السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. اللهم إني أستغفرك من جميع الذنوب والخطايا وأتوب إليك. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الاشتغال فيما هو نافع في ديننا ودنيانا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في صباح طيب جديد من التعليق على كتاب "أدب الدنيا والدين" للإمام الماوردي رحمه الله تعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، فإن الكرب يزداد على إخوانكم في غزة خاصة، والهموم تكثر، والإنسان عاجز أن يفعل شيئاً إلا الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى والدعاء، نسأله سبحانه وتعالى أن يفرج عنهم ما هم فيه.
عندما ينظر الإنسان في أحوال الأمة وما يحصل من بيع أموال المسلمين ومقدراتهم إلى أعدائنا، وأعداؤنا يعبثون بنا، وما وصلت إليه حال الأمة من التشرذم والتفرق والخلاف، يعرف أن المخاض صعب وأن الثمن سيكون كبيراً للوصول إلى العزة مرة أخرى. لذلك على الإنسان أن يشغل نفسه ببنائها، وأن يشغل بإصلاح قلبه وصلاح مجتمعه، وأن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبته في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن وكثر فيها الهرج والمرج وقل فيها العقلاء.
وهذا إنما يكون بأن يرتبط بحبل الله سبحانه وتعالى، وأن يعتمد على ركن شديد، وأن يلتجئ إلى الله عز وجل بالدعاء والابتهال أن يثبته على الدين، وأن يثبته على الاستقامة، وأن يثبته على منهج أهل السنة والجماعة حتى لا تضل به الأهواء ولا تزيغ به الفتن. فإنما هو قادم صعب، والفتن التي تغشى هذه الأمة فتن عظيمة تدهش لها العقول وتزل فيها الأقدام. لذلك اليوم كل إنسان أصبح مسؤولاً عن نفسه، أن يأخذ بأسباب الثبات بالكتاب والسنة والأعمال الصالحة والصدقات وأعمال الخير ومحاولة الاعتصام بقدر ما يستطيع.
لأنه من مد عينيه هلك، ومن التفت هلك، ومن اتبع السوشيال ميديا هلك، وإنما الثبات يكون بالصلاة ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 153]، وبالكتاب والسنة، وبطلب العلم النافع. هنا تظهر فائدة طلب العلم النافع أنه يعطيك المقدمات والقواعد والمادة التي بإذن الله تعتمد عليها يا أيها المسلم للنجاة. نحن لا نطلب العلم ترفاً، إنما نطلبه ثباتاً. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن هذه الأمة ما هي فيه من الكرب والهم والضيق.
ما زلنا نعيش مع الماوردي رحمه الله عليه في هذا الكتاب، وما زال الماوردي يتكلم لنا عن أدب الإنسان، وقال: حياة الإنسان تستقيم بثلاثة أشياء: نفس تطيعه على الخير، وصحبة جامعة يأتلفها، ومادة يسكن إليها. هذه الثلاثة أشياء هي التي بها تسعد حياة الإنسان في الدنيا أو بها تستقر حياته في الدنيا. وتكلمنا عن القضية الأولى وهي النفس التي تطيع، وما زلنا نعيش في القضية الثانية وهي أصل الألفة، فذكر لنا الماوردي أسباب الصداقة كيف تنشأ الألفة عن نسب ومصاهره ومودة، وبقي لنا -أظن- الأخيرة وهي التي تكون عن البر. لكن هو ما زال الآن يختم في موضوع الألفة التي تكون عن مودة.
فقال عليه رحمه الله: «ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين يكرههما منه إذا رضي سائر أخلاقه وحمد أكثر شيمه، فإن اليسير مغفور والكمال معوز». وقد قالت قضية جيدة إخواني في انتقاء الأصحاب وهو أن الإنسان لا يزهد في صاحبه لظهور بعض العيوب، لأن الكمال معوز، وكما قال النابغة: "أي الرجال المهذب؟". يعني بعض الناس يزهد في صديقه لأول عثرة أو عثرتين، أو خطأ أو خطأين، هذا لا يصلح؛ لأنه أنت أيضاً فيك عيوب، وتريد من الناس أن تقيل عثراتك، فعليك أن تقيل عثرات الناس، والكمال معوز، ما في كمال في الحياة في أي علاقة من العلاقات، العلاقات لا تقوم على الكمال وإنما تقوم على الأفضلية، وإنما تقوم على أفضل الموجود فعلياً وسقف الممكن.
مع أن نفس الإنسان التي هي أخص النفوس به ومدبرة باختياره وإرادته لا تعطيه قيادها في كل ما يريد، وقد قال الكندي: كيف تريد من صديقك خلقاً واحداً وهو ذو طبائع أربع؟ يعني كيف تريد منه خلقاً واحداً ومسيرة واحدة معك وهناك نوازع -باختصار- طبائع متعددة تعبث به وتغير نفسه.
قال: "مع أن نفس الإنسان التي هي أخص النفوس به ومدبرة باختياره وإرادته لا تعطيه قيادها في كل ما يريد، ولا تجيب إلى طاعته في كل ما يحب، فكيف بنفس غيره؟ وحسبك أن يكون لك من أخيك ما صفا". إذا كانت نفسك تعصيك أحياناً فكيف نفس صديقك؟ إلا أن تعصيه. وقد قال أبو الدرداء: "معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيه كله؟". قال: فأخذ الشعراء هذا المعنى فقال أبو العتاهية: أخاك من لك من بني الدنيا بأخيه كله؟ من لك؟ فاستبق بعضك لا يمل لك. كل من أعطيت لك كلك.
وقال أبو تمام الطائي: ما غبن المغبون مثل عقله.. ملك يوماً بأخيك كله.
وقال بعض الحكماء: "طلب الإنصاف من قلة الإنصاف". يعني هذه ربما معناها أقرب، طلب الإنصاف يعني أن تطلب من أخيك أن ينصفك دوماً هي من قلة الإنصاف. تمام، أن تطلب من أخيك دوماً أن ينصفك وأن يكون كما تريد هذا من قلة الإنصاف، لا تطلب دوماً الإنصاف من أخيك؛ قد يجور عليك يوم، قد يقلل من حقك يوم، قد ينسى مناسبة ما يأتيك، قد تشغل الحياة، فكان يقول: طلب الإنصاف -أن تطلب من أخيك الإنصاف دوماً- هذا من قلة الإنصاف.
وقال بعض البلغاء: "لا يزهدنك في رجل حمدت سيرته، وارتضيت وتيرته، وعرفت فضله، وبطنت عقله عيب خفي يحيط به كثرة فضائله، أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله، فإنك لن تجد ما بقيت مهذباً، لا يكون فيه عيب ولا يقع منه ذنب، فاعتبر بنفسك بعدُ؛ ألا تراها بعين الرضا ولا تجري فيها على حكم الهوى؟ فإن في اعتبارك بها وفي اختبارك لها ما يؤيسك مما تطلب، ويعطفك على من يذنب".
وقال الشاعر: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه.
وقال النابغة الذبياني: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب؟
هذه من أحكم أشعار العرب؛ "ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث" -أي إذا أنت كل ما أخطأ أخوك ستهجره وتفضحه وتتركه ولا تلم شعثه ولا تقبله على ما فيه من العورات- "أن يبقى لك أخ في الحياة كلها". ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب؟ هذا سؤال استنكاري، أي الرجال من الذي تحمد سجاياه كلها؟ أي الرجال مهذب فلا يخطئ؟
وليس ينقض هذا القول ما وصفنا من اختياره واختبار الخصال الأربع فيه؛ لأن ما أعوز معفو عنه، وهكذا لا ينبغي أن توحشه فترة يجدها منه، ولا أن يسيء به الظن في نبوة تكون منه ما لم يتحقق تغيره ولم يتيقن تنكره، وليصرف ذاك إلى فترات النفوس واستراحات الخواطر، فإن الإنسان قد يفتر عن مراعاة نفسه التي هي أخص نفوس به ولا يكون ذلك من عداوة لها ولا ملل منها. وقد قيل في منثور الحكم: "لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له". وقال جعفر بن محمد لابنه: "يا بني، من غضب من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك سوءاً فاتخذه لنفسك خلاً".
وقال الحسن بن وهب: "من حقوق المودة أخذ عفو الإخوان والإغضاء عن تقصير إن كان". وقد روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قال: "الرضا بغير عتاب". يعني إذا أخوك غضب منك ثلاث مرات وفي كل مرة لم يقل فيك سوءاً بل حافظ على حرمة الصداقة، فهذا اتخذه لنفسك خلاً لهذا إنسان رائع.
وقال ابن الرومي: هُمُ الناس والدنيا ولا بد من قذى يلم بعين أو يكدر مشربا ومن قلة الإنصاف أنك تبتغي المهذب في الدنيا ولست بمهذب.
وقال بعض الشعراء: تواصلنا على الأيام باق ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوبه لكن تراه على علات داني النزوع معاذ الله أن نلف غضاباً سوى للمطاع على المطيع.
وأنشد الأسدي: لا يؤيسنك من صديق نبوة.. ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم فإذا نأى فاستبقه وتأنه.. حتى تفيء به الطباع الأكرم.
وأما الملول فهو السريع التغير الوشيك التنكر فوداده خطر، وإخاؤه غرر؛ لأنه لا يبقى على حاله ولا يخلو من استحالة. وقد قال ابن الرومي: إذا أنا عاتبت الملول فإنما.. أخطط في صحف من الماء أحرُفا.
وهب هو عاد بعد العتاب تكن مودته طبعاً فصارت تكلفاً. وهم نوعان: منهم من يكون ملله استراحة ثم يعود إلى المعهود من إخائه، فهذا أسلم المللين وأقرب الرجلين، يسامح في وقت استراحته وحين فترته ليرجع إلى الحسنى ويؤوب إلى الإخاء، وإن تقدم المثل بما نظمه الشاعر حيث يقول: وقالوا يعود الماء في النهر بعدما.. عفت منه آثار وجفت مشارعه فقلت إلى أن يرجع الماء عائداً.. ويعشب شطاه تموت ضفادعه.
يعني هذا الصديق الملول، هو يقول لك في بعض الأصدقاء النوع الأول هو ملول يغيب فترة، تعرف في بعض الأصدقاء بتحسه بغيب غيب تام بعدين بيرجع لك بعد شهرين ثلاث بتلاقيه عندك على باب الدار: أهلاً أبو فلان، شو أخبارك كيف صحتك؟ تقول: إيه أنت لستك موجود يا فلان؟ بقول لك أنا بس هيك يعني استراحات هذه وبرجع. بس المشكلة كما يقول الشاعر أحياناً تقول هذا النهر جف الماء فيه فبقول لك إن شاء الله برجع، ما أنت بتقول له لحتى يرجع ماء النهر بتكون ضفادعه ماتت، يعني هذا الصديق الملول.
من الممكن أن يرجع، لكنه يرجع بعد أن تكون مشاعري تجاهه قد جفت؛ باختصار، يكون قد خسرني. هو ملول لكنه يرجع، ولكن الفكرة هي أنك تغيب شهرين أو ثلاثة عن إخوانك، ثم تعود وتطالبهم بأن يكونوا بنفس المشاعر ونفس الاندفاع تجاهك، هذا صعب؛ لأنه حتى حين رجعت أنت بعد شهرين أو ثلاثة، كانت مشاعري تجاهك قد خفت، ولربما أصبحت صديقاً آخر، وربما أصبحت آنس بغيرك. فلا تلمني إذا ماتت الضفادع.
باختصار نعم، ولكن لا يطرح حقه بالتوهم، ولا تسقط حرمته بالظنون. لكن مع ذلك لو جاءك بعد ثلاثة أشهر، دير بالك عليه؛ فهو يظل في النهاية بينك وبينه في يوم من الأيام عشرة. وقد قال الشاعر: إذا ما حال عهد أخيك يوماً، وحاد عن الطريق المستقيمِ فلا تعجل بلومك، واستدمه، فإن أخا الحفاظِ المستديمِ فإن تك زلة منه، وإلا، فلا تبعد عن الخلقِ الكريمِ
قال: ومنهم من يكون ملله تركاً واطراحاً، لا يراجع أخاً ولا وداً، ولا يتذكر حفظاً ولا عهداً، كما قال الأشيع بن عمر السلمي: إني رأيت لها مواصلةً، كالسم تفرغه على الشهدِ فإذا أخذت بعهد ذمتها، لعب الصدود بذلك العهدِ
قال: وهذا أذم الرجلين حالةً، لأن مودته من وساوس الخطرات وعوارض الشح؛ هو يتكلم عن محبوبته، لكن هي عموماً نفس الفكرة، أنه كيف بعض الناس لا يحافظ على ود الصداقة أبداً، يقطع ويهجر هجراناً كبيراً، ليس الشهرين أو الثلاثة ويعود، لا، بل يترك ويذهب ويتقلب عليك ولا يفي بعهد الصداقة، فمثل هذا من أشرار الناس. قال: وليس إلا استدراك الحال معه بالإقلاع قبل الخلطة، أو حسن المتاركة قبل الورطة، كما قال العباس بن الأحنف: تدركت نفسي فعزيتها، ونغصت فيها عليك آمالها وما طابت النفس عن سلوةٍ، ولكن حملت عليها
قال: وما مثل من هذه حاله إلا كما قال إبراهيم بن هرمة: فإنك وإطراحك وصل سلمى، لا لأخرى في مودتها نكوبُ كثاقبةٍ لحلي مستعارٍ، لأذنيها فشانتها الثقوبُ فأدت حلي جارتها إليها، وقد بقيت بأذنيها ندوبُ
فأنت ثقبت أذنيك على الفاضي؛ فأنت تعرف التي تثقب أذنها من أجل حلي مستعار، وبعدين وراءها ترجع تأخذ الحلي بتاعها، فراح الحلي وظلت أذنك مثقوبة، هكذا الصداقات التي لا تستمر. قال: فإذا صفت عنده أخلاق من سبر، وتمهدت لديه أحوال من خبرة، وأقدم على اصطفائه أخاً وعلى اتخاذه خدناً، لزمته حينئذ حقوقه ووجبت عليه حرماته، فقد قال عمرو بن مسعدة: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق.
إذا اخترت صديقاً بعد أن اختبرته وصبرت أحواله فقلت خلاص أنا أريد أن أصادق هذا الأخ، عليك أن تعرف منذ هذه اللحظة لزمتك حقوق تجاه هذه الأخوة، حقوق ليست فقط علاقة عابرة في الحي، هكذا كان يفهمها الرجال وأصحاب النفوس، الأخوة والصداقة لها حقوق ولها حرمات يجب أن تصان. ولذلك جعلها عمرو بن مسعدة عبودية، يعني كأنها نوع من العبودية، بمجرد أن اتخذتك أخاً أنت استعبدتني، فهناك حقوق يجب أن أؤديها لك.
وقال بعض الحكماء: من جاد لك بمودته فقد جعلك عديل نفسه، فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسُه بالانبساط إليه في غير محرم. ما معنى فقد جعلك عديل نفسه؟ أي جعلك مساوياً لنفسه، الذي اتخذك أخاً هذا جعلك عديل مساوياً لنفسه. فأول الحقوق هو اعتقاد المودة في قلبك، ثم إيناسه بالانبساط إليه بالممازحة والمداعبة طبعاً بدون حرام. ثم نصحه في السر والعلانية، ثم تخفيف الأثقال عنه، ثم مساعدته في مشاغل الحياة، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في شدة لؤم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير أصحابك المعين لك في دهرك، وشرهم من سعى لك بسوء يومه». وقيل يا رسول الله: أي الأصحاب خير؟ قال: «الذي إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: خير إخوانك من واساك، وخير منهم من كفاك. وكان أبو أبو هريرة رضي الله عنه يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن لا يلتمس خالص مودتي إلا بموافقة شهوتي، وممن يساعدني على سرور ساعتي ولا يفكر في حوادث غدي. وقال بعض الحكماء: عقود الغادر محلولة، وعهوده مدخولة. وقال بعض البلغاء: ما ودك من أهمل ودك، ولا أحبك من أبغض حبك.
وقال بعض الشعراء: وكل أخ عند الهوينة ملاطفٌ، ولكنما الإخوان عند الشدائدِ
وقال صالح بن عبد القدوس: شر الأخلاء من كانت مودته، مع الزمان إذا ما خاف أو رغبا إذا وترت أمراً فاحذر مع عداوته، من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً
إذا وترت أمراً أي إذا قطعت صداقة، فاحذر عداوته، بدك تنتبه، من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً، أنت في النهاية قطعته بالتالي بدك تتحمل النتائج. إن العدو وإن أبدى مسالمةً، إذا رأى منك يوماً فرصةً وثبا؛ إذا أحسنت وثباً بده ينهشك.
وينبغي أن يتوقى الإفراط في محبته، فإن الإفراط داع إلى التقصير. هذه قضية مهمة جداً في بناء العلاقات، وهي ألا تجعل العلاقة تصبح تعلقاً، خليها علاقة لكن لا تجعلها تعلقاً، اللي هو يسمى الإفراط في المحبة. بعض الناس يُبتلى بالتعلق، أنه بصير بالنسبة لهذا الأخ دائماً مفكر فيه، متى راح يجي؟ متى راح كذا؟ وأربع وعشرون ساعة يحكي معه وعلى الواتساب، ويصير يعاتبك: يا فلان ليش ما رديت علي؟ وكذا وكذا؛ فصديقك بيتعب منك لما يشعر أنه أنت ما عدت مجرد علاقة، بل انقلب الموضوع إلى تعلق.
فكلام الحكماء الذي اتفقوا عليه، هذه العلاقة لا تدوم، العلاقة التي تنقلب إلى تعلق هذه العلاقة لا تدوم، بل تصبح حالة مرضية، كما قال: فإن الإفراط داع إلى التقصير، فخليه مع الوقت؛ الطرف الآخر يمل منك ويتركك ويشعر أنه لا بد يتخلص منك في أسرع وقت، لأن علاقتك معه مرض وليست علاقة هادئة، أنه أنت واضح التعلق فيك، وهذا لا ينبغي أن يكون لمؤمن حقيقة. ولا أن تكون الحال بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية.
وقد روى الحسن بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». وهذا من الحكمة المتفق عليها، وهي أحبب حبيبك هوناً ما؛ لما تحب إنساناً لا تحبه حب التعلق والعشق، هذا حبه صداقة، لأنه في يوم من الأيام ممكن تختلف أنت وياه، إذا اختلفت أنت وياه ما أنت متعلق فيه راح تتعب في عملية نزع الذاكرة. ونفس الشيء إذا أبغضت شخصاً فأبغضه هوناً ما، لأنه في يوم من الأيام ممكن تصبح أنت وياه أصدقاء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً. لا يكن حبك كلفاً، أي عشقاً وتعلقاً ما ينفعش. ولا بغضك تلفاً، أي بغض شديد تقطع فيه كل الحبال.
وقال أبو الأسود الدؤلي: وكن معدناً للخير واصفح عن الأذى، فإنك رائن ما عملت وسامعهْ وأحبب إذا أحببت حباً مقارباً، فإنك لا تدري متى أنت نازعهْ وأبغض إذا أبغضت غير مباينٍ، فإنك لا تدري متى أنتراجعهْ
وقال عدي بن زيد: ولا تأمنا من مبغضٍ قرب داره، ولا من محبٍ أن يمل فيبعدِ
وإنما يلزم من حق الإخاء بذل المجهود في النصح، والتناهي في رعاية ما بينه من الحق، فليس في ذلك إفراط وإن تناهى، ولا مجاوزة حد وإن كثر وأوفى. وتستوي حالتاهما في المغيب والمشهد، ولا أن يكون مغيبهما أفضل من مشهدهما، أو لا؛ فإن فضل المشهد على المغيب لؤم، وفضل المغيب على المشهد كرم.
يعني بعض الإخوان هم إخوان سواء حضروا أو غابوا. بس أنا وحذيفة ممكن نكون إخوان، بس أتعامل معه بالحسنى لما يكون أمامي، لما يكون مش موجود وغائب لا أدافع عن حرمته ولا أذكر عائلته وبنساه، لك إذا كان حالك لما يكون صديقك أمامك أحسن من حالك لما يكون غائب عنك هذا لؤم. الكرم الحقيقي أنه يكون صديقي غائب عني ومشغول في أمور في جامعته في دراسته في كذا، وأبقى أذكره بالخير أمام الآخرين وأدافع عنه في حرمته لما يكون غائب، وأتذكر مودتي معه وأصل أشياء لأقاربه؛ فهذا الذي هو كريم النفس، الذي صداقته لا تتوقف على حضور البدن، بل هو من شدة صداقته ووفائه يحفظني حتى في غيبتي. فإذا كنت تحفظني في غيبتي أكثر مما تحفظني وأنا حاضر بين يديك هذا دلالة أن معدنك كريم.
وقال بعض الشعراء: علي لإخواني رقيب من الصفا، تبيد الليالي وهو ليس يبيدُ يذكرنيهم في مغيبي ومشهدي، فسيان منهم غائب وشهيدُ وإني لأستحيي أخي أن أبره قريباً، وأن أجفوه وهو بعيدُ
وهكذا يقصد التوسط في زيارته وغشيانه، غير مقلل ولا مكثر، كذلك زيارة الإخوان تكون "زر غباً تزدد حباً". فإن تقليل الزيارة داعية الهجران، وكثرتها سبب الملل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة زر غباً تزدد حباً». وقال لبيد: توقف في زيارة كل يوم؛ إذا أكثرت من لك من تزور. وقال آخر: عليك بإقلال الزيارة إنها، إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا ألم تر أن الغيث يسأم دائماً، ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وقال آخر: أقلل زيارتك الصديق ولا تطل هجرانه، فيلج في هجرانه إن الصديق يلج في غشيانه لصديقه، فيمل من غشيانه
يلج يعني يبالغ يكثر، حتى تراه بعد طول سروره بمكانه متثاقلاً بمكانه، وإذا عن صيانة نفسه رجل تنقص واستخف بشأنه. وبحسب ذلك فليكن في عتابه، فإن كثرة العتاب للقطيعة واطراح جميعه، دليل على قلة الاكتراث بأمر الصديق. وبحسب ذلك فليكن في عتابه، يعني أيضاً عتابك ليكون متوسطاً؛ أنه بعض الناس يعاتب إخوانه كثيراً: يا فلان ليش ما جئت؟ يا فلان ليش تأخرت؟ يا فلان. كثرة العتاب أيضاً تولد الجفاء، وأيضاً قلة العتاب وعدم الاهتمام بالعتاب أيضاً تولد نوعاً من الشعور بعدم الاهتمام؛ إذا صديقك غاب أنت ما بتعاتبه، وإذا حضر بتسأل عن أحواله.
أحياناً العتاب يشعر الشخص الذي أمامك أنك مهتم فيه، صح يا فلان ليش ما جئت على الدرس؟ يا فلان ليش غبت؟ بمقدار الملح على الطعام تكون جميلة لأنه يشعر أنك مهتم، بس أيضاً ما تبالغ، كل ما يغيب: يا فلان أنت دائماً بتغيب، أنت كذا، أنت دائماً مقصر. إذا شعر أن عتابك تجاوز الحد المعقول أيضاً هذه نتيجة عكسية. ليكن عتابك خفيفاً لطيفاً. وقد قيل: علة المعاداة قلة المبالاة، بل يتوسط حالتي تركه وعتابه، فإن ذلك يأتي بها كالملح على الطعام، فإن ذلك أدوم لإخائهما وأحفظ لصفائهما؛ فيسامح بالمتاركة ويستصلح بالمعاتبة، فإن المسامحة والاستصلاح إذا اجتمعا لم يلبث معهما نفور ولم يبق معهما وجد.
وقد قال بعض الحكماء: لا تكثرن معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك. وقال منصور: من خلص... أنت دائماً تلوم، دائماً تنتقد، في بعض الشخصيات انتقادية، دائماً بيلوم دائماً بينتقد؛ قال: لا تكثرن معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك، في النهاية خلص بمل، يقول لك هذا الإنسان صعب ترضيه، فيهون عليهم ماذا أن يسخطوك.
أقلل العتاب من استربت بوده؛ ليست تنال مودة بعتاب. وقال بشار بن برد: اقلل العتاب، كتاب الشخص الذي أنت تشك في وده استربت، يعني أنا شاك والله هل أخوي هذا يودني ولا لا؟ إذا استربت بمودته أقول لك: أقلل العتاب. لا تفكر أن العتاب يزرع الصداقة، هذا مهم جداً إخواني، ترى في العلاقات وهذا كثير ما يخطئ فيه في العلاقات الاجتماعية، أنه شخص يشعر أن فلاناً مش مهتم فيه كثيراً، فهو يفكر أنه رح يجلب المودة والمحبة من خلال ماذا؟ لازم أظل أعاتب فيه ولازم ألومه، وحتى يصير يحبني، لا، هو العتاب ما بيجيب محبة بهذه الطريقة. العتاب إذا هو أصلاً ما بده يودك، لو عاتبته كثيراً سيزداد كرهاً لك؛ فلا تظنن أن العتاب والانتقاد الشديد في العلاقات يزرع مودة، هذه مهمة: أقلل العتاب من استربت بوده، ليست تنال مودة بعتاب. عمرك ما رح تجيب المحبة لك من خلال كثرة العتاب.
نعم، وقال بشار بن برد: إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
يعني إذا أنت لم تشرب مراراً مع وجود قذى في الشراب، آخر شيء رح تظمأ. إذا كل ما شفت كاسة فيها شيء مثلاً قديمة، خاصة مكدرة شوي، رح تتركها رح تتركها رح تتركها، ماذا سيحصل؟ ستبقى ظمآناً. وكذلك، وطبعاً كناية أو استعارة لقضية الأصدقاء، بدك تشرب صديقك على ما فيه من القذى، تحمل مش مشكلة، نعم، وإلا لن تجد صديقاً. فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه، يعني يا بتعيش وحدك بدون أصدقاء، يا بدك تتحمل، فإن الصداقة مبنية على ماذا؟ أن أخاك أحياناً سيقترف ذنباً في حقك وأحياناً سيجتنب، يعني هي الصداقة هكذا طبيعتها.
قال: ثم من حق الإخوان أن تغفر هفوتهم، وتستر زلتهم؛ لأن من رام بريئاً من الهفوات، سليماً من الزلات، رام أمراً معوزاً، واقترح وصفاً معجزاً. وقد قالت الحكماء: أي عالم لا يهفو، وصارم لا ينبو، وجواد لا يكبو؟ وقد قال بعض الحكماء: من حاول صديقاً يأمن زلته ويدوم اغتباطه به، كان كظل الطريق الذي لا يزداد لنفسه اتعاباً وإلا ازداد بعداً، والذي لا يزداد لنفسه.. أظنها لازم تكون إلا اتعاباً. نعم، وقيل لخالد بن صفوان، والعبارة كلها قلقة هي: أي إخوانك أحب إليك؟ قال: من غفر زللي، وقطع عللي، وبلغني أملي.
وقال بعض الشعراء: ما كنت أفحص عن أخي ثقة إلا ذممت عواقب الفحص
قال: إيش يعني إذا بتتبع عورات أخوك تندم، قال: ما كنت أفحص عن أخي ثقة، شو يعني أخي ثقة؟ يعني صديق ممتاز، أخ ثقة يعني صديق أثق فيه، إذا بدك تفحص وراء أخوك الذي تثق به رح تندم، رح تجد أنه عنده عيوب، فخلص يعني بسموها لا تدقق في الصداقة، يجب أن تبنيها على شيء من التغافل، لا تدقق وراء مواضيع أخوك الخاصة، حياته المنزلية. بعض الشباب: لا، بدي أعرف أخوي كيف بيتصرف مع زوجته، كيف بيتصرف معه، يا أخي خلص انسى، ما تكون ذاك الإنسان الذي حاول يفحص وراء إخوانه كثيراً حتى لا تنصدم، عش مع إخوانك على ما صفا.
يمكن مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أن تُذكر في مجالسه هفوات أصحابه حتى يخرج سليم الصدر على الجميع؛ لأنه كلنا أصحاب عيوب وكلنا عندنا إشكالات، وتأتيك لحظات في الحياة تمارس ممارسات ليست في أفضل أحوالها، ولا يحب أحد أن تذكر هفواته للآخرين.
قال: وأنشد الربيع للشافعي رحمه الله تعالى، الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي ماذا نقل عن الشافعي؟ أحب من الإخوان كل مواتي وكل غضيض الطرف عن عثراتي يوافقني في كل أمر أريده ويحفظني حياً وبعد وفاتي فمن لي بهذا؟ ليت أني أصبته فقاسمتـه مالي من الحسنات تصفحت إخواني فكان أقلهم على كثرة الإخوان أهل ثقاتي
قال: وأنشد ثعلب: إذا أنت لم تستبقِ الأمر لم تجد لكفيك في إدباره متعلقا إذا أنت لم تترك أخاك وزلة إذا زلّها أوشكتما أن تفرقا
قال: إذا لم تترك أخاك وزلّة، تمام، مع زللي هي واو المعية. وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه قال: تناسَ مساوئ الإخوان يدم لك ودهم. وأوصى بعض الأدباء أخاً له فقال: كن للود حافظاً وإن لم تجد محافظاً، وللخل واصلاً وإن لم تجد مواصلاً.
حقيقة هذه قضية مهمة إخواني، قبل أيام أحد المشايخ الأفاضل أو الدعاة الأفاضل خلينا أقول في هذا البلد تواصل معي، يرسل لي رسالة، يقول لي: يا شيخ إبراهيم، أنا أريدك أن تعطي دورة لطلاب العلم في قضية العلاقات الاجتماعية، يعني هو رجل مهندس طبعاً هو كبير، لكن له في الحقول الدعوية ويعطي دورات دعوية، فيقول لي: أريدك أن تقدم دورة لطلاب العلم في قضية العلاقات الاجتماعية وكيفية إدارتها، قال: لأني أنا أدرس في جامعة وأجد أن كثيراً من الشباب الملتزم والمتدين، تجد عنده مثلاً همة أحياناً في بعض الدروس العلمية عندكم، أو عنده همة في القراءة أو أشياء أو غيره على الأمة، لكن لما آتي أتعامل معهم كعلاقات اجتماعية وأنظر في بنائهم، أجد فيهم ضعفاً كبيراً، يعني أجدهم لا يعرفون حرمة الصداقات، ولا حرمة المشايخ، ولا حرمة الحياة، ولا حرمة حتى العلاقات المنزلية، يعني أجد في حتى تعاملهم مع غير الملتزمين، أراهم في الجامعة يعني في ضعف كبير في العلاقات الاجتماعية، في أسلوب الكلام، أسلوب الحديث، في استقبال أخطاء الناس، في التعامل مع مشاكل المجتمع، وهذا كلام صحيح إخواني.
ليش أنا أقول بعض الإخوة قد يزهد في كتب مثل هذه الكتب، ويعتقد أنه هذا الكلام مجرد خطرات جميلة، هذا كلام ليس خطرات جميلة، هذا الكلام الذي نقرأه الآن هذه حكم العقلاء ابتداء أولاً بمركزية الوحي، ثم ما اتفق العقلاء على نقله من كلام العرب الأصيل، ومما اتفقت الحكمة على هذه الأشعار، فأعود فأقول: للأسف أحياناً طريقة بعضنا في قراءتها، أنه أه يلا مش مشكلة شعر، لا لا، كل شعر يقوله بشار بن برد ولا أبو العتاهية، وتتوافق أشعار العرب عليه، اعلم أنه من الخصال الكريمة الشريفة، خاصة شعراء الإسلاميين هؤلاء يعرفون ما الذي ينتقده الناس في المجتمع، وما الذي يتقبله الناس، ما طبائع النفوس هنا.
وحقيقة طلاب العلم جدير بهم أن يهتموا بهذه الفلسفة، لأنه أنت في النهاية هدفك أن تدعو إلى الله، إذا لم تحسن أحكام العلاقات الاجتماعية، وتعرف كيف فلسفة التعامل مع الناس، وكيف ترضي الغضبة منهم، وكيف تتعامل مع أصحاب النفوس الثقيلة وأصحاب النفوس الخفيفة، وكيف تكسب الصداقات وكيف تضبطها، وتعرف الحقوق والحرمات، صدقني مهما بلغ علمك، ومهما حويت من المتون والمصنفات، ستكون ضعيفاً في قيادة المجتمع نحو الخير. بدك تكون قائداً دعوياً، بدك تكون مصلحاً، من شروط الإصلاح فهم مثل هذه الكتب، هذه الكتب قلت لك هي ليست مجرد خطرات، أنا أريد أن أركز على محورية الكتاب؛ لأنه بعض الناس ما زال يظن أنها مثل هذه الكتب يلا شيخ أه والله كلام جميل في العلاقات الاجتماعية، هذا ليس مجرد كلام جميل، هذا شرط في الداعي إلى الله أن يفهمه، يفهم الناس وفلسفتها وعلاقاتها، حتى لأن الناس بتيجي تستنصحنا، الناس مش كل الأمور التي تسألنا فيها هي حلال وحرام، بتيجي بتستنصحنا في أمور الصداقات، بكره بيجي طالب من طلابك بيقول لك: والله يا شيخ ترى عندي صديق كذا وكذا، شو بتنصحني؟ مش أنتم قضايا تربوية وكذا؟ طب ما القضايا التربوية بدك يكون عندك جواب إجابة حكيمة، تبين لهذا الطالب: لا، أنت سامحني، أنت محمل أخوك فوق طاقته، ترى الأمور أسهل من كذا، هو بيتصرف بشكل طبيعي، أنت عندك تعلق زيادة، أو أقول له: لا ترى أه والله صديقك إذا بيتكرر منه هذا مراراً هذا بناء على ما قرأناه وتعلمناه يعتبر نموذجاً من الصديق الملول، خلص اتركه. متى تقول له اتركه؟ متى تقول له لا اصبر عليه؟ متى؟ هذه فائدة مثل هذه الكتب، أن تمتلك أنت منهجاً في العلاقات مع الناس.
ولذلك أنت تحتاج إلى خبرة السابقين، هي الخبرة المتراكمة عبر القرون، الآن يكون مثل هذا الكتاب جمعها، يعني هو الماوردي رحمه الله عليه كان فاضي أشغال حتى يجمع لك هذه الخطرات؟ ولا هو الله يرضى عنه، هو يحاول يعطيك رسائل في الحياة، عليك أن تفهم كيف الحياة، لأنه الإخوان الذين يفهمون كيف الحياة من طلاب العلم اليوم حقيقة قلة، الذي يفهم كيف الحياة قلة، فتجد شخصاً يا إما شخصاً مثالياً، يا إما شخصاً عاجزاً، أما هؤلاء المتوسطون الذين يمشون باعتدال وتوازن في نفسه، في بيته، في العلاقات الاجتماعية من حوله، يفهم كل علاقة ما لها من الحقوق والواجبات والحرمات، يفهم طبيعة الناس والنفوس والعلاقات الاجتماعية، يفهم نفوس العصاة والمذنبين، ونفوس المتكبرين والمتعجرفين، ونفوس الفقراء والمساكين، فهم هذه النفوس يساعدك على قيادتها وأن تكون مصلحاً حقيقياً، تختار الكلمات، تعرف إيش تحكي أمام الناس. في بعض الشباب إخواني ما بيعرف ماذا يتكلم، لا بيعرف ينتقي كلماته، بيتكلم إما بطريقة غضوب، أو بيستفز الناس وهو يظن أنه يحسن صنعاً، لأنه ما تعلم، وكان يظن أخونا أنه التعلم، وتتحفظ ألفية ابن مالك وألفية كذا، وتحضر درس فقه، وهذا جزء، لكن بناء العلاقات الاجتماعية وفهم فلسفة الحياة وكيف تقاد الناس والشعوب، هذه لها أناسها، وهؤلاء في العادة هم الذين يقودون المجتمعات، الذين يحسنون التعامل مع نفوس البشر، ويعطون كل نفس حظها من التعامل الذي يناسبها، هؤلاء في العادة هم الذين يقودون مسيرة الإصلاح، ولو قلَّت المتون التي يحفظونها.
فإني أرى كثيراً من الناس كنت أرى بعض الناس لهم متون كثيرة يحفظونها، لكنه في النهاية غير مرغوب في مجتمعهم، الناس لا تحب أن تتعلم منه ولا تحب تستفيد من خبراته، لأنه هو لا يملك خبرات، وإنما يملك إما سوء أدب، أو يملك عجرفة في الكلام، أو يملك نظرة للناس فيها استحقار لهم، أو يرى نفسه أعلى من مستواهم، فالناس تملّه ولا تحبّك، فليس العبرة إذاً بكثرة العلم، بل العبرة أن تكثر من الأدب، وتحصّل من العلم النافع، عندئذ هذا القليل من العلم مع الكثير من الأدب في العلاقات الاجتماعية يجعلك تتربع على قلوب الناس. افهم هذا الكلام جيداً وإلا ستبقى في مكانك.
نعم، قال وقال رجل من إياد ليزيد بن المهلب: إذا لم تتجاوز عن أخ عند زلة، فلست غداً عن عثرتي بمتجاوز، وكيف يرجوك البعيد لنفعه إذا كان عن مولاك خيرك عاجزاً؟ ظلمت أخاً كلّفته فوق وسعه، وهل كانت الأخلاق إلا غرائزا؟
جميل، ظلمت أخاً كلّفته فوق وسعه في الأخلاق، لما أنت تكلف أخاك فوق طاقته في الأخلاق ترى أنت ظلمته، تمام، يعني تكلف شخصاً أنه لا بد أن تتكلم معي بطريقة معينة، خلص يعني أنت هيك بتحملني ما لا أتحمل.
ظلمت أخاً كلّفته فوق وسعه وهل كانت الأخلاق إلا غرائزا، أخلاق الناس طبائع، ما تكلفهم فوق طاقتهم، قليل الذي له قدرة على أن يغير الغرائز ويغير طباعه، خلص بدك تتحمل الناس على ما عندهم ولا تطالبهم فوق طاقتهم. تجد أخاً طبيعته مثلاً كثير المزح، هذا خلص صعب تقول له يا فلان بدك تحتشم ولا تضحك، يعني هو طول عمره بيمزح ويضحك، يعني صعب، وفي أخ بالعكس دائماً خجول ومستحي: يا فلان وبعدين معك أنت كيف تظلك كذا، صير فرفوش! بقول لك يا أخي أنت تحملني فوق طاقتي، أنا كذا، يعني صعب أني أدخل هيك في الناس، بعض الناس يظن الناس كلهم مثلهم، أنت بروز غريزتك اندفاعي، في ناس غريزتها بالعكس خجولة، في ناس غريزتها كثيرة المزح وأنت بروز ما بتحب المزح، هل كانت الأخلاق إلا غرائز؟ قليل من الناس الذين عندهم القدرة على أن يصلوا للتوازن في الأخلاق، عادة في شيء من التطرف بدك تستحمله وإلا تكلف الناس فوق وسعهم وطاقتهم.
قال وقال أبو مسعود كاتب الرضا: كنا في مجلس الرضا فشكى رجل أخاه، فأنشأ الرضا رحمه الله تعالى يقول:
اعذر أخاك على ذنوبه واستر غطاك على عيوبه واصبر على بهت السفيه وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلاً وكل الظلوم إلى حسيبه واعلم بأن الحلم عند الغي أحسن من ركوبه
وحكي عن بنت عبد الله بن مطيع أنها قالت لزوجها طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوماً...
الآم من إخوانك قال لها ما؟ ولما قلت ذاك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك. قال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوة بنا عليهم، ويتركوننا في حال ضعف منا عنهم. انظر كيف أن هذا الرجل ما حمل الناس في الأخلاق فوق طاقتهم؛ كان بإمكانه أن يقول: أي والله هؤلاء الناس لا تتذكرني إلا لما يصير معي قروش، ولما لا يصير معي قروش لا إنسان تمام. لاحظ أنه يعرف طبائع الناس، فعلاً هو هكذا الناس؛ إذا كان معك مال تلف حواليك وسيدنا وكذا، وإذا قلّ يعرف الناس، ما حملهم في الأخلاق فوق طاقتهم. لكن أكيد هؤلاء بالنسبة له ليسوا الإخوان الثقة، هؤلاء المعارف نسميهم.
انظر كيف تأول بكرمه هذا التأويل، حتى جعل قبيح فعلهم حسناً، وظاهر غدرهم وفاءً؛ وهذا محض الكرم ولباب الفضل. وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأولوا هفوات إخوانهم؛ وقد قال بعض الشعراء: أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن به عن كل فاحشة وقرا سليم الصدر، وقرا يعني صمماً؛ كأنه لا يسمع الفواحش عن إخوانه، وإنما يسمع فقط ما يذكر من مناقبهم الحميدة، سليم دواعي الصدر، لا باسط أذناً ولا مانع خيراً ولا قائل هجراً. إذا شئت أن تُدعى كريماً معطفاً حليماً ظريفاً ماجداً فطناً حراً، إذا ما بدت من صاحب لك زلة، فكن أنت محتالاً لزلته عذراً.
قال: ويدعو إلى هذا التأويل شيئان: التغافل الحادث عن الفطنة، والتألف الصادر عن الوفاء. وقد قال: ما الذي يدعوك إلى أن تتجاوز عن أخطاء إخوانك؟ قال: والداعي إلى هذا التأويل أن تتأول لأخطاء الإخوان؛ يعني إذا أخوك أخطأ معك، ماذا يقول لك؟ لا بد أن تتأول لخطئه. ما الذي يدعوك إلى أن تتأول أخطاء إخوانك؟ أمران: التغافل؛ أنا أريد أن أتغافل، فإذا أخطأ أقول: والله لعله أخوي اليوم شوي غض، حالته النفسية مش مرتاح، لعله واحد تكلم معه، عشان هيك تكلف في وجهي بطريقة غير لائقة. تأول، تأول؛ يعني لو شفت أخوك نرفز في وجهك، أو شفته في يوم بيتكلم معك من رأس خياشيمه، تأول له؛ إما أنه حالته النفسية، من باب التغافل، هذا الذي يدعوني؛ لأنه بعض الشباب يجي يقول له: يا أخي مش مشكلة، أخوك بجوز اليوم، أنا يا شيخ ما راح أتأول له، ليش؟ هو بيتعامل معي دائماً كذا، ويصير بده يتعامل معه بالحدية. أقول لك: لا بد تتأول لأخطاء الإخوان. طب لو سألك: شو المبرر يعني؟ ليش أتأول له؟ الماوردي يقول: لماذا تتأول لأخطاء إخوانك؟ التغافل، هكذا هي الحال، لازم تتغافل، والتغافل يخليني حتى أقنع نفسي؛ باختصار أنا أريد أن أضحك على نفسي، يعني لازم أضحك على نفسي وأقنعها أنه أخوي عنده شغله في المنزل، أو هو مختلف هو وزوجته فجاء عندي، طلع اللي فيه عنده؛ بدك تجيب له عذر، لأنه لازم أتغافل وإلا راح أخسره. قال: التغافل الحادث عن الفطنة، أنك إنسان ذكي بدك تحاول، بالتالي أنك تمشي الأمور من خلال التغافل، والتألف الصادر عن الوفاء؛ أني أنا إذا ما تأولت له راح أهجره، فلازم أتألفه، وهذا التألف صادر عن أني أنا وفيّ، فلازم أظلني أتأول لك. إذاً: للتغافل وللتألف.
وقد قال أكثم بن صيفي: من تشدد نفر، ومن تراخى تألف، وشره في من شدد نفر. اللي بيشدد في معاتبة إخوانه نفرهم، ومن تراخى اللي بيتغافل بيتألفهم، والشرف في التغافل. وقال شبيب بن شيبة: الأريب العاقل هو الفطن المتغافل. وقال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل. وقال أبو تمام الطائي: ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
وقال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل؛ يعني ما بتمشي إلا بالتغافل. هذه إخواني من أعظم القواعد الاجتماعية في الحياة؛ حقيقة يعني من تجارب شخصية من أعظم القواعد الاجتماعية في الحياة اللي رسخت في حياة الإنسان. أكثر أمور حياتك لا تجوز إلا بالتغافل، يعني ما بتمشي أنك تتغافل، خلاص بدك تمشيها في الحياة الأسرية، بدك تتغافل، وفي الصداقات، وفي الدعوية بدك تتغافل، في الدوائر الحكومية بدك تتغافل؛ موظف قاعد على كذا حكى معك، يعني بعض الشباب، في إخواننا بعضكم يعرفه، ما فيش عنده تغافل، عشان هيك حياته معسرة، يعني مش ضابطة معه الأمور أبداً. ما بتمشي الحياة إخواني إلا بالتغافل؛ كل شخص حكى لك كلمة بدك تضرب، كل شخص اختلفت معه بشغلة بدها تصير مشاكل، كل ما حكت معك زوجتك كلمة أو كانت كذا، لا بد بدك الحق وبدنا نقعد قاعدة عرب؛ ما بتمشي الحياة كذا، ما بتمشي ولا تصفو لك الحياة. المشكلة أنه الشيطان يدخل على البعض من باب ماذا؟ أنه التغافل ضعف، أنه التغافل وشخصيتك ضعيفة، مش قادر تأخذ حقك. التغافل حكمه؛ ضعف لما تكون شخصيتك أنت ضعيفة، لكن لما تكون عارف أنه أنا بدي أمشي الحياة، أنا بدي أهنأ، أنا بدي أظلني قاعد مشاكل مع الناس، بدي أعيش وأستطيب في الحياة وأشعر بلذتها؛ فهذا مما اتفق العقلاء عليه، وأكثر أمور الدنيا لا تجوز، ما بتمشي، إلا أنك تغض الطرف، سواء كما قلت لك في الحياة الأسرية، في الصداقات، في العلاقات مع المشايخ، حتى المشايخ يا إخواني في العقول الدعوية؛ يا أخي شيخ حكى عنك كلمة، مش لازم تنزل مقطع ترد عليه، عادي، يعني بإمكانك تتغافل، خلص الله يسامحه، لا تحس أنه في حالة من الانتقامية الموجودة بين البعض، خاصة عالم السوشيال ميديا: لازم أرد، إذا ما رد معناتها الشيخ ضعيف الشخصية، ويصير يا آه وذاك بالتالي بده يرد عليه، فتكبر الفتن.
ويكون الشيطان هو الذي يقنعك أن التغافل ضعف، ولكن التغافل حكمة؛ خلاص لو اغتابك أحد الدعاة أو تكلم فيك أو كذا، لا تنتقم لنفسك. هنا أنت بتتكلم عن نفسك، لا تيجي تلبسها لباس الدعوة، لا هو أنا عم برد عليه بس مشان أنه هذا حق دين ولازم، لا مش حق دين؛ هو أنت إنسان بدك تنتقم لنفسك، لكن تلبس انتقامك لنفسك لباس الحق والدين، ولا هو حظ النفس حاضر ومبين، ويبصره الناس في فلتات اللسان، والذي يكون هدفه نصرة الإسلام والله يظهر هذا على لسانه وعلى طريقة مدافعته عن الحق، والذي يريد الانتصار لنفسه يظهر هذا.
قال أبو العتاهية: إن في صحة الإخاء من الناس ... وفي خلة الوفاء لقلة فألبس الناس ما استطعت على النقص ... وإلا لم تستقم لك خلة عش وحيداً إن كنت لا تقبل العذر ... وإن كنت لا تجاوز زلة
من أب واحد وأم خلقنا، غير أنا في المال أولاد علات. أولاد علات، اللي هم إيش؟ اللي أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات، تمام؟ منهم هم أولاد العلات. ما جاب في الأحاديث الأنبياء أولاد علات؛ أولاد العلات هم الأولاد اللي أبوهم واحد بس جايين من أمهات متعددات، مش بيكون أبوك مثلاً متزوج أكثر من واحدة، فانت من الأم الفلانية وهذا من الأم الفلانية؟ يقول لك: كذلك الناس متفاوتون في أحوالهم، وإن كان أصلهم واحداً، لكنهم في النهاية متوزعون في المال في الأخلاق في الأحساب، متوزعون.
قال: ومما يتبع هذا الفصل تألف الأعداء بما يثنيهم عن البغضاء، ويعطفهم على المحبة، وذلك قد يكون بصنوف من البر، ويختلف بحسب اختلاف الأحوال، فإن ذلك من سمات الفضل وشروط السؤدد؛ فإنهما شروط السيادة. يعني مما من خواتم هذا الفصل الذي يريد أن يختم به هذا الموضوع، قضية ماذا؟ أنه حتى الأعداء بدك تعرف كيف تتعامل معهم، لأنه أنا عارف أنه هذا نحن وياه أعداء علناً، لأنه هو عادي معروف أنه فلان عدو فلان، وفي بيننا حروب أو بيننا منازعات كبيرة، في اختلاف في المناهج، تمام؟ فبالتالي أنت بدك تعرف كيف هذا العدو أنا بدي برضه أفهم كيف أتعامل معه، لأنه حتى التعامل مع العدو ذكاء حتى أتقي شره. وهذه من الأمور التي يحتاجها شباب الدعوة اليوم كثيراً؛ أنه مثلاً هسه كلمة العدو مش شرط يكون عدو بمعنى كافر، لأنه بعض الناس كلمة عدو يروح يبالغ على الكفار، لا لا، العدو أي إنسان منهجك ومسلكك لا يتوافق مع منهجه ومسلكه، وبالتالي متصور وجود إحن وأمور نفسية بينك وبينه واحتكاكات؛ هذا من الجماعة الفلانية وأنا من الجماعة الفلانية، بعضهم هذا من الطائفة هون وهذا من الطائفة هون، هذا عقيدته أشعري، هذا من أهل الحديث، هذا عقيدته كذا وكذا، هذا من جماعة الشيخ الفلان. الشيخ للأسف هي أصبحت تولد عداوات؛ لكن حتى مع لو اختلفت الطبائع والمناهج، الأصل تعرف كيف تتعامل مع إخوانك اللي في المنهج الآخر. طبعاً لا ينبغي أن تصف العلاقة بأنها عداء ما دمنا في دائرة الإسلام، لكن هنا كلمة العدو في باب الأخلاق لا يعني ليست العدو في باب الكفر والإيمان، لا، يعني هي كلمة واسعة يدخل فيها كل شخص أنت في طريق وهو في طريق، يسمى عدواً بالمعنى الأخلاقي عرفتم؟
فالذكاء في التعامل مع هؤلاء هو اللي يعطيك سؤدداً، لذلك اليوم اللي بده يكون قائد سياسي ويمسك نظام، يمسك دولة، بده يعرف كيف يتعامل حتى مع خصومه حتى يستطيع يسود عليهم، ويعرف كيف يجذب القلوب ويخلي عداوتهم لا تصل إلى الرفض، لا تصل إلى عدم قبولك في المجتمع؛ ممكن يتقبلك أنك تكون زعيم عليه، وإن كان هو مثلاً لا يتفق معك في مناهج، لكن يتفق أنك تكون زعيم عليه، لأنه رأى فيك من الخصال الحميدة ومن المناقب العالية؛ يقول لك: صح فلان، أنا وإياه ممكن نختلف في بعض زوايا العقيدة، بس والله رجل، والله هذا إنسان يستحق أن يكون رأس طائفة، أو أن ينظم حياة الناس. والمجتمعات هذه مهمة؛ لأنه بعض الناس والشباب لا، يا بتكون معي مثل عقيدتي مثل فكري أو الحرب قائمة بيننا، ويظهر لك كلما رآك العبوس، لا عادي، أنت بتقدر تتفاهم مع الناس حتى مع خصومك بالابتسامة، بتقدر تتفاهم معهم بحسن الأخلاق، هسه هو هو عارف العقل الباطن أنه أنت وإياه مش متوافقين، لكن أنت أسرته بأخلاقك، أسرته بلطفك. شيخ الإسلام ابن تيمية من أكثر ما كان بينه وبين الأشاعرة يأسرهم أخلاقه، صحيح ولا لا؟ وكيف كان يتودد إليهم ويتعامل معهم بالأخلاق الحميدة ومع عائلاتهم وأسرهم والعفو عنهم والانبساط؛ تمام، هم عارفين أنه هو في طريق ونحن في طريق، بمعنى أننا يعني نقاشاتنا لا تنتهي، وأنه نحن كنا سبباً في اعتقاله، وبالتالي متصور أن يكون الرجل يعني كان الأشاعرة سبباً في اعتقال شيخ الإسلام لسنوات، لكن في النهاية قابلهم بحسن الخلق؛ وهذا الذي جعله يسود أهل زمانه أخلاقاً وقيماً وشمماً، فهذا يجب أن ينتبه له الإنسان.
قال: فإنه ما أحد يعدم عدواً ولا يفقد حاسداً، وبحسب وفور النعمة ما في أحد ما عندوش أعداء، ما في أحد يعدم عدو، كلنا لنا أعداء، هي هكذا الحياة، هكذا سنتها. قال: وبحسب وفور النعمة تكثر الأعداء والحسدة، وكلما كثرت نعمتك كثر مالك، كثر جمهورك، كثر الناس؛ شيء طبيعي يكون عندك أعداء وحسدة. بعض الشباب هيك حالم خيالي، إذا صار عنده أعداء يا الله ليش أنا عندي أعداء في الحياة؟ ليش ما تقول كل الناس أصحاب؟ وبيصير بده يغير خطابه لكل جماعة، زي ما بتلاقيهم: أنتم شو بدكم خطاب حتى تصيروا أصحابي؟ خلص، بصير أخاطبكم بهي الطريقة. أنتم شو بدكم خطاب؟ فبده يغير كل خطاباته الشرعية والدعوية وكذا طامح أنه ايش؟ كل الناس تحبه، وهذا من إفشال الناس الذي يغير من شخصيته ومن خطابه ومن عقله ومن ذهنه لإرضاء جميع الناس، هذا أحمق. لا، أنت في النهاية سيبقى لك خصوم مهما كنت رائعاً، وسيبقى لك خصوم، تعامل مع الخصوم بالأخلاق لكن اثبت على موقفك؛ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كان له خصوم وهو من كملت أخلاقه وحسنت صفاته، من أنا وأنت حتى لا يكن لنا خصوم؟ يبقى لك خصوم، كن واقعياً، افهم الحياة كما هي، ودعك من السذاجة والمبالغة. قال كما قال البحتري: ولن تستبين الدهر موقع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
فإن أغفل تألف الأعداء مع وفور النعمة، ايش يعني؟ ولن تستبين الدهر موضع نعمة؛ يعني أنت ما راح تعرف مواضع النعمة اللي في حياتك حتى ايش؟ الحاسد هو يدلك عليها؛ يعني أحياناً بعض الناس مش ملاحظ أنه عنده نعمة، متى بيعرف أنه عنده هي النعمة؟ بس يلاقي الناس تحسده عليه: إيه والله أنا باقي عندي هي النعمة. فهذا من جميل ما يذكر أنه ما في إنسان إلا له أعداء. يقول لك: أنت ترى لعلمك كثير من النعم اللي في حياتك أنت ما راح تدركها حتى ايش؟ حتى تلاقي الناس اللي بتحسدك عليها؛ مثلاً أي نعمة؟ أنه عندك بيت. كثير من النعم نحن غارقون فيها لا نشعر بها، متى بتشعر بنعمة المسكن، نعمة الأمن؟ لما تلاقي بعض الناس يقول لك: نيالك أنت عندك بيت تأوي إليه؛ بتتذكر: آه والله، أنا عندي نعمة، بنعمة الأمن لما تجد الناس خائفة، تجد وحدك.
أحيانا بعد مقاطع اليوتيوب، تظهر مقاطع أخرى، فيقول لك: أنتم يا أهل المنطقة الفلانية ما عندكم، طبعاً هي ليست بمعنى أنهم حاسدون بمعنى الحسد، لكن باختصار الناس تتمنى ما عندك. فسبحان الله، يقول لك أنت لن تستبين طول حياتك النعم، طبعاً فيها شيء من المبالغة، لكن الفكرة أنه لن تستبين النعم إلا بوجود الأعداء؛ أعداؤك هم الذين سيدلونك على مواطن قوتك، لأنه لما يقول لي إياك على هذه الشغلة، إذاً هي نقطة قوة عندي أنا باقي لم أنتبه لها. جميل فكرة هذا البيت.
قال: «فإن أغفلت تألف الأعداء مع وفور النعمة وظهور الحسد، تتوإلى عليه من مكر حليمهم وبادرة سفيههم، ما تصير به النعمة غراماً والدعة ملاماً». أحسنت، فإذا أغفلت تألف الأعداء مع وفور النعمة عليه وظهور الحسد، فماذا سيتوالى عليه من مكر حليمهم؟ يعني حليم الأعداء يصير يمكر فيك، وبادرة سفيههم ما تصير به النعمة التي هو فيها غراماً، والدعة التي هو فيها ماذا؟ ملاماً، فبدك تنتبه، أعداؤك عليك أن تحسن تألفهم.
نعم، قال: وروى ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس». وقال سليمان بن داوود عليهما السلام لابنه: لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق، فالألف قليل، ولا تستقل أن يكون لك عدو واحد، فالواحد كثير. أي وعدو واحد يشيبك؛ يعني لا تقل العدو واحد أنا عندي، لا مش مشكلة، ترى عدو واحد ينغص عليك حياتك كلها.
نعم، قال: فنظم ابن الرومي هذا المعنى فقال: تكثر من الإخوان ما استطعت إنهم.. بطون إذا استنجدتهم وظهور وليس كثيراً ألف خيل وصاحب.. وإن عدواً واحداً لكثير طبعاً هذه أظن القضية مرت معنا، أنه اختلف علماء الأخلاق: هل الأفضل كثرة الإخوان أو قلة الإخوان؟ يعني هذا منهج من يرى أن كثرة الإخوان أفضل، لكن مثلاً ابن حزم الظاهري وطائفة من الذين كتبوا في الأخلاق، رأوا أنه قلة الإخوان أفضل؛ لأنه بكثرة الإخوان بالتالي تكثر الحقوق عليك، لكن لما يقل إخوانك خلص بتقل دائرة الحقوق عليك، فهذه في مناهج مختلفة في مسألة هل يستكثر الإنسان من إخوانه أو يستقل، وأما قضية الأعداء فالكل متفق أن العدو الواحد يشيبك.
نعم، قال: وقيل لعبد الملك بن مروان ما الذي أفدت في ملكك هذا؟ قال: مودات الرجال. نعم، شو استفدت من ملكك هذا؟ يعني قيل لعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ماذا استفدت من ملكك؟ قال: مودة الرجال؛ يعني ألفت الكثير من الناس وصار عندي ماذا؟ صداقات وعلاقات كثيرة. وقال بعض الحكماء: من علامة الإقبال اصطناع الرجال. وقال بعض البلغاء: من استصلح عدوه زاد في عدده، ومن استفسد صديقه نقص من عدده. ليه؟ إذا استصلحت أنت عدوك فصار صديقاً لك، كانه عددك زاد واحد، كان عدو استصلحته صار صديق، إذاً أنت زدت من دائرة أصدقائك.
قال: وقال بعض الأدباء: العجب ممن يطرح عاقلاً كافياً لما يضمره من عداوته، ويصنع عاجزاً جاهلاً بما يظهره من محبته، وهو يقدر على استصلاح من يعاديه بحسن صنائعه وأياديه. وقال عبد الله بن زبير رضي الله عنهما: ثلاثة أبيات جامعة لكل ما قالته العرب، وهي للأفوه الأودي: بلوت الناس قرناً بعد قرن.. فلم أرَ غير ختال وقالي وذقت مرارة الأشياء جمعاً.. فما طعم أمرّ من السؤال ولم أرَ في الخطوب أشد هولاً.. وأصعب من معاداة الرجال
وقال قاضي التنوخي: ألق العدو بوجه لا تقطب به.. يكاد يقطر من ماء البشاشات فاحزم الناس من يلقى أعاديه.. في جسم حقد وثوب من مودة الرفق يمن، وخير القول أصدقه، وكثرة المزح مفتاح العداوات. وقال وأنشدت عن الربيعي للشافعي رحمه الله تعالى: لما عفوت ولم أحقد على أحد.. أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيته.. لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه.. كأنما قد حشى قلبي محبات ولست أسلم ممن لست أذكره.. فكيف أسلم من أهل المودات الناس داء دواء الناس تركهم.. وفي الجفاء لهم قطع الخصومات فخالق الناس واصبر ما بقيت لهم.. أصمّ أبكم أعمى ذات قيادات
قال: وليس وإن كان بتألف الأعداء مأموراً وإلى مقاربتهم مندوباً، ينبغي أن يكون إليهم راكناً وبهم واثقاً، بل يكون منهم على حذر ومن مكرهم على تحرز، فإن العداوة إذا استحكمت في الطباع صارت طبعاً لا يستحيل، وجبلة لا تزول. وإنما يستكف بالتألف إظهارها ويستدفع به أضرارها، كالنار يستدفع بالماء إحراقها. يعني فأنت عليك أن تفهم هذه الفلسفة، أنه أنت حسن الأخلاق مع العدو، أنا لا أطلب به أن يصبح صديقاً، أنا فقط أريد أن يستكف بالتألف إظهارها، أنا بس بدي لا يظهر العداوة فقط، هذا السقف الذي أنا بطامح له. أنا لما أتألف أعدائي أنا مش طامح أنه يصير صديقاً لي، يعني هذه إذا صارت صارت، لكن الأعداء وطباعهم صعب تغيرها، أقل شيء أنا ماذا أريد بالتألف؟ أن أبعد إظهار العداوة بيني وبينه، على الأقل في الحياة العامة هو لا يشتمني وأنا لا أشتم، ولا يذكرني ولا أذكره، يعني هذا السقف الذي أنا أريد أن أصل إليه تمام.
قال: كالنار يستدفع بالماء إحراقها ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة بطبع لا يزول وجوهر لا يتغير. وقال الشاعر: وإذا عجزت عن العدو فداره.. وامزج له إن المزاج وفاق فالنار بالماء الذي هو ضدها.. تعطي الإنضاج وطبعها الإحراق
قال رحمه الله: فصل وأما البر، وهو الخامس من أسباب الألفة، فلأنه يوصل إلى القلوب الطافته ويثنيها محبة وانعطافاً. ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به وقرنه بالتقوى له، فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 2]، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. البر ما هو؟ الإحسان. يعني السبب الخامس من أسباب بناء العلاقات الاجتماعية ما هو؟ أن تحسن إلى الناس أو شخص يحسن إليك، هذا يشكل علاقة، صح ولا لا؟ إذا في علاقة سببها النسب، وفي علاقة سببها المصاهرة، وفي علاقة سببها المودة التي هي الحب، وفي علاقة سببها الإحسان، أنه أحسن إليّ وأنا أحسنت إليه فصار بيننا علاقة وألفة.
نعم، قال: وروى الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها». وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داوود عليه الصلاة والسلام: ذكر عبادي إحساني إليهم ليحبوني، فإن عبادي لا يحبون إلا من أحسن إليهم. وأنشدني أبو الحسن بن أبي الحارث الهاشمي رحمه الله تعالى: الناس كلهم عيال الله تحت ظلاله.. فأحبهم طراً إليه أبرهم بعياله
والبر أن صلة ومعروف، فأما الصلة فهي التبرع ببذل المال في جهات محمودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها، ويمنع منه شحها وإباؤها. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. وروى محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة بن الزبير عن النبي ﷺ أنه قال: «السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار». وقال ﷺ لعدي بن حاتم: «رفع الله تعالى عن أبيك العذاب الشديد لسخائه».
نعم، قال: وبلغه ﷺ عن زبير إمساك فجذب عمامته إليه -إمساك يعني بخل- وقال: «يا زبير، أنا رسول الله إليك وإلى غيرك، يقول الله: أنفق أنفق عليك، ولا توك فيوكي عليك». لا توكِ ما تمسك فأضيق عليك. نعم، قال: وروى أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وملكان يناديان: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً وممسكاً تلفاً». وأنزل في ذلك القرآن، فقال عز من قائل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-10]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني من أعطى فيما أمر، واتقى فيما حضر، وصدق بالحسنى يعني بالخلف من عطائه. فعندها قال ابن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء.
وقيل في منثور الحكم: الجود عن موجود. وقيل في المثل: سؤدد بلا جود كملك بلا جنود. وقال بعض الحكماء: الجود حارس الأعراض. وقال بعض الأدباء: من جاد ساد، ومن أضعف ازداد. وقال بعض البلغاء: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده. نعم، الضعف يعني -يعني أنا أفهمها من أضعف- يعني من زاد في العطاء ازداد في جلب الناس إليه، من أضعف أي ضاعف في العطاء ازداد من محبة الناس وتأليف الناس. نعم، وقال بعض البلغاء: جود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده. نعم، إذا كنت جواداً والله أعداؤك يحبونك، وإذا كنت بخيلاً والله أولادك يكرهونك.
وقال بعض الفصحاء: خير الأموال ما استرق حراً، وخير الأعمال ما استحق شكراً. نعم، خير الأموال التي تستعبد بها الناس، "ما استرق حراً"؛ الأموال العطايا تستعبد بها قلوب الناس، هذا معنى ما استرق حراً تستعبد بها الناس. نعم، وقال صالح بن عبد القدوس: ويظهر عيب المرء في الناس بخله.. ويستره عنهم جميعاً سخاؤه تغطى بأثواب السخاء فإنني.. أرى كل عيب والسخاء غطاؤه
فالسخاء غطاؤه، فالسخاء مهما كان فيك عيوب، صدقني إذا كنت جواداً تعطي الناس يسترونه عليك. الذي يستر عيوبك ما هو؟ تمام العطاء، تمام بيتك مع زوجتك وأولادك شو الذي يستره عليك؟ تعطيهم فيستروا عليك، أصحابك يكون بينك وبينهم مشاكل بس أعطيه، ستصدر منزف والله بتجيب أعظم 10 في هذه، يعني سبحان الله الكرم؛ كنت أرى كثيراً من الشباب بيني وبين أشخاص عداوات هو ما يحبهم كذا، فعزمهم مرة أمامي، أنا عزمهم على عزومة قوية، يعني بـ 300 دينار كان له شيء، صرت الشب يحكي والله صرت أحب فلاناً تمام، قال والله من عز صرت أحب. طيب ليش تحبه؟ تحبه عشان عزمك يعني؟ على بعض الناس فعلاً يعني هكذا فلسفة، الناس تحب من يسخو عليها.
نعم، قال: وحد السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة، وتدبير ذلك مستصعب. ولعل بعض من يحب أن ينسب إلى الكرم ينكر حد السخاء ويجعل تقدير العطية فيه نوعاً من البخل، وأن الجود بذل الموجود، وهذا تكلف يفضي إلى الجهل بحدود الفضائل. ولو كان حد الجود بذل الموجود لما كان للسرف موضع. إذاً السؤال: ما هو حد السخاء؟ متى نقول إنه هذا سخاء وذاك إسراف؟ بدك تضبط الفرق بين الكرم والإسراف، التبذير الذي لا معنى له.
فيقول: وحد السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة، هذا حد السخاء، أنه إذا أخوك احتاج شيء توصل إليه عند الحاجة ما يحتاجه، وأن يوصل إلى مستحقه بقدر طاقتي؛ يعني أنا هذه إمكانياتي، أنا مثلاً راتبي 500، 1000، 800، أنا طاقتي بقدر أتعامل معك بـ 100، أنا بقدر أتعامل معك بـ 50، أنا بقدر أتعامل معك بـ 150، هي طاقتي حتى ما أؤثر على حياتي. إذا أنت بذلت طاقتك أنت سخي. أما قول بعضهم: لا إن السخاء لا يجوز أن يقدر بقدر، بل يجب أن نقول حد السخاء هو أن تبذل كل موجود، يعني هذا الكلام ما هو صحيح لأنه قد يؤدي إلى نوع من الإسراف أحياناً. فخلينا نحاول نضبط السخاء المعقول، بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة.
قال: ولعل بعض من يحب أن ينسب إلى الكرم ينكر وضع حد للسخاء، ويقول ما لا عيب نحط حد للسخاء، ويجعل تقدير العطية نوعاً من البخل، وأن الجود بذل الموجود دون أن تضع حداً، وهذا تكلف يعني، أي يقول الماوردي: لا، يعني أيضاً نصل أن نقول السخاء ليس له سقف، برضه هذا غير منطقي، وهذا تكلف يفضي إلى الجهل بحدود الفضائل؛ لأن الفضائل كما قلنا هي المتوسطات، فالمبالغة فيها غلط، والتقصير.
فيها غلط، فلا بد أن يكون للفضاء الحدود حد أعلى وحد أدنى. ولو كان حد الجود بذل الموجود، لما كان للسرف موضع. والله أنا موجود عندي مليون دينار؛ يلا تفضل، هي مليون دينار! أحياناً بصير في نوع من الصرف غير المقبول. فلو كان ما في للسخاء حد، لكان ما خلينا شيء للصرف؛ يعني إذا كان للسخاء لا يوجد حد لأعلاه، بالتالي أنت لم تترك للصرف موضعاً تعرف فيه ما هو الصرف.
قال: ولا للتبذير موقعاً، وقد ورد الكتاب بذمهما، وجاءت السنة بالنهي عنهما. وإذا كان السخاء محدوداً فمن وقف على حده سُمي كريماً، وكان للحمد مستحقاً، ومن قصر عنه كان بخيلاً، وكان للذنب مستوجباً. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180].
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقسم الله تعالى بعزته لا يجاوره بخيل». وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طعام الجواد دواء، وطعام البخيل داء». وطبعاً أنا ما حظني أعلق الأحاديث، إذا قلت لكم يعني تقريباً 90% من الأحاديث التي يذكرها الماوردي ليست صحيحة، وإن كان يكون لها معنى صحيح عموماً، لكن ليست صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: الشحيح أعذر من الظالم، فقال: «لعن الله الشحيح ولعن الظالم». وقال بعض الحكماء: البخيل مُسَكَّن. وقال بعض الأدباء: البخيل ليس له خليل. وقال بعض البلغاء: البخيل حارس نعمته وخازنها. وقال بعض الشعراء: إذا كنت جماعاً لمالك ممسكاً فأنت عليه خازن وأمين تؤديه مذموماً إلى غير حامد فيأكله عفواً وأنت دفين.
تظاهر بعض ذوي النباهة بحب الثناء مع إمساك فيه، فقال فيه بعض الشعراء: أراك تؤمل حسن الثناء ولم يرزق الله ذاك البخيل وكيف يسود أخو بطنة يمن كثيراً ويعطي قليلاً.
يمن كثيراً ويعطي قليلاً، يعني يريد من الناس تثني عليه ومش معطي حاجة. وقد يتنافى حب الثناء وحب المال؛ لأن حب الثناء يبعث على البذل وحب المال يمنع منه، فإن ظهر عليه كان حب الثناء كاذباً. وقال بعض الشعراء: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما تيه الملوك وأخلاق المماليك أردت شكراً بلا بر ولا صلة لقد سلكت طريقاً غير مسلوك ظننت عرضك لم يقرع بقارعة وما أراك على حال بمتروك لأن سبقت إلى مال حظيت به لما سبقت إلى شيء سوى النوك.
والنوك هو الحماقة. وقد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعة إلى كل مذمة، أربعة أخلاق ناهيك بها ذماً؛ وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق. فإما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الطلب؛ بتلاقيه بيشتغل 48 ساعة في 24 ساعة، شديد الحرص على المال والتجارة، 24 ساعة بيرجع بيحسب مصاريف اليوم 15 مرة ويعدهم، شديد الحرص على العمل والوظائف مشان يكثر أمواله، حتى نسي زوجته وأولاده وعلاقاته الاجتماعية وذهبت حياته بس 24 ساعة بيقدح ليه بدي أكثر أموالي.
أما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة، وهذا فرق ما بين الحرص والشره؛ استقلال الكفاية عنده ما يكفيه بس بضله شايفه قليل بده أكثر، هذا اسمه الشره. وقد روى العلاء بن حريز عن أبيه عن سالم بن مسرور قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يجزيه من العيش ما يكفيه، لم يجد ما عاش ما يغنيه». طول عمره ما بيشبعش. وقال بعض الحكماء: الشره من غرائز اللؤم.
أما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل؛ فإن كانت بالخالق كانت شكاً يؤول إلى ضلال، وإن كانت بالمخلوق كانت استخيانة يصير بها مختاناً أو خواناً؛ لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيراً ظنه في غيره، وإن رأى منها سوءاً اعتقده في الناس، وقد قيل في المثل: كل إناء ينضح بما فيه. فإن قيل قد تقدم من قول الحكماء أن من الحزم سوء الظن، قيل تأويله الاسترسال إليهم لا اعتقاد السوء فيهم.
أما منع الحقوق، فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها، فلا تذعن لحق ولا تجيب إلى إنصاف. وإذا أدى البخل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللائمة، لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار: «من سيدكم؟». قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من البخل؟». وكان الجد بن قيس أحد المنافقين، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم، فقالوا: ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء، ويعتذر النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء».
فأما السرف والتبذير، فإن من زاد على حد السخاء فهو مسرف ومبذر وهو بالذم جدير، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما عال من اقتصد». وقال المأمون: لا خير في السرف، ولا سرف في خصال الخير. وقال بعض الحكماء: صديق الرجل قصده، وسرفه عدوه. وقال بعض البلغاء: لا كثير مع إسراف، ولا قليل مع احتراف.
اعلم أن السرف والتبذير قد يفترق معناهما؛ فالسرف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق. جميل، يعني البعض يقول لك هل السرف والتبذير مترادفان أم بينهما فرق؟ الماوردي يقول لا، قد يفترق معناهما؛ فالإسراف هو الجهل بالمقدار، والتبذير هو الجهل بالمكان الذي يستحق هذا الحق. وكل كلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف مخطئ في الزيادة، والمبذر مخطئ في الموقع، وهذا أسوأ أنك تضع الحق في غير أهله.
لو شخص يستحق 100 أعطيته 120، يا سيدي إسراف، لكنه يستحق، أما أن تضع الشيء في غير أهله وعطاؤك في من لا يستحقه، هذا جهل في الموقع وهذا أسوأ وأكثر ضرراً عليك. ومن جهل مواقع الحقوق ومقاديرها بماله وأخطأها فهو كمن جهلها بفعاله فتعداها، وكما أنه بتبذيره قد يضع الشيء في غير موضعه، فهكذا قد يعدل به عن موضعه؛ لأن المال أقل من أن يوضع في كل موضع من حق وغير حق، وقد قال معاوية بن أبي سفيان: كل سرف فبإزائه حق مضيع. وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: الحلال لا يحتمل السرف.
ليس يتم السخاء ببذل ما في يده حتى تسخو نفسه عما بيد غيره، فلا يميل إلى طلب ولا يكف عن بذل. وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: أتدري لِمَ اتخذتك خليلاً؟ قال: لا يا رب. قال: لأني رأيتك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ. وروى سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يحبني الله تعالى عليه ويحبني الناس. فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».
وقال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان، العفة عن أموال الناس والتجاوز عنهم. وقيل لسفيان: ما الزهد في الدنيا؟ قال: الزهد في الناس. وكتب كسرى إلى ابنه هرمز: يا بني، استقلل الكثير مما تعطي واستكثر القليل مما تأخذ، فإن قرة عيون الكرام في الإعطاء، وسرور اللئام في الأخذ. ولا تعد الشحيح أميناً ولا الكذاب حراً، فإنه لا عفة مع الشح ولا مروءة مع الكذب.
وقال بعض الحكماء: السخاء سخاءان وأشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك. وقال بعض البلغاء: السخاء أن تكون بمالك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً. وقال بعض الصلحاء: الجود غاية الزهد، والزهد غاية الجود. وقال بعض الشعراء: إذا لم تكن نفس الشريف شريفة وإن كان ذا قدر فليس له شرف. والبذل على وجهين، أحدهما.
ما ابتدا به الإنسان من غير سؤال، والثاني ما كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به فهو أطبعها سخاءً وأشرفها عطاءً. سئل علي بن أبي طالب عليه السلام: أتعطي قبل أن تسأل؟ فقال: ما كان منه ابتداءً؛ فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم. وقال بعض الحكماء: أجل النوال ما وصل قبل السؤال. وقال بعض الشعراء: وفتى خلا من ماله ومن المروءة غير خالِ أعطاك قبل سؤاله فكفاك مكروه السؤال.
قال: وهذا النوع من البذل قد يكون لأحد تسعة أسباب. فالسبب الأول: أن يرى خلّة يقدر على سدها؛ يعني ضعفاً أو إشكالاً عند أخيه، وشايف إني أنا بقدر أسده بدون ما يطلب مني، أنا شايف أخوي معوز، في عنده شيء أستطيع أن أسد وأعرج له هذه المشكلة فأعطيه. وفاقة يتمكن من إزالتها، فلا يدعه الكرم أو التدين إلا أن يكون زعيم صلاحها وكفيل نجاحها؛ رغبة في الأجر إن تدين، وفي الشكر إن تكرم. وقال أبو العتاهية: ما الناس إلا معتمله للخير والشر جميعاً فعاله.
قال والسبب الثاني: أن يرى في ماله فضلاً عن حاجته، وفي يده زيادة عن كفايته؛ فيرى انتهاز الفرصة بها، فيضعها حيث تكون له ذخراً معداً وغنماً مستجداً. فقال الحسن البصري: ما أنصفك من كلفك إجلاله ومنعك ماله. وقيل لهند بنت الخس: من أعظم الناس في عينك؟ قالت: من كان لي حاجة. وقال الشاعر: وما ضاع مال ورث الحمد أهله ولكن أموال البخيل تضيع.
قال والسبب الثالث: أن يكون لتعريض يتنبه عليه بفطنته، وإشارة يستدل بها على كرمه؛ فلا يدعه الكرم أن يغفل، ولا الحياء أن يكف، كالذي حكي أن رجلاً ساير بعض الولاة فقال: ما أهزل برذونك! فقال: يده مع أيدينا، فوصله اكتفاءً بهذا التعريف الذي بلغ ما لا يبلغه صريح السؤال. هذا السبب الثالث للعطاء دون سؤال أن يأتي شخص يعرض إليك بحاجته بدون ما يطلب فتُعطيه لأنك فطن. هذا قد يكون من أسباب العطاء بدون سؤال أنك عرفت بالتلميح ولم تحتج لمصرح، إذا أن يكون لتعريض، عرض به أخوك، أنت تنبهت بفطنتك أنه أخوك محتاج، وإشارة يستدل عليها؛ يعني اللي طبعه كريم يستدل على الإشارة لأنه كريم، فلا يدعه الكرم أن يغفل عن حاجة أخيه ولا الحياء أن يكف. وقد حكي أن رجلاً ساير بعض الولاة فقال: ما أهزل برذونك! البرذون هو الدابة، فقال: يده مع أيدينا، فوصله اكتفاءً بهذا التعريض. ما معنى هذا الكلام؟ يده مع أيدينا فهو هزيل، فهو يشاركني في الطعام، فكما أن طعامي قليل هو أيضاً طعامه قليل، أو في الرزق، يعني يدي ويده مشتركة في الرزق، فكما أنه لا رزق له كذلك أنا لا رزق لي. هو كانه كنى عن نفسه، هو يريد هذا الرجل ماشي مع السلطان فكأنه هو كالبرذون، تستعين به على قضاء حوائجك وأنا مثل هذا البرذون. فهو لما اطلع على برذون قال له والله، فهذا الرجل بيطلع بقول له ما أهزله! تمام، مع أنه أنت بتركبه بتستفيد منه كذا، فأنا زي هذا البرذون، أنا ماشي معك وبتقضي حوائجك وبعينك بس أنت مش مطلع علي. فهو أراد أن يقيس حاله على حال برذونه، فهو فهم أن هذا البرذون ماشي معنا ومع ذلك هزيل، وهذا الرجل نفس الشيء، إذا ماشي معنا وأنا قاطع من صلتي يده مع أيدينا، وبيروح معنا وبيجي معنا وأنا مش معطيه، قال لازم أعطيه. ولذلك قال أكثر المصنفين: السخاء حسن الفطنة، واللؤم سوء التغافل.
وحكي أن عبيد الله بن سليمان لما تقلد وزارة المعتضد، كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين فقال: أبا دهرنا، أسعفنا في نفوسنا وأسعفنا في من نحب ونكرمه، فقلت له نعماك فيهم أتمها، ودع أمرنا، إن المهم المقدم. فقال عبيد الله: ما أحسن ما شكى أمره بين أضعاف مدحه! أبا دهرنا أسعفنا في نفوسنا، الدهر ما أعطانا، لكن الحمد لله أنه أعطى إخواناً، وهيهم صاروا مسؤولين. الحمد لله أنه أخونا توظف وصار مسؤولاً عند وزير المعتضد. فقلت له لهذا الدهر نعماك فيهم أتمها، يا والله يا دهر إنك تتم نعمتك على أخوي، طبعاً الدهر هذا من الإسناد المجازي، ولو يقصد الله سبحانه، ودع أمرنا نحن مش مشكلة، أهم شيء أن أخونا يكون مبسوطاً في وزارته. فقال عبيد الله: ما أحسن ما شكى أمره، فهذا أخوه عرف شو قصده، أنه بده إياني أصله بس بدون ما يحكيها بصراحة. ولذلك قال بعض الشعراء: ومن لا يرى من نفسه مذكراً لها رأى طلب المستنجدين ثقيلاً.
قال والسبب الرابع: أن يكون ذلك رعاية ليد أو جزاءً على صنيع؛ أحياناً ممكن أنا أعطيك عطاءً بدون ما تسألني رعاية لمعروف سابق تجاهك، يعني أنت عملت لي معروفاً سابقاً فأنا بتذكرك بالخير فبرد لك إياها. فيرى تأدية الحق عليه طوعاً، إما أنفةً وإما شكراً، إما أنفة أن يكون لأحد عليه يد، أو شكراً للمعروف الذي فعلته معي في يوم. ليكون من أسر الامتنان طليقاً، ومن رق الإحسان عتيقاً، وقد قال بعض الحكماء: الإحسان رق، والمكافأة عتق. وقال أبو العتاهية: وليست أيادي الناس عندي غنيمة ورب يد عندي أشد من الأسر. لذلك كان سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته أنه إذا أهدى له شخص هدية أثابه عليها، وأيضاً كما قال إن الإحسان رق والمكافأة عتق، أنت لما تحسن إلي وأنا أردها خلص بشعر أنه لا منّ عليك.
قال والسبب الخامس: أن يؤثر الإذعان بتقديمه والإقرار بتعظيمه توطيداً لرئاسة هو لها محب وعلى طلبها مكب. السبب الخامس؛ يعني زي إخواننا اللي بدهم يترشحوا للنيابة، بيكون بده يصير في رئيس أو في عضو مجلس نواب ولا كذا، فبصير مرة واحدة يتفقد الناس ويعطيهم وياتيهم بما يريدون، لماذا؟ حتى يمهد لها للنيابة. ذاك قبل شهرين من الدورة الانتخابية بتلاقيهم بيصيروا مناح وبيصير يعطي، عاد لو رحت له بعدين بيبطل يعطي، لكن هو لماذا يعطي بدون أن يسأل؟ يريد أن يمهد لرئاسة، فيوزع ويعطي على الناس حتى يقال: آه والله فلان تذكرنا، وإنما هو تذكرك لنفسه. وقد قال الشاعر: حب الرئاسة داء لا دواء له وقل ما تجد الراضين بالقسم. فتستصعب عليه إجابة النفوس له طوعاً إلا بالاستعطاف وإذعانها إلا بالرغبة والإسعاف، فقد قال بعض الأدباء: بالإحسان يرتبط الإنسان. وقال بعض البلغاء: من بذل ماله أدرك آماله. وقال بعض الشعراء: أترجو أن تسود ولا تعنى وكيف يسود ذو الدعة البخيل؟
قال والسبب السادس: أن يستدفع به سطوة الأعداء، ويستكف به نفار الخصماء؛ ليصيروا له بعد الخصومة أعواناً، وبعد العداوة إخواناً، إما لصيانة عرض وإما لحراسة مجد. وقد قال أبو تمام الطائي: فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد ولا المجد في كف امرئ والدراهم ولم أر كالمعروف تُدعى حقوقه مغارم في الأقوام وهي مغانم. المجد والمال يجتمعان في كفك، بدك المجد بدك تدفع المال، بدك تضمع المال سامحني المجد رح يفوتك، الحكم والسؤدد يقوم على بذل الأموال لاسترضاء الخصوم وكسب الأعداء. وقال بعض الأدباء: من عظمت مرافقه، عظمت مرافقُه.
قال والسبب السابع: أن يرب به سالف صنيع أولاها ويراعي به قديم نعمة أسداها، كي لا ينسى ما أولاه أو يضيع ما أسداه؛ فإن مقطوع البر ضائع ومهمل الإحسان ضال. السبب السابع: أن يرب يعني أن يزيد ويكبر به سالف صنيع أولاها، يعني أني أنا أكون تذكرتك في يوم من الأيام، حتى ما تنسى أني أنا في يوم من الأيام تذكرتك، بروح بتذكرك مرة ثانية وبتذكرك مرة ثالثة، لأنه إذا تذكرتك مرة بعدين نسيت، أنت رح تنسى المعروف الذي قدمته لك، فإذا أنا بدي أخليك دائماً متذكرني أنه أنا ترى محسن إليك، شو بعمل؟ مش بعطيك مرة واحدة، لا بظلني أتعاهدك بالعطاء حتى كل ما أعطيك آه والله هي ثاني مرة بعطيني، بعدين بعد شهر برجع بعطيك إيه هي ثالث مرة، لكن لو أعطيتك مرة ونسيتك أنت رح تنساني ولن تذكر خيري عليك، وهذا عادة من يحرص عليه الزعماء وأصحاب السيادات. وقد قال الشاعر: وسمتُ أمراً بالعرف ثم اضطر حته ومن أفضل الأشياء رب الصنائع ربها. أن تنميها أن تنمي الصنائع، المعروف تجاه الناس المرة الواحدة بتنسى، بدك تضلك تتعاهد الناس حتى الناس تتعاهدك. وقال محمد بن داوود الأصبهاني: بدأت بنعمى أوجبت لي حرمة عليك فعد بالفضل فالعود أحمد.
قال والسبب الثامن: المحبة التي يؤثر بها المحبوب على ماله فلا يضن عليه بمرغوب ولا ينفس عليه بمطلوب، يعني أن تحب شخصاً فلانك بتحبه بتضلك تعطيه، بالنسبة لك هذا الحب الذي بينك وبينه أعلى من المال. وخاصة إذا أحب شخص مثلاً زوجته، أو بتجد العشاق عادة بيبطل يهتم بيصير يبدو المال بشكل فوضوي، أهم شيء أن يحافظ على الحب والمودة. للذته التي هي عنده أحلى وإلى نفسه أشهى؛ لأن النفس إلى محبوبها أشوق وإلى ممايلته أسبق. وقد قال الشاعر: ما زرتكم عمداً ولكن ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرجل. وهذا وإن دخل في أقسام العطاء فخارج عن حد السخاء، وهكذا الخامس والسادس من هذه الأسباب، وإنما ذكرنا لأنه الخامس هو فقط من باب طلب الرئاسة فلا يسمى سخاءً. وإنما ذكرناها لدخولها تحت أقسام العطاء.
قال والسبب التاسع: وليس بسبب، أن يفعل ذلك لغير ما سبب، وإنما هي منه سجية قد فطر عليها وشيمة قد طبع بها، فلا يميز بين مستحق ومحروم ولا يفرق بين محمود ومذموم، يعني بعض الناس بيكون بسيط فبعطي، هو مش عارف إيش بعطيه، بتلاقي واحد آه تفضل خذ، فلان كل ما واحد حكى رأى شخصاً صغيراً كبيراً، رأى أولاداً يلعبوا بالشارع تعال عم، يعني هو شخصيته عفوية وبسيطة، فتجده يعطي وهو مش عارف ليش بعطي. وجدوا أطفالاً صغاراً في الشارع بيعطيهم، وجد مثلاً واحد واقف مثلاً شاف أخاً ماسك كتاباً في طالب باطي، وجد شخصاً قاعداً في مطعم باطي، خلص، يعني طبع مش أنه في علة حقيقية من أجلها يعطي. كما قال بشار: وليس يعطيك للرجاء ولا الخوف ولكن يلذ طعم العطاء. هو خلص بيحب أنه يعطي بس، يعني لو سألته لماذا؟ يقول لك أنا إنسان طبعت على حب العطاء، هؤلاء صاحبوه يا شباب.
وقد اختلف الناس في مثل هذا هل يكون منسوباً إلى السخاء فيحمد، أو خارجاً عنه فيذم؟ فقال قوم: هذا هو السخي طبعاً والجواد كرماً وهو أحق من مدح به وإليه نسب. وقالوا: والتمييز شطر البخل والبذل لسبب إلحاج ضرورة، وقال أبو تمام: من غير ما سبب يدنيك فإنه كفى سبباً للحر أن يشترى بلا سبب. مش لازم دائماً لا دائماً أعطيك لأنه في سبب، أنا بعطيك لأني بدي أعطيك. وقد قال الحسن بن سهل: إذا لم أعطِ إلا مستحقاً فكأني أعطيت غريماً. وقال: الشرف في السرف، فقيل له لا خير في السرف، فقال: لا سرف. وقال الفضل بن سهل: العجب لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه. وقال بشار: وما الناس إلا صاحبان فمنهم سخي ومغلول اليدين من البخل.
فسامح يداً ما أمكنتك، فإنها تقل وتثري. والعواذل في شغلي قال وقال آخرون: وهذا خارج من السخاء المحمود إلى السرف والتبذير المذموم؛ لأن العطاء إذا كان لغير سبب كان المنع لغير سبب، لأن المال يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات، فإذا أعطى غير مستحق فقد يمنع مستحقه، وما يناله من الذم بمنع المستحق أكثر مما يناله من الحمد بإعطاء غير المستحق، وحسبك ذماً بمن كانت أفعاله تصدر عن غير تمييز وتوجد لغير علة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. فنهى عن بسطها سرفاً كما نهى عن قبضها بخلاً، فدل على استواء الأمرين ذماً وعلى اتفاقهما لوماً. وقال الشاعر: وكان المال يأتينا فكنا نبذره وليس لنا عقول فلما أن تولى المال عنا عقلنا حين ليس لنا فضول قالوا ولأن العطاء والمنع إذا كانا لغير علة أفضيا إلى ذم الممنوع وقلة شكر المعطى؛ أما الممنوع فلأنه قد فضل عليه من ساواه، وأما المعطى فلأنه وجد ذلك قد فضل عليه.
وأما المعطى فلأنه وجد ذلك اتفاقاً، ربما أمل بالاتفاق أضعافاً فصار ذلك مفضياً إلى اجتلاب الذم وإحباط الشكر، وليس فيما أفضى إلى واحد منهما خير يرجى. وهو جدير أن يكون شراً يتقى. ولمثل هذا قيل: منع الجميع أرضى للجميع، وعطاء يكون المنع أرضى منه خسران مبين، فإن تعط عطاءً يكون عدمه أولى، فوالله هذا العطاء خسران ما فيه فائدة منه.
فأما إذا كان البذل والعطاء عن سؤال وطلب، فشروطه معتبرة من وجهين: أحدهما في السائل، والثاني في المسؤول. فأما ما كان معتبراً في السائل فله ثلاثة شروط؛ الشرط الأول: أن يكون السؤال لسبب والطلب لموجب، فإن كان لضرورة ارتفع عنه الحرج وسقط عنه اللوم. وقد قال بعض الحكماء: الضرورة توقح الصورة. وقال بعض الشعراء: ألا قبح الضرورة إنها تكلف أعلى الخلق أدنى الخلائق إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
فإن ارتفعت الضرورة ودعت الحاجة فيما هو أولى الأمرين أن يكون وإن جاز ألا يكون، فالنفس المسامحة تغلب الحاجة وتسمح في الطلب وتراعي ما استقام به الحال وانتظم به الأمر، وإن لته بذله ولحقها وهم، ويتأول صاحبها قول البحتري: وربما كان مكروه الأمور إلى محبوبها سببا ما مثله سبب
والنفس الشريفة تطلب الصيانة وتراعي النزاهة، وتحتمل من الضر ما احتملت ومن الشدة ما أطاقته ليبقى تجملها ويدوم تصونها، فتكون كما قال الشاعر: رأوا بزتي فقضوا أنني من المال في ثروة مثريَة فقلت لهم ليس ما قستم سواء لدى العدل والتسوية وقد يكتسي المرء خز الثياب ومن دونها حالة مضنية وفي الباطن مستوٍ كمن يكتسي خده حمرة وعلتها ورم في الرئة
ولا يرى أن يتدنس بمطالب الشؤم ومطالع اللؤم، فإن من البهائم الوحشية ما يأبى ذلك ويأنف منه. قال الشاعر: وليس الليث من جوع بغاد على جيف تحيط بها كلاب فكيف بالإنسان الفاضل الذي هو أكرم الحيوان جنساً وأشرفه نفساً؟ هل يحسن به أن يرى لوحشي البهائم عليه فضلاً؟ وقد قال الشاعر: على كل حال يأكل المرء زاده على البؤس والضراء والحدثان
والفضل في مثل هذا ما قيل لبعض الزهاد: لو سألت جارك لأعطاك. فقال: والله ما أسأل الدنيا من يملكها، فكيف بمن لا يملكها؟ ووصف بعض الشعراء قوماً فقال: إذا افتقروا أغضوا على الضر حسبة وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر
فأما من يسأل من غير ضرورة مست ولا حاجة دعت، فذلك صريح اللؤم ومحض الدناءة، وقل ما تجد مثله ملحوظاً أو محظوظاً لأن الحرمان قاده إلى أضيق الأمر، واللؤم ساقه إلى أطعم فلم يبق لوجهه ماء إلا أراقه ولذون إلا ذاقه. كما قال عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام الطائي: أنت بين اثنتين تبرز للناس وكلتاهما بوجه مذالي لست تنفك طالباً لوصال من حبيب أو طالباً لنوالي أي ماء لحر وجهك يبقى بين ذل الهوى وذل السؤال
ولو استقبح العار وأنف من الذل لوجد غير السؤال مكسباً يمونه، ولا قدر على ما يقله ويصونه. وقد قال الشاعر: لا تطلبن معيشة بتذلل فليأتينك رزقك المقدور واعلم بأنك آخذ كل الذي لك في الكتاب محبر مستور
والشرط الثاني من شروط السؤال: أن يضيق الزمان عن إرجائه ويقصر الوقت عن إبطائه، فلا يجد لنفسه في التأخير فسحة ولا في التمادي مهلة، فيصير من المعذورين وداخلاً في عداد المضطرين، فأما إذا كان الوقت متسعاً والزمان ممتداً، فتعجيل السؤال لؤم وقنوط. وقال الشاعر: أبالي إغضاء الجفون على القذى يقيني أن لا عسر إلا مفرج ألا ربما ضاق الفضاء بأهله وأمكن من بين الأسنة مخرج
والشرط الثالث: اختيار المسؤول، أن يكون مرجو الإجابة مأمول النجح، إما لحرمة السائل أو لكرم في المسؤول. فإن من سأل لئيماً لا يراعي حرمة ولا يولي مكرمة، فهو في اختياره ملوم وفي سؤاله محروم. وقد قال بعض الحكماء: المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة. وقال بعض البلغاء: أذل من اللئيم سائله وأقل من البخيل نائله. وقال بعض الشعراء: من كان يأمل أن يرى من ساقط أمراً سنياً فلقد رجا أن يجتني من عوسج رطباً جنياً
وأما الشروط المعتبرة في المسؤول فثلاثة؛ فالشرط الأول: أن يكتفي بالتعريض ولا يلجئ إلى السؤال الصريح ليصون السائل عن ذل الطلب، فإن الحالة ناطقة والتعريض كاف. وقد قال الشاعر: أقول وستر الدجى مسبل كما قال حين شك الضفدع كلامي إن قلته ضائري وفي الصمت حتفي فما أصنع
وربما فهم المسؤول الإشارة فألجأ إلى التصريح بالعبارة تهجيناً للسائل ليخجل فيمسك ويستحيي، فيكون كما قال أبو تمام: من كان مفقود الحياء فوجهه من غير بواب له بواب.
والشرط الثاني: أن يتلقى بالبشر والترحيب ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع. وقد قال بعض الحكماء: ألقِ صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنك أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة فلم يقضها وظهر له منه ضجر، فقال: لا تدخلنك ضجرة من سائل، فلخير دهرك أن ترى مسؤولاً لا سائلاً.
تُجبهن بالرد وجه وجه مُؤمَّل، فبقاء عزك أن ترى مأمولاً. تلقى الكريم فتستدل ببشره، وترى العبوس على اللئيم دليلاً. واعلم بأنك عن قليل صائر خبراً، فكن خبراً يروق جميلاً.
كن قصة جميلة يحب الناس تذكرها، كن كتاباً يحب الناس أن تعيد تصفحه. نحن عن قليل سنغادر وفي القبور نازلون، ستصبح خبر من أخبار الماضي، فكن قصة جميلة الناس تحب أن تذكرها. والله فلان الله يرحمه كان رجلاً معطاءً، كان رجل خير، كان رجلاً لا يُحرج الناس، جميل هذا البيت.
قال: والشرط الثالث تصديق تحقيق الأمل فيه وتحقيق الظن به، ثم اعتبار حاله وحال سائله، فإنهما لا يخلوان من أربع أحوال. فالحال الأولى أن يكون السائل مستوجباً والمسؤول متمكناً، فالإجابة هنا تستحق كرمه وتلزم مروءة، وليس إلى الرد سبيل إلا لمن استولى عليه البخل وهان عليه الذم. فيكون كمن قال فيه عبد الرحمن بن حسان: إني رأيت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا، فإذا تذكرت المكارم مرة في مجلس أنتم به فتقنعوا.
قال: ونعوذ بالله ممن حُرم ثروة ماله ومنع حسن حاله أن يكون مستودعاً في صنيع مشكور وبر مأثور. قيل لبخيل: لما حبست مالك؟ قال: للنوائب. قيل: فقد نزلت بك. يعني حبسك للمال هو إحدى النوائب. وقال بعض الشعراء: ما لك من مالك إلا الذي قدمت، فابذل طائعاً ما لك. تقول أعمالي ولو فتشوا رأيت أعمالك، رأيت أعمالك من العمى والله أعلم.
قال: ثم قد أسقط حق نفسه ورفع أسباب شكره، فصار كأن لا حق له ومذموماً كمشكور وماثوماً كَمأجور. قال أبو العتاهية: جزى البخيل عليَّ صالحه إذ لم يثقل بره ظهري، ونزه عن يديه يدي فعلت، ونزه قدره قدري، ما فاتني خير امرئ وضعت عني يداه مؤونة الشكر، ورزقت من جدواه عاقبة ألا يضيق بشكره صدري.
قال: فإذا لم يكن إلى الرد في مثل هذه الحال سبيل، نظر فإن كان التأخير مضراً عَجَّل بذله وقطع مَطله، وكانت إجابته فعلاً وقوله عملاً. وقد قال بعض الحكماء: من مروءة المطلوب إليه ألا يُلجئ إلى الإلحاح عليه. هذا من كريم العطاء، في شخص بده يعطي لكن إيش بيبهدلك قبل ما يعطي؛ يا فلان حكيت لك تعطي، قال لي آه بس استناني يومين، بعد يومين ترى كمان يومين بعطي. فلا، إذا أنت بدك تعطي وخاصة إذا عرفت أن صاحبك محتاج، أعطه سريعاً، لا تلجئه أن يُلح وأنه يتكلم معك تليفون أربع خمس مرات حتى تعطيه، هذا من العيب.
إذا تعطي بعض الناس يقول لك يا أخي مش أنا ما أعطيه خليه يصبر، لا، هذه مهم جداً في باب الأخلاق والقيم، إذا أنت تريد أن تعطي عطاءً لا تعطه وأنت تشعر أخاك بالمنَّة عليه، أعطه سريعاً دون أن تحوجه أن يتكلم معك أكثر من مرة في الموضوع أو يلح عليك. وقال محمد بن حازم: ومنتظر سؤالك بالعطايا وأشرف من عطاياك السؤال، إذا لم يأتك المعروف طوعاً فدعه فالتنزه عنه مال.
قال: وإن كان في الوقت مهلة وفي التأخير فسحة، فقد اختلفت مذاهب الفضلاء فيه. إذا عارف أنه حاجة أخوك مش الآن مثلاً بده إياها لبعد ثلاث أشهر، تمام؛ يعني مثلاً هو بده يتزوج والزواج بعد ثلاث أشهر. طب إذا كان في فسحة، بتقدر تعطيه الآن أول ما سألك، ممكن بعد شهرين برضه تقضي حاجته، هل الأدب أن تسرع في العطاء ولا الإمهال؟ قال فذهب بعضهم إلى أن الأولى تعجيل الوعد قولاً ثم يتعاقبه الإنجاز فعلاً، ليكون السائل مسروراً بتعجيل الوعد ثم بأجل الإنجاز، ويكون المسؤول مرهوناً بالكرم ملحوظاً بالوفاء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العدة عطية». وقال الفضل بن سهل لرجل سأله حاجة: أعدك اليوم وأحبُوك غداً بالإنجاز، لتذوق حلاوة الأمل وتزين بثوب الوفاء.
تماما إذا المذهب الأول من يرى أنه الآن في هذا المجلس أعطيه الوعد، وإن جاز هذا الوعد يكون بعد أيام في مشكلة من باب إيش؟ قالوا أن يشعر هو بحلاوة الوعد، والله أخوي روح على الدار مبسوط، أخوي وعدني يعطيني وكذا وكذا. ولما توفي معه بعد أيام يشعر أنه أنت صادق، أنه فعلاً مش كان وعد مواعيد عرقوب، لا وعدني وأعطاني في الموعد اللي حكى لي فيه، فيشعر بحلاوة الإنجاز؛ هذه مذهب لبعضه.
قال ووعد يحيى بن خالد رجلاً بحاجة سألها إياها، فقيل له تعد وأنت قادر؟ فقال: إن الحاجة إذا لم يتقدمها وعد ينتظر صاحبها نُجحها لم يجد سرورها، لأن الوعد طعم والإنجاز طعام، ليس من فاجأه الطعام كمن يجد رائحته ويتطعمه، فدع الحاجة تختمر بالوعد. جميل، إذا يرى فلسفة هذا الرأي من يرى أنه الوعد بحد ذاته له طعم قبل ما يجي الطعام، الوعد بحد ذاته له طعمه فخليه يشعر بطعمه الوعد، ثم خليه يأخذ الإنجاز في الوقت المناسب.
قال ليكون لها طعم عند المصطنع إليه. وقال بعض البلغاء: إذا أحسنت أنت القول فأحسن الفعل، ليجتمع لك مزية اللسان وثمرة الإحسان، ولا تقل ما لا تفعل فإنك لا تخلو في ذلك عن ذنب تكتسبه أو عجز تلتزمه. ومنهم من ذهب إلى أن تعجيل البذل فعلاً من غير وعد أولى. هذا المذهب الثاني في الأخلاق أنه لا، حتى لو كان أخوك معه وقت للموضوع، عجّل له بالعطاء الآن معك أعطه، لا تعد ثم تنجز لا، مباشرة أعطه.
قال وتقديمه من غير ترقب ولا انتظار أهنأ، وإنما يقدم الوعد واحد من رجلين: إما معوز ينتظر جيده، يا واحد مثلاً وبيقول لك والله أنا الآن ما عندي سيولة استنى مثلاً شهر بصير عندي سيولة، هذا معنى معوز ينتظر جيده، ينتظر تجي السيولة المالية، وإما شحيح يروض نفسه، أو واحد يعدك لأنه لسا بده يقنع نفسه يحكي معاه أعطيه ما أعطيه كذا فهو لساته بده يحاور نفسه على العطاء فعشان هيك بده مهلة.
قال وليس لهاتين الحالتين وجه يصح ولا رأي يتضح مع ما يغيره الليل والنهار وتتقلب به الحال من يسار وإعسار. خاصة بقول لك إيش، إنه أنت ممكن اليوم بتعرف كثير استعدك اليوم، اليوم الثاني بتقول له آه فلان، بقول لك والله سامحني غيرت رأيي، الليل والنهار بيقلب النفوس، فإذا أنت وعدت ممكن ما توفي، لأنه الليل والنهار ممكن يغير نفسك، والآن معك وبكرة بصير معك، فعجّل بالعطاء.
طيب، وقال بعض الشعراء: يا أيها الملك المقدم أمره شرقاً وغرباً، أمن بختم صحيفتي ما دام هذا الطين رطباً، واعلم بأن جفافه مما يعيد السهل صعباً. قالوا ولأن في الرجوع عنه من الانكسار، وفي توقع الوعد من مرارة الانتظار، وفي العود إليه من بذل الاقتضاء وذلة الاجتداء ما يكدر بره ويوهن شكره. وقد قال الشاعر: إن الحوائج ربما أزرى بها عند الذي تُقضى له تطويلها، فإذا ضمنت لصاحب لك حاجة فاعلم بأن تمامها تعجيلها.
قال والحالة الثانية: أن يكون السائل غير مستوجب والمسؤول غير متمكن، ففي الرد فسحة وفي المنع عذر، غير أنه يلين عند الرد ليناً يقيه الذنب. بالتالي بس أنه إيش لما ترده ما تقول له يا فلان روح شوف، لك هيك عبارة لطيفة، تمام، ليناً لن يقيه الذنب، أنه إن شاء الله ربنا بيسرها كلمة لطيفة من هنا وهنا بتمشي الأمور. بس أنا عارف أنا داخلياً مش مقتنع أنك محتاج ولا أنا وضعي المالي بيسمح لي أن أعطيك.
قال ويظهر عذراً يدفع عنه اللوم، فليس كل مُقِل يُعرف ولا كل معذور يُنصف. يعني أنت قد تكون معذور لكن لا تُنصف فتتعامل بقسوة فتخسر عذرك. ليس كل مُقل يُعرف أنه مقل فبالتالي بقول لك لا فلان معه بس بده يعطي، هو مش عارف أنه علي ديون وعلي كذا، فانا لما أكون غير متمكن في العطاء الناس ما بتنصفك.
وقال أبو العتاهية يصف الناس: أيا ربي إن الناس لا يُنصفونني، فكيف وإن أنصفتهم ظلموني؟ وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه، وإن جئت أبغي شيئهم منعوني، وإن لهم بذلي فلا شكر عندهم، وإن أنا لم أبذل لهم شتموني، وإن طرقتني نكبة فكهوا بها، وإن صحبتني نعمة حسدوني. سأمنع قلبي أن يحن إليهم وأحجب عنهم ناظري وجفوني، وأقطع أيامي بيوم سهولتهم أقضي بها عمري ويوم حزوني، إلا أن أصف العيش ما طاب غبوه وما نلته في لذة وسكوني.
قال والحالة الثالثة: أن يكون السائل مستوجباً والمسؤول غير متمكن. نعم، الحالة الثالثة أن يكون السائل والله يستحق، حاجته أساسية، لكن أنا ما معي أعطيه، فقال: فيأتي بالحمل على النفس ما أمكن من يسير يسد خلة ويدفع مذمة، أو يوضح من أعذار المعوزين أو توجع المتألمين ما يجعله في المنع معذوراً وبتوجع مشكوراً. بالتالي في هذه الحالة شو الموقف اللي بتعمله؟ إذا عندك ولو مبلغ يسير، يسير أعطيه، ولو دينار، دينار، عارفين أنك أنت ما عندك قدرة، لكن لا ترده مجاناً وحاول أن تعتذر له، لأنه أنت عارف أن أخوك مضطر. فتقول والله يا أخوي أنا عارف أنك مضطر وحاجتك أساسية لكن فعلاً فعلاً أنا ما عندي، تبدأ تعتذر له حتى يعذرك.
كما قال أبو النصر العتبي رحمه الله: يعلم أني لست ذا بخل ولست ملتمساً في البخل لي عللاً، لكن طاقة مثلي غير خافية، والنمل يُعذر في القدر الذي حمله. يعني زي النمل، النمل بتتحمل شيء على حجمها، اعتبروني أنا كالنمل فاعذروني فيما أستطيع.
قال وربما تحسَّر بحدوث العجز بعد تقدم القدرة على فوت الصنيعة وزوال العادة، حتى صار أنضى جسداً وأزيد كمداً، كما قال بعض الشعراء: وكنت كباز الجو قُصَّ جناحه يرى حسرات كلما طار طائر، يرى طائرات الجو يخفقن حوله فيذكر إذ ريش الجناحين وافر. يعني هذا مسكين، لأنه هذا الشخص إذا كان عنده قدرة سابقة على العطاء بعدين افتقر، بكون متألماً من داخله أنه مش قادر يقضي حوائج الناس. شعوره بالعجز بعد القدرة؛ تخيل أنه أنت إنسان كنت تعطي الناس وعندك وفرة، وبعدين زي هيك صار مع كثير من الناس في الكورونا وغيرها، كيف سقطوا مالياً، فهذا لما يجي واحد يطلب منه يتألم من الداخل، بقول أنا وين كنت والناس تطلب مني وأعطي والآن عاجز أن أساعد الناس فهذا يُرحم.
طيب الحالة الرابعة: أن يكون السائل غير مستوجب والمسؤول متمكناً. نعم، السائل ما بيستحق بس المسؤول معه مال. نعم، قال وعلى البذل قادرة، فينظر فإن خاف بالرد قُبح عرض أو قبح هجاء ممض كان إلى البذل مندوباً صيانةً لا وجوباً. بالتالي يعطي صيانة لعرضه، حتى ما يقولش إنه ما أعطاني، وإن كنت عارف أنه كثير من السائلين لا يستحقون لكن أعطه صيانة لعرضك.
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة». وإن أمن ذلك وسلم منه، فمن الناس من غلب المسألة وأمر بالبذل لئلا يقابل الرجاء بالخيبة والأمل بالإياس، ثم لما فيه من اعتياد الرد واستسهال المنع، وكما أن اعتياد البذل مفض إلى السخاء، كذلك اعتياد المنع مفض إلى الشُح. هذه جيدة، هي فكرة جيدة، أحياناً وهذه كثيراً الظاهرة عم تنتشر حالياً بسبب كثرة السائلين غير الجادين، تعرف مع ظهور ظاهرة التسول في بلادنا وكثير من البلاد يصير عننا ثقافة إيش؟ لا تعطيه يا شيخ، ترى هذا مش صادق، ترى يا شيخ هذا محتال.
هذا أنا أعرف أنه كذا؛ فصار في ثقافة المنع. لما أنت تتعود ما تعطي وأنت متمكن، إذا أنت متمكن أنك تتعود ما تعطي، ما تعطي بحجة إيش؟ أنه هذا مش صادق، هذا مش محتاج، هذا كذا؛ تصبح عندك عادة اسمها عادة المنع، ويصبح أسلوبك في الحياة المنع.
فأحياناً من تربية النفس أنك تعطي إنساناً، وحتى ولو أنا شاك أنه بيستحق، من باب فقط أنك تعود نفسك العطاء، وإن كنت عارف أنه قد يكون هذا رجل نصاب وبيجمع المال، بس أنا مش عارف أنه مئة بالمئة نصاب ولا أعطيه لأعود نفسي العطاء؛ لئلا يصبح المنع عادة. هذه فكرة مهمة.
نعم شيخنا، سبحان الله، هي من ناحية أخرى لكن كثير الناس اللي داشكشك المساعدات ما بتوصل، ما بتوصلش؛ آخر شيء بصفي أنه ما أعطاش شيء، هو ما بده يعطي بس بيحتج أحياناً بأنه ما في حدا بيستحق. ما في حدا بيستحق يا أخي أنت تعود العطاء، مش مشكلة عوض نفسك على العطاء.
نعم، قال: وأنشد الأصمعي عن الكسائي: كأنك في الكتاب وجدت لاء محرّمة عليك فلا تحلّ فما تدري إذا أعطيت مالاً أيكثر من سماحك أم يقلّ إذا حضر الشتاء فأنت شمس وإن حضر المصيف فأنت ظلّ
قال: ومن الناس من اعتبر الأسباب وغلب حال السائل، وندب إلى المنع إذا كان العطاء في غير حق، ليقوى على الحقوق إذا عرضت ولا يعجز عنها إذا لزمت وتعينت. وقال بعض الشعراء: لا تجد بالعطاء في غير حق ليس في منع غير ذي الحق بخل إنما الجود أن تجود على من هو للجود والندى منك أهل
قال: فأما من أجاب السؤال ووعد بالبذل والنوال، فقد صار بوعده مرهوناً، وصار وفاؤه بالوعد مقروناً، ولا اعتبار باستحقاق سائل بعد الوعد، ولا سبيل إلى مراجعة نفسه في الرد، فيستوجب في ذم المنع لؤم المخلف ومقت الغادر وهجنة الكذوب. ثم لا سبيل إلى مطله بعد الوعد؛ لما في المطل من تكدير الصنيع وتمحيق الشكر، والعرب تقول في أمثالها: المطل أحد المنعين، والياس أحد النجحين. المطل اللي هو المماطل.
نعم، وقال بشار بن برد: أظلّت علينا منك يوماً غمامة أم أضاءت لنا برقاً وأبطأ رشاشها فلا غيمها يجلى فييأس طامع ولا غيثها يأتي فيروى عطاشها
معلق، يعني أنت معلق الدنيا. نعم، قال: ثم إذا أنجز وعده وأوفى عهده لم يتبع نفسه ما أعطى، وسر إذا كانت يده العليا. قال النبي ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى». وقال الشاعر: وإنك لا تدري إذا جاء سائل أأنت بما تعطيه أم هو أسعد عسى سائل ذو حاجة إن منعته من اليوم سؤلاً أن يكون له غدوّ
قال: وليكن من سروره إذا كانت الأرزاق مقدرة، أن تكون على يديه جارية، ومن جهته واصلة، لا تنتقل عنه بمنع، ولا تتحول عنه بإياس. حكي أن رجلاً اشتكى كثرة عياله إلى بعض الزهاد، فقال: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله تعالى، فحوله إلى منزلك. وقال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على دابة، ففقد الدابة ولم يرها تحته، فقال له: ما فعل برذونك؟ قال: اشتدت عليّ مؤونته فبعته. قال: أفتراه خلف رزقه عندك؟
وقال ابن الرومي: إن لله غير مرعاك مرعىً نرتعيه وغير مائك ماء إن لله بالبرية لطفاً سبق الأمهات والآباء
قال: ثم ليكن غالب عطائه لله تعالى، وأكثر قصده ابتغاء ما عنده، كالذي حكاه أبو بكرة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن أعرابياً أتاه فقال: يا عمر الخير جزيت الجنة، اكسُ بنيّات وأمّهن، وكن لنا من الزمان جُنّة، أقسم بالله لتفعلنّه. فقال عمر رضي الله عنه: وإن لم أفعل ما يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لأذهبنّ. قال: فإذا إذا ذهبت يكون ماذا؟ قال: يكون عن حال لتسألنّ يوم تكون الأعطيات همّه، وموقف المسؤول بينهنّ إما إلى نار وإما جنّة. قال فبكى عمر رضي الله عنه حتى لحيته، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، أما والله ما أملك غيره.
قال: فإذا كان العطاء على هذا الوجه، خلا من طلب جزاء وشكر، وعري من امتنان ونشر، فكان ذلك أشرف للباذل وأهنا للقابل. فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء وطلب به الشكر والثناء، فخارج بعطائه عن حكم السخاء؛ لأنه إن طلب به الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء، وإن طلب به الجزاء كان تاجراً متربحاً لا يستحق حمداً ولا مدحاً. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]، إنه الذي يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وكان الحسن البصري يقول في تأويل ذلك: لا تمنن بعملك تستكثر على ربك.
وقال أبو العتاهية: وليست يد أوليتها بغنيمة إذا كنت تبغي أن تعد لها شكرا غنى المرء ما يكفيهم من سدّ خلّة فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا
واعلم أن الكريم يُجتدى بالكرامة واللطف والمهنة، واللئيم يُجتدى بالمهنة والعنف، فلا يجود إلا خوفاً ولا يجيب إلا عنفاً. كما قال الشاعر: رأيتك مثل الجوز يمنع لبّه صحيحاً ويعطي خيره حين يكسر
يعني بعض الناس ما بتحصل خيره إلا إذا تعبته. الإنسان الكريم تطلب خيره بأيسر الأمور، بس تطلب منه بيعطي. واللئيم لا يُجتدى منه الخير إلا إذا بهدلته، بصير يقول لك: خلص خذ يا عمي بس كذا. فكن كريماً، لا تبذل معروفك أو لا يُبذل معروفك دون أن يُقسى عليك. قال: فاحذر أن تكون المهانة طريقاً إلى اجتدائي. والخوف سبيلاً إلى إعطائك، فتجر عليك سفه الطغام؛ الطغام اللي هو رعاع الناس، وأمتهان اللئام. وليكن جودك كرماً ورغبة، لا لؤماً ورهبة.
لا يكون رهبة من الناس كي لا يكون مع الوصمة. كما قال العباس بن الأحنف: منكم بما أقول وقد نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نُصبت تضيء للناس وهي تحترق
نعم، لأنه أنت لما تعطي والناس شتمتك أحسن من أنك تعطي بعد ما شتمت؛ لأنك إذا أعطيت بعد ما شتمت، هذا العطاء أنت ما رح تستفيد منه. قال: كما الذبالة اللي هي تبعة الفانوس تبعة المصباح، هي عم تحترق لتضيء للناس، بس هذا هنا معنى مذموم، أنه أنت عم تعطي للناس وأنت خلص شُتمت، ونُسب عليك وانتهت قضيتك. لا، أعطِ قبل ما تُشتم، حتى يضل سيدك محترم ومحمود.
وأما النوع الثاني من البر، هذا كله كان نحن قلنا نحن بنتكلم في النوع الخامس من أنواع الألفة وهو البر، والبر قال إما صلة بالمال وإما معروف. انتهى من الصلة بالمال بأقسامها، والآن سينتقل إلى النوع الثاني من البر، ألا وهو المعروف. ويتنوع إلى نوعين: معروف قولي ومعروف عملي.
قال: فأما القول فهو طيب الكلام، وحسن البشر، والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع. ويجب أن يكون محدوداً كالسخاء؛ فإنه إن أسرف فيه كان ملقاً مذموماً. يعني لا تسرف في المدح والثناء، ما تقول ما هو كلام يا شيخ؟ لا، حتى المبالغة في المدح والثناء يصير ملقاً، يعني نوع من التملق المذموم ما حدا بحبه.
قال: وإن توسط واقتصد فيه كان معروفاً وبراً محموداً. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]، قال: إنها الكلام الطيب. وكان سعيد بن جبير يتأول أنها الصلوات الخمس. وعن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله. وروى سعيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». وروي أن النبي ﷺ أُنشد عنده قول الأعرابي:
حيّ ذوي الأضغان تسبي قلوبهم تحيتك الحسنى فقد يرهق النغل وإن نبسوا بالمكر فاعفُ تكرّماً وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منها سماعه، وإن الذي قالوا وراءك لم يُقل، يعني اعتبروا أنه ما حكاش وخليك تغافل، كما قلنا التغافل نصف المعيشة. فقال النبي ﷺ: «إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً». وقيل للعاتبين -وفي رواية حكمة- أنك تلقى العامة ببشر وتقريب، قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأهون مبذول، هذا هو التغافل. وقيل في منثور الحكم: من قلّ حياؤه قلّ أحباؤه. وقال بعض الشعراء: بنيّ إن البر هيّن وجه طليق وكلام ليّن
خلص هذا بحد ذاته بيعطيك البر والإحسان، هذا شكل من أشكال البر: وجه طليق وكلام ليّن. وأنشدني بعض أهل العلم: المرء لا يعرف مقداره ما لم تُبل للناس أفعاله وكل من يمنعني بشره فقل ما ينفعني ماله
قال: وأما العمل فهو بذل الجاه، والإسعاد بالنفس، والمعونة في النائبة، وهذا يبعث عليه حب الخير للناس وإيثار الصلاح لهم، وليس في هذه الأمور سرف ولا لغايتها حد. هذا الذي ليس فيه سرف، قالوا نعم. قال: بخلاف النوع الأول، لأنها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذكر، ونفع على المُعان بها في التخفيف عنه والمساعدة له.
بس الآن ماشي كشكل عام يقولون ليس فيها سرف، لكن أعتقد أحياناً قد يكون في بعض أفعال البر إسراف وتجاوز على الحد إذا أدى إلى تقصيرك في حقوق الآخرين. يعني أنا ممكن أجد أخاً مُعوزاً وكذا فأساعده، لكن لحد ما أضر به حقوق مثلاً زوجتك وبيتك وأسرتك والناس اللي أنت ملزم بهم، والديك، فهل فعلاً أفعال الخير لا إسراف فيها؟ أحياناً بشوف بعض الشباب، وخاصة المندفعين، بتيجي لأ عندي الموضوع وأنا رح أوقف على هذا المشروع وأنا اللي أعمله لله وكذا، ممتاز جزاك الله خيراً، هذا من المعروف والصفات الجميلة، لكن بقول لك والله ما في إسراف في أفعال الخير، أحياناً يكون فيه إسراف إذا كانت ستؤدي إلى الإخلال بمعانٍ أخرى هي من الحقوق والواجبات في ذمتك؛ فإن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فهذا قد يكون فيه شيء من الإسراف من هذه الزاوية.
قال: وقد روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «كل معروف صدقة». وقال النبي ﷺ: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المعروف كاسمه، وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفر، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
وأنشد الرياشي: يد المعروف غنم حيث كانت تحملها كفور أو شكور ففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفر الكفور
قال: فينبغي لمن قدر على إزداء المعروف أن يعجله، حذر فواته ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقةً بالقدرة عليه؛ فكم من واثق بالقدرة زالت عنه، ومن مهمل معروف خاب منه. يعني أنجز سريعاً، أنجز سريعاً ولا تسوّف. وكم واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندماً، ومعوّل على مكنة زالت فأورثت خجلاً، كما قال الشاعر: ما زلت أسمع كم من واثق خجل حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
قال: ولو فطن لنوائب دهره، وتحفّظ من عواقب مكره، لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من فُتح عليه باب من الخير فلينتهزه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه». وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح». وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخّر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال حكيم: خير البر ما وافق وقت الحاجة. وقال بعض الشعراء:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون وإن درّت نياقك فاحتلبها فما تدري الفصيل لمن يكون
قال: وحكي أن بعض وزراء بني العباس مطل راغباً إليه في عمل يستكفيه إياه، فكتب إليه بعد طول المطل به: أما يدعوك طول الصبر مني على استئناف منفعتي وشغلي، وعلمك أن ذا السلطان غادٍ على خطرين من موت وعزل، وأنك إن تركت قضاء حقي إلى..
وقت التفرغ والتخلي، فتصبح نادماً آسفاً معزياً على فوت الصنيعة عند مثلي. وكتب بعض ذوي الحرمات إلى والٍ قصر في رعاية حرمته: ألعلى الصراط تريد رعاية حرمتي، أم في الحساب تمن بالإنعام؟ نعم، أنتم يعني ما تناول وتعطيني الهدية لما نكون إياك على الصراط فوق جهنم أم يوم الحساب؟ يعني يقول له: بعدين معك يعني بدك تعطيني إياها في الدار الآخرة.
للنفع في الدنيا أردتك، فانتبه، ترى أنا مش طالبك شغلة تعطيني إياها في الدار الآخرة، أنا أريد الآن تساعدني لحوائجي من رقدة النوام. وكتب أبو علي البصير إلى بعض الوزراء معتذراً إليه بكثرة الأشغال: لنا كل يوم نوبة قد ننوبها، وليس لنا رزق ولا عندنا فضل. يعني أنت كل يوم أكيد في شغل جديد، وفي النهاية ما ضل ما تضلك تقولي بس أفضى، لأنك ما رح تفضى؛ لأنك وزير ومشغول يومياً، خلص أعطي ولا تنتظر ونحن معوزون، فإن تعتذر بالشغل عنا، فإنما تناط بك الآمال ما اتصل الشغل.
واعلم أن للمعروف شروطاً لا يتم إلا بها، ولا يكمل إلا معها، فمن ذلك: ستره عن إذاعة يستطيل لها، وإخفاؤه عن إشاعة يستدل بها. أول شيء بدك تبذل معروف لشخص معين لا تنشر هذا الكلام عنه، لا تقل أنا قدمت معروفاً لفلان، استر الناس ما بتحب تفضحها أو تتكلم أنك سترت حوائجها؛ فقد قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره. بالعكس، أما إذا واحد عمل لك معروف اذكره بالخير، آه والله فلان ما شاء الله ساعدني في كذا وكذا.
وقال دعبل الخزاعي: إذا انتقموا أعلنوا أمرهم، وإن أنعموا أنعموا باكتتام. يقوم القعود إذا أقبلوا، وتقعد هيبتهم بالقيام. على أن ستر النفوس من أقوى أسباب ظهوره، وعلى أن ستر المعروف من أقوى أسباب ظهوره. لما جبلت عليه النفوس من إظهار ما أخفي وإعلان ما كتم. وقد قال سهل بن هارون: خل إذا جئته يوماً لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذر، يخفي صنائعه والله يظهرها، إن الجميل إذا أخفيته ظهرا.
قال ومن شروط المعروف تصغيره عن أن يراه مستكبراً، وتقليله عن أن يكون مستكثراً؛ لئلا يصير مدلّاً بطراً أو مستطيلاً أشراً. قال العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه -وهذا الشرط الثاني وهو أن تراه قليلاً-: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره؛ فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء: زاد معروفك عندي عظماً ... أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأتِهِ ... وهو عند الناس مشهور خطير
ومن شروط المعروف مجانبة الامتنان به وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والامتنان بالمعروف، فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر». ثم تلى قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]. وسمع ابن سيرين رجلاً يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت، فقال ابن سيرين: اسكت، فلا خير في المعروف إذا أُحصي. وقال بعض الحكماء: المن مفسدة الصنيعة. وقال بعض الأدباء: كدّر معروفاً امتنان، وضيّع حسباً امتهان. وقال بعض البلغاء: من منّ بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره. وقال بعض الفصحاء: قوة المن ضعف المن.
وقال بعض الشعراء: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بـمنّانِ منّ قوة المن ضعف المن، أي من ضعف النفوس ضعف القوة. إن كثرة منّك على الناس دلالة هذا على ضعف قوتك النفسية والشخصية، هذا معنى من ضعف المنعم. وقال أبو نواس: فامضِ لا تمنن عليّ يداً ... منك فالمعروف من كدره وأنشدت عن الربيع للشافعي رحمهما الله: لا تحملنّ لـمن يمنّ على الـ ... ـأنام عليك منّتهُ واختر لنفسك حظّها ... واصبر فإن الصبر جنّتهُ منن الرجال على القلوب ... أشد من وقع الأسنةِ نعم، يكون شخص يمنّ عليك والله هذا زي السيف يقتل لك فيه.
قال ومن شروط المعروف ألا تحتقر منه شيئاً، وإن كان قليلاً نزراً إذا كان الكثير معزّة. يعني أنت مش قادر تعطي كثير، بس يا ولد إذا كنت مش قادر تعطي كثير أعطي قليل، وكنت عنه عاجزاً؛ فإن من حقّر يسيره فمنع منه، أعجزه كثيره فامتنع عنه، وفعل قليل الخير أفضل من تركه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يمنعنكم من معروف صغيره». وقال عبد الله بن جعفر: لا تستحي من القليل؛ فإن المنع أقل منه، ولا تجبن عن الكثير؛ فإنك أكثر منه. وقال الشاعر: افعل الخير ما استطعت وإن كان يسيراً ... فلا تحط بكُلّه متى تفعل الكثير من الخير إذا كنت تاركاً لأقله. على أن من المعروف ما لا كلفة على موليه، ولا مشقة على مزديه، وإنما هو جاه يستظل به الأدنى ويرتفق به التابع. وقد قال الشاعر: ظل الفتى ينفع من دونه ... وما له في ظله حظ
واعلم أنك لن تستطيع أن توسع جميع الناس معروفك، ولا أن توليهم بإحسانك، فاعتمد بذلك أهل الفضل منهم والحفاظ، واقصد به ذوي الرعاية والوداد، ليكون معروفك فيهم نامياً وصنيعك عندهم زاكياً. يعني أنت لم تستطع أن تحسن إلى الناس، فحاول أن تحسن لمن تعرف أنه يحفظ المعروف، هذا أفضل، ضع معروفك في من يستحق. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين». وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً جعل صنائعه في أهل الحفاظ». وقال حسان بن ثابت: إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع، فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها لله أو لذوي القرابة أو دعيّ.
وقيل في منثور الحكم: لا خير في معروف إلى غير معروف، أي إلى غير من يحفظ المعروف. وقد ضرب به شعر مثلاً فقال كحمار السوء، إن أشبعته رمح الناس، وإن جاع نَهق ورمح الناس. قال وقد قال بعض الحكماء: على قدر المغارس يكون اجتناء الغارس. فأخذه بعض الشعراء فقال: لعمرك ما المعروف في غير أهله ... وفي أهله إلا كبعض الودائعِ فمستودع ضاع الذي كان عنده ... ومستودع ما عنده غير ضائعِ وما الناس في شكر الصنيعة عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارعِ فمزرعة طابت وأضعف نبتها ... ومزرعة أكدت على كل زارعِ
أما من أُسدي إليه المعروف وصُنع إليه الإحسان، فقد صار بأسْر المعروف موثّقاً، وفي مِلك الإحسان مرقوقاً. ولزمه إن كان من أهل المكافأة أن يكافئ عليها، وإن لم يكن من أهلها أن يقابل المعروف بنشره، ويجازي الفاعل بشكره. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أُسدي إليه معروف فلينشره؛ فإن نشره فقد شكر، وإن كتمه فقد كفر».
وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أتمثل بهذين البيتين: أرفع ضعيفك لا يحربك ضعفه يوماً فتدركه العواقب قد نـمى يجزيك أو يثني عليك ... وإن من أثنى عليك فقد فعل بما فعلت فقد جزى بما فعلت فقال النبي ﷺ: ردي علي قول اليهودي -قتله الله- لقد أتاني جبريل برسالة من ربي تعالى: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة، فلم يجد لها جزاء إلا الدعاء والثناء، فقد كافاه. وقيل في منثور الحكم: الشكر قيد النعم. وقال عبد الحميد: من لم يشكر الأنعام فعدده من الأنعام. قيد النعم أي به تحفظ النعم، ما معنى قيد النعم؟ أي كأنه كالقيد على النعم، إذا أردت أن تحفظ النعم فعليك بالشكر.
وقيل في منثور الحكم: قيمة كل نعمة شكرها. وقال بعض الحكماء: كفر النعم من أمارة البطر وأسباب الغير، يعني من أسباب التغير عليك. وقال بعض الفصحاء: الكريم شكور أو مشكور، واللئيم كفور أو مكفور. وقال بعض البلغاء: لا زوال للنعمة مع الشكر، ولا بقاء لها مع الكفر. وقال بعض الأدباء: شكر الإله بطول الثناء، وشكر الولاة بصدق الولاء، وشكر النظير بحسن الجزاء، وشكر الدني بماذا؟ شكر الدني اللي أقل منك بحسن العطاء.
وقال بعض الشعراء: فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره ... فقال ﴿اشْكُرُوا لِي أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ هذا يدل على أن الشكر ليس دلالة بَطَر، بل هو حق للمنعم، والله سبحانه أعظم المنعمين، فشكره حق علينا. فإن من شكر معروف من أحسن إليه، ونشر أفضال من أنعم عليه، فقد أدى حق النعمة، وقضى موجب الصنيعة، ولم يبق عليه إلا استدامة ذلك إتماماً لشكره، ليكون للمزيد مستحقاً ولتتابع الإحسان مستوجباً.
حُكي أن الحجاج أُتي بقوم من الخوارج وكان فيهم صديق له، فأمر بقتلهم إلا ذلك الصديق فإنه عفا عنه وأطلقه وواصله، فرجع الرجل إلى قَطَري -وكان قطري بن الفجاءة هذا هو رأس الخوارج في زمن الحجاج- فقال له: عد إلى قتال الحجاج عدو الله. فقال: هيهات، غلّ يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها. نعم، يعني أنا كنت من الخوارج بقاتل الحجاج، الحجاج عفا عني للصحبة اللي بيني وبينه، فـأسرني بمعروفه، وأنشأ يقول للحجاج في سلطانه: يد تقر بأنها مولاته ... إني إذاً لأخو الدناءة والذي شهدت بأقبح فعله غدراته ... ماذا أقول إذا وقفت إزاءه في الصف؟ أي في المعركة ضده واحتجت له فعلاته ... أقول جار علي؟ لا إني إذاً لأحق من جارت عليه ولاته يعني أكون خائن المعروف، وتتحدث الأقوام أن صنائعاً غرست لدي فحمُضت نخلاته. جميل، يعني صارت الناس تحكي عني هذا إنسان عمله معروف وما وفّاه.
وقيل في منثور الحكم: المعروف رِقّ والمكافأة عِتق. ومن أشكر الناس الذي يقول: لأشكرنك معروفاً هممت به، إن اهتمامك بالمعروف معروف، ولا ألومك إن لم يُمضه قدر، فالشيء بالقدر المحتوم مصروف. وهذا نوع من الشكر الذي يتعجل المعروف ويتقدم البر، يكون على وجوه؛ فيكون تارة من حسن الثقة بالمشكور في وصول بره وإسداء عرفه، ولا أرى لمن حسن به ظن شاكر أن يخلف حسن ظنه فيه، فيكون كما قال العتابي: قد أورقت فيك آمالي بوعدك لي ... وليس في ورق الآمال لي ثمر وقد يكون تارة من فرط شكر الراجي وحسن مكافأة الأمل، فلا يرضى لنفسه إلا بتعجيل الحق وإسلاف الشكر، وليس لمن صادف لمعروفه معدناً زاكياً ومغريساً نامياً أن يفوت نفسه غنماً ولا يحرمها ربحاً، فهذا وجه ثانٍ. يعني هو يتكلم الآن عن قضية أنك تقدم الشكر قبل ما تحصل العطاء، هل أشكر شخصاً مع أنه لسه ما أعطاني؟ يقول لك نعم، تقديم الشكر على العطاء هذا متى يكون؟ إذا كنت تحسن الظن في ذاك الرجل أنه سيعطيك، فتقديم الشكر على عطائه جيد.
قال وقد يكون تارة ارتهان للمأمول وحثّ للمسؤول، وكذلك من فوائد تقديم الشكر قبل العطاء أنه إيش؟ أني أرهنك، أُسرك، أنك أنت حكيت لي خلص رح أعطيك، بقول لك جزاك الله خير والله ما شاء الله عنك أنت يا فلان، لما تثني عليك لو فكرت بعدين تتراجع عن عطائك صعبة؛ ليه؟ لأنه أنا شكرتك ومدحتك وأثنيت عليك، فأنا أسرتك حتى ألزمك تعطيني. وبحسب ما أسلف من الشكر يكون الذم عند القياس، لأنه إذا أنت شكرته كثير قبل ما يعطيك، إذا هو فكر يغدر ما يعطي أو يتراجع رح يعرف أنه سيُذم فبالتالي بيحسب خطواته.
وقال بعض الأدباء من حكماء المتقدمين: من شكرك على معروف لم تسده إليه، فعاجل بالبر وإلا انعكس فصار ذماً. وقال ابن الرومي في ذلك: ما لحقت إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض فحيث ترى حقداً على ذي سعة ... فثم ترى شكراً على حسن فرض إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض هي أحسن شيء من الأرض.
فأما من ستر معروف المنعم، ولم يشكر على ما أولاه من نعم، فقد كفر النعمة وجحد الصنيعة، وأنبأ عن دني الخلائق وسوء الطرائق عما يستوجب به قبح الرد وسوء المنعم. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». وقال بعض الأدباء: من لم يشكر لمنعمه استحق قطع نعمه. وقال بعض الفصحاء: من كفر نعمة المفيد استوجب حرمان المزيد. وقال بعض البلغاء: من أنكر حسن الصنيعة استوجب قبح القطيعة.
ما ذكر أنه لعلي بن أبي طالب عليه السلام: «من جاور النعمة بالشكر، لم يخشَ على النعمة مغتالها». لو شكروا النعمة زادتهم، مقالة الله التي قالها: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. لكنما كفرهم غالها، والكفر بالنعمة يدعو إلى زوالها، والشكر أبقى لها. فهذا آخر ما يتعلق بالقاعدة الثانية من أسباب الألفة الجامعة.
أما القاعدة الثالثة لحياة الإنسان، ما هي؟ وجود المادة. ألسنا قلنا: نفس تطيعك، وصداقة، ومادة؟ الآن سيتكلم عن اكتساب المادة. قال: وأما القاعدة الثالثة فهي المادة الكافية؛ لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: 8]. نعم، كلنا بشر نحتاج إلى طعام وشراب لتقضي حوائجنا؛ فإذا عدمت المادة التي هي قيام نفسه لم تدم له حياة، ولم تستقم له دنيا. وإذا تعذر شيء منها عليه، لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دنياه بقدر ما تعذر من المادة عليه؛ لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله.
ثم لما كانت المواد مطلوبة لحاجة الكافة إليها، أعوزت بغير طلب، وعدمت لغير سبب. لا يمكن أن تحصل مادة، راتب شهري، طعامك وشرابك دون أن تطلبه. وأسباب المواد مختلفة، وجهات المكاسب التي بها تأتي بالمال متشعبة؛ ليكون اختلاف أسبابها علة الائتلاف بها. يعني الناس، هذا حداد وهذا نجار وهذا مزارع وهذا طبيب وهذا مهندس وهذا معلم؛ تنوع الأسباب في الكسب هو الذي نحصل به قضاء حوائجنا جميعًا. لو كل الناس حدادين من أين بدنا نجيب ثياب؟ لو كل الناس شيوخ من أين بدنا نجيب مزارعين؟ بالتالي تنوع أسباب الكسب بها يحصل الائتلاف وتكامل الناس، وبه يحصل قضاء الحوائج. وتشعب جهاتها توسعة لطلابها؛ كي لا يجتمعوا على سبب واحد، يعني حرفة واحدة فلا يأتلفوا، أو يشتركوا في جهة واحدة فلا يكتفوا؛ لو كنا مزارعين مش رح تحصل الكفاية.
ثم هداهم إليها أي إلى أسباب الكسب بعقولهم، وأرشدهم إليها بطباعهم، حتى لا يتكلفوا ائتلافهم في المعايش المختلفة فيعجزوا. كل واحد فينا يميل إلى شيء في طبعه، أنت بتميل إنك تشتغل في المحاسبة، أنا بميل إني أكون مزارع، هذا طبعه، وهذا يحب يكون تاجر. هذه الأمور ربنا غرس في كل شخص ما يصلح له؛ حتى يكون ذهابه إلى الحرفة التي يحسنها طبعًا وليس تكلفًا. لأنه لو كلنا بنحب نكون علماء، وصرنا علماء، واحتجنا للمزارعين والحدادين، صرنا رح نضطر نقول: شوف نحن كلنا بنحب نكون علماء، بس أنت الله بعينك صير مزارع. شو رح يصير عندك؟ رح تتكلف وتصير مزارع وأنت مش حاب الصنعة فرح تتعب. فالله سبحانه نوع الحرف مش تكلفًا، لا، من رحمته أن جعل نفوسنا واستعداداتنا النفسية مختلفة؛ في واحد بيكبر بحب يكون طيار، في واحد بيكبر بحب يكون قائد، في واحد بيكبر بحب يكون عالم، في واحد بيكبر بحب يكون مهندس. هذا شيء طبعي حتى تكون الكفاية طبيعية وليس بتكلف منها.
قال: ولا يعانوا بتقدير موادهم بالمكاسب المتشعبة فيختلوا، حكمة منه سبحانه وتعالى اطلع بها على عواقب الأمور. وقد أنبأ الله تعالى في كتابه أخبارًا وأذكارًا بقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50]. فاختلف المفسرون في تأويل ذلك؛ فقال قتادة: أعطى كل شيء ما يصلحه ثم هداه له. وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته ثم هداه لمعيشته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطى كل شيء زوجه ثم هداه لنكاحه. وقال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: 7] يعني معايشهم، متى يزرعون ومتى يغرسون، وهم عن الآخرة هم غافلون.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10]. قال عكرمة: قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الأخرى؛ ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد. وقال الحسن البصري وعبد الرحمن بن زيد: قدر أرزاق أهلها سواءً للسائلين، الزيادة في أرزاقهم. قال: ثم إن الله تعالى جعل لهم مع ما هداهم إليه للسائلين زيادة، هذا معنى للسائلين، أي للطالبين زيادة في أرزاقهم. قدر الله في كل بلد أقواتها؛ فعليك أن تذهب مثلا اليوم بتاجر في عمان لأنه فيها أقوات معينة، بكرة بتاجر في الشام عندكم في أقوات معينة، بعدين برجع، فعليك إذا بدك تتزود في المال أن تتنوع في البلدان؛ التنوع والذهاب والعودة يزيد من قدراتك.
قال: ثم إن الله تعالى جعل لهم مع ما هداهم إليه من مكاسبهم وأرشدهم إليه من معايشهم دينا يكون لهم حكمًا وشرعًا، يكون لهم عليهم قيمًا؛ ليصلوا إلى موادهم بتقديره، ويطلبوا أسباب مكاسبهم بتدبيره؛ حتى لا ينفردوا بإرادتهم فيتغالبوا. وضع الشريعة وعقود البيوع والمعاملات حتى تضبط تصرفات الناس، وإلا نحن مش الرأسمالية الجشعة التي تتبعها أمريكا التي كل واحد بده يغلب الثاني، ما كان الثمن بالقمار وبالغش وبالنصب والاحتيال. قال: ولا تستولي عليهم أهواؤهم فيتقاطعوا. قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71]. قال المفسرون: الحق في هذا الموضع هو الله سبحانه وتعالى؛ يعني ولو اتبع الحق، أي لو اتبع الله أهواءهم، لفسدت السماوات.
فلأجل ذلك لم يجعل المواد مطلوبة بالإلهام؛ حتى جعل العقل هاديًا إليها، والدين قاضيًا عليها. إذا طلبك للمواد، أي للمال ولمعايشك، هناك عقل يهدي إليه، وشرع يقضي عليه. هي مش قضية إلهام نفسي بيجيك، لا، المال والكسب يأتيك بعقل بتفكر فيه، كيف بدي أعمل تجارة؟ كيف بدي أعمل مشروع؟ بتصير تخطط وتفكر، بعدين بتيجي شريعة بتحكمك أن هذا حلال هذا حرام، النتيجة بتجيب المال. أما أنك بس إلهامًا يأتيك المال، المال لا يأتي بالإلهام إلا عند بعض أهل الصوفية ممكن.
ممكن أنه يقصد الترابط، الله سبحانه وتعالى ما فطر فينا السعي للأموال إلا ومع ذلك ربما، ما إذا بدك أحملها معنى آخر الإلهام، لم يجعلنا مثل البهائم؛ النحل خلص ملهم أنه كيف يجيب الرحيق وينتج بدون ما يكون في تفكير عقلي وتخطيط بالمعنى الذي يمارسه البشر. أما البشر تقوم فكرة الكسب عنده على عقل وتخطيط وإدارة، وعلى دين يقضي عليه ماذا يحل وماذا لا يحل، بخلاف البهائم والحيوانات. ممكن يكون هذا، أنا كان قصدي تبيين للترابط، لم يكتفِ بالأولى حتى جعل الثانية والثالثة حتى يكتمل الأمر؛ ممكن، يعني أنت قصدك فلاجل ذلك لم يجعل المواد مطلوبة بمجرد الإلهام، بل جعل بعد ذلك الحاجة إلى العقل والدين، ممكن نعم الله يكرمك يا رب؛ لتتم السعادة وتعم المصلحة.
ثم إنه جلت قدرته جعل سد حاجتهم وتوصلهم إلى منافعهم من وجهين، بمادة وكسب. أما المادة فهي حديثة عن اقتناء أصول نامية بذواتها وهي شيئان: نبت نام، وحيوان متناسل. قال الله تعالى قضاء منافعنا المالية يعتمد على مادة وكسب؛ المادة هي أن تقتني أصولًا تنمو، ما هي الأصول التي بطبيعتها تنمو؟ الزروع والبهائم، هذه هي المادة النامية. ففي ناس بتشتغل في المزارع النامية، وفي ناس بتشتغل بالحيوانات المتناسلة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ [النجم: 48]. قال أبو صالح: أغنى، أقنى خلقه بالمال، وأقنى جعل لهم قنية وهي أصول الأموال. وأما الكسب فيكون بالأفعال الموصلة إلى المادة، والتصرف المؤدي إلى الحاجة، وذلك من وجهين؛ أحدهما تقلب في تجارة، والثاني تصرف في صناعة. وأما الكسب فهو إما التجارات وإما الصنائع والحرف.
قال: وهذان الوجهان هما فرع لوجهي المادة؛ فصارت أسباب المواد المألوفة وجهات المكاسب المعروفة من أربعة أوجه: نماء زراعة، ونتاج حيوان، وربح تجارة، وكسب صناعة. يعني هكذا يقول الماوردي، أصول تحصيل حاجة الإنسان: زراعة، رعي حيوانات، تجارة، صنائع. وقد حكى الحسن بن رجاء نحو ذلك عن المأمون قال: سمعته يقول معيشة الناس على أربعة أقسام: زراعة وصناعة وتجارة وإمارة؛ فمن خرج عنها كان كلًا عليها. وإذ قد تقررت أسباب المواد بما ذكرنا، فسنصف حال كل واحد منها بقول موجز.
أما الأول من أسبابها وهو الزراعة، فهي مادة أهل الحضر وسكان الأمصار والمدن. الزراعة ما بتكون عند البدو، الزراعة بتكون في الحضر والمدن والقرى. والاستمداد بها أعم نفعًا وأوفر فرعًا، ولذلك ضرب الله تعالى بها المثل فقال: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة». وقال صلى الله عليه وسلم: «نعم العمة لكم النخلة؛ تشرب من عين خرارة، وتغرس في أرض خوارة». خوارة يعني ضعيفة. وقال صلى الله عليه وسلم: «هن الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل». وقال بعض السلف في المحل، أي في الفقر. وقال: هي النخل لا يحتاج إلى كثرة ماء، ويصلح ينبت في الأرض التعبانة، لذلك ينبت في الصحاري والأراضي الحارة بخلاف الأشجار الأخرى تحتاج إلى إما مياه أو تربة خصبة.
وقال بعض السلف: خير المال عين خرارة في أرض خوارة، تفجرها الفارة، تسهر إذا نمت وتشهد إذا غبت وتكون عقبًا إذا مت. وروى هشام طولها، أي عمرها طويل، النخلة. وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض»، يعني الزرع. وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام فناولني مسحاة؛ فقال: خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. وقال كسرى للموبذ: ما قيمة تاجي هذا؟ فأطرق ساعة وقال: ما أعرف له قيمة إلا أن تكون مطرة في نيسان، فإنها تصلح من معايش الرعية، ما تكون قيمته مثل تاج ملكك، يعني أن الناس تأكل وتشرب أحسن لها من، يعني قيمتها قيمة تاج ملكك. ولقي أن الناس لا قيمة لتاجك إلا إذا، باختصار، أسكت الناس؛ الملك يقوم على ماذا؟ أن الناس تأمن وترزق، إذا أنت الناس في بلدك ما رزقت، لا قيمة بكل تاجك وبكل ملكك. ولقي عبد الله بن عبد الملك، ابن شهاب الزهري، فقال له: دلني على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول له: تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا فيؤتيك مالًا واسعًا ذا مثابة ... إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا
وقد اختلف الناس في تفضيل الزرع والشجر مما ليس يتسع كتابنا هذا لبسط القول فيه، غير أن من فضل الزرع فلقرب مداه ووفور جدواه، ومن فضل الشجر فلثبوت أصله وتوالي ثمره. الزرع هي المحاصيل الزراعية، والشجر لا، هي الأشجار التي تعطي ثمارًا، فالذي يفضل المحاصيل الزراعية على زراعة الأشجار بقول لك المحاصيل الزراعية بتخطف كل ست أشهر، بالتالي بعطيك أحسن تجارة مالية. بس البعض بقول لك ماشي، بس المحصول الزراعي له عمر افتراضي سنتين بعدين بيهلك وبدك تزرع من جديد، أما الأشجار صح تعطيك كل سنة مرة واحدة، بس عمرها طويل، فكل واحد نظر إلى زاوية أيما أفضل محاصيل زرع ولا شجرة؟ وهذا مش موضوعنا.
أما الثاني من أسباب الرزق هو نتاج الحيوان، فهو مادة أهل الفلوات، الصحاري، لأنه وين راعي الحيوان يكون عادة في الصحاري، وسكان الخيام؛ لأنهم لما لم تستقر بهم دار ولم تضمهم أمصار، افتقروا إلى الأموال المنتقلة معهم التي تتحرك معهم حيث ما رحل، وما لا ينقطع بالظعن والرحلة. فاقترب الحيوان؛ لأنه يستقل في النقلة بنفسه، الحيوان بيمشي وحده ويستغني عن العلوفة برعيه، بدل ما تجيب له طعام معلوف، يستطيع أن يرعاه في الصحراء وحده، ثم هو مركوب ومحلوب؛ فكان اقتناؤه على أهل الخيام أيسر لقلة مؤنته وتسهيل الكلفة به، وكان جدواه عليهم أكثر لوفور نسله واقتيات رسله. واقتيات رسله، أي لبنه، اقتات أن يكون قوتًا؛ فتستطيع لوفور نسله ورسله، أي لبنه، تجعله قوتًا، بتشرب اللبن والحليب يوميًا. وتوفيقًا وإلهامًا من الله لخلقه في تعديد المصالح فيه، وإرشاده لعباده في قسم المنافع بينهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير المال مهرة مأمورة، وسكة مأبورة». سكة يعني طريق مزروع، سكة زي القرية أو الناحية المزروعة. وبمعنى قوله صلى الله عليه وسلم المهره مأمورة، أي كثيرة النسل، ومنه ما تأول الحسن، قوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16] يعني كثرنا عددهم، فهذا معنى الأمر؛ يعني يقول لك على هذا الكلام في اللغة يأتي بمعنى التكثير، وأما السكة المأبورة فهو النخل المؤبرة الحمل، بالتالي ذكر في الحديث نتاج الحيوان ونتاج الزرع. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في الغنم: «سمنها معاش وصوفها رياش». وروي عن أبي ظبيان.
أنه قال لعمر بن الخطاب -أو قال لي عمر-: مالك يا أبا ظبيان؟ قلت: عطائي ألفان. قال: اتخذ من هذا الحرث -يعني ازرع- والسائبات قبل أن تليك غلمة من قريش. اتخذ من هذا الحرث والسائبات -السائبات يعني الحيوانات- قبل أن تليك غلمة من قريش، لا تعد العطاء معهم مالًا. والسائبات هو النتاج؛ يعني كأنه يقول لك: اتخذ مشروعك الزراعي ومشروعك الحيواني قبل ما يتوقف العطاء عنك من المال، قبل أن تليك غلمان -يقصد الخلفاء الذين سيأتون بعدي- ما رح يعطوك العطاء الألفان.
وهذا معناه أن الإنسان إخواني إذا كان بيجيه مثلًا دخل معين، غلط يضله يفكر بالدخل أنه خلص بيجيني راتب من الضمان الاجتماعي، بعض الناس لا، إذا عندك قدرة تعمل مشروع اقتصادي اعمل. هذا العطاء اللي بيجيك من الضمان كذا ممكن ينقطع لأي سبب، فالإنسان ما يتكئ على الأشياء التي تأتي من النظام أو من الدولة أو من بيت مال الدولة.
وروي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني اتخذت غنمًا أبتغي نسلها ورسلها -أي لبنها- وأنها لا تنمي. فقال لها: ما ألوانها؟ قالت: سود. قال لها: اعفري، يعني اتخذي التي لونها على غير الأسود، يعني كأنه لونه فيه دكن. طبعًا قال: وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم في مناكح الآدميين: «اغتربوا لا تضووا».
قال: وأما الثالث من أسبابها وهو التجارة، فهي فرع لمادتي الزرع والنتاج. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السائبة». قال: وهي نوعان: تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار، قد رغب عنه أولو الأقدار وزهد فيه ذوو الأخطار. والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرًا وأعظم غررًا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المسافر نعم، وماله لعل، إلا ما وقى الله تعالى»، يعني على خطر. وقيل في التوراة: يا ابن آدم، أحدث سفرًا أحدث لك رزقًا.
قال: وأما الرابع من أسبابها وهو الصناعة، فقد تتعلق بما مضى من الأسباب الثلاثة، وتنقسم أقسامًا ثلاثة: صناعة فكر، وصناعة عمل، وصناعة مشتركة بين فكر وعمل؛ لأن الناس آلات للصناعات، فأشرفهم نفسًا متهيئ لأشرفها جنسًا، كما أن أرذلهم نفسًا متهيئ لأرذلها جنسًا؛ لأن الطبع يبعث على ما لامه ويدعو إلى ما جانسه.
حكي أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض، قال لأرسطاطاليس: اخرج معي. قال: قد نحل جسمي وضعف عن الحركة فلا تزعجني. قال: فما أصنع في عمالي خاصة؟ قال: انظر فمن كان له عبيد فأحسن سياستهم فولِّه الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فولِّه الخراج. فنبهه باعتبار الطباع على ما أغناه عن كلف التجربة. قال: وأشرف الصناعة صناعة الفكر، وأرذلها صناعة العمل؛ لأن العمل نتيجة الفكر وهو مدبر به. يعني أشرف الصناعات هي الصناعات التي تقوم على الفكر والمنطق، يعني إنتاج الأفكار، إنتاج المناهج، إنتاج الخطط، إنتاج المشاريع الإدارية أو العلمية أو الفلسفية أو ما شابه ذلك، وأقلها صناعة العمل، يعني أن يكون كدادًا أو حمالًا أو شيئًا من ذلك، فهذه تعتبر أقل الصناعات.
قال: فأما صناعة الفكر فقد تنقسم قسمين: أحدهما ما وقعت على التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة، كسياسة الناس وتدبير البلاد. وقد أفردنا للسياسة كتابًا معروفًا، الماوردي له كتاب اسمه السياسة الشرعية، لخصنا فيه من جملها ما ليس يحتمل هذا الكتاب. والثاني ما أدى إلى المعلومات الحادثة عن الأفكار النظرية، اللي هي العلوم الشرعية والعلوم الصناعية والعلوم الهندسية وعلوم الكيمياء، اللي هي الكتب العلمية، هذه عبارة عن صناعة فكرية. وقد مضى في فضل العلم من كتابنا هذا باب أغنى عنه.
أما صناعة العمل فتنقسم إلى عمل صناعي وعمل بهيمي. فالعمل الصناعي أعلاها رتبة؛ لأنه يحتاج إلى معاطاة في تعلمه ومعاناة في تصوره، اللي هي تعلم الهندسة المعمارية، الهندسة الكذا، هذه فيها تعب. والآخر إنما هو صناعة وكدّ، اللي زي ما حكينا الحمال والعتال وما شابه ذلك، هذه ما بدها تعلم، هذا بس نزل أي واحد تحت على السوق بيشتغل فيها، وهي الصناعة التي تقتصر عليها النفوس الرذيلة وتقف عليها الطباع الخاسئة. بس في النهاية نحن ما بنصدر صنيعها حتى يفهم ذلك، أنه في ناس هذا قسمها في الحياة لا تستطيع أن تعاطي من الصنائع إلا هذا، بس هو بيتكلم كفلسفة صنائع. قال: أكثر، فلكل ساقطة لاقطة، وكما قال المتلمس: ولا يقيم على ضيم يسام به إلا الذلان الحي والوتد، هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد. يعني بقول لك الناس الخسيسة تشبه حمار الحي ووتد الخيمة، وتد الخيمة بظله ينضرب وينضرب وينضرب وخلص بيدخل جوا الأرض، وعير الحي بظله ينحمل عليه وينحمل عليه. فبقول لك أنت لا تكن بمثال هذه الطريقة.
وأما الصناعة المشتركة بين الفكر والعمل فقد تنقسم قسمين: أحدهما أن تكون صناعة الفكر فيها أغلب والعمل فيها تبع كالكتابة، والثاني أن تكون صناعة العمل أغلب والفكر فيها تبع كصناعة البناء. فأعلاها رتبة ما كان صناعة الفكر أغلب فيها. فهذه أحوال الخلق التي ركبهم الله عز وجل عليها في ارتياد موادهم، ووكلهم إلى نظرهم في طلب مكاسبهم، وفرق بينهم في الالتماس ليكون ذلك سببًا لألفتهم، فسبحان من تفرد فينا بلطيف حكمته وأظهر لفطنتنا عزائم قدرته.
وإذ قد وضح لك القول في أسباب المواد وجهات الكسب، فليس يخلو حال إنسان فيها من ثلاثة أمور. هذه أقف عليها اليوم إن شاء الله، ونترك ما بقي للدرس القادم إن كان في العمر بقية، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل