمور محمودة وأمور جيدة لكنك لا تستغني أبداً في يوم من الأيام عن استمرار التأديب والتهذيب؛ لأن لمحمودها أضداداً تقابله، يسعدها هوى مطاع. حتى لو عندك أشياء محمودة لكن لها أضداد؛ الأضداد نفسك أحياناً قد تميل إليها؛ فالهمة العالية لها أضداد وهي الملل، وهناك الكرم له بخل، والشجاعة ضدها الجبن؛ فهذه الأضداد تطالب.

إذاً: لأن لمحمودها لهذه الأمور التي تحمد عليها النفس أضداداً تقابلها، يسعدها هوى، الإسعاد هنا بمعنى أن الهوى المطاع يذهب بك إلى أضداد الصفات المحمودة. الهوى يذهب بك إلى أضداد الصفات المحمودة، هناك شهوة غالبة؛ أنت الآن مثلاً عفيف، بس لكن غداً قد تسقط في منكر من الفحشاء أو شيء من ذلك؛ أنه في شهوة في النهاية. طيب، إن أغفل الإنسان تأديب نفسه تفويضاً إلى العقل؛ أنه لا، أنا عاقل أنا مش ممكن أقع في حرام، لا تقع؛ هناك هوى وفي شهوة، أو توكلاً على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع، أو بقول لك أنا لا أحتاج إلى التهذيب لأنه أنا طبعي شريف؛ يعني أنا نفسي ما بتروح للأمور الدنيئة، بطبعي أذهب إلى الأخلاق المرضية؛ فأهمل تأديب نفسه، أعدمه التفويض، هذا التفويض وترك التأديب أعدمه درك المجتهدين؛ يعني لن تبلغ مراتب المجتهدين على تأديب أنفسهم، وأعقبه التوكل ندم الخائبين. مش أنت بتقول أنا متوكل لأنه أنا طبعي جيد؟ هذا التوكل سيعقبك ندماً، فصار من الأدب عار، وفي صورة الجهل داخلاً؛ لأن أكثر الأدب مكتسب بالتجربة أو مستحسن بالعادة، ولكل قوم مواضعه، وكل ذلك لا ينال بتوفيق العقل ولا بالانقياد للطبع؛ يعني هذا عقلك وحده وطبعك يصعب أن يؤدي بك إلى معاني الأمور دوماً، حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة.

الأدب بدك تجلس وتتعب عليه، وهذا دائماً ما ننصح به أنفسنا وإخواننا من طلاب العلم أنه بعض الشباب يأنف من مجالس الأدب، قول لك أنا يا شيخ يعني أنا متأدب من دار والدي، يعني أنا تقعد تأدبوني بأدب طلب العلم؟ والله يا إخوان أنه أظن أن الساحة العلمية اليوم تبكي وتأن، تأن من أخلاق كثير من طلاب العلم، بل حتى من بعض المتصدرين باسم الدعوة تأن. فبعض الناس يعني فعلاً كما قال الماوردي هو يعتقد أنه أنا لا، أنا طبعي جيد وأخلاقي جيدة، عنده نوع من الثقة بالعقل والثقة بالطبع أنه أنا لا أتوقع من نفسي أن لي أخلاق رديئة، ويكون في قمة الرذالة في الأخلاق والتعامل مع أهل العلم والتعامل مع مشايخه وأساتذته، ولا يلتفت أبداً إلى موضوع الأدب؛ أما يعتبر كما قال لك تحصيل حاصل، وأنه الشيء سهل؛ والله أنه يقع في مستنقعات من الأخلاق الرديئة والتصرفات غير اللبقة وغير الجيدة وهو من طلاب العلم، بل قد يكون متقدماً في طلب العلم، لماذا؟ لأنه كما قال: الثقة الزائدة بالنفس في باب.

التربية والشعور بأنك أعلى من أن تدخل تجارب ودروس ومحاضرات تربوية تأديبية يجعلك تقع على رأسك، وتظن أن الأمر بهذه السهولة، وهو أبداً ليس كذلك. الأدب من أعقد الأبواب وأصعبها؛ إنه فيه مكابدة للنفس ومخالفة، ولا بد أن تبقى دوماً تشعر بالمشكلة. يعني بعض الناس هو لا يشعر بمشكلة الأدب، فبالتالي يزهد في قراءة كتب الأدب؛ لكن الذي يعرف أن الأدب ليس بالسهولة، وأن الأدب مع المشايخ والدعاة والمجتمع والواقع والآباء والأمهات هو شيء يحتاج إلى جهد ونصب ومخالفة هوى النفس، وأن تقول: أنا أخطأت هنا؛ يعني لا بد من الاعتراف، الاعتراف هو النقطة الأولى أو الخطوة الأولى للرقي. إذا لم تعترف بالنقص وبالخطأ، لم تلم نفسك على موقف: والله أنا هنا تصرفت مع الشيخ موقفاً صراحةً غير جيد، تصير تتكلم مع نفسك أنه لا بد أنه أصبح أفضل في هذا، لا بد في شيء أفضل من هيك. والله أنا والدي الآن تكلمت معه بطريقة غير أخلاقية، أو الوالدة شوي كنت عنيفاً عليها، أو الزوجة أو الأبناء، بده يكون في نوع من اللوم الذي هدفه التطوير، زي ما يقول هو الترقي. أما هذه الثقة العمياء التي كان يحكي عنها الماوردي ببعض الناس بأنفسهم: أنه أنا عقلي وطبعي وكذا كله يقودني إلى الأدب، فانت تيجي تقول لي احضر مجالس أدب أو اقرأ أدب الدين والدنيا، أو يعني هذه أمور عفى عليها الزمن، هذه للناس المساكين اللي ما عندهم، ممكن تقرأوا لهم، هذه مشكلة والله ونحن ما زلنا ندفع ثمنها، وسيزيد دفع الثمن سامحوني مع الوقت؛ لأنه أكثر الناس معتد بنفسه.

ماذا يقول هنا؟ قال: "وكل ذلك لا ينال بتوقيف العقل" يعني الأدب لا ينال بمجرد عقلك أنه أنا خلص عقلي أكيد جيد، "ولا بانقياد الطبع، حتى يكتسب بالتجربة هكذا يكون الأدب والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة، ثم يكون العقل عليه قيماً" يعني بعد ما يكون لك تجربة وخبرة وعناء وتعب، تجعل عقلك زي القيم، المسؤول؛ القيم هو المسؤول عن الشيء، تجعل عقلك يقيم ومسؤولاً عن تصرفاتك. بعد التجربة والمعاناة والتعلم والدربة يكون عقلك مسؤولاً وزكي الطبع مسلماً. قال: "ثم يكون العقل عليه قيماً وزكي الطبع مسلماً" يعني أنت بعد التجربة والمعاناة والكد الطبع يسلم لك تماماً، يصبح الطبع خلص استسلم، لكن هل الطبع استسلم من البداية؟ لا، متى أعطاك التسليم؟ بعد ما أنت جربت يعني صغته من جديد. ولو كان العقل مغنياً عن الأدب، لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه عز وجل مستغنين، لما احتاج الأنبياء إلى تأديب الله لهم، لماذا؟ لأنهم أعقل الناس، ولكن الله أدبهم، وبعقولهم مكتفين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

وقيل لعيسى بن مريم: من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد، ولكن رأيت جهل الجاهل فاجتنبته. وقال علي بن رضي الله عنه: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلاً بينه وبينكم، فحسب الرجل أن يتصل من الله بخلق. وقال أردشير بن بابك أحد الفلاسفة: من فضيلة الأدب أنه ممدوح بكل لسان، ومتزين به في كل مكان، وباق ذكره على أيم الزمان. وقال مهبو: شبه العالم الشريف العديم الأدب بالبنيان الخرب الذي كلما علا سمكه كان أشد لوحشته، وبالنهر اليابس الذي كلما كان أعرض وأعمق كان أشد لوعورته. هيك بعض الناس بكون عنده علم كثير، كل ما ازداد علماً يزداد سوء أدب، تمام؟ وهو نهر عريض في العلم لكنه يابس، الناس كلما ازددت علماً تبتعد عنك. وبالأرض الجيدة لكنها المعطلة التي ما حد زرعها، التي كلما طال غرابها ازداد نباتها غير المنتفع به، الشوك بيطلع فيها والأشياء غير الجيدة التفافاً، وصارت للهوام مسكناً.

وقال ابن المقفع: ما نحن إلى ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى الأدب؛ يعني أنت حاجتك إلى الأدب أكثر من حاجتك إلى الطعام والشراب الذي هو لقاح عقولنا، فإن الحبة المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها ونضارتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعها. وحكى الأصمعي أن عربياً قال لابنه: يا بني، الأدب دعامة أيد الله بها الألباب، وحلية زين الله بها عواطل الأحساب؛ فالعاقل لا يستغني وإن صحت غريزته عن الأدب المخرج زهرته، كما لا تستغني الأرض وإن عذبت تربتها عن الماء المخرج ثمرتها. وقال بعض الحكماء: الأدب صورة العقل، فصور عقلك كيف جئت، وقال: أدبك يصور للناس عقلك؛ خلص أنت صور عقلك كيف يشأ، بالتالي حاول أن تخرج من الآداب ما ينبئ الناس عن عقل راجح وذهن متزن. وقال آخر: العقل بلا أدب كالشجر العاقر الذي لا ثمر له، ومع الأدب كالشجرة المثمرة.

وقال بعض البلغاء: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب؛ لأن من ساء أدبه ضعف نسبه، ومن قل عقله ضل أصله. وقال بعض الأدباء: ذكِّ قلبك بالأدب كذكاء النار بالحطب؛ وتُذكي يعني زود عقلك بالأدب كما أن النار تزود بالحطب. قال: واتخذ الأدب غنماً والحرص عليه حظاً، يرتجيك راغب ويخاف صولتك راهب، ويؤمل نفعك ويُرجى عدلك. وقال بعض العلماء: الأدب وسيلة إلى كل فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة. وقال بعض الفصحاء: الأدب يستر قبح النسب. وقال بعض الشعراء: فما خلق الله مثل العقول، ولا اكتسب الناس مثل الأدب، وما كرم المرء إلا التقى، ولا حسب المرء إلا النسب، وفي العلم زين لأهل الحجا، وآفة ذي الحلم طيش الغضب. وقال الأصمعي: إن يكن العقل مولوداً، فلست أرى ذا العقل مستغنياً عن حادث الأدب؛ إني رأيتهما كالماء مختلطاً بالترب، تظهر عنه زهرة العشب؛ وكل من أخطأته في موارده غريزة العقل حاكى البهم في الحسب.

والتأديب يلزم من وجهين: أحدهما ما لزم الوالد للولد في صغره، وما لزم الإنسان في نفسه عند نشوئه وكبره. إذاً التأديب أيها الكرام ليس فقط مرحلة معينة من مراحل حياة الإنسان؛ إن بعض الناس يظن أنما الأدب هو ما تعلمه في بيته وأسرته من والده ووالدته، هذه المرحلة الأولى، لكن هناك مرحلة ثانية يغفل عنها أكثر الناس وكثير من طلبة العلم، وأن تتأدب حتى في حياتك العلمية ومع مرور الزمان، وتبدأ أنت تقرأ في كتب الأدب وتحاول أن تعالج نفسك أولاً بأول؛ هذه مرحلة ثانية في الأدب لا بد منها. قال: أما التأدب اللازم للأب فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها وينشأ عليها، فيسهل عليه قبولها عند الكبر لاستئناسه بمبادئها في الصغر؛ لأن نشوء الصغير على شيء يجعله متطبعاً به، ومن أغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيراً. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن يفيده إياه» ما نحل أي ما وهب؛ أو جهل قبيح يكفه عنه ويمنعه منه. وقال بعض الحكماء: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرق البال. وقال بعض الشعراء: قد ينفع الأدب الأحداث في مهل، وليس ينفع بعد الشيبة الأدب؛ إن الغصون إذا قومتها اعتدلت، ولا يلين إذا قومته الخشب. وقال آخر: ينشو الصغير على ما كان والده، إن الأصول عليها تنبت الشجر.

قالوا: وأما الأدب اللازم للإنسان عند نشوئه وكبره فأدبان: أدب مواضعة واصطلاح، وأدب رياضة واستصلاح. فأما أدب المواضعة والاصطلاح فيؤخذ تقليداً على ما استقر عليه اصطلاح العقلاء واتفق عليه استحسان الأدباء؛ وليس لاصطلاحهم على وضعه تعليل مستنبط، ولا لاتفاقهم على استحسانه دليل موجب، كاصطلاحهم على مواضعات الخطاب واتفاقهم على هيئة اللباس؛ حتى إن الإنسان الآن إذا تجاوز ما اتفقوا عليه منها، صار مجانباً للأدب. إذاً يقول الأدب لما تصير شاب ما شاء الله قد حالك في هناك نوعين من الأدب، في نوع من الأدب خلينا نقول أدب الظاهر، وهذا مأخوذ بالمواضعة؛ وما تواضع عليه أهل مجتمعك وما اصطلحوا عليه، ما له فلسفات عقلية كثيرة، لذلك قال هو ليس قائماً على أدلة علمية وليس قائماً على تعليم مستنبط، وإنما قائم على مروءات معينة نشأت في المجتمع تواضعوا عليه؛ أنه مثلاً في مجتمعنا إحنا لباس الرجال يكون كذا وكذا، لباس النساء يكون كذا وكذا، هذا أدب من وين أخذ؟ بالمواضعة والاصطلاح؛ يعني اصطلحنا وتواضعنا، هذا معنى المواضعة أنه وضعناه مع بعضنا البعض، أنه إحنا أهل عمان أهل الأردن لنا نوع معين من الأدبيات، بسموها أدبيات العامة بدك تحافظ عليها، وخرمها هو الذي يسمى في علم الآداب خوارم المروءة.

هي مش معاصي أنت لو خرمتها، لكن ما مشيت على العرف، حتى في الجاهات في العطوات في هناك أخلاقيات عنا معينة، هذه من وين أخذت؟ من المواضعة والاصطلاح، كما قال ليس لها تعليل علمي أو دليل، استدل لي على عادة وضع القهوة باليد؛ هي كثير منها كما قال أمور عامة وجيد أن تحافظ عليها ومطلوب حتى تألفك الناس ويألفوك. وأما النوع الثاني لا، المتعلق بالباطن الذي يحتاج إلى رياضة داخلية وسياتي الكلام فيه بعد قليل، هو بدأ بالنوع الأول، حتى إن الإنسان الآن إذا تجاوز ما اتفق عليه الناس يعتبر مجانباً للأدب. يقول لك فلان ما عنده حشمة شوف كيف بتصرف، مع أنكم شيء اصطلحتم عليه، بعض طلاب العلم يكون ناشفاً في هذا الموضوع، يقول لك يا أخي شيخ أنا لا، أنا مالي علاقة بأدبيات الناس هي أدبيات جاهلية، لا أخي ما هي جاهلية ولا شيء، هي مش حكم غير أنزل الله، إحنا مش قاعدين في تحكيم، هي أدبيات تواضعوا عليها وكذا وجيد أنك تتلاءم معهم؛ قالوا لك إنه هذا شرع الله وما خالف كفر، هم بقولوا لك خلص هيك مجتمعنا نشأ سواء في عادة لباس، في عادة جاهة، في عادة إذا كانت الآداب مخالفة للشريعة لا عبرة به يرمى به، لكن إذا كانت الشريعة لا تمنع منه وكان من ضمن الأمور المعقولة فبالعكس عليك أن تصانع الناس فيه وأن تكون معه.

قال: لأن فراق المألوف في العادة ومجانبة ما صار متفقاً عليه بالمواضعة مفضٍ إلى استحقاق الذم بالعقل ما لم يكن لمخالفته علة ظاهرة ومعنى حادث؛ وقد كان جائزاً في العقل أن يوضع ذلك على غير ما اتفقوا عليه، فيرونه حسناً ويرون ما سواه قبيحاً؛ فصار هذا مشاركاً لما وجب بالعقل من حيث توجه الذم على تاركه، ومخالفاً له من حيث إنه كان جائزاً في العقل أن يوضع على خلافه. يعني زي ما قلنا أن هذا اللباس كان في العقل ممكن أن يكون لباساً آخر، صح هي العادة في العقل ممكن تكون عادة أخرى فما عندنا مشكلة؛ يعني نحن العقل لا يوجب هذه العادة دون غيرها، ثم على أن تخالف المجتمع على ما اتفقوا عليه.

طيب الأدب الثاني: إذاً بالتالي تجد أن الإنسان عليه أن يتأدب بأدبين، أول الآداب الاجتماعية بده يعرفها، جيد أنك لما تكبر تصير تعرف العرف في الجاهات في العطوات في الكلام في تقديم الكبير في أشياء كثيرة، هذا لازم تأدب نفسك فيه، وإن لم يكن هو رقم واحد لكنه مطلوب، تمام؟ أن تعرف أبناءك أو تعرف طلابك كذا، ما هي الأعراف في هذه الأمور. ثانياً: وأما أدب الرياضة والاستصلاح فهو ما كان محمولاً على حال لا يجوز في العقل أن تكون بخلافها؛ فهذا العقل يدل عليه؛ لأن الثاني هذا العقل يدل عليه مش العرف هو الذي وضعه، قال: ولا أن يختلف العقلاء في صلاحها وفسادها، وما كان كذلك فتعليله بالعقل مستنبط كالكرم والحياء وما شابه ذلك من الأخلاق، ووضوح صحته بالدليل مرتبط، وللنفس على ما يأتي من ذلك شاهد، ألهمها الله تعالى إرشاداً لها كما قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]، يعني النفس بطبيعتها تشهد أن هذا الخلق جميل وأن هذا الخلق عاطل بإلهام الله لها ذلك. قال ابن عباس: بين لها ما تأتي من الخير وما تذر من الشر، وسنذكر تعليل كل شيء في موضعه فإنه.

أولى به وأحق، فأول مقدمات أدب الرياضة والاستصلاح: ألا يسبق إلى حسن الظن بنفسه؛ فيخفى عنه مذموم شيمه ومساوئ أخلاقه، لأن النفوس بالشهوات أمارة وعن رشدها زاجرة. هذه الخطوة الأولى إذا أردت أن تؤدب نفسك يا طالب العلم أيها المسلم، فأول خطوة أن تعترف بالنقص، إياك في لحظة معينة أن تقول إنني كملت؛ أول خطوة الاعتراف بالنقص، ألا يسبق إلى حسن الظن بنفسه، ما تقول أنا تمام؛ لأنك متى قلت إنك كملت فإنك لن تتعلم، خلص ما أنت تظن في نفسك الكمال.

قال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]. قال صلى الله عليه وسلم: «أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك»، ثم أهلك، ثم عيالك. ودعت أعرابية لرجل فقالت: كبت الله كل عدو لك إلا نفسك، فأخذه بعض الشعراء فقال: قلبي إلى ما ضرني داعي، يكثر أسقامي وأوجاعي، كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي؟

وإذا كانت النفس كذلك فحسن الظن بها ذريعة إلى تحكيمها، وتحكيمها داع إلى سلاطتها وفساد الأخلاق بها. فإذا كانت النفس بطبيعتها أمارة بالسوء، فأنت إذا أحسنت الظن بهذه النفس الأمارة بالسوء ماذا سيحصل؟ ستحكمك، كان ذلك ذريعة أي وسيلة إلى أن هذه النفس الأمارة تحكمك، وتحكيمك للنفس الأمارة داع إلى سلاطتها هي التي بتصير أقوى منك وفساد الأخلاق بها. فإذا صرف حسن الظن عنها وتوسمها بما هي عليه من التسويف والمكر؛ عندئذ فاز بطاعتها والحاز عن معصيتها. وقد قال عمر رضي الله عنه: العاجز من عجز عن سياسة نفسه. هذا كلام عالٍ جداً، لا تقول لي أنت قوي ورجل أعمال وإنسان وكذا وأنت شهوتك هي التي تحكمك ولست أنت تحكمها، لا تقول لي لا، ترى الرجل بجسمه وعرضه وإنما عليك أن ترى قدرته لنفسه، هذا الذي يعطيك أنه هذا شخص قوي الشخصية ولا ضعيف الشخصية. قال العاجز من عجز عن سياسة نفسه، قال بعض الحكماء: من ساس نفسه ساد ناسه؛ يعني حكم أهل زمانه.

فأما سوء الظن بها فقد اختلف الناس فيه، فمنهم من كرهه لما فيه من اتهام طاعتها ورد مناصحتها، فإن النفس وإن كان لها مكر يردي، فلها نصح يهدي، فلما كان حسن الظن بها يعمي عن مساوئها كان سوء الظن بها يعمي عن محاسنها. بعض الناس بيتجه أنه ما بصير كثير تجلد ذاتك، مش قول لك بعض الناس لا تجلد ذاتك؛ لأنه إذا جلدت ذاتك يعني برضه أنت منيح، بتعرفوا هي المدارس النفسية اليوم مختلفة في هذا الموضوع، لازم أنه أنت تظلك تحكي لحالك أنه أنا إنسان منيح، أنا إنسان جيد، أنا مش عاطل، وتظلك تحكي أنا مش عاطل أنا مش عاطل، هو في نوع من التوازن بحكي عنه آخر شيء.

كان سوء الظن بها يعمي عن محاسنها، ومن عمي عن محاسن نفسه كان كمن عمي عن مساوئها؛ فلم ينف عنها قبيحاً ولم يهد إليها حسناً. وقد قال الجاحظ في كتاب البيان: يجب أن يكون في التهمة لنفسه معتدلاً. هذا كلام صحيح، كلام الجاحظ هنا كلام إنسان عاقل، يقول: ينبغي أن يكون في التهمة لنفسه معتدلاً؛ إنه أحياناً برضه الجلد الزائد يولد نفوراً. وفي حسن الظن بها مقتصد؛ فإنه إن تجاوز مقدار الحق في التهمة ظلمها فأودعها ذلة المظلومين، وإن تجاوز بها الحق في مقدار حسن الظن أودعها تهون الآمنين، ولكل ذلك مقدار من الشغل، ولكل شغل مقدار من الوهم، ولكل وهن مقدار من الجهل. وقال الأحنف بن قيس: من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كان لمجده أهدم.

وذهب قوم المذهب الثاني إلى أن سوء الظن بها أبلغ في صلاحها وأوفر في اجتهادها، لأن للنفس جوراً لا ينفك إلا بالسخط عليها، وغروراً لا ينكف إلا بتهمة لها؛ لأنها محبوبة تجور إدلالاً وتغر مكراً، فإن لم يسئ الظن بها غلب عليه جورها وتموه عليه غرورها، فصار بميسورها قانعة وبالشبه من أفعالها راضية. وقد قالت الحكمة: وكم من رضي عن نفسه أسخط عليه الناس. وقال كشاجم؛ قال: لم أرض عن نفسي مخافة سخطها، ورضى الفتى عن نفسه إغضابها.

طبعاً محمود بن الحسين الرملي شاعر من نواحي فلسطين توفي سنة 360 هجري، لقبه بكشاجم؛ فقيل له لما لقبت نفسك بكشاجم؟ فقال: الكاف من الكتابة، والشين من الشعر، والألف من الأدب، والجيم من النجوم، والميم من الموسيقى، فهو جمع فاصبحت كشاجم.

استحسنا قول أبي تمام الطائي: ويسيء بالإحسان ظناً، لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون. فلم يروا إساءة ظنه بالإحسان ذماً، ولا استقلال عمله لوماً، بل رأوا ذلك أبلغ في الفضل وابعث على الازدياد. فإذا عرف من نفسه ما تجن، وتصور منها ما تكن، ولم يطاوعها فيما تحب إذا كان غياً، ولا صرف عنها ما تكره إذا كان رشداً، فقد ملكها بعد أن كان في ملكتها، وغلبها بعد أن كان في غلبتها.

وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشديد من غلب نفسه». وقال عون بن عبد الله: إذا عصتك نفسك فيما كرهت فلا تطعها فيما أحبت، ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك. وقال بعض البلغاء: ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك. هذا مهم إخواني، بعض طلاب العلم وبعض الدعاة أو بعض المتصدرين أو أي إنسان يعني إذا رأى الناس تمدح أو تثني عليه يعني به شوية يتوسع في نفسه ويراها شيئاً جيداً، إياك أن تغتر بثناء الناس عليك، الناس لا تعرف ما عندك من الخبايا والفضائح والمخازن. قال بعض البلغاء: من قوي على نفسه تناهى في القوة، ومن صبر عن شهوته بالغ في المروءة، فحينئذ يأخذ نفسه عند معرفة ما أكنت أي ما أخفت، وخبرة ما أجنّت أي ما ستر، تقويم عوجها وإصلاح فاسدها. وقد روي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله متى يعرف الإنسان ربه؟ قال: إذا عرف نفسه. وإذا عرفت افتقارك إلى الله سبحانه وتعالى وحدته إليه، ثم يراعي منها ما صلح واستقام من زيغ يحدث عن إغفال، أو ميل يكون عن إهمال، ليتم له الصلاح وتستديم له السعادة، فإن المغفل بعد المعاناة ضائع؛ يعني إذا أنت الآن عانيت في إصلاح النفس بعدين أغفلتها برجع بضيع. كذلك الأدب أنت قد تراعيه وتعاني في طلبه دهراً، ثم تغفل التربية والإصلاح والمراقبة، فأيضاً سيضيع، فإن هذه قاعدة في الحياة، فإن المغفل بعد المعاناة ضائع والمهمل بعد المراعاة ضائع.

سنذكر من أحوال أدب الرياضة والاستصلاح فصولاً تحتوي على ما يلزم مراعاته من الأخلاق، ويجب معاناة من الآداب، وهي ستة فصول متفرعة. سيتكلم في ستة فصول عليها مدار الختام، سيقول لك الآداب الأساسية التي عليك أن تبحث عنها في نفسك مشاكلها وكيف تصلحها.

الفصل الأول منها في مجانبة الكبر والإعجاب. الكبر والإعجاب، طبعاً دائماً حتى تستفيد من هذا الكتاب عليك أن تعتقد أن كل خلق من هذه الأخلاق أنت مبتلى بشيء منه، يعني إياك أنك تقول آه الكبر والإعجاب بصير تذكر فلان، أصلاً ما هو لا، أنت احكي عن نفسك، واعلم أنك ذاك فلان اللي بتحكي عنه، أنت فيك بعبع صغير من الكبر، لكن قد يكبر في يوم من الأيام. أولاً الكبر والإعجاب بالنفس والقدرات والإمكانيات، بغض النظر إيش طبيعة الإعجاب ومن أين دخلك، لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، وليس لمن استوليا عليه إصغاء لنصح ولا قبول لتأديب. نعم ما بيقبل أي تأديب ولا نصح، هذا إخواني رأيته كثيراً حقيقة حتى في طلبة العلم من المعاصرين، وفي رؤوس الطوائف والجماعات، كثير مهما كانت الجماعة وشكلها ونظامها، نوع من الكبر والإعجاب الذي يجر أنه أنا رأس طائفة، أنا صار لي جمهوري، أنا لي ناس متابعيني على السوشيال ميديا، فلما تيجي تنصح يا فلان ترى في مشكلة أخلاقية كذا وكذا أو في مشكلة عندك كذا وكذا، يأبى ويأنف من أن يقبل النصح؛ أنه متى ما شعر بالترأس أو أن له طائفة تتبعه عندئذ يشعر أنه أعلى من أن ينصح وأن يوجه، وأن يشار إلى أن يقال له أصلح هذا أو عان هذا.

الكبر يكون بالمنزلة، والعجب يكون بماذا؟ بالفضيلة، أنت تعجب بماذا بفضائلك، والكبر يكون بماذا في المنزلة التي وضعت فيها؛ وضعت رئيس جماعة، رئيس جامعة، رئيس قسم، رئيس بغض النظر. أنت بعض الناس حتى على الشيء اليسير لو حطيته على خمسة مسؤول بصير أنا صار عندي خمسة يتبعوني. فالمتكبر يجل نفسه عن رتبة المتعلمين، يقول لك أنا معقول حدا ينصحني؟ والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين، يرى أن له فضلاً كبيراً أعلى من أنه ياتي مؤدب يزيدني فيه، ما أحتاج إليكم. فلذلك وجب تقديم القول فيهما بإبانة ما يكسبانه من ذنب وما يوجبانه من لوم.

أما الكبر فيكسب المقت، ويلهي عن التألف، ويغبر صدور الإخوان، وحسبك بذلك سوءاً عن استقصاء ذمه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس رضي الله تعالى عنه: «أنهاك عن الشرك بالله والكبر، فإن الله تعالى يحتجب منهما»، وقال أردشير بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمق، لم يدر صاحبه أين يذهب به فصرفه إلى الكبر، وما أشبه ما قال بالحق. هذا تعليق الماوردي وما أشبه ما قال بالحق؛ يعني كلامه صحيح وإن كان فارسياً؛ إنه الكبر هو نوع حماقة زيادة مش عارف شو يسوي فيها فصرفها في الكبر، يعني لو كان إنسان يبحث عن ما يصلح حياته ما يقعد يتكبر على الناس أو يشوف نفسه، في الكبر نوع حماقة بس إنسان ما عنده سالفة وعنده حماقة، قال لك أين أصرف؟ خلص بتكبر على خلق الله.

حكي أن مطر بن عبد الله الشيخ نظر إلى المهلب بن أبي صفرة أحد قادة جيوش المسلمين الكبار وعليه حلة يسحبها ويمشي بالخيال، المهلب كان شايف حاله شوي يقال لكنه جزاه الله خيراً قاتل الخوارج قتالاً عنيفاً، المهلب قاتل الخوارج يعني قتالاً قوياً جداً، فقال يا أبا عبد الله، فقال له يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أو ما تعرفني؟ قال: بلى، أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة، كل أمعائك الغليظة مليئة بالبول والعذرة. فأخذ ابن عون هذا الكلام فنظمه شعراً فقال: عجبت من معجب بصورته، وكان بالأمس نطفة مذرة. وفي غدٍ بعد حسن صورته، يصير في اللحد جيفة قذرة. وهو على تيهه ونخوته، ما بين ثوبيه يحمل العذرة. يعني داخل جسدك أمعاؤك الغليظة شو فيها، أنت جسمك داخله شو محشي، يعني عبارة عن بول وغائط تحتاج أن تخرجه. وقد كان المهلب أفضل من أن تخدع نفسه بهذا الجواب، ولكنها زلة من زلات الاسترسال، وخطيئة من خطايا الإدلال، غفر الله له، يعني هو قائد عظيم من قادة جيوش المسلمين حقيقة وله آثار طيبة، لكن الضعف الإنساني.

فأما الحمق الصريح أو جهل القبيح فهو ما حكي عن نافع بن جبير بن مطعم أنه جلس في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الحُرقي وهو يقرئ الناس، فلما فرغ قال: أتدرون لما جلست إليكم؟ قالوا: جلست لتسمع، قال: لا لكني أردت أن أتواضع لله بالجلوس إليكم. فهل يرجى من مثل هذا فضل أو ينفع فيه عذل؟ قال أردت أن أتواضع لله بالجلوس إليكم، يعني لو أنا مكانك بدي أمسك هذا الزلمة، تعال يعني شو شايفنا؟ يعني بدي أتعلم التواضع بالقعدة معكم، يعني بقول لك تشوف شباب يلا بدي أتعلم التواضع بدي أقعد معكم، مش يعني أساس أننا نحن طبقة ثالثة بالمجتمع. فيقول لك فهل يرجى من الشخص اللي بيتكلم مع الناس بهذه الأنفة هل يرجى منه فضل، أو ينفع فيه عذل، يعني هذا شو بدك تصلح فيه؟ وقال ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر. لما تشوف واحد ناقص بتعرف هذول، كون أنت داخل على شركة، واحد مش قادر، هيك موظف بس بيشتغل، بتدخلك هيك دائرة حكومية وشايف حاله، بده حدا يحكي معه.

وهذا عنده عقدة نقص. شوف هذا التشخيص من الماوردي، هذا الموظف المحاسب بتلاقيه في دائرة حكومية، في وزارة الصحة ولا في وزارة الأوقاف، عقدة النقص اللي عنده يعني مش عارف شو بده يسوي، بده يشعر إنه له مكانة، فبيصير ينرفز في المراجعين، صح؟ بصير ينرفز فيهم، جيب الورقة، حط كذا، ليش تأخرت، اليوم نحن مسكرين، خلص روح. هذا عقدة نقص بيعاني منها لأنه هو مش شاعر إنه له مكانة، مش شاعر إنه له فضيلة لا في علم ولا في عقل ولا في تأليف ولا في شيء، فبيحاول يتفشش عقدة النقص من خلال إظهار الكبر على المراجعين وإظهار الإنفة في التعامل معهم. هذا مرض، هذا مرض.

وقد قال ابن المعتز لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا ويرفع حقيرا. لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، أنت لما تكون شاب عاقل وتعرف الحياة، اعتبر حالك من ذوي الكمال. هذا الناقص بيشوف عقدة نقص عنده فيستعين بالكبر، بيفكر إنه الكبر سيعظم صغير نفسه ويرفع حقير خلقه، وليس بفاعل. ولا عمره كبرك يا موظف اللي قاعد بتنفت على الناس هذا الكبر رح يجعلك إنسان ذا قيمة.

أما الإعجاب بالنفس إذا بعد أن انتهى من الكبر، قالوا: أما الإعجاب فيخفي المحاسن ويثير المساوئ ويكسب المذام ويصد عن الفضائل. ويُضرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». بس هذا الحديث مشهور وين الحسد، إن الحسد يأكل الحسنات مش بالعجب. وقال علي كرم الله وجهه: الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب. وقال مهر هذا أحد الفرس: النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه العجب.

وقال بعض الحكماء: العجب عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله، وليس لما يكسب المرء من المجد عد، ولا لما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية، حتى إنه ليطفي من المحاسن ما انتشر، ويسلب من الفضائل ما اشتهر، وناهيك بسيئة تحبط كل حسنة، وبمذمة تهديم كل فضيلة، مع ما يثيره من حنق أي من حقد وإشكالات، ويكسبه من حقد الناس عليك. حكى عمرو بن حسن قال: قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو كان الله بلغني أربعة فتقربت إليه بدمائهم، لو كان الله بلغني يعني قتل أربعة فتقربت إليه بدمائهم. يعني هو أحسن منزل لو أن الله أعانني على قتل أربعة. قيل من هم الأربعة؟ قال: مقاتل بن مسمع والي سجستان، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما عُزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون. شوف الحجاج، الحجاج شو بقول لك؟ أول واحد حبيت أقتله مين؟ والي سجستان، ليش؟ قال: أتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما عُزل كانه لما عزل عن منصبه يعني لما كان الناس تأتي إلى سجستان كان يعطي الأموال، فلما عُزل عن ولاية سجستان خلص رجع على البصرة خلينا نقول الموطن الأصلي، فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها، وقال لرجل كان يمشي بجانبه: لمثل هذا فليعمل العاملون. يعني العطايا اللي أعطيتها للناس قديماً أيام حكمي بينت هسة أنها صارت تبسط للرداء الأحمر. فهذا أول واحد حقد عليه الحجاج وكان بده يخلص عليه.

قال وعبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي، حُزب أهل البصرة أمر فخطب خطبة، حُزب يعني صارت مشكلة في البصرة فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد أكثر فينا أمثالك، فقال: لقد كلفتم الله شططاً، استغفر الله العظيم هذا كفر طبعاً، يعني أنا صعب على الله سبحانه وتعالى أن يخلق مثله، يعني هم لما شافوه حكى كلام موزون بدل من أن يحمد الله على النعمة التي هو فيها كفر، قال كلفتم الله شططاً يعني صعب ربنا يخلق مثله والعياذ بالله. هذا كفر.

قال ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالساً في طريق فمرت به امرأة فقالت: يا عبد الله كيف الطريق إلى موضع كذا؟ قال: يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله؟ وقال أبو سمال الأسدي، قال وأبو سمال الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يرد الله علي راحلتي لا صليت له أبداً، فالتمسها الناس حتى وجدوها فقالوا له: قد رد الله راحلتك فصل، قال: إن يميني يمين مُصر. قال: فانظر بالتالي لن أعود للصلاة، يعني أنا مصر على يميني وكأنه يقول: أنا خلص ما رح أصلي، وهؤلاء الحجاج لا يلامون في قتلهم، صحيح يعني في الناس الحجاج، لو صدقت هي القصة طبعاً، لا يلام في قتل هؤلاء. فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالاً في الأولين ومثلاً في الآخرين، صارت قصصهم عبرة.

ولو تصور المعجب والمتكبر ما فطر عليه من جبلة وبني به من مهنة لخفض جناح نفسه واستبدل ليناً من عتوه وسكوناً من نفوره. وقال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وقد وصف بعض الشعراء الإنسان فقال: يا مظهر الكبر إعجاباً بصورته انظر خلالك أي خصالك، فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم أي من الغائط والبول ما استشعر الكبر شبان ولا شيب. هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرفضة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً اقصر فإنك مأكول ومشروب. تنزل في التراب تأكلك الديدان ولا تبقى عليك أي شيء.

شوف اليوم يعني لما يذهبوا كثير من الصور بشوفهم يذهبون إلى قبر حافظ الأسد ويشتمونه كذا وتأتي مشاعر وكل الناس تذهب وتحت، شو أصبح؟ كان الرجل يرى نفسه إلهاً في حياته، يرى نفس الناس تصفق له وتقوم له وتنادي باسمه وتعيش، ثم بعد ذلك الآن يحرق قبره ويداس وتشتمه الناس ويرمى بالأقدام، ما فائدة هذه الحياة؟ ظن أن هذا العز سيدوم، مسكين هذا الرجل، وكله الطغاة والمستبدون كلهم على هذه الطريقة سائرون.

قال وأحق من كان للكبر مجانباً وللإعجاب مبتعداً من جل في الدنيا قدره وعظم فيها خطره، لأنه قد يستقل بعالي همته كل ويستصغر معها كل كبير. وقد قال محمد بن علي الباقر رضي الله عنه: لا ينبغي للشريف أن يرى شيئاً من نعم الإنسان. قال وأحق من كان للكبر مجانباً وللإعجاب مبتعداً من جل في الدنيا قدره وعظم خطره، بالعكس أنت إذا إنسان جل في الدنيا قدرك وعظم خطرك يجب أن تطرد الكبر والعجب، لأن أصحاب النفوس الشريفة الذين تجل أقدارهم يستقلون بعالي همتهم كل كثير، كل ما شاف شيء كثير أنا مش طموحي هيك لسه أنا طموحي أعلى، حتى لو الناس مدحتك على أنك صرت مثلاً دكتور كلام فاضي أنا همتك أعلى، فصاحب الهمة العلية يستقل كل كثير، ما بيشوف شيء، وكل ما الناس مدحته على شيء يرى أنه ليس شيء يستحق الإعجاب في نفسي، أنا طموحي أعلى من كذا وتصغر في عين العظيم كبارها. ويستصغر معها كل كبير. وقال محمد بن علي الباقر رضي الله عنه: لا ينبغي للشريف أن يرى شيئاً من الدنيا لنفسه خطراً فيكون بها تائهاً. قال ابن السماك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك. وكان يقال: اسمان متضادان بمعنى واحد: التواضع والشرف.

قال وللكبر أسباب، فمن أقوى أسبابه علو اليد ونفوذ الأمر وقلة مخالطة الأكفاء. شوف هذا الكلام، هذا كلام دقيق إخواني. متى يتولد الكبر عند الناس؟ أولاً: علو اليد بأنك تكون غني والناس فقراء، هذا بيعطيك أكيد جو من الكبر إنه أنا بعطيه والناس مش قادرة تعطيه زيي، أو أنا بعطيهم وما بيقدروا يعطوني لفقرهم أو حاجتهم، فعلو يدك وشعورك إنه أنا بستطيع أعطيهم هذا بيخلي عندك نوع من الكبر على الناس.

ثانياً: نفوذ الأمر، السلطان بشكل عام سواء السلطان قد يكون السلطان على حارة، قد يكون السلطان على شركة، قد يكون السلطان على وزارة على جامعة على مدرسة، دائماً أي شخص شعر بشيء من السلطان وأنه في هناك أوامر بيقدر يصدرها مباشرة بتلاقيه شايف حاله، حتى لو كان رئيس أذنة في مدرسة، بتعرف الأذنة لو كان رئيس مراسلين شاعر إنه خمس مراسلين تحته هو بعطي عليهم أوامر ببلش ينفش، إذاً المال، السلطان.

قال وقلة مخالطة الأكفاء، هذه قضية مهمة وهذه رأيتها حقيقة في كثير من البيئات الدعوية، أنه شخص يكون في بيئة كل اللي حواليه جاهلين، مش همه القراءة ولا همه التعلم أو ضعاف العقول، بتلاقي أخونا قرأ له كتابين فلا يجد مكافئاً له في هذين الكتابين، فيرى نفسه أفضل وأعلى ويشعر بالكبر على من حوله، وبالتالي حقهم أن يطيعوه فيما يفتيهم فيه وفيما يوجههم إليه، وهذا كثير ما ترى في الجماعات والبيئات، وكثير مما نشأ من مظاهر الغلو أنا رصدتها بسبب هذا، أنه تجد شخص لو خالط العلماء لعرف أنه مسكين، مسكين إخواني، هو مستوى الآجرومية لسه، بخالط مستوى الكتب الأساسية، بضيع فيها أحكام الطهارة طالما هو ضابطها، لكن هو كما قلت قرأ له كتابين ولم يخالط الأكفاء، ما خالط العلماء الكبار وما خالط طلاب علم في مسامتة له أعلى كعباً منه في العلم، فظن نفسه أبو جاد، إنه أنا صاحب العلم الكبير، وهو أبو الشبر لسه ما زال لما يدخل في الشبرين، فبالتالي أصبح يرى نفسه وحقيقة يكون صاحب جماعة وله رأي وصار يتكلم ويخوض في أمور الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأحكام التكفير، ويسقط ويرفع ويخفض وكذا وكذا، وأعلم من حال هذا الشخص لو أنه خالط أصحاب كفاءات أقوى من المعرفة نفسها.

بالتالي إخواني أن تخالط الكفاءات مهم في حياتك حتى تعرف حجمك الطبيعي، هذه نصيحة لي ولإخواني جميعاً وهذه بتجارب كثيرة رأيناها وعايشناها مش مجرد تنظير، أنني رأيت كثيراً ممن زلت أقدامهم في الغلو أو في أي جماعة من الجماعات، فرأى نفسه شيئاً وأصبح يرى أنه أعلى من أن ينصح، كما قال؛ أتت من هذه الخصلة لم يخالط أصحاب الكفاءات، لم يذهب إلى أناس أعلى قدراً منه في هذا العلم الذي هو فيه. فبقول لك وجد مجموعة من الجهال يصفقون له، قال لك أنا صرت رئيسهم وأنا بالتالي لا أحتاج إلى شيء آخر، وظن أنه استطاع أن يكتسب علماً كبيراً وهو لا شيء إخواني في القاموس المعرفي والعلمي لا شيء، لا هو من أصحاب الكتب المعروفة ولا من أصحاب الشروح المعروفة ولا شيء، إنما وجد منبراً سواء السوشيال ميديا أو في واقع الحياة في مسجد في حارة في جماعة معينة صنعت له رأساً ثم ضاع وأضاع. فهذا الذي يتكلم عن قلة مخالطة الأكفاء كلام إنسان يعرف ما يقول، الماوردي يفهم أن قلة مخالطة الأكفاء من أكثر ما يسبب العجب، وأنك لما تخالط أصحاب الكفاءات بتعرف حجمك الطبيعي فتستحي أنك تجعل نفسك متنبئاً مع قلة كفاءتك.

وعن أن قوماً مشوا خلف علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: أبعدوا عني خفق نعالكم عليكم، فإنها مفسدة لقلوب نوكى الرجال. قال وهذا كان مشايخنا كثيراً ما يقولوها، لما تكون أنت متصدر في يوم من الأيام، إن شاء الله بتكونوا من العلماء العاملين والدعاة المصلحين، لا تعمل لنفسك جو، لا تحاول إنه يكون لك أجواء من الأجواء إنه يخلي الطلاب ماشيين وراك وهم كذا، وأنا هينهم، الشعور إنه هم ماشيين وراي وأنا ماشي، لأنه هذا قال لك علي بن أبي طالب شو بقول لهم: أبعدوا عني خفق نعالكم، لأنه هذا مفسدة لحمق الرجال. الرجل لما يكون ماشي والشباب حواليه وجنبه وخلفه وهو شايفهم كأتباع له وجنود وحشم، بصير عقله يلعب إنه شايف مشوا معه، فكما قالوا إن مشي الطلاب خلف شيخهم هي مفسدة للشيخ، شيخ مفسد له، إنه تدخل من مشاعر العجب ومشاعر الأبهة والشعور أن يصلي أتباع، ما يفسد عقله فلا كلمة علي: أبعدوا عني خفق نعالكم يعني ما تمشوا وراي حتى ما يفسد.

عقلي وأصير أشوف حالي أني إنسان كبير. قال: فإنها مفسدة لقلوب نُوَّك الرجال الحُمق؛ الرجال اللي فيه غفلة، حيث يرى نفسه شيئاً لأن الناس تمشي خلفه، وتمشي هؤلاء الطلاب خلف ابن مسعود. فقال: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفي رواية: مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان ظهره دائماً للملائكة، مش هيك مر معنا في أخلاق النبي وآدابه؟ وأصحابه يمشون بجانبه، لكن أحياناً تجد بعض الناس يحب أن يفعل لنفسه نوعاً من الجمهورية.

وروى قيس بن أبي حازم أن رجلاً أُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأصابته الرعدة، فقال: «هون عليك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد»؛ اللحم المجفف. لا، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يحاول يصنع هالة حول نفسه؛ بعض الناس يحب أن يصنع هالة حول نفسه وفي نواميس وكذا، وطريقة تعامل الناس معه لا يتقربش أكثر من شبر. وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم حسماً لمواد الكِبر، وقطعاً لذرائع الإعجاب، وكسراً لأشر النفس، وتذليلاً لسطوة الاستعلاء.

ومثل ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه نادى الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم الغنم، فيقبضون لي القبضة من التمر والزبيب، فأظل اليوم وأي يوم! فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قصرت بنفسك؛ يعني قدام الناس أهنت نفسك، إنه أنت كنت شاب صغير تطلع على الغنم ويعطوك تمر وكذا، كان يكفيك. قال: ويحك يا ابن عوف، إني خلوت فحدثتني نفسي أني أمير المؤمنين فمن ذا أفضل مني؟ فأردت أن أعرفها نفسها. شوف كيف معالجتهم، هذا عمر الخليفة أمير المؤمنين عم بيعالج نفسه وأخلاقه وسلوكياته، فمن أنا وأنت حتى نرى أنفسنا بعيدين عن هذه المسالك الردية؟

وأما العُجب فله أسباب، فمن أقوى أسبابه كثرة مديح المتقربين؛ أنك ترى الناس من حولك تمدحك: ما شاء الله عليك، ما شاء الله، فلان رائع، فلان كذا كذا. وإطراء المتملقين؛ أنهم يكونون جالسين جنبك، المتملقين اللي بدهم يتقربوا لك، إطراؤهم وثناؤهم الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبه، والتملق خديعة وملعباً. فإذا وجدوه مقبولاً في العقول الضعيفة، أغروا أربابها باعتقاد كذبهم؛ يعني لما يجدوا أنه أنا لما أمدح فلاناً والله عقله بيكبر، بيشوف بحاله شيء، قال: فإذا وجدوا أن مدحهم مقبولاً في العقول الضعيفة، أي في عقول الرجال ضعاف العقول، أغروا أربابها. أنا لما أمدحك وأنت عقلك صغير بتشوف حالك شيء، فأغريك بماذا؟ باعتقاد كذبهم؛ أنك صرت: آه والله أنا ما شاء الله علي تمام، تقول لما واحد يقول لك ما شاء الله عليك، فأنت مسكين: آه والله أنا ما شاء الله علي، أنا ممتاز؛ هي مدحني فلان وهي فلان قال لي ما شاء الله فيك، أنا برضه ما شاء الله علي، فكذبوا عليه فصدق الكذب، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الاستهزاء بهم. بتعرفوا كثير خاصة يكون هذا بباب السلاطين أكثر؛ أنه يجي: والله مولانا كذا، والله ما شاء الله عنك يا أخي، والله هيبة، والله كذا؛ واحد لا له هيبة ولا شيء، بس هم بدهم يأخذوا منه مصاري، أو كذا، ويصيروا يمدحوه ويسمعوه كلام بيضحكوا عليه، هو مسكين عاش الجو.

فقال: قطعت مطاه لو سمعها ما أفلح بعدها. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام -مطاه يعني ظهره- قطع ظهره، كان يرفض أن يمدح الرجل في وجهه، وقال: «احثوا في وجوه المداحين التراب»؛ لأن المدح والإطراء يجعل بعض الإنسان يعتقد في نفسه ما ليس فيها. وقال عمر بن الخطاب: المدح ذبح، قتلته. وقال ابن المقفع: قابل المدح -الذي يقبل أن يمدح- كمانح نفسه، كأنك بتمدح نفسك إذا أنت تتقبل من الناس يمدحوك وأنت ساكت. خاصة هذه كثير من الإطراءات، يعني بعض الناس يكون جالس ويصير واحد جنبه يبرز في فضيلة الشيخ: وفضيلة شيخنا له كذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا؛ عادي ممكن يشغل الترنيمة: كتاب أنا ألفت، أحكي له أنا تمام، ترى أنا برضه عندي كذا، شو سيدنا الشيخ مش حينفع؟ مش حينفع أن الناس تطريك وأنت جالس ولا كأنه في شيء وبتهز في رأسك ومبسوط؛ بالعكس أنت لازم تمنع الناس من المدح. خلص يا جماعة ما في داعي، أنت بتكبر رأسي بدون أي قيمة، ولن أستفيد من هذا إلا أن نفسي ستجول وتكبر وتشعر أنها شيء، ما أنني أعرف بنفسي ومعاصي وذنوبي ومخازي. وقال بعض الحكماء: من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والتمادح، فإنه الذبح». إن كان أحدكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل: أحسبه والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً. وقيل فيما أنزل الله عز وجل من الكتب السالفة: عجباً لمن قيل له فيه خير وليس فيه كيف يفرح؟ لو واحد قال لك أنت فيك خير وما شاء الله عنك كيف تفرح وأنت عارف مش فيك هذا الخير؟ وعرف لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب؟ إذا واحد قال والله فلان عنده مشكلة أخلاقية، لا وبيغضب وكذا، ما هي فيك! ما أنت عارف أنها فيك، لماذا تغضب؟ وقال بعض الشعراء: يا جاهلاً غرَّه إطراءُ مادحهِ لا يغلبنَّ جهلُ من أطراك علمَك بك أثنى وقال بلا علمٍ أحاطَ بهِ وأنت أعلمُ بالمحصولِ من ريبك وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها، ويمنعها من تصديق المدح لها؛ فإن للنفس ميلاً إلى حب الثناء وسماع المادحين. وقال الشاعر: يهوى الثناء مبرَّزٌ ومقصِّرُ حب الثناء طبيعة الإنسان، الثناء يحبه الجميع اللي بيستاهلوا واللي ما بيستاهلوا.

فإذا سامح نفسه في مدح الصبوة وتابعها على هذه الشهوة، تشاغل بها عن الفضائل الممدوحة، ولاهى بها عن المحاسن الممنوحة، فصار الظاهر من مدحه كذباً والباطل من ذمه صدقاً، وعند تقابلهما يكون صدق الذم الأمرَين؛ وهذه خدعة لا يرتضيها عاقل ولا ينخدع بها مميز. يعني أنت عارف نفسك، اشتغل على تحصيل الفضائل الحقيقية في داخلك، ولا تنشغل بمدح الناس. وليعلم أن المتقرب بالمدح يسرف مع القبول، ويكف مع الإباء؛ فلا يغلبه حسن الظن عن تصديق مدح هو أعرف بحقيقته. ولتكن تهمة المادح أغلب عليه، فقل مدح كان جميعه صدقاً، وقال ثناءً كان كله حقاً.

ولذلك كره أهل الفضل أن يطلقوا ألسنتهم بالثناء والمدح تحرزاً من التجاوز فيه، وتنزهاً عن التملق به. وقد روى مكحول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا عيابين، ولا تكونوا لعانين، ولا متمادحين، ولا متماوتين». وحكى الأصمعي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا مُدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. وقال بعض الشعراء: إذا المرء لم يمدحه حُسنُ فعالِهِ فمادحُهُ يهذي وإن كان مفصحا وربما جر حب المدح بصاحبه إلى أن يصير مادحَ نفسِهِ؛ أما لتوهمه أن الناس قد غفلوا عن فضله وأخلوا بحقه، وأما ليخدعهم بتدليس نفسه بالمدح والإطراء فيعتقد أن قوله حق المتبع، وصدق المستمع، وأما ليتلذذ بسماع الثناء ويسر نفسه بالمدح والإطراء، كما يتغنى لنفسه طلباً إذا لم يسمع صوتاً مطرباً ولا غناءً ممتعاً. وأي ذلك كان فهو الجهل الصريح والنقص الفاضح. قال بعض الشعراء: وما شرفٌ أن يمدحَ المرءُ نفسَهُ ولكن أعمالاً تُذمُّ وتُمدحُ وما كل حين يصدق المرء ظنّه ولا كل أصحاب التجارة يربحُ ولا كل من ترجو لغيبك حافظاً ولا كل من ضم الوديعة يصلحُ

وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم أصفياء القلوب ومرايا المحاسن والعيوب على ما ينبهونه عليه من مساويه التي صرفه حسن الظن عنها، فإنهم أمكنُ نظراً وأسلمُ فكرة، ويجعل ما ينبهونه عليه من مساويه عوضاً عن تصديق المدح فيه. هكذا العاقل؛ العاقل يكون له مجموعة من الأصدقاء الأوفياء يستنصحهم، يطلب منهم: والله هل رأيتم فيَّ عيباً؟ هل في شيء ترى أن جيد أن أصلح فيه نفسي؟ وكذلك يذهب إلى مشايخه وأساتذته ويطلب منهم النصح في أخلاقه وأفعاله، ولا يرى أن ذلك ينزل من مقامه. وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن مرآة المؤمن، إذا رأى فيه عيباً أصلحه». وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوئنا. وقيل لبعض الحكماء: أتحب أن تُهدى إليك عيوبك؟ قال: نعم، من ناصح، مش من حاقد؛ يعني أنا بحب شخص هذا بس إيش؟ ناصح، أما الشخص الحاقد هذا بده يسقطك، هذا مش جاي يصلحك.

ومما يقارب معنى هذا القول ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: من ترى أن نوليه حمص؟ قال: رجلاً صحيحاً منك، صحيحاً لك. قال: فكن أنت ذلك الرجل. قال: لا تنتفع بي مع سوء ظني بك، وسوء ظنك بي. قد قيل في منثور الحِكم: من أظهر عيب نفسه فقد زكاها. فإذا قطع أسباب الكبر وحسم مواد العجب، اعتاض بالكبر تواضعاً وبالعجب تودداً، وذلك من أوكد أسباب الكرامة، وأقوى مواد النعم، وأبلغ شافع إلى القلوب يعطفها إلى المحبة ويثنيها عن البغضة. وقد قال بعض الحكماء: من برئ من ثلاث نال ثلاثاً؛ من برئ من الشَّرَه نال العز، ومن برئ من البخل نال الشرف، ومن برئ من الكبر نال الكرامة. وقال مصعب بن الزبير: التواضع أحد مصائد الشرف. وقيل في منثور الحِكم: من دام تواضعه كثر صديقه. وقد تحدث المنازل والولايات؛ كيف التواضع يا مصايد الشرف؟ التواضع يرفعك في الناس، وما تواضع أحد لله إلا رفعه، فكانوا مصيدة تصيد بها الشرف؛ بدك الشرف عند الناس أو تصرف الدنيا تواضع هو المصيدة التي تصيد بها الشرف.

وقيل في مثل الحِكم: من دام تواضعه كثر صديقه. وقد تحدث المنازل والولايات لقوم أخلاقاً مذمومة يظهرها سوء طباعهم، ولآخرين فضائل محمودة يبعث عليها زكي شيمهم؛ لأن للتقلب بالأحوال سكرة تظهر من الأخلاق مكنونها، ومن السرائر مخزونها، لا سيما إذا هجمت بغير تدريج وطرقت من غير تأهب. وقال بعض الحكماء: في تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال. وقال الفضل بن سهل: من كانت ولايته فوق قدره تكبَّر لها، ومن كانت ولايته دون قدره تواضع لها. وقال بعض البلغاء: الناس في الولاية رجلان؛ رجل يجل عن العمل بفضله ومروءته، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودناءته؛ فمن جلَّ عن عمله ازداد به تواضعاً وبشراً، ومن جلَّ عنه عمله لبس به تجبّراً وكبراً.

الفصل الثاني في حسن الخلق: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى اختار لكم الإسلام ديناً، فأكرموه بحسن الخلق والسخاء، فإنه لا يكمل إلا بهما». وقال أحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدواء الداء؟ قالوا: بلى. قال: الخلق الدني، واللسان البذي. وقال بعض الحكماء: من ساء خلقه ضاق رزقه، وعلة هذا القول ظاهرة. وقال بعض البلغاء: حسن الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، وسيء الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء. وقال بعض الأدباء: عاشر أهلك بأحسن أخلاقك، فإن الثواء فيهم قليل؛ يعني أنت قليل ستغادر، الثواء المقام في الدنيا قليل. وقال بعض الشعراء: إذا لم تتسع أخلاق قومٍ تضيق بهم فسيحاتُ البلادِ إذا ما المرءُ لم يُخلق لبيباً فليس اللبُّ عن قِدَمِ الولادِ يعني اللب والعقل لا يأتي عن أن صار عمرك 60 سنة أو صار لك 60 سنة عايش، لابد أن يكون لك عقل يساعدك على حسن الخلق.

فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه وقل معادوه، وتسهلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار». وقال بعض الحكماء في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، وسبب ذلك ما ذكرنا من كثرة الأصفياء المسعدين، وقلة الأعداء المجحفين. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون». وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأوصاف فقال: «أهل الجنة كل هين لين سهل طلق». ولما ذكرنا من هذه الأوصاف حدود مقدرة ومواضع مستحقة، كما قال الشاعر: أصفو وأكدر أحياناً لمختبري وليس مستحسناً صفو بلا كدر

بالتالي يجب أن تكون متزناً في إظهار السماحة وإظهار الطلق، فليست الأخلاق الحسنة شيئاً تفعله مع الجميع؛ لأنه إذا فعلت مع الجميع ستنقلب إلى سذاجة. فالسماحة لها حدود، والطلاقة لها حدود، لأنه إذا تجاوزت حدها فوالله إن كنت سمحاً مع عدوي سيأكلني في النهاية. فهذا معنى أن لها حدوداً وموازين، ولأنه إذا لم تكدر أحياناً فستقع في مشكلة. قال: «أصفو وأكدر أحياناً لمختبري»، يعني أنا لست دائماً صافياً، فلا بد أن يكون في شيء من الخشونة أحياناً حتى يرى الناس مني وجهاً آخر أهابني منه. وليس المقصود بالكدر معنى البذاءة وشراسة الأخلاق، فإن ذلك ذم لا يستحسن وعيب لا يرتضى، وإنما يريد الكف. فليس كلما قال لي واحد: أعطيني والله يا شيخ ساعدني، أستطيع أن أساعدك؛ فلا بد أن يعرف الناس أنه في لحظة معينة سأمسك عن العطاء. والانقباض في موضع يلام فيه المساعد، ففي مواضع بالعكس، الذي يعطي فيها هو الملام، ففي مواضع لا بد أن تقبض لأنك إذا ساعدت فأنت ملام ويذم فيها الموافق.

وإذا كان لمحاسن الأخلاق حدود مقدرة ومواضع مستحقة فإن تجاوز بها الحد صارت نوعاً من الملق؛ كأنها نوع من التزييف. فإن عدل بها عن مواضعها أيضاً صارت نفاقاً. والملق ذل، تتملق للفاسدين بإظهار حسن الخلق، والنفاق لؤم، وليس لمن وسم بهما ود مبرور ولا أثر مشكور. وقد روى حكيم عن جابر بن عبد الله قال صلى الله عليه وسلم: «شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». إذا جاء مع الجماعة قال: والله أنا معكم، وإذا راح للجماعة الثانية قال: أنا معكم ضد الجماعة هذيك؛ المهم أنكم تعطوني. هذا ليس حسن خلق، هذا نوع من التملق، إلا إذا احتجت إليه لمداهنة، فهذا باب آخر. لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون وجيهاً عند الله سبحانه، وقال سعيد بن أبي عروبة: لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين. وقال الشاعر: خلي النفاق لأهله وعليك فالتمس الطريقا وارغب بنفسك أن ترى إلا عدواً أو صديقاً

وقال إبراهيم بن محمد: وكم من صديق وده بلسانه خؤون بظهر الغيب لا يتذمم يضاحكني عجباً إذا ما لقيته ويصدفني منه إذا غبت أسهم

كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهداً، وفي غيبته إن غاب صاب وعلقم. والصاب هو نوع من أنواع الثمار المرة. وربما تغير حسن الخلق والوطاء إلى الشراسة والبذاء لأسباب عريضة وأمور طارئة تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة وطلاقة عبوساً. فمن أسباب ذلك الولاية التي قد تحدث في الأخلاق تغيراً؛ ما الذي يجعل أخلاق الإنسان تتغير؟ هذا هو السؤال، ما الذي يجعل الإنسان في يوم من الأيام كانت أخلاقه جيدة وأموره طيبة ثم انقلبت أخلاقه وصار شخصاً شرساً والتعامل معه صعباً؟

أولاً: الولاية؛ لأنه أصبح مسؤولاً. بالأمس لما كنا جالسين على طاولة واحدة كان سهلاً، اليوم بس صار مسؤولاً تغيرت كل أخلاقه. يقول لك لا، الولاية لها متطلباتها. فالولاية قد تحدث في الأخلاق تغيراً وعلى الخلائق تنكراً، أما من لؤم طبع وأما من ضيق صدر. وقد نعم المرء في ولايته ذل في عزله، وقيل: ذل العزل يضحك من تاه في ولايته. أي من تكبر، تيهان النفس؛ أي من شعر بالتيه أنه أنا شيء كبير في الولاية، لما تعزل الناس كلها تتشمت فيك. بتعرف زي هؤلاء الضباط الذين يكون في ولايته مش شايف أحداً، بعد ما يستقيم بصير قاعد في طرف المسجد على كرسي، ما حدا بيسلم عليه؛ ليه؟ ما أنت لما كنت مسؤولاً ما كناش قادرين نحكي معك، كنت شايف نفسك علينا، خليك مشان عزلوك ببطل حدا يسلم عليه، لا أبو الشرطة ولا أبو الشرطتين.

ومن أسباب تغير الأخلاق العزل؛ فقد يسوء به الخلق ويضيق به الصدر، إما لشدة أسف أو لقله صبر. حكى حميد الطويل أن عمار بن ياسر عزل عن ولاية فاشتد ذلك عليه وقال: إني وجدتها حلوة الرضاع، مرة الفطام. وهذا كلام صحيح، والعزل بدك تنتبه له يا شباب في تربية النفس على تقبله. هذه قضية العزل؛ كثير من الأحيان ممكن مثلاً توضع رئيساً للجنة وبعدين يتم عزلك عنها، أو تكون في موضع معين قدموك تعطي دروساً بعدين استبدلوك بشخص آخر. هذا العزل بشكل عام يفقد كثير من طلاب العلم التوازن النفسي؛ يعني العزل بخليك تحقد، بخليك تشعر أنني أريد أن أنتقم لأنكم قدمتموني وبعدين سحبتم مني التقديم. لذلك دائماً الأفضل، الشيخ الواعي والأب الواعي والأم الواعية، عليهم أن يتفرسوا في طالبهم؛ إذا مثلاً حكوا له والله نستبدلك، والله يا شيخ أنا قدموني أحكي في كذا وكذا، أنا قدموني في كذا، عليك إذا رأيته شاباً يحب التصدر أن تطلب منه ألا يتعجل، وأن يعرف أنه ممكن في لحظة يعزل. هذا الشخص الذي يحب التصدر، إذا في لحظة معينة أنا عارف أن الجماعة قدموك، بس ممكن في لحظة معينة يعزلوك، هل أنت ستتحمل مرارة العزل؟ مرارة أنه أنا كنت متصدراً في مسجد في بيئة دعوية في كذا في كذا، بعدين الجماعة الذين صدروك في لحظة معينة قالوا لك: جزاك الله خيراً يا سيدنا الشيخ وبارك الله فيك، بس في شخص آخر نحن شايفين أنه يرتاح معه أكثر. ترى هي فتنة وما بعدها فتنة.

لذلك كلما أتذكر موقف خالد بن الوليد لما قبل أن يعزل في معركة اليرموك، تعرف كم كان صاحب نفس شريفة؛ خالد بن الوليد أمير الجيوش الإسلامية، فاتح العراق والشام، عمر بن الخطاب يرسل له رسالة أنه تنحى عن إمارة الجيش لأبي عبيدة. إخواني هذه نفس جبارة؛ أنه هو عارف إمكانياته وعارف طاقاته وعارف كم كان سبباً بتوفيق الله في فتوحات عظيمة، وأمير المؤمنين يقول لك يا خالد، أنت أمير الفرسان الذي دائماً متعود الصدارة، تأتي في لحظة معينة تعزل وتقول له: أعط إمارة الجيوش لأبي عبيدة. وبهذا فاق الصحابة خيراً؛ أنه هو قادر أن يدوس على نفسه ومشاعرها من أجل مصلحة الإسلام. اليوم كثير حتى دعاة، اثنين أو ثلاثة، بصير يتقاتل من سيصير هو الرئيس على هيئة أو تجمع أو كذا، وإذا وضع رجل رئيس هيئة بعدين مثلاً شافه غيره أكفأ منه عزله، بصير يعمل جماعة جديدة وبصير الحرب على الجماعة هي. ليش؟ بتكتشف في النهاية لو تتبعت هذه الأمور أن هي مرارة العزل، ساء بها الخلق وقلبوا على بعض المشايخ وصار بينهم كذا. طبعاً أنت بتفكر أحياناً أن الخلاف هو خلاف علمي، تظن أن الخلاف خلاف علمي، تكتشف أن الخلاف خلاف على جماعات، وأنه أنا كان مسؤولاً وصار فلان فقدموه علي. وأنه أنت لو تتبعت كثير من معارك السوشيال ميديا أو معارك الجماعات في داخلها، تجد أن كثيراً من المعارك سببها ماذا؟ أنه لما صارت الانتخابات، مين بده يكون مسؤول الجماعة ما طلعوني، لأنه أنا كنت في الدورة السابقة، أنا في الدورة هي بيحقد على الجماعة وينشق عنها. هنا تدخل النفوس وتتغير الأخلاق كما قال الماوردي.

فالعزل شيء متعب على النفس، صحيح صعب أنك تقول إنه ليس متعباً، شيء متعب، لكنه نوع من الأمور التي يجب أن تروض نفسك عليها وتتقبلها في الحياة عموماً، حتى لا تسوء أخلاقك ولا تتغير، وتعرف أن الدنيا تذكر نفسك في الزهد في الدنيا عدم الطمع فيها. المهم الآخرة، مش مشكلة لو غير تقدم. المهم أنني أكون أنا في ثغر من ثغور الأمة. بدك تعبئ نفسك بأفكار جيدة حتى إذا جاء العزل تكون مستعداً نفسياً لهذا.

ومن أسباب تغير الأخلاق الغنى؛ فقد تتغير به أخلاق اللئيم بطراً وتسوء طرائقه شراً. ولذلك قيل: من نال استطال. وأنشد الرياشي: غضبان يعلم أن المال ساق له ما لم يسقه له دين ولا خلق فمن يكن عن كرام الناس يسألني فأكرم الناس من كانت له ورق

وقال بعض الشعراء: فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر

وبحسب ما أفسده الغنى كذلك يصلحه الفقر. كتب قتيبة بن مسلم إلى الحجاج أن أهل الشام قد التاثوا عليه، فكتب إليه أن يقطع عنهم الأرزاق، ففعل فساءت حالهم، يعني لما قلت الرواتب افتقروا وساءت حالهم، فاجتمعوا إليه فقالوا: أقلنا. فراحوا فعلاً، زبطت معه، قطع الرواتب عنهم زي ما نصحه الحجاج، فجاؤوا إليه فقالوا: أقلنا، يعني سامحنا أننا خرجنا عليك أو انتفضنا عليك. فكتب إلى الحجاج فيهم، فكتب إليه: إن كنت أنست منهم رشداً فأجر عليهم ما كنت تجري، خلاص رجع لهم الرواتب إذا شعرت أنه الجماعة هذه. يعطيك أنه كيف الفقر بخلي الواحد يخنع.

واعلم أن الفقر جند الله الأكبر، يذل به كل جبار عنيد متكبر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لولا أن الله تعالى أذل ابن آدم بثلاث ما طأطأ رأسه لشيء: الفقر، والمرض، والموت». ومنها الفقر أيضاً؛ يعني كما أن الغنى يغير الأخلاق لكن صراحة حتى الفقر يغير بعض الناس. إذا كان وضع المادي متقدماً؛ بتعرف كثير ناس أيام كورونا كان في وضع مادي ممتاز، كسرتهم، هذا الفقر ليس كل الناس تستحمله، فبعض الناس يبتلى بضيق الصدر وبيصير معه، يحب يتكلم مع أحد، ويأنف من الناس، ويصير عنده حالات نفسية صعبة، لأنه قد يتغير به الخلق؛ إما أنفة من ذل الاستكانة، يأنف أن يكون فقيراً بعد أن كان غنياً، أو أسفاً على فوات الغنى. كما قال صلى الله عليه وسلم: «كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر».

وقال أبو تمام: وأعجب حالات ابن آدم خلقه يظل إذا فكرت في كنهه الفكر

يعني أعجب شيء في الإنسان فلسفة الأخلاق فيه، يعني بدك تفكر كيف الإنسان تتقلب أخلاقه، فعلاً موضوع مش سهل أن تتكلم في فلسفة الأخلاق وكيفية تغيرها؛ فيفرح بالشيء القليل بقاه، ويجزع مما صار وهو له ذخر. يفرح بالشيء الذي يعلم أنه في يوم من الأيام سيذهب، ويجزع من الشيء الذي هو مفروض عليه، وربما تسلى من هذه الحالة بالأماني وإن قل صدقها. بعض الفقراء حتى يتسلى عن فقره بصير يفكر: أنا إن شاء الله بكرة بيصير عندي، وبيصير يتمنى أماني كاذبة، وإن قل صدقها، يعني صعب تزبط معه أنه بكرة راح أصير ملكاً ويصير وزيراً ويغير الحال يعني. طيب فقد قيل: قل ما تصدق الأمنية ولكن قد يعتاض بها سلوة عنها مش مشكلة. الحين بعض الأماني تقول له: ايش خليه يا شيخ يتمنى، ما هو أحسن له من يظل قاعد يبكي على نفسه كمداً أو مسرة الراجع. وقد قال أبو العتاهية: حرك مناك إذا اغتممت، فإنها مراوح. كلام صحيح؛ يعني إذا شعرت حالك مغموم يا أخي تمن. كيف السجين المحكوم عليه خمس سنين؟ خلص الحكم صدر فيه، بعد السنة الأولى بقول لك: إن شاء الله بإذن الله السنة هي راح أطلع، هو الحكم خمس سنين، وأنك تطلع قبل انتهاء الحكم هي نوع من الكرامة مش صح، يعني نوع من الكرامة. بس خلي السجين يتمنى، وهذا كنا نراها كثيراً، يعني كثير بصير يحلم: أنا اليوم راح أطلع، من يريه الله عز وجل أشياء، وحتى قد يكون حديث نفس بس من باب ايش كما قال ابن عبور: حرك مناك؛ يعني خلي الأماني تشتغل لأن الأماني بتخفف شوية هم. ترى هي فعلاً بتخفف شوية هم وبتنسيك شوي المال، وإن كان قل أن تصدق. تمام؟ وقال آخر: إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المفاليس

الأماني يعني هي رأس مال المفاليس الذين ما عندهم سالفة. ومنها من أسباب تغير الأخلاق الهموم، أكيد لما يكون الواحد مضغوطاً وعنده بلاء وعنده كذا وكذا.

أخلاقه تتغير في العادة إلا من رحم ربي من أصحاب النفوس التي بعض الناس سبحان الله نفسه عالية جداً، حتى البلاء والهموم لا تظهر عليه؛ يظل محافظاً على توازناته النفسية، حتى لو كان أبوه في غرفة العناية المركزة وعارف أنه عنده هموم ومشاكل وابنه أبصر شو صار معه، لا تشعر أن أخلاقه تغيرت ولا يشعر الناس به. وبعض الناس بالعكس، بس إصبع رجله الصغير يصيبه فيه ألم وكذا، يا أخي بتلاقيك ما أنت قادر تحكي معه؛ يا فلان ترى مبارك شو تغير؟ قال لك: أنا مهموم يا شيخ، عندي سن بيوجعني أو شيء بسيط. هل هذا يستدعي كل هذا التغير في الأخلاق والأنماط؟ لذلك تفاوت النفوس في الشرف نعم. قال: الهموم التي تشغل القلب، فلا يتسع لاحتمال ولا يقوى على صبر، فقد قيل: الهم كالسم. وقال بعض الأدباء: الحزن كالداء المخزون في فؤاد المحزون. وقال بعض الشعراء: همومك بالعيش مقرونة، فما تقطع العيش إلا بها. إذا تم أمر بدا نقصه، توقع زوالاً إذا قيل تم. إذا كنت في نعمة فارعها، فإن المعاصي تزيل النعم. وحافظ عليها بشكر الإله، فإن الإله سريع النقم. حلاوة دنيا سموم مسمومة، فما تأكل الشهد إلا بسم الشهد العسل. نعم فكم قدر دب في مهله فلم يعلم الناس حتى هجم.

قال: ومنها الأمراض التي يتغير بها الطبع، كما يغير منها مما يغير الأخلاق، الأمراض أيضاً التي يتغير بها الطبع كما يتغير بها الجسم، فلا تبقى الأخلاق على اعتدال ولا يقوى معها على احتمام. كما قال المتنبي: إله العيش صحة وشباب، فإذا وليا عن المرء ولى. وإذا الشيخ قال: أف، فما مل حياة وإنما ضعف ملا. وإذا لم تجد من الناس كفوا ذات خدر، أرادت الموت بلى. أبداً تسترد ما تهب الدنيا، فيا ليت جودها كان بخلاً.

قال: ومنها علو السن وحدوث الهرم، لتأثيره في آلة الجسد كذلك يكون تأثيره في أخلاق النفس، فكما يضعف الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من الأثقال، فكذلك تعجز نفسه عن احتمال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ومضاد الشقاق. وكذلك ما ذكر قال منصور النمري: ما كنت أوفي شبابي كنه غرته، حتى مضى فإذا الدنيا لها تبع. أصبحت لا تطعمي ثكل الشباب، ولم تشجي بغصته، فالعذر لا يقع. ما كان أقصر أيام الشباب، وما أبقى حلاوة ذكراه الذي يدع. ما واجه الشيب من عين، وإن رمقت، إلا له نبوة عنه ومرتدع. قد كنت تقضي على فوت الشباب، لولا تعزيك أن الشيب منقطع.

لذلك كثيراً ما آباؤنا وأجدادنا لما يكبروا تجد تغيراً في الأخلاق، صحيح يعني الآباء لما يشرعونه في الستين والسبعين بيتغير خلقهم، وهنا تظهر قيمة البر. لماذا الله سبحانه وتعالى أوصى ببر الوالدين كثيراً كثيراً؟ لأنه من الأسباب التي تؤدي إلى كثرة الوصية بين الوالدين، أن طبيعة الإنسان لما يصير عمره ستين وسبعين بتتغير أخلاقه، وبيصير مزاجه صعب، وبيصير الابن هو اللي بده يداري؛ لما كنت أنت صغير أبوك كان يداريك، لكن لما يكبر الآباء والأمهات أنت بدك تداريهم وبدك تتحمل سوء أخلاق، يعني سميها تغير أخلاقة، بدناش نقول تغير أخلاقهم، وهذا شيء متوقع أنه هو كبير، كثر تعبه كما قال، كثر جسمه، الأمراض بلشت تغزو ما عاد يستطيع مع تفكيره باقتراب الموت؛ ما هذه برضه شوية بتغير نفوسنا، ليس كذلك؟ فلذلك تحتاج إلى أن تتعلم بر الوالدين، وما تطالب والدك ووالدتك عند الكبر بمثاليات؛ أنه في أمور ممكن نكون كشباب ليش الحد بيفكر بهي الطريقة؟ طيب ما هي واضحة الشغلة، وفي أمور الآن لا تحسب بالمنطق السوي، تحسب أنه هذا رجل كبير، الجسد مليء بالأمراض والأتعاب، أنهكته الحياة، ظروف الحياة، بدأ يشعر بقرب الموت، فرح يتغير نفسيته وممكن يصير عصبي أكثر، مزاجي أكثر؛ الأشياء اللي كنت أنت تعرفها من والدك قبل عشر سنين، عشرين سنة، الآن ما عاد يفعلها، تغيرت كثير من أموره، فأنت الآن دورك أنك تصبر وتتحمل عصبية الوالد والوالدة، تغير أخلاقهم، كثرة الأمزجة، الأشياء اللي أنت بتشوفها غير منطقية بدك تتحملها؛ لأنه كما قال لك الماوردي: علو السن يسبب تغيراً في الأخلاق، وهذا شيء طبيعي عموماً. تمام، أبكي شباباً سلبناه فكان، ولا تفي بقيمته الدنيا وما تسعه.

قال: فهذه سبعة أسباب إن أحدث سوء الخلق كان عاماً، وها هنا سبب خاص قد يحدث سوء خلق خاص، وهو البغض الذي تنفر منه النفس، فتحدث نفوراً على المبغوض يؤول إلى سوء خلق يخصه دون غيره. وإذا كان سوء الخلق حادثاً لسبب؛ إذاً الأمور السبعة السابقة عامة تعد التغير في الأخلاق عموماً مع جميع الناس. في هناك سبب أخير أضافه، وهو أنه شخص بيصير سبب خاص؛ أنه شخص معين أنت بتكرهه، هسا بتكون أخلاقك جيدة مع الجميع لكن مع هذا الشخص، يا أخي، أخلاقي مش قادر أضبطها، يا أخي أنا ما بطيقش، فتتغير أخلاقك معه على وجه الخصوص. نعم، قال: وإذا كان سوء الخلق حادثاً لسبب كان زواله مقروناً بزوال ذلك السبب، ثم بالضد. طيب نذهب إلى الخلق الذي يليه، الحياء.

نعم قال: اعلم أن الخير والشر معاني كامنة تعرف بسمات دالة، كما قالت العرب في أمثالها: تخبر عن مجهوله مرآته. وكما قال سلم بن عمر الشاعر: لا تسأل الشيء المجهول، من الذي تخبر المرآة التي تعكسه؟ لأن المرآة تريك الشيء، فإذا كان هناك شيء مجهول مرآته هي التي ستعكس صورته في الخارج. نعم: لا تسأل المرآة عن خلائقه، في وجهه شاهد من الخبر. نعم لا تسأل شخص شو أخلاقك، ترى وجهه لحاله بيخبرك، قال في وجهه شاهد من الخبر، يعني وجهه وتعامله وحده ستخبرك عن أخلاقه دون أن تسأله مرآته أخلاقك تصرفاتك الخارجية هي مرآة لما في داخلك. طيب، فسمة الخير الدعة والحياء، وسمة الشر في سمة النفس الشريرة القحة والايش والبذاء؛ يعني من سمة الخير أن تجد الرجل عنده حياء وعنده دعة، سهولة خلينا نقول سهولة في التعامل، ومن علامة أن هذه النفس شريرة الوقاحة والبذاء؛ بذيء نعم وتصرفاته بذيئة، وكفى في الحياء خيراً أن يكون على الخير دليلاً، وكفى بالقحة والبذاء شراً أن يكون إلى الشر سبيلاً.

وقد روي عن حسان بن عطية، عن أبي أمامة قال: صلى الله عليه وسلم: «الحياء والعي» العي يعني نوع من الحصر عدم القدرة، الاستحياء الخجل خلينا نسميها الخجل «شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان» كثرة الحديث «شعبتان من ماذا؟ من النفاق». طبعاً إذا فهمت بالمعنى الصحيح يعني في بعض الناس بتلاقيه خجول، أحياناً قد لا يعبر جيداً عن نفسه وتجده في المجالس جالس يسمع فقط، ما عنده انطلاقة وحديث، طبعاً بعض الشباب بتلاقيها بالعكس طول المجلس بيحكوا، وكأن هالبيان عنده بيان زيادة؛ فهذا بيان لم يوضع في موضعه فتخشى أن يصبح نفاق، نوع من التصنع أنه أنا بعرف أحكي وبعرف أسولف وبعرف كذا، وهذاك مسكين يعني ما بيعرف يدخل مع الشباب، بس هذاك مسكين أحسن منك أنت اللي بتفلسف على الفاضي يعني ما في حاجة بتحكي فيها مفيدة. طيب، ويشبه أن يكون العي في معنى الصمت يعني تمام، فالعي هنا مش الحمق لا، العي من الصمت أو الخجل خلينا نسميها، مع أنك أنت متعلم بس ما بتحب دائماً تحكي. والبيان هنا بمعنى التشدق؛ لأنه لازم نحمل البيان على معنى فيه نفاق، أما هناك نوع من البيان المطلوب في العلم والخطب وما شابه ذلك، «إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون المتشدقون».

قال: وروى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار». وقال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه. وقال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه. وقال بعض العلماء: يا عجباً كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي وتتقي من طول ما لا تتقي! وقال بعض الشعراء، وهو صالح بن عبد القدوس: إذا قل ماء الوجه قل حياؤه، ولا خير في وجه إذا قل ماؤه. حياءك فاحفظه عليك فإنما، يدل على فعل الكريم حياؤه. وليس لمن سلب الحياء صاد عن قبيح، ولا زاجر عن محظور، فهو يقدم على ما شاء ويأتي ما يهوى.

وبذلك جاء الخبر، روى شعبة عن منصور عن إسناده قال: صلى الله عليه وسلم: «إنما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». وليس هذا القول إغراءً بفعل المعاصي، طبعاً أكيد مش المراد أنه يلا اعمل اللي بدك إياه كما توهم بعض من جهل معاني الكلام ومواضع الخطاب، فللمراد إذا لم تستحِ فإنك ستصنع ما تشاء وستحاسب عليه يوم القيامة، فهو لا يقول لك اصنع على سبيل الإغراء وإنما على سبيل التهديد، مثل هذا الخبر قول الشاعر: إذا لم تخشَ عاقبة الليالي، ولم تستحيي فاصنع ما تشاء. فلا والله ما في العيش خير، ولا الدنيا إذا ذهب الحياء. يعيش المرء ما استحيا بخير، ويبقى العود ما بقي اللحاء. اللحاء القشر الذي عليه نعم.

واختلف أهل العلم في معنى الحديث السابق: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، وأظن علقت على هذا كثيراً في شرح للأربعين النووية. فقال الشاشي في أصول الفقه: معنى هذا الحديث أن من لم يستحِ دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء، لا يردعه عنه رادع، فليستحيِ المرء فإن الحياء يردع. جميل، قال: وسمعت من يحكي عن أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى في إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحِ منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت؛ هذا معنى آخر يعني إذا عرض عليك الشيء فلم ترَ أن فيه ما يستحق الحياء فأقدم عليه فإنه حسن، هذا معنى معاكس تماماً؛ قال: فجعل الحياء حكماً على فعله؛ قال يعني كأنه يقول: اجعل الحياء هو المعيار أني أفعل هذا الشيء ولا ما أفعله. طيب فكلا القولين حسن، والأول أشبه لأن الكلام الأول أقرب، لأن الكلام خرج من النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج الأمر، لكن قد جاء الحديث بما يضاهي القول الثاني، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته، وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه» يعني هذا يقارب المعنى الثاني. نعم قال: ويجوز أن يحمل هذا الحديث على المعنى الصريح فيه، ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم أصح، إذ ليس يلزم أن تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها متفقة المعاني، فاختلاف معانيها أدخل في الحكمة وأبلغ في الفصاحة إذا لم يضاد بعضها بعضاً.

قال: واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها حياؤه من الله تعالى، والثاني حياؤه من الناس، والثالث حياؤه من نفسه. فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. ويجوز أن يحمل هذا الحديث على المعنى الصريح فيه، ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم أصح، إذ ليس يلزم أن تكون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها متفقة المعاني، ممكن حقيقة الكلام الذي يقوله عمر أن يكون مقصده ويجوز أن يحمل هذا الحديث، أي الأخير «ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته وما كرهت أن تسمعه فاجتنبه»، أن يكون هذا خلص محمول على المعنى الصريح فيه، ويكون الحديث السابق المعنى المتقدم فيه هو التأويل الأول الذي رجحه هو، وبالتالي يقول لك.

كأنه يقول لك: كل حديث خلص احمله على المعنى الصريح فيه، وستجد هناك تنوعاً في أحاديث النبي ﷺ وهذا أبلغ في الفصاحة إن لم يضد بعضها بعضاً. وممكن حقيقة هذا الكلام أيضاً يكون مقصوداً، يعني السياق يساعد عليه.

واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها حياؤه من الله تعالى، وثانيها حياؤه من الناس، وثالثها حياؤه من نفسه. فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «استحيوا من الله تعالى حق الحياء». قيل: يا رسول الله، كيف نستحيي من الله عز وجل حق الحياء؟ قال: «من حفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر الموت والبلى، فقد استحيا من الله حق الحياء». وهذا الحديث من أبلغ الوصايا.

قال أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى: رأيت رسول الله ﷺ في المنام ذات ليلة فقلت: يا رسول الله أوصني. فقال: «استحِ من الله حق الحياء». ثم قال: «تغير الناس». قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «كنت أنظر إلى الصبي فأرى في وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم فلا أرى ذلك في وجهه». قال: ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورتها وأذهلني السرور عن حفظها. الرؤية واقعة ولا تنطبق على واقعنا؛ تجد كثيراً من الصبيان ما عنده حياء، تغير الناس فعلياً. الناس تتغير، يوم تجد صبياً عمره ست سبع سنين يتكلم مع رجل كبير بكل وقاحة وبكل جرأة وبكل كذا وعادي، ويضع وجهه في وجهي. وهذا للأسف تجد حتى بعض كبار السن يسر من ابنه لما يشوفه يتكلم بقلة حياء مع الناس، وبيشتم عمه، لا، بعض الصبيان عادي بيشتم عمه وخاله وكذا وأبوه بيضحك: شوف ما شاء الله ابني، مبسوط إنه ابني طالع من زعران الحارة، وأنه بيشتم أخواله وأعمامه وكذا وبيعرف المسبات القبيحة والألفاظ الشنيعة وما شابه ذلك. بيعتقد الأب أنه هي مرجلة في ابنه، وإنما هذه سوء أدب في الأب قبل الابن؛ أن ترى ابنك يشتم الناس أو يتكلم بلهجة غير مكتسبة بالاحترام والآداب وأنت تكون مسروراً بهذا وتعتبره قوة شخصية، أنت المشكلة أنك تعتبره قوة شخصية، ابني بيشتم ويضحك على الناس ويتعامل بقلة احترام فبيصير هو يفتخر بهذا، فهذا والله فعلاً من تغير أحوال الناس.

ثم تكلم بعد ذلك بوصايا وعظات تصورتها وأذهلني السرور عن حفظها؛ السرور برؤية النبي ﷺ أذهلني أني أحفظ وصاياه، ووددت لو أني حفظتها. فلم يبدأ بشيء ﷺ قبل الوصية بالحياء من الله، وجعل ما سلبه الصبي من البشر والحياء سبباً لتغير الناس، وخص الصبي لأن ما يأتيه بالطبع من غير تكلف؛ يعني الصبي تصرفاته عفوية، فإذا كان العفوي عنده هو سوء الأدب فنحن في مصيبة. فصلى الله وسلم على من هدى أمته وتابع إنذارها وقطع أعذارها وأصل تأديبها وحفظ تهذيبها، وجعل لكل عصر حظاً من زواجره ونصيباً من أوامره، أعان الله على قبولها بالعمل وعلى سلامتها بالتوفيق.

نعم، قال وقد روي أن علقمة بن عثمة قال: يا رسول الله عظني. فقال النبي ﷺ: «استحِ من الله تعالى استحياءك من ذي الهيبة من قومك». وهذا نوع من الحياء يكون من قوة الدين وصحة اليقين، ولذلك قال النبي ﷺ: «الحياء شعبة من الإيمان»؛ يعني من الله تعالى لما فيه مخالفة أوامره، والمراد شعبة من شعب الإيمان. وقال النبي ﷺ: «الحياء نظام الإيمان». النظام هو السلك الذي ينظم الإيمان، فإذا انحل نظام الشيء، إذا فرط السلك تبدد ما فيه وتفرق من المسبحة، صحيح.

وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من تقوى الله تعالى اتقاء الناس». وروي أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس وقال: لا خير في من لا يستحيي من الناس. تأخر عن الصلاة ووصل المسجد والناس طالعة، فاستحى أن يمشي مع الناس في طريقهم ويرونه مقصراً في الجمعة، فابتعد عن الطريق وقال. هل هذا نفاق؟ لا، هذا نوع من أنه استحى أنه فعلاً راحت عليه الجمعة وما استطعت أن أصل.

وقال بشار بن برد: ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء حياءً وحبه في السواد أمسك النفس بالعفاف وأمسي ذاكراً في غد حديث الأعادي وهذا النوع من الحياء قد يكون من كمال المروءة وحب الثناء. ولذلك قال النبي ﷺ: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له»؛ يعني والله أعلم لقله مروءته وظهر شهوته. وروى الحسن عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «إن من مروءة الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه وألفه وجليسه». وقال بعض الشعراء: ورب قبيحةٍ ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء إذا رزق الفتى وجهاً وقاحاً تقلب في الأمور كما يشاء وقال آخر: إذا لم تصنع أرضاً ولم تخشَ خالقاً وتستحيي مخلوقاً فما شئت فاصنعي

وأما الحياء من النفس فيكون بالعفة وصيانة الخلوات، وقد قال بعض الحكماء: ليكون استحياؤك من نفسك أكثر من استحياؤك من غيرك. وقال بعض الأدباء: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر. حاول أن تعصي، ألا تجاهر بالمعاصي في خلواتك. ودعا قوم رجلاً كان يألف عشرتهم فلم يجبهم وقال: إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا أستحيي من سني؛ لما كان 39، 38 كان يطلع معهم كشتات وعلى البر وهكذا، قال أنا صار عمري 40 سنة فاستحي من نفسي أن أضعها في موضع الصبيانية والأشياء التي فيها سخف. وقال بعض الشعراء: فسري كإعلاني وتلك خليقتي وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري أنا في الليل زيي زي النهار. وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة، فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاث: من ربه والناس والنفس، فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهوراً وبالجميل مذكوراً. وقد قال بعض الشعراء: وإني ليثنيني عن الجهل والخنا وعن شتم ذي القربى خلائقُ أربعُ حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وأنني كريمٌ ومثلي من يضرُّ وينفعُ وإن أخل بأحد وجوه الحياء لحقه من النقص بإخلاله بقدر ما كان يلحقه من الفضل بكماله. وقد قال الرياشي: يقال إن أبا بكر الصديق كان يتمثل بهذا الشعر: وحاجةٍ دون أخرى قد سنحت لها جعلتها للتي أخفيت عنوانا وإنني لأرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عريانا

الفصل الرابع في الحلم والغضب؛ مدح الحلم. قال روى محمود بن حارث الهلالي أن جبريل عليه السلام نزل على النبي ﷺ فقال: يا محمد، إني أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. نعم، هذه الآية يقال إنها جامعة لمكارم الأخلاق. خذ العفو مما أعطاك الناس، اقبل من الناس ما عفوا به، لا تطالبهم بأعلى من سقفهم. وأمر بالعرف؛ والمعرف يشمل كل خلق حسن. وأعرض عن الجاهلين الذين يشتمونك؛ وهذا موطن الشاهد وهو الحلم. الحلم عمن يجهل عليك بالشتم أو بالتنقيص أو ما شابه ذلك.

وقال سفيان: إن النبي ﷺ قال حين نزلت هذه الآية: خذ العفو وأمر بالعرف، يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم. ثم عاد جبريل: إني أسأل الله، وقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. وهذا هو الحلم. وإن النبي ﷺ قال حين نزلت آية خذ العفو: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك؛ خلاص، ثم اغتابوني وأنا مسامحهم». وهذا من شدة الحلم. وقال ﷺ: «إن الله يحب الحليم الحقيقي ويبغض الفاحش البذيء». نعم، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: من حلم ساد، ومن تفهم ازداد. وقال بعض الأدباء: من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة السلم. وقال بعض البلغاء: ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض. وقال بعض الشعراء: أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعاب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلماً وشر الناس من يهوى السبابا ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا

والحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد. وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره؛ إن الناس ما بتعاديك إذا رأوك حليماً، وهذا من أول ما تعوض به في الدنيا. وحد الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب، وهذا يكون عن باعث وسبب. فما أسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس؟ قال عشرة: أحدها الرحمة للجهال، وذلك من خير يوافق رقة، وقد قيل في منثور الحكم: من أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال. وقال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاماً: يا هذا، لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. وشتم رجل الشعبية فقال: إن كنت كما قلت فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك. واقتضت عائشة رضي الله عنها على خادم لها ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء. وقسم معاوية رضي الله عنه؛ يعني الغيظ لما يتقي الله يحجم عن العقاب فلا يشفي غيظه ويدخر الأمر عند الله سبحانه. وقسم معاوية رضي الله عنه قطوفاً، فأعطى شيخاً من أهل دمشق قطيفة فلم تعجبه، فحلف أن يضرب بها رأس معاوية، فأتاه فأخبره، فقال له معاوية: أوفِ بنذرك، وليرفق شيخ بشيخ. خلاص اضربني على رأسي، يلا ماشي بده يمشي.

والثاني من أسبابه القدرة على الانتصار، وذلك من سعة الصدر وحسن الثقة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه». وقال بعض الحكماء: ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعاً من السطوة. وقال بعض البلغاء: أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر. والثالث من أسبابه الترفع عن السباب، وذلك من شرف النفس وعلوها، كما قالت الحكماء: شرف النفس أن تحمل المكاره كما تحمل المكارم. وقد قيل إن الله تعالى سمى يحيى عليه السلام سيداً لحلمه. وقال الشاعر: لن يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرموا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوامِ ويشتموا فترى الألوان مسفرةً لا صفحة ذلٍ ولكن صفحة أحلامِ

والرابع من أسبابه الاستهانة بالمسيء؛ السباب عندنا، يعني هو نفس الشيء المسيء. قال وذلك عن ضرب من ضروب الكبر والإعجاب، كما حكي عن مصعب بن زبير أنه لما ولي العراق جلس يوماً لعطاء الجند وأمر مناديه فنادى: أين عمرو بن جرموز؟ وهو الذي قتل أباه الزبير، فقيل له: أيها الأمير إنه قد تباعد في الأرض. فقال: أوظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله؟ إني سأقتص منه بأبي عبد الله بوالده يعني الزبير؟ فليظهر آمناً وليأخذ عطاءه، ما راح أقتله مع أنه قتل أبوي. قال فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر. ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره: أوكلما طن الذباب طردتهُ إن الذباب إذا علي كريمُ وأكثر يعني هذا النوع الاستهانة بالمسيء من الكبر المستحسن؛ يعني هل هناك كبر يستحسن في وضع؟ قالوا: نعم، يستحسن الكبر في هذه الحالة، الكبر الذي يكون فيه استهانة بالمسيء تجعلك تحلم عنه، أنا أصلاً مش شايفك؛ يعني باختصار عشانك مش حأعاقبك. طيب ليش مش شايفني؟ مش كبر هذا يا سيدي، كبر يؤدي إلى عدم العقاب، منيح. ومثل ذلك قول بعض الزعماء في شعره: أوكلما طن الذباب وطردته؟ إن الذباب إذا علي كريم؛ هي كل ما واحد حكى كلمة أنا بدي أقعد أرد عليها على السوشيال ميديا، تمام؟ أقول أوكلما طن الذباب وطردته؟ كل ما واحد بده يحكي عليك بده يستغيبك، بعض الناس ما بتستحمل، كل ما واحد رد عليه أو سمع رد عنه أو كذا، بده يطلع ويعطيه مقطع كامل ويرد عليه. خلاص الحياة بدها فيها تغافل، وأنه يكون عندك نوع من الاستهانة، أصلاً يا أخي مين فلان يا فلان؟ الله يسهل عليه. فهذه الاستهانة بالمسيء هي بتريحك نفسياً ترى شوي يعني، هذه الاستهانة جيدة إذا عملت لك نوع من الراحة النفسية بس برضه أنت لا تستطرد معها. وأكثر رجل من سب الأحنف وهو لا يجيبه، فقال: والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه.

الرجل عرف أنه ليش الأحنف ما رد عليه، قال: والله ما منعه من أن يجيبني إلا أنني هين؛ مش شايفني. نعم، قال وفي مثله يقول الشاعر:

نجاك لؤمك منجاة الذباب حمتْه مقاذره أن ينال.

قال: واسمعه رجل ابن هبيرة، فأعرض عنه، فقال له رجل: إياك أعني، فقال: وعنك أعرض. وفي مثله يقول الشاعر: فاذهب فأنت طليق عرضك، إنه عرضٌ عززت به وأنت ذليل. وقال عمر بن علي:

إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت، سكت عن السفيه فظن أني عييت عن الجواب وما عييت.

قال: والخامس من أسبابه الاستحياء من هجن الجواب، وهذا يكون من صيانة النفس وكمال المروءة، وقد قال بعض الحكماء: احتمال السفيه أيسر من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته. وقال بعض الأدباء: ما أفحش حليم ولا أوحش كريم.

وقال لقيط بن زرارة: إن من الأسباب التي تجعل الحليم لا يرد ما هو؛ أنه يستحيي من أن يكون سباباً شتاماً عقاباً، نعم، أن ينزل لهذا المستوى؛ إنه هو شتمني، طيب أنا الآن بدي أغضب وأصير أشتمه، رح ينزل مستواي، فبصير إنه هيك نوع من الحياء، أنه يشوفه الناس عم بسببوا بعض وشو بيعمل مشاكل، يستحيي من هذا المظهر، يقول لك خلص مش الحق.

وقال لقيط بن زرارة ولبني سعد: فمالي وما لكم ترقون مني ما استطعتم، واتقوا غروركم، وإني بأحسن شيمة بصير، وإني بالفواحش آخر، وإني بأحسن الأخلاق بصير، وإني بالنسبة للفواحش آخر، أنا أحمق في الفواحش، لكنني خير في المحاسن، طبعاً هذا كلام جميل، وإن تك قد فاحشتني فقهرتني هنيئاً مريئاً، خذ راحتك أنت بالفحش، احذق وأنت أشطر مني في الهمالة.

هذا كثير ما يحتاجه الشباب؛ أخيراً فيش وقت، السيارات في كذا بيطلع لك واحد من هون يسب عليك ومن هون، إذا كل ما واحد في سيارة سبك وشتمك بدك تنزل تشتم وتضرب وكذا، ما مش حل، مش رح تطيب الأمور، خلص هناك أمور أخرى في الحياة أهم من هؤلاء التافهين.

والسادس من أسبابه التفضل على الساب، أنا أحلم لأتفضل عليه، فهذا يكون من الكرم وحب التآلف، كما قيل للإسكندر: إن فلاناً وفلاناً ينقصانك ويثلوبانك، فلو عاقبتهما، قال: وما بعد العقوبة، أعذروا في تنقصي وثلبي؛ رح يصير لهم عذر، فكان هذا تفضلاً منه وتآلفاً.

وقد عُني عن الأحنف أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال، طبعاً الأحنف ومن أحلم العرب، إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، لذلك بيجيب كثير قصص الأحنف: إن كان أعلى مني عرفت له قدره فلم أرد عليه، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه بالعفو عنه.

فأخذه الخليل ونظمه شعراً فقال: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنبٍ وإن كثرت منه إلي الجرائمُ، فما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ شريف ومشروف ومثلٌ مقاومُ، فما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازمُ، وأما الذي دوني فأحلم دائباً أصون به عرضي وإلا ألايمُ، وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالفخر حاكمُ.

وهو السابع من أسبابه نعم، استكفاف الساب وقطع السباب، وهذا يكون من الحزم، كما حكي أن رجلاً قال لضرار بن القعقاع: والله لو قلت واحدة لسمعت عشراً، فقال ضرار: والله لو قلت عشراً لم تسمع واحدة. إذاً استكفاف السب شو الاستكفاف؟ اختصار وإيقاف الإشكال، استكفاف كأنك تكفه، فهو شتم شتم شتم، أنت من أجل أن تكف وهو حلمت عليه تمام.

قال: وحكي أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال لعامر بن مرة الزهري: من أحمق الناس؟ فقال: من ظن أنه أعقل الناس. قال: صدقت، قال: فمن أعقل الناس؟ قال: من لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال. وقال الشعبي: ما أدركت أمي فأبرها، ولكن لا أسب أحداً فيسبها. وقال بعض الحكماء: في إعراضك صون أعراضك. وقال بعض الشعراء: وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى وفي الخرق إغراء، فلا تكو أخرقاً فتندم إذ لا تنفعك ندامة، كما ندم المغبون لما تفرقا. وقال آخر: قل ما بدا لك من زور ومن كذب، حلمي أصم وأذني غير صماء.

قال: والثامن من أسبابه الخوف من العقوبة على الجواب، وهذا يكون من ضعف النفس، وربما أوجبه الرأي أحياناً واقتضاه الحزم، يعني إذا أنت عارف حالك، عفواً، اللي بيسب عليك أقوى منك بدلاً وجسداً، وإذا أنت رديت عليه رح تنطحن، هسا صح هو من ضعف النفس بس أحياناً مطلوب، فهمت علي؟ يعني بقول لك أحياناً هو صح ضعف لكنه مطلوب في مرحلة معينة حتى لا تحط نفسك في موقف لا تحمد عقباه.

فقال: وهذا ربما أوجبه الرأي واقتضاه الحزم، خاصة لما يكون مثلاً عفواً أنت رايح عن سلطان ولا عن كذا ولا عن دائرة من هالدوائر، بتعرفوها، سبك بدك ترد عليه أنت بتنطحن، يعني سامحني، أحياناً من الحكمة أن تقبل الضعف وتعرف حجمك الطبيعي تمام لحتى لا تنطحن، فيقول: هذا قد يقتضيه العقل وجودة الرأي.

وقد قيل في منثور الحكم: الحلم حجاب الآفات، يعني يصونك من البهدلة، وقال الشاعر: ارفق إذا خفت من ذي هفوة خرق، ليس الحكيم كمن في أمره خرق.

والتاسع من أسبابه الرعاية ليد سالفة أو حرمة لازمة، يعني واحد له حرمة عليك أو يد، أب، أم، خال، ابن عم، كبير، كذا، عمل لك معروف وسبك، خلص مشي، وهذا يكون من الوفاء بحسن العهد. وقد قيل في منثور الحكم: أكرم الشيم أرعاها للذمم، وقال الشاعر: إن الوفاء على الكرام فريضة، واللؤم مقرون بذي الأخلاف، وترى الكريم لمن يعاشر منصفاً، وترى اللئيم مجانب الإنصاف.

قال: والعاشر من أسبابه المكر وتوقع الفرص الخفية، وهذا يكون من الدهاء. وقد قيل في منثور الحكم: من ظهر غضبه قل كيده. وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. وقال بعض الحكماء: إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عقاباً. وقال إياس بن قتادة: تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم، ولا الكف عن شتم اللئيم تكرماً أضر له من شتمه حين يشتم.

فهذه عشر أسباب تدعو إلى الحلم، وبعض الأسباب أفضل من بعض، وليس إذا كان بعض أسبابه مفضولاً ما يقتضي أن يكون نتيجته من الحلم مذموماً، وإنما الأولى بالإنسان أن يدعوه إلى الحلم أفضل أسبابه، وإن كان الحلم كله فضلاً، وإن عري عن أحد هذه الأسباب كان ذلاً ولم يكن حلماً، لأننا قد ذكرنا في حد الحلم أنه ضبط النفس عن هيجان الغضب.

فإذا فقد الغضب بسماع ما يغضب منه كان ذلك من ذل النفس وقلة الحمية، ولذلك قالت الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن، لا يعرف الجواد إلا في العسرة، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا في الغضب. وقال الشاعر: ليست الأحلام في حال الرضا، إنما الأحلام في حال الغضب.

وإنما الحلم العقول يعني العقول تكشف في حال الغضب، وقال آخر: من يدعي الحلم أغضبه لتعرفه، لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب. ولذلك مرت معنا قصة الأسقف اليهودي الذي في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، الذي أراد أن يختبر حلم النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك كان من علامات نبوته.

ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوة أن تكدر، ولا خير في حلم إذا لم يكن له زجر، إذا ما أورد الأمر أصدر، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله علي. ومن فقد الغضب في الأشياء المغضبة حتى استوت حالاته قبل الإغضاب وبعده، فقد عدم من فضائل النفس؛ الغضب لا هو من الأمور الجيدة لما يكون لها سبب منطقي، لكن أنت لا تنفذ آثاره إلا عند الضرورة، فمن فقد الغضب فقد عدم من فضائل النفس الشجاعة والأنفة والحمية والغيرة والدفاع والأخذ بالثأر، لأنها خصال مركبة ومنشؤها من الغضب.

فإذا علمها الإنسان هان بها ولم يكن لباقي فضائله في النفوس موضعاً، ولا لوفور حلمه في القلوب موقعاً. وقد قال المنصور: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة. وقال بعض الحكماء: العفو أحياناً يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، وعليك أن تعرف أيضاً متى الساعة المناسبة للغضب.

وقال عمرو بن العاص: أكرموا سفهائكم فإنهم يقونكم العار والشنار، مش بقول لك ذل قوم ليس لهم سفهاء؟ لازم يكون حواليك شباب شغل مشاكل في الحياة العملية، ليه؟ لأنه ذل قوم ليس لهم سفهاء، لازم يكون في واحد حواليك لمرحلة معينة يفلت على الناس اللي بتتطاول لحتى يضربهم أو يؤذيهم، أحياناً تحتاج إلى هذا، لذلك هذا من كلام العقلاء: أكرموا سفهائكم فإنهم يقونكم العار والشنار.

وقال مصعب بن زبير: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا، لأنه بيرجع بقول لك مش كل الأمور تحل: يعطيك العافية، السلام عليكم، خلص ماشي، في أمور ما بتنحل إلا بالمضاربة وإلا بالمشاجرة وإلا أن تسقط الطرف الآخر. فأنت كرجل بدك يكون عندك وقور وحلم وكذا، بس بدو في آخر الأمر 3 سم من السفه بدو يكون موجود، سواء عندك أو عند بعض الناس الذين حولك حتى يساعدونك، في بعض الناس ما بتنحل أمورهم بالأدب ولا بالرقي، العنف يساعد.

وقال أبو تمام الطائي: والحرب تركب رأسها في مشهدٍ عدل السفيه به بألف حليم. ففي أحياناً بدك حرب، في طوشة، سفيه أحسن من ألف عاقل في بعض المواقف، سفيه واحد أحسن لك من ألف شاب محترم لأنه مش رح يمشي معك في هي الفزعة.

وليس هذا القول إغراءً بتحكيم الغضب والانقياد إليه عند حدوث ما يغضب، فيكسب بالانقياد للغضب من الرذائل أكثر مما يسلبه عدم الغضب من الفضائل، ولكن إذا ثار به الغضب عند هجوم ما يغضبه كف ثورته بحزمه وأطفأ إثارته بحلمه ووكل من استحق المقابلة إلى غيره، شر دخله شر.

وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: إذا أمن الجهال جهلك مرة فعرضك للجهال غنم من الغنم، فعم عليه الحلم والجهل والهو بمنزلة بين العداوة والسلم. إذا أنت خليه مش عارف هو أنت حليم ولا جاهل، يعني هي من سياسة النفس أن تخلي أمامك مش مطمن لأنه إذا ما متوقع ردة فعلك، لأنه إذا توقع ردة فعلك أنك دائماً لا، هذا شيخ مسكين درويش دائماً، لا ساعيتها بياخذ راحته، فعم عليه، خليه هو مش متوقع، أفضل.

إذا أنت جريت السفيه كما جرى فأنت سفيه مثله غير ذي حلم، ولا تعض بإعراض السفيه وداوره بحلم، فإن أعيا عليك فبالصرامة، فيرجوك تارات ويخشاك تارة. يعني هو صح يرجو عفوك، لكن برضه بيعرف أنه هذا الشيخ دير بالك يغضب، مش بقول لك بعض المشايخ: هو منيح بس إذا بيغضب دير بالك منه، لأنه في شعرة عنده، وتأخذ فيه بين ذلك بالحزم. فإن لم تجد بداً من الجهل فاستعن عليه بجهال فلا بد لك من العزم، إذا وجدت أنه ما في فائدة، بدو ينضرب، بدو ينضرب، فاستعن على هذا السفيه بمجموعة من الجهال.

وهذا من أحكم أبيات وجدتها في تدبير الحلم والغضب، هي الأبيات ممتازة، لأنها بتعطيك السياسة الصحيحة، خلي أمامك مش عارف ردة فعلك، امشِ بالعفو، لكن في لحظات معينة في صرامة، لما تيجي لحظة الصرامة واللي محتاج فيها للمشكلة خلي جهال حولك هم الذي يظهروا ذلك مش أنت، وهيك بتكون أنت إن شاء الله بقيت في المساحة الآمنة.

وهذا التدبير إنما يستعمل فيما لا يجد الإنسان بداً من مقارنته ولا سبيل لاقتراحه ومتاركته، أما لخوف شره أو للزوم أمره، فإما من أمكن اقتراحه ولم يضر إبعاده فالهوان به أولى والإعراض عنه أصوب. إذا واحد هو حواليك مش قادر تخلص منه بدك تعامل معه بهي السياسة، أما إذا شخص تقدر تختصره تماماً وهو يبتعد عنك وأنت تبتعد عنه فبالتالي الإعراض هو المقدم.

فإن كان على ما وصفت استفاد بتحريك الغضب فضائله وأمن بكف نفسه عن الانقياد له رذائله، وصار الحلم مدبراً للأمور المغضبة بقدر لا يعتريه نقص بعدم الغضب ولا يلحقه زيادة بفقد الحلم، ولو عزب عنه الحلم حتى انقاد لغضبه ضل عنه وجه الصواب فيه وضعف رأيه عن خبرة أسبابه ودواعيه، حتى يصير بليد الرأي مغمور الروية مقطوع الحجة مسلوب العزاء قليل الحيلة مع ما يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده حتى يصير، لأنه الغضب الكثير ترى بيتعبك فعلاً، بيتعب بصير يعني مرض حتى.

يصير أضر عليه مما غضب له؛ بصير عندك سكتة قلبية أحياناً؛ بعض الناس من شدة الغضب. وقد قال بعض الحكماء: من كثر شططه كثر غلطه. وروي أن سلمان قال لعلي: ما الذي يباعدني عن غضب الله؟ فقال: ألا تغضب. وقال بعض السلف: ألا تغضب. وقال بعض السلف: أقرب ما يكون العبد من غضب الله عز وجل إذا غضب.

وقال بعض البلغاء: من رد غضبه هدأ من أغضبه. وقال بعض الأدباء: ما هي إلا كغيظ. وقال رجل لبعض الحكماء: أعذني. فقال: لا تغضب. فينبغي لذي اللب السوي والحزم القوي أن يتلقى قوة الغضب بحلمه فيصدها، ويقبل عوادي شرته بحزمه فيردها، فليحظى بانجلاء الحيرة ويسعد بحميد العاقبة. وقال بعض الأدباء: في إغضائك راحة أعضائك. يعني في تغافلك راحة لأعضائك ما تكون متشنجاً.

وسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن فوقها أعلى منها منزلاً. والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه، والحزن يتحرك من خارج الجسد إلى داخله، ولذلك قتل الحزن ولم يقتل الغضب لبروز الغضب يخرج إلى الخارج، وكمون الحزن لأنك تكتم في داخلك الحزن. وصار الحادث عن الغضب السطوح والانتقام لبروزه، والحادث عن الحزن المرض والأسقام لأنه كامن في النفس، ولذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفضِ إليه الغضب، فهذا فرق بين الحزن والغضب.

واعلم أن تسكين الغضب إذا هجم أسباباً يستعان بها على الحلم، منها أن يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه، ويبعثه الخوف منه على الطاعة له، فيرجع إلى أدبه ويأخذ بيده فعند ذلك يزول الغضب. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24]. قال عكرمة: يعني إذا غضبت. وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 200]. ومعنى قوله ينزغنك أي يغضبنك، فاستعذ بالله، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يعني أنه سميع بجهل من جهل، عليم بما يذهب عنك الغضب.

وذكر أن في التوراة مكتوباً: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق. وحكي أن بعض ملوك الفرس كتب كتاباً ودفعه إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فناولنيه، وكان فيه مكتوب: ما لك وللغضب، إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله تعالى لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله. وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي، لما عفوت عني. فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى عليه.

وروي أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ القسوة، فقال: «اطلع في القبور واعتبر بالنشور». وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب أُلقي عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول عنه غضبه، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ومنها أن ينتقل من الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال وتنقل من حال إلى حال، وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم، وكانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس، وإذا غضب الجالس فليقم.

ومنها أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم، قال: أن يتذكر العواقب. كتب أبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دماً، وإن أخرى منك تحقن دماً، وإن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك؛ مجرد ما تتكلم أنت حاكم مباشرة الجندي سيفعل، فاحذر فاحتبس غضبك من قولك أن تخطئ، ومن لونك أن يتغير، ومن جسدك أن يخف؛ فإن الملوك تعاقب قدرة وتعفو حلماً. وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز، وعلى من تملك لؤم. وقال بعض الأدباء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي بك إلى ذل العذر. وقال بعض الشعراء: وإذا ما اعترتك في الغضب العزة فاذكر تذلل الاعتذار.

ومنها أن يذكر ثواب العفو وجزاء الصفح، فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب وحذراً من استحقاق الذم والعقاب. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ينادي مناد يوم القيامة: من له أجر على الله عز وجل فليقم؛ فيقوم العافون عن الناس»، ثم تلا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أُسارى ابن الأشعث: إن الله عز وجل قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعطِ الله ما يحب من العفو. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الخير ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه في حق، وإذا قدر عفا».

وأسمع رجل كلاماً لعمر بن عبد العزيز فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف يرحمك الله، ما تنال مني غداً عند الله يوم القيامة تحاسبني. ومنها أن يذكر انعطاف القلوب عليه وميل النفوس إليه لما يحلم، فلا يرى إضاعة ذلك بتنفير الناس عنه بعدهم منه، فيكف عن متابعة الغضب فيرغب في التألف وجميل الثناء. ابن ليلى بإسناده قال: ﷺ «ما زاد الله أحداً بعفو إلا عزاً، فاعفوا يعزكم الله». وقال بعض البلغاء: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، ولا من شروط الكرم إزالة النعم.

وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك؛ فكرهت القتل لإعظام حرمتك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو؛ فإن عاقبت فلك نظير، وإن عفوت فلا نظير لك. وأنشأ يقول: البر بي منك وطى العذر عندك لي فما فعلت فلم تعذل ولم تلمي وقام علمك بي فاحتج عندك لي وقام شاهد عدل غير متهمي لئن جحدتك معروفاً مننت به إني للؤم أحظى منك بالكرم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به فلا عدمتك من عاف ومنتقم هذا نهاية مجلس اليوم، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.