دخولتسجيل الدخول

المجلس الثامن

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا رب حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات عبر البث المباشر. نتأكد يا شيخ حذيفة من جودة الصوت، يا رب الصوت جيد.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد للتعليق على كتاب أدب الدنيا والدين للإمام الماوردي رحمه الله تعالى عليه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة وفي غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً، وأن ينصرهم على من عاداهم نصراً عزيزاً مدهشاً عجباً، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.

حياكم الله في مجلس جديد من مجالس التعليق على هذا الكتاب الطيب المبارك. أحياناً بعض الناس يسأل ما فائدة قراءة مثل هذه الكتب التي تكون مليئة بذكر الحِكَم والإرشادات والتوجيهات؟ بعض الناس يتعامل مع كتاب أدب الدنيا والدين كأنه مجرد خواطر وأفكار. حقيقةً كثير من الشباب المسلمين يجب أن يعرفوا أن الإنسان العاقل هو الذي يعتمد على تجارب من سبقه ولا يتعلم من كيسه؛ هكذا الإنسان العاقل الذي يسمع تجارب السابقين وكلام الحكماء وكلام المفكرين مما سبق، حتى لو كانوا من غير أهل الإسلام، يسمع تجاربهم في الحياة، يسمع تجاربهم ورؤيتهم للأمور: كيف تبنى العلاقات والصداقات؟ وكيف تساس الحياة؟ وكيف الإنسان يدبر معيشته ووقته وحياته؟

حتى يكتسب من هذه الخبرات المتراكمة في التاريخ البشري فوائد لحياته الشخصية يدير بها أمره. عندما يرى الحافر على الحافر يلتقي عند العقلاء في مسألة معينة في الرزق أو في سياسة الناس أو في التعامل مع الآخرين، اعلم أن هذه الأمور التي اتفق عليها عقلاء الشرق والغرب هي أمور أصبحت شبه ثابتة. لما يكون الكل يتجه باتجاه معين في سياسة أمر معين، أنت هنا تعرف أن هذا الأمر هكذا هي طبيعته. بخلاف الشاب الذي لا يتعلم إلا من كيسه؛ حقيقة تجاربنا مع الشباب المسلم أن أكثرنا لا يتعلم إلا من كيسه ومن عثراته ومن أخطائه لسبب أن الأغلب لا يريد أن يتعلم ولا يريد أن يسمع، وكل إنسان يعتقد أن الحياة ستسير كما هو يريد، ولا يعرف أن الحياة الله عز وجل وضع فيها سنناً وأقداراً وقوانين. إذا لم تفهم هذه السنن وهذه القوانين وطبيعة مسار التعايش في هذا الوجود، تضيع وتتيه وتكابر حتى تكسر.

فعلاً حتى تكسر، سواء في تعاملك مع الناس، مع المخالفين، في الأرزاق، في الحياة، في الصداقات، في أشياء كثيرة. فدائماً الإنسان لماذا يحب أن يقرأ كلام السابقين وكلام العلماء خاصة إذا كانوا أمثال الماوردي وأمثال هؤلاء ممن جمعوا بين الدين والعقل، الدين والخبرة والتجارب، هنا يصبح الإنسان لديه تشوف أن يهتم بكل كلمة ويبني على كل كلمة فكرة من أفكار حياته، لعلها تقوده إلى التوازنات الصحيحة وإلى الخيارات السليمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نحن الآن في القسم الثالث من أقسام هذا الكتاب؛ بدأنا بالمقدمة ثم أدب الدين ثم أدب الدنيا، وبدأنا في أدب الدنيا الدرس الماضي، وبيّنا أن الماوردي قسم الدنيا إلى أمرين: الدنيا العامة المجتمعيه والدنيا الخاصة دنياك أنت أيها الإنسان. فتكلمنا عن قواعد الصلاح في الدنيا العامة في الدرس الماضي، وأشار إلى قواعد الاجتماع دعنا نقول عموماً، واليوم إن شاء الله نبدأ في الكلام عن صلاح دنياك أنت وكيف تسوس حياتك إذا أردت الوصول إلى الحياة السعيدة بإذن الله. نبدأ مستعينين بالله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ونجِّ إخواننا المستضعفين المؤمنين آمين. قال رحمه الله: فصل فإما ما يصلح به حال الإنسان فيها فثلاثة أشياء، هي قواعد أمره ونظام حاله: وهي نفس مطيعة إلى رشدها، منتهية عن غيها.

الآن سيضع ثلاث أشياء بناءً عليها تقوم سعادة الإنسان في الدنيا. أولاً قال: نفس مطيعة إلى رشدها، منتهية عن غيها. النفس المطيعة أن يرزقك الله سبحانه وتعالى نفساً مطيعة أنت تقودها لا هي تقودك، لأن نفسك إذا كانت جموحاً وهي التي تقودك مستشرسة ستقودك إلى المهالك والشهوات، بخلاف الإنسان الذي يرزق نفساً مطيعة له وهو الذي يقودها ويستطيع أن يكبحها في الأمور.

ثانياً: وألفة جامعة، تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها. الألفة الجامعة يعني الصداقة؛ الإنسان كائن مدني بطبعه ما يستطيع أن يعيش وحده، يحتاج إلى مجتمع إلى بيئة أصدقاء يعيش معهم، بهم يحصل المنافع وبهم يدفع المكروه ويستنصر بهم في الملمات، أليس كذلك؟ فأنت تحتاج إلى صداقة صدوقة معك.

ثالثاً: ومادة كافية تسكن نفسه إليها ويستقيم أوده بها. المادة هي المال، أن يكون لي مصدر رزق مستمر يحقق لي على الأقل الكفاف والحياة المستقرة، أستطيع من خلاله أقضي حوائجي. هذه الثلاث بها تقوم حياة الإنسان: النفس المطيعة، طبعاً الكلام هنا عن الدنيا ركزوا؛ الدين مر معنا في القسم السابق والآن بيكلمك عن فلسفة الحياة الدنيا، أنه الإنسان في الحياة الدنيا يحتاج إلى نفس تمنعه من أن يتصرف تصرفات حمقاء ساذجة غبية، وثانياً أصدقاء يستطيع أن يتعايش معهم ويشعر معهم بالتناصح، وثالثاً هي المادة والرزق.

قال: فإما القاعدة الأولى التي هي نفس مطيعة، فلأنها إذا أطاعته ملكها، وإذا عصته ملكته ولم يملكها، ومن لم يملك نفسه فهو بأن لا يملك غيرها أحرى، ومن عصته كان بمعصية غيرها أولى. نعم، إنك لا تستطيع أن تقود الآخرين أو تحسن التعامل مع الآخرين؛ باختصار إذا أنت لم تحسن حتى تسوس نفسك، فمن باب أولى أنك ستفشل في التعامل مع نفوس الآخرين. ومن عصته نفسه، إذا هو من نفسه دائماً جموح عليه، كانت معصية النفوس الأخرى التي تحيط به -نفس زوجتك، أولادك، إخوانك، المجتمع الصغير أو الكبير- أولى وأحرى.

قال: وقد قال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه ممتنعة عليه. كان يقول: لا تلم زوجتك مثلاً على عدم طاعتها إن كان يجب عليها الطاعة عموماً، أو تلوم أبناءك أو تلوم أصدقاءك أو تلوم ناساً "أنتم ليش ما بتطيعوني؟" وأنت نفسك مش مطيعة لك؛ إذاً واصل لمرحلة من الضعف الشخصي أن حتى نفسك التي بين جنبيك هي أصلاً متمردة عليك وأنت مش عارف تسوسها. ولذلك أحياناً البعض يعبر عن ضعف شخصيته بمحاولة التسلط على الآخرين، أليس كذلك؟ لما يكون هو شاعر بالفشل الذاتي وأنه هو نفسه لا تطيعه في شيء، فتجد من شدة عصبيته دائماً ينشغل بزوجته وأولاده: "أنت ليش حاط الكاسه هنا؟ وأنت ليش ما بتطيعني؟". هو من باب فقط تفريغ العصبية التي في داخله لأنه شاعر بالفشل الداخلي.

وقال الشاعر: أتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاك

قال: وطاعة نفسه تكون من وجهين أحدهما نصح والثاني انقياد. فإما النصح فهو أن ينظر إلى الأمور بحقائقها فيرى الرشد رشداً فيستحسنه، ويرى الغي غياً فيستقبحه، وهذا يكون من صدق النفس إذا سلمت من دواعي الهوى، ولذلك قيل: من تفكر أبصر. إذاً الشكل الأول من طاعة النفس لك هي أن هذه النفس إذا أنت بصرتها وأريتها وعلمتها تتبصر وتتعلم وتتفهم. النفس بطبيعتها جموح، ترغب وتأمل وتطمح وتعينها تريد الوصول إلى الملذات، فإذا أنت بصرت هذه النفس: "يا نفسي هذه اللذة وين ممكن تؤدي بي؟ انظري يا نفسي إلى عواقب هذه الأمور". فإذا كانت والله هذه النفس إذا أنت نصحتها انتصحت فهدأت وسكنت ومشت معك، فهذا القسم الأول من معالم رشدها أنها نفس تقبل النصيحة. في شباب يسمع الكثير من المواعظ والدروس وتعطيه خبرات وتجارب: "يا فلان ترى لا تعمل كذا، ترى هذا الطريق الذي يوديك في مهالك"، هذا ليست مثل حتى في التجارة: "يا فلان هذه التجارة بتخسر فيها كذا". في نفس لا ترضى ولا تنتصح حتى ولو رأت المئات من الناس ممن سار على هذا الطريق وفشل، لا، هي تظن أنها ستسير على هذا الطريق وتنجح؛ نفس لا تقبل النصيحة هذه متعبة، بخلاف النفس التي تسكن وتهدأ وتطيع الإنسان لما يريها النصائح.

ثانياً قال: وأما الانقياد فهو أن تسرع إلى الرشد إذا أمرها، وتنتهي عن الغي إذا زجرها، وهذا يكون من قبول النفس إذا كفيت منازعة الشهوات. قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. القسم الثاني من طاعة النفس لك هي ماذا؟ هي أن تنقاد؛ إيش الفائدة أن إذا نصحتها انتصحت لكن لم تفعل؟ لا، أيضاً أحتاج أنها تنقاد معي، تسارع في الانقياد. إنه أحياناً أنت قد تكون سبحان الله من الداخل مقتنع بشيء لكنك تشعر لسه أني ثقيل في المشي إليه، صح؟ أنا عارف أنه الصح مثلاً أني أعمل كذا وكذا، عارف أنه الصح مثلاً شخص يقول لك استيقظ مبكراً، عارف أنه الصح أنه لازم أترك السوشيال ميديا، عارف أنه الصح وعارف وشايف آثارها المدمرة في حياتي بس لسه الانقياد ضعيف. فأنت نفسك عارفة انتصحت عموماً لكن لم تنقد بعد، أنت تحتاج إلى أن تقبل النصيحة وأن تنقاد، وهذه النتيجة النهائية المطلوبة.

قال: وللنفس آداب هي من تمام طاعتها وكمال مصلحتها قد أفردنا لها من هذا الكتاب باباً واختصرنا في هذا الموضع على ما قد اقتضاه الترتيب واستدعاه التقريب. نعم قضية آداب النفس هو الباب الرابع والأخير ويريد أن يقول لك إنه آداب النفس والباب الرابع والأخير فالآن لا نتطرق إلى هذا الموضوع.

قال: وأما القاعدة الثانية التي هي الألفة الجامعة، فلأن الإنسان مقصود بالأذية محسود بالنعمة، فإذا لم يكن ألفاً مألوفاً تخطفته أيدي حاسديه وتحكمت فيه أهواء عاديه، فلم تسلم له نعمة ولم تصف له مدة. هو يقصد بالألفة بمعنى أن الناس تألفك، ويوجد لك أصدقاء يألفونك وتحبهم ويحبونك، لأنك إذا لم يكن لك أصدقاء تحبهم ويحبونك لن تكون شخصاً مألوفاً، وكان هذا المعنى أدق مما ذكرته ابتداءً، يعني أن تكون أنت نفسك مألوف الألفة. هنا يقول أن تكون أنت مألوفاً وتستطيع أن تتعايش مع أصدقائك حتى ما يكون المجتمع حاقداً عليك، إما بحسد أو غضب أو ما شابه ذلك.

قال: وإذا كان ألفاً مألوفاً انتصر بالألفة على أعاديه، وامتنع بها من حاسديه، فسلمت نعمته منهم وصفَت مدته عنهم، وإن كان صفو الزمان كدراً ويسره عسراً وسلمه خطراً. يعني هو طبيعة الحياة أنك تسلم من الناس صعب وصفو الحياة صعب، ما من إنسان إلا وله، وليس يخلو المرء من ضد وإن حاول العزلة في رأس الجبل. مش قال ابن الوردي في منظومته في الآداب: ليس يخلوا الإنسان من أعداء؟ حتى لو ذهبت إلى عز رأس الجبل ستجد من ينتقدك ويحاول أن ينتقص وشابه ذلك، لكن على الأقل يكون لك أنصار وأعداء، أما ليس لك أنصار أصلاً هذه مشكلة. النبي عليه الصلاة والسلام كان له خصوم، هو من أشد الناس أخلاقاً وبراً وأدباً ورقياً، ومع ذلك كان هناك من يتآمر عليه ويكيد له ويحاول أن يقتله وما شابه ذلك.

قال: وقد روى ابن جريج عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن ألف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس». لا خير في من لا يألف ولا يؤلف؛ هذا إنسان معناه أنه بلغ من الشر لدرجة أنه ما في حد يحب يتعامل معه.

قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثة: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله تعالى أمركم؛ ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وكل ذلك حث منه على الألفة. والعرب تقول: من قل ذل. وقال قيس بن عاصم:

إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيدِ عزت فلم تكسر، وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبددِ

أنتم عارفين هذه قصة الرجل لما قبل موته جاب قداح عشرة، فأولاده ما كسروها، لكن لما جاب قدحاً واحداً انكسرت، يعني هي فكرة أن دائماً القوة في الاجتماع.

فإذا كانت الألفة كما ذكرت تجمع الشمل وتمنع الذل، اقتضت الحال ذكر أسبابها. كيف تحصل الألفة؟ ما هي أسباب الألفة؟ على ماذا يتألف الناس؟ قال أسباب الألفة خمسة: وهي الدين، والنسب، والمصاهرة، والمودة، والبر.

فأما الدين، وهو الأول من أسباب الألفة، فلأنه يبعث على التناصر ويمنع من التقاطع والتدابر. وبمثل ذلك وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته، فروى سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». وهذا وإن كان اجتماعهم في الدين يقتضيه، فهو على وجه التحذير من تراث الجاهلية وأحن الضلالة.

فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب أشد الناس تقاطعًا وتعاديًا، وأكثرهم اختلافًا وتماديًا، حتى إن بني الأب الواحد كانوا يفترقون أحزابًا مختلفة، وينشأ بينهم بالتحزب والافتراق أحقاد الأعداء وأحن البعداء. وكانت الأنصار أشدهم تقاطعًا وتعاديًا، وكان بين الأوس والخزرج من الاختلاف والتباين أكثر من غيرهم، إلى أن أسلموا فذهبت أحنهم وانقطعت عداواتهم، وصاروا بالإسلام إخوانًا متواصرين، وبألفة الدين أعوانًا متناصرين.

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

وعلى حسب التآلف في الدين تكون العداوة فيه إذا اختلف أهله؛ فإن الإنسان قد يقطع في الدين من كان به برًّا وعليه مشفقًا. انظر إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقد كان له منزلة عالية في الفضل، قتل أباه يوم بدر وأتى برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لله ولرسوله حين بقي على ضلالته، فلم تعطفه عليه رحم، ولا كفَّ عنه إشفاق، تغليبًا للدين على النسب. وفيه أنزل الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].

وقد يختلف أهل الدين على مذاهب شتى وآراء مختلفة، فيحدث بين المختلفين فيه من العداوة والتباين مثل ما يحدث بين المختلفين في الأديان. وهذه سنة الله؛ فالعقائد تصنع نوعًا من التآلفات، فإذا تكافأ أهل الأديان المختلفة والمذاهب المتباينة، ولم يكن أحد الفريقين أعلى يدًا وأكثر عددًا، كانت العداوة بينهم أقوى والأحن فيهم أعظم؛ لأنه ينضم إلى عداوة الاختلاف تحاسد الأكفاء وتنافس النظراء.

وأما النسب، وهو الثاني من أسباب الألفة، فلأن تعاطف الأرحام وحمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة، ويمنعان من التخاذل والفرقة، أنفةً من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيًا من تسلط الغرباء الأجانب. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرحم إذا تماسَّت تعاطفت، وإذا تقاسَّت تقاطعت». ولذلك حفظت العرب أنسابها لما امتنعت بها عن سلطان يقهرها، لتكون به متضافرة على من ناواها.

وقد كان نبي الله لوط أعذر نفسه حين عدم عشيرة تنصره، فقال لمن بعث إليه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80]. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يترك المرء مفردًا حتى يضمه إلى قبيلة، كل ذلك حث منه على الألفة وكف عن الفرقة.

وإذا كان النسب بهذه المنزلة، فقد تعرض له عوارض تبعث على الفرقة المنافية لها. وجملة الأنساب أنها تنقسم ثلاثة أقسام: قسم والدون، وقسم مولودون، وقسم مناسبون، ولكل صنف منهم منزلة في البر والصلة، وعارض يطرأ فيبعث على العقوق والقطيعة.

قال: «فأما الوالدون فهم الآباء والأمهات والأجداد والجدات، وهم موسومون مع سلامة أحوالهم بخلقين: أحدهما لازم بالطبع، والثاني حادث باكتساب. فأما ما كان لازماً بالطبع فهو الحذر والإشفاق، وذلك لا ينتقل عن الوالد بحال، لا من الأمور بالطبع الموجودة عند الآباء والأجداد، ايش هي؟ الحذر عليك، الحذر على الأبناء والأحفاد، دائماً أبوك وأمك بالوضع الطبيعي مشفقان عليك».

نعم، قال: «وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل شيء ثمرة، وثمرة القلب الولد، وروي عنه الولد». نعم، قال: «وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الولد مبخلة، مجهلة، مجبنة، محزنة»، فالأب دائماً يبخل، ويجهل، يعني بيعمل مشاكل، ويجبن، ويحزن على ابنه. نعم، قال: «فأخبر أن الحذر عليه يكسب هذه الأوصاف ويحدث هذه الأخلاق، وقد كره قوم طلب الولد كراهة لهذه الحال التي لا يقدر على دفعها عن نفسه للزومها طبعاً وحدوثها حتماً»، يعني بعضهم روي عن بعضهم أنه قال: ما بدي أتزوج حتى ما أجيب أولاد؛ لأنه إذا أجيت بأولاد رح تصير هيك طبيعتي: بخيل، جبان، خايف، قلق دائماً على الأولاد، فاختارها من قاصرها، طبعاً هذا غلط لكن هو هكذا فكر البعض.

نعم، قال: «قيل ليحيى بن زكريا عليهما السلام: ما بالك تكره الولد؟ فقال: ما لي وللولد؟ إن عاش كدني، وإن مات هدني». قال: «وقيل لعيسى بن مريم عليهما السلام: ألا تتزوج؟ فقال: إنما يحب التكثر في دار البقاء». قال: «وأما ما كان حديثاً باكتساب فهي المحبة التي تنمي مع الوقت وتتغير مع تغير الحالات. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الولد الوط، يعني أن حبه يلتصق بنياط القلب». قال: «الوط يعني ألصق بالقلب، ما أصلاً هو اللواط مأخوذ من الالتصاق، أصلاً الكلمة في جذرها فمعنى الولد الوط يعني ألصق حبه بالقلب».

نعم، قال: «فإن انصرف الوالد عن حب الولد فليس ذلك لبغضه منه، ولكن لسلوة حدثت من عقوق أو تقصير، مع بقاء الحذر والإشفاق الذي لا يزول عنه ولا ينتقل منه. وقد قال محمد بن علي: إن الله تعالى رضي الآباء للأبناء، فحذرهم فتنتهم، ولم يوصهم بهم، ولم يرضى الأبناء للآباء»، لماذا لم يوصهم بهم؟ لأنه حب أي إشفاق الأب على ابنه طبيعي، فبقول لك الصفة الطبيعية أن الأب مشفق على ابنه، الصفة المكتسبة الحب لابنه، هسّه الثانية لأنها مكتسبة ممكن تزول مع الوقت لما يكون الابن كثير العقوق بصير الأب ما بحب يشوف هذا الولد، لكن بضلّه ايش؟ خايف، وإذا مات بتلاقيه بعيط عليه على القبر، مع أنه كرهه بسبب عقوقه، لكن بضل في طبع، والخوف والشفقة.

نعم، قال: «ولم يرضى الأبناء للآباء فأوصاهم بهم، وإن شر الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق، وشر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط». قال: «والأمهات أكثر إشفاقاً وأوفر حباً لما باشرن من الولادة». وشر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط، أيوه، قل التربية من كثرة الحب وفرط، ايش هو؟ يعني من قد ما حب ابنه دلّعه زيادة، فإنا ممكن يعني من شدة ومن دعاه البر إلى الإفراط، وأيضاً ممكن أحياناً شدة بر الآباء بالأبناء أنها تعقد الولد، تمام، يابا تمشي في الشارع يابا، بلاش تيجي سيارة يابا، بلاش كذا يابا، تطلع بالليل يابا، تروح مع المشايخ يابا، كذا، بصير الابن آخر شيء: يابا ذبحتني يابا، تمام، يعني أحياناً شدة حرص الأب على ابنه بتخليه معقد نفسياً؛ لأنه الأب خايف من أي يعني ما في عنده جانب أنه الرضا بالقضاء والقدر، فبظل الخوف مقلق الابن، فبتطلع الابن شخصيته ايش؟ مهزوزة ضعيفة، وهذا رأيناه في كثير من الشباب، صحيح.

قال: «والأمهات أكثر إشفاقاً وأوفر حباً لما باشرن من الولادة وعانين من التربية، وأنهن أرق قلوباً وألين نفوساً، وبحسب ذلك وجب أن يكون التعطف من الأبناء عليهن أكثر، والبر لهن أوفر جزاء لفعلهن وكفاء لحقهن، وإن كان الله تعالى قد أشرك بينهما في البر وجمع بينهما طاعتهما لمشاعرهن أيضاً»، أنه الأم دائماً هيك أرق وشخص يعني بتخاف أكثر من الأب، الأب ممكن يتصبر ويتجلد لكن الأم صعب. نعم، قال: «وإن كان الله تعالى قد أشرك بينهما في البر وجمع بينهما في الوصية، فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8]. وقد روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي أماً أنا مطيتها، أقعدها على ظهري ولا أصرف عنها وجهي، وأرد إليها كسبي، فهل جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة. قال: ولما؟ قال: لأنها كانت تخدمك وهي تحب حياتك، وأنت تخدمها وتحب موتها». وهذا يعني أيضاً اشتهر من كلام ابن عمر.

نعم، قال: «وقال الحسن البصري: حق الوالد أعظم، وبر الوالدة ألزم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنهاكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعوهات». قال: «وروى خالد بن معدان عن المقدام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تبارك وتعالى يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب». قال: «وأما المولودون فهم الأولاد وأولاد الأولاد»، بعد ما خل انتهى من الآباء سينتقل إلى القسم الثاني من النسب وهم الأبناء. نعم، قال: «فهم الأولاد وأولاد الأولاد، والعرب تسمي ولد الولد الصفوة، وهم مختصون مع سلامة أحوالهم بخلقين: أحدهما لازم، والآخر منتقل. فأما اللازم فهو الأنفة للآباء من تهضم أو خمول». نعم، يعني هنا الأبناء في هناك نظرتهم للآباء فيها شيء صفة لازمة وفي صفة متنقلة، الصفة اللازمة للأبناء أنهم لديهم أنفة للآباء يعني بيعز على أبوه إذا هضم أو خمل، يعني تم تجاهله وتغافله، الابن بيفزع لأبوه ويأنف أن يذل والده إذا هضم والده، يعني ظلم أو خمل، نوع من التجاهل والتغافل، إذا رأى أن المجتمع يتجاهل والده ويتغافل عن حتى خمل، لا الابن بيعز عليه أن يصير كذا فوالده.

نعم، قال: «والأنفة في الأبناء في مقابلة الإشفاق في الآباء»، يعني كأنها صفتان متقابلتان، أنفة الأبناء لآبائهم وفزعتهم لآبائهم هي مقابل صفة الإشفاق اللي مرت معنا من الآباء تجاه الأبناء، يعني كأنهما صفتان متقابلتان، طبعاً. قال: «وقد لحظ أبو تمام الطائي ذلك في شعره فقال: فأصبحت يلقاني الزمان من أجله... بإعظام مولود وإشفاق والدي». قال: «وأما المنتقل فهو الإدلال وهو أول حال الولد». بإعظام المولود لوالده وإشفاق الوالد على ولده هذا يعني جمعهما في بيت واحد.

نعم، قال: «وأما المنتقل فهو الإدلال، وهو أول حال الولد، والإدلال في الأبناء في مقابلة المحبة في الآباء؛ لأن المحبة بالآباء أخص، والإدلال بالأبناء أعم. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: قلت يا رسول الله، ما بالنا نرق على أولادنا ولا يرقون علينا؟ قال: لأن ولدناهم ولم يلدونا».

قال: «ثم إن الإدلال في الأبناء قد ينتقل مع الكبر إلى أحد أمرين: إما إلى البر والإعظام، وإما إلى الجفاء والعقوق. فإن كان الولد رشيداً وكان الأب براً عطوفاً صار الإدلال براً وإعظاماً، وقد روى الزهري عن عامر بن شراحيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجرير بن عبد الله: إن حق الوالد على الولد أن يخشع له عند الغضب، ويؤثره على نفسه عند السغابة والنصب، فإن المكافئ ليس بالواصل، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها. وإن كان الولد غاوياً أو كان الولد جافياً صار الإدلال قطيعة وعقوقاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرأً أعان ولده على بره». شو هذا الحديث الجميل: «رحم الله امرأً أعان ولده على بره»، تمام، كيف الأب يعين الولد على بره؟ نعم، التربية الصالحة، تربية الصالحة وحسن التعامل والتلطف به واختيار الأم المناسبة له، أشياء كثيرة الأب يعين بها الابن على بر والده، أما أنت لم تحسن اختيار أمه ولم تلتفت له عند الصغر في صغره ولم تحسن تربيته، ثم إذا كبر: ليش يابا بتعقني؟ ما هو يعني ماشي وغلط بس الشيء الطبيعي أن ينتج هذا المنتج.

نعم، شيخنا بس الإدلال هو من جهة من؟ لمن؟ من جهة الابن لأبيه، يعني المن، يعني بدي أسميها المن أنا بحاول هيك أجد لها تعبير، اللطف تمام، يعني معرفة فضله، لا هو مش يعني لا يظهر لأنه معرفة الفضل أكثر من أنه التواصل والتعامل معه، يعني هذا الذي ظهر لي، تمام. كيف الابن يتفاعل مع والده لما يكبر بناءً على طبيعة التربية التي تلقاها منه، فأنت إذا ربيت ابنك تربية حسنة كيف يكون إدلال الابن؟ يعني نوع بسميه أنا من مكافأة الابن، مكافأة الابن لوالده، مكافأة الابن لوالده مقابل ما فعله معه، فإذا فالنفس يقول لك في إنسان يكون جيد فيكون إدلاله بالبر والتعامل الحسن، وفي هناك من يكون لا يعني يكون ذلك بالعقوق، وهذا العقوق قد يكون الأب سبباً في زرعه في الابن أنه لم يعنه، وقد تكون لا، هو الابن شرير بطبعه يعني خلينا نقول أو مدخلاته.

نعم، السلام عليكم، قال: «وبشر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بمولود فقال: ريحانة أشمها، ثم هو عن قريب ولد بار أو عدو ضار، وقد قيل في منثور الحكم: العقوق ثكل من لم يثكل». وقال بعض الحكماء: «ابنك ريحانك سبعة، وخادمك سبعة، ووزيرك سبعة، ثم هو صديق أو عدو».

قال: «وأما المناسبون، قال فهم من عدا الآباء، كل من عدا الآباء والأبناء من سواهم يكونوا الحواشي، من يرجع بتعصيب أو رحم كأبناء العم وأبناء الخال والأعمام والخال». نعم، قال: «والذين يختصون به الحمية الباعثة على النصرة، والذين يختصون به»، يعني والذي يعني هؤلاء الذي يختصون به ما هو؟ الحمية الباعثة على النصرة، أنه أنا وابن عمي على الغريب، التي هي الفكرة الناشئة، طيب، وهي أدنى رتبة من الأنفة؛ لأن قال: لأن الأنفة تمنع من التهضم والخمول، والحمية تمنع من التهضم وليس لها في كراهية الخمول نصيب. نعم، يعني الآن الابن قلنا كيف علاقته مع الآباء؟ كراهية التهضم وكراهية الخمول، أما الحواشي فهم متى بينصرونك؟ إذا صار تهضم ظلم، أما قضية خمول وتماشت دنياك وتغافلت عنك الدنيا، ومن الناس في العادة هذا بيفزعولكش، يعني أقول لك خلص نصيبه، فهذا الفرق بين الحمية هنا وحمية الأبناء للآباء.

نعم، قال: «وليس لها في كراهية الخمول نصيب، إلا أن يقترن بها ما يبعث على الأنفة»، يعني لو شافوك فقير ولاد عمك مالهمش فيك إلا رحم ربي، يعني فهم لو شافوك تعبان مادياً أو كذا متى بيفزعوا لك؟ إذا واحد ضربك، لكن الابن لا، الابن بيفزع لوالده سواء في تهضم أو كان في إيش؟ في خمول، يعني من الخمول كما أقول مثلاً شاف وضع المادة تعبان، إن شافه كذا، شاف الدنيا يعني مشت عليه زي ما بيحكوا، لا بتلاقيه برضه بيعز عليه والده.

نعم شيخ ممكن يقصد أنه حتى العشيرة إذا رأت أن الخمول قد يؤثر عليها ممكن، آه برضه بتتركك وزيادة، لا يعني أنا فهمت أن العشيرة إذا أدى خمولك إلى ذمها ستنصرك، هو يقول: «وليس لها في كراهة الخمول نصيب»، إلا الاصاحه، إلا أن يقترن بها شيء من الأنفة، لكن الوضع الطبيعي ما هو أنه هي غير مهتمة أنه الدنيا مشت عليك وأنك كنت فقير وكذا، إلا إذا كان مؤثر هذا على شرفهم ممكن ساعتها يساعدوك، لكن عموماً في الوضع الطبيعي هم غير مهتمين.

نعم، قال: «وحمية المناسبين إنما تدعو إلى النصرة على البعداء الأجانب، وهي معرضة لحسد الأذاني والأقارب، موكولة إلى منافسة الضاوِ والصاحب. قال: فإن حرست بالتواصل والتلاطف تأكدت أسبابها، واقترن بحمية النسب مصافات»، نعم، فحمية المناسبين، يعني حمية الحواشي ولاد عمك ولاد أخوالك، هي على الأباعد، لكن فيما بيننا قال: «وهي معرضة لحسد الأداني»، يعني الناس المقربين يحصل بينهم تحاسد كثير ما بين أولاد العم والأعمام والأخوال يكون في تحاسد وفي تنافس، عرفت؟ فإن حُرست هذه العلاقة؛ علاقة الحواشي، بالتواصل وصلة الرحم والتلاطف، تأكدت أسبابها واقترن بحمية النسب مصافات المودة، وذلك أوك، وهذا يعني هكذا تتأكد العلاقة بينهم، فإذا أنت دائماً أولاد عمك ولاد خالك صلة رحم تواصلات، هذا يؤكد العلاقة. وقد قيل لبعض قريش: نعم، أي ما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ فقال: أخي إذا كان صديقاً، شو الجواب؟ أخي بس إذا كانت علاقتي معه علاقة ايش؟ صديق. صديق هذا كلام عالي إخواني، ترى أحياناً بعض الآباء في التربية للأبناء لا يهتمون بالحرص على أن تبقى علاقة الأبناء صداقة، يعني أنت علاقتك مع أخوك شقيقك من والدك أو البنت علاقتها مع شقيقتها، هي ليست علاقة فقط أخوة، يعني علاقة أنه نحن أولاد أب واحد، لازم تتحول إلى صداقة، بيكون بينهم احترام متبادل وزيارات وكذا؛ لأنه أحياناً مع الوقت لما يكبروا تصبح العلاقة تميل إلى الجفاء، وكل شخص منهم خلص يشكل علاقاته وتذهب الحياة، فدائماً انتبه أن علاقات الأخوة يجب أن تُبنى على أيضاً الصداقة، يعني خلي أخوك صديقك في نفس الوقت، تبوح له ويبوح لك وتحسن التعامل معك، تمام، وكذلك الأخت مع أختها، وهكذا أو الأخت مع أخوها كذلك خاصة الأخت مع أخوها مهم جداً؛ لأنه أحياناً كثير من الشباب بس يكبر ببطل يهتم بأخته خاصة إذا.

تزودت بزيادة كمان بنساها، بتقول خلاص ما راحت الله يسهل على دربها، إن شاء الله لا، بالعكس يجب أن تكون الأخوة والله أعلم مبنية على الصداقة أكثر من مجرد مشاعر أنه هذا بس بيني وبينه أب وأم، لا، بينك وبينه ما هو أكثر من ذلك، بدها ذكاء في زرعها بين الأبناء.

قال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل. وموافقة الأهل أن يكون أهلك إخوانك أخواتك الأبناء في توافق، التوافق الأسري خلينا نسميه. وقال بعض الحكماء: البعيد قريب بمودته، والقريب بعيد بعداوته. وإن أهملت الحال بين المناسبين ثقة بلحمة النسب واعتماداً على حمية القرابة، غلب عليها مقت الحسد أو منازعة التنافس فصارت المناسبة عداوة. هذه الفكرة لا تعتمد في علاقتك مع أخوك شقيقك أو علاقتك مع أولاد عمك على فقط ما نحن أقارب، هي لحظة وحدها ما بتكفي، يجب أن تؤكد هذه القرابة بحسن التعامل والتآلف وصلة الرحم، وإلا مجرد أن تعتمد على حمية القرابة بدون أن تؤكد العلاقة بحسن التعامل، هذا يؤدي مع الوقت إلى نمو الحسد وأنتم مشاعرين أو إلى نوع من الجفاء في العلاقات ونحن مش منتبهين، ما هو خلص بضل ابن عمي، لا مش ماشي هو ابن عمك بس إذا ما تواصلت معه بصير جفاء.

فصارت المناسبة عداوة والقرابة تباعداً. وقال الكندي في بعض رسائله: الأب رب، والولد كمد، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والأقارب عقارب. طبعاً هذا الكلام ليس على إطلاقه أكيد. وقال عبد الله بن المعتز: لحومهم لحمي وهم يأكلونه، وما داهية أتت المرء إلا أقاربه. يعني أنا وإياك لحمنا واحد كلنا من أولاد أب واحد وعم تختاف في وعم تأكل لحمي، ما هو لحمي لحمك.

ومن أجل ذلك أمر الله تعالى بصلة الأرحام وأثنى على واصليها فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21]. قال المفسرون هي الرحم التي أمر الله تعالى بوصلها، ويخشون ربهم في قطعها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها. وقد روى عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: أنا الرحمن، وهي الرحم، اشتققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلة الرحم مثراة للعدد، مثراة للمال، محبة في الأهل، منسأة في الأجل». وقال بعض الحكماء: بل منسأة في الأجل تطيل العمر كما جاء في الحديث الصحيح.

وقال بعض الحكماء: بلوا أرحامكم بالحقوق ولا تجفوها بالعقوق. خلوها فيها بلل، نوع من الرطوبة، خلي العلاقة رطبة أنك تعبر عن بماذا، وهذا ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن لكم رحماً أبلها ببلالها». بلوا أرحامكم فانها لا تبلى عليها أصولكم ولا تهتضم عليها فروعكم. وقال بعض الأدباء: تحفظون بها الأصول الأجداد وتحفظون بها الأبناء. وقال بعض الأدباء: من لم يصلح لأهله لم يصلح لك، ومن لم يذب عنهم لم يذب عنك. إياك تصاحب شخصاً إذا نظرت في حاله ما يفزع لأهله، لأنه إذا هوله ما فزع لهم بده يفزع لك؟ هذا لا يحسن أن يكون صديقاً لك، اللي ما يفزع لأهله ما فيه خير لغيره.

وقال بعض الفصحاء: من وصل رحمه وصله الله تعالى ورحمه، ومن أجار جاره أعانه الله وأجاره. وقال محمد بن عبد الله الأزدي: وحسبك من ذل وسوء صنيعةٍ ... مناوأة ذي القربى وإن قيل قاطعُ ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجع يوماً لي الرواجعُ هذا الفكر أنه أنت حتى لو قريبك أساء لك أحسن له لعله في يوم يرجع، أما أن تقطعه فيقال عنك قاطع ما لك مصلحة. وقال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: ولا يستوي في الحكم عبدان؛ واصلٌ، وعبدٌ لأرحام القرابة قاطع.

وأما المصاهرة وهي الثالثة من أسباب الألفة، فلانها استحداث مواصلة وتمازج مناسبة، صدراً عن رغبة واختيار وانعقاداً عن خبرة وإيثار. لأنه بخلاف النسب، النسب مش أنت بتختاره، الله سبحانه وتعالى يطرق إليه اضطراراً، في خلاف المصاهرة أنت بتختار نسايبك. فاجتمع فيهما أسباب الألفة ومواد المصاهرة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. يعني بالمودة المحبة وبالرحمة الحنو والشفقة وهما من أوكد أسباب الألفة. وفيها تأويل آخر قاله الحسن البصري: أن المودة النكاح والرحمة الولد.

وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72]. فاختلف المفسرون في الحفدة، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هم أصهار الرجل على بناته. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: هم ولد الرجل وولد ولده، وحكي عنه أنه قال: إنهم بنو امرأة الرجل من غيره، أي لما تكون زوجتك عندها أولاد من غيرك. وسموا حفدة لتحفدهم في الخدمة وسرعتهم في العمل، ومنه قولهم في القنوت: وإليك نسعى ونحف، أي نسرع إلى العمل بطاعتك. فلذلك سمي حفدة لأنهم يسرعون في خدمة آبائهم.

ولم تزل العرب تجتذب البعداء وتتألف الأعداء بالمصاهرة حتى يرجع النافر أنساً ويصير العدو موالياً. وهذه من أعظم طرق السياسة حقيقة التي بذلها حتى قادة المسلمين في تاريخهم، الزواج سبحان الله يسكن العداوات. لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام كثير من زواجاته شو كان هدفها؟ تسكين عداوات، تزوج جويرية بنت الحارث وهي بنت زعيم بني المصطلق فتألفهم، تزوج صفية بنت حيي بن أخطب وهي بنت زعيم اليهود، كثير من الزواجات كانت مبنية على هذه السياسة. فلذلك هذه من حكم العقلاء، إذا بينك وبين قوم خصوم فتزوج منهم. بل يصير الصهر بين الاثنين ألفة بين القبيلتين وموالاة بين العشيرتين.

وحكي عن خالد بن يزيد بن معاوية أنه قال: كان أبغض خلق الله إلي آل الزبير حتى تزوجت فيهم رملة، فصاروا أحب خلق الله. شوف الزواج كيف بغير النفوس. وفيهم يقول: تجول خلاليل النساء ولا أرى ... لربلة خلخالاً يجول ولا قلبا أحب بني العوام طراً لأجلها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري ... يخط رجال بين أعينهم صلبا ولذلك قيل: المرء على دين زوجته لما يستنزله الميل إليها من المتابعة ويجتذبه الحب لها من الموافقة فلا يجد إلى المخالفة سبيلاً ولا إلى المباينة والمشاقة طريقاً.

وإذا كانت المصاهرة والنكاح بهذه المنزلة من الألفة فقد يبتغى بعقدها أحد خمسة أوجه: وهي المال والجمال والدين والألفة والتعفف. وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك».

فإن كان عقد النكاح لأجل المال وكان أقوى الدواعي إليه فالمال إذاً هو المنكوح. فإن اقترن بذلك أحد الأسباب الباعثة على الائتلاف جاز أن يثبت العقد وتدوم الألفة، وإن تجرد عن غيره من الأسباب وعري عما سواه من المواد فأخلق بالعقد أن ينحل وبالألفة أن تزول، لا سيما إذا غلب الطمع وقل الوفاء. لأن المال إذا وصل إليه فقد تقضى سبب الألفة به، وقد قيل: من ودك لأمر ولى مع انقضائه. وإن أعوز الوصول إليه وتعذرت القدرة عليه أعقب ذلك استهانة الأيس بعد شدة الأمل، فحدثت منه عداوة الخائب بعد استحكام الطمع فصارت الوصلة فرقة والألفة عداوة. وقد قيل: من ودك طمعاً فيك أبغضك إذا أيس منك. وقال عبد الحميد: من عظمك لإكثارك استقلك عند إقلالِك، ينزل من قيمتك عند ما تصبح فقيراً.

وإن كان العقد رغبة في الجمال فذلك أدوم للألفة من المال، لأن الجمال صفة لازمة والمال صفة زائلة، ولذلك قيل: حسن الصورة أول السعادة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعظم النساء بركة أحسنهن وجهاً وأقلهن مهراً». فإن سلمت الحال من الإدلال المفضي إلى الملل استدامت الألفة واستحكمت الوصلة. وقد كانوا يكرهون الجمال البارع لما يحدث منه من شدة الإدلال، ومن بسط الإدلال قبض الإذلال. وأما لما يخاف عليه من محن الرغبة والمنازعة، وقد حكي أن رجلاً شاور حكيماً في التزويج، فقال: افعل وإياك والجمال البارع فإنه مرعى أنيق. قال الرجل: وكيف ذلك؟ قال: كما قال الأول: ولن تصادف مرعاً ممرعاً أبداً ... إلا وجدت به آثار منتجعي ستجد الأعين تطمح لها، ستجد الأعين كلها تنظر إلى هذه المرأة بعين الطلب، فيحاولون جهدهم أن يفسدوها عليك لتخلعك ويتزوجونها هم.

إذا ما عملت علاقات من تحت الطاولة. ولذلك لما تقرأ وتتصفح الأخبار تقرأ في عالم الممثلين والمغنيين، تمام؛ لأنه يكثر فيهم هذه الأمور. تجد الرجل زوجته هي مطمح جميع الناس وينظرون إليها ويتنافسون عليها، وتجد زملاءه من الممثلين الفاجرين الفاسقين أمثاله يتواصلون معها، والله أعلم ماذا يحصل تحت الأبواب المغلقة. فالفكرة أنه أيضاً الجمال البارع محنة من هذه الجهة؛ من جهة أنه ماشي هي عندك، لكن كل الأعين طامحة إليها، فتشعر أنك غير مستقر. فما بالك إذا قل دين زوجتك وكانت لا ترد، هل أنت ستتورط؟ لن تشعر أبداً بأنك مستقر في حياة أسرية صحيحة.

نعم، قال: وأما لما يخافه اللبيب من شدة الصبوة، ويتوقاه الحازم من عواقب الفتنة، فقد قال بعض الحكماء: إياك ومخالطة النساء، فإن لحظ المرأة سهم، ولفظها سم. ورأى بعض الحكماء صياداً يكلم امرأة فقال: يا صياد احذر أن تُصاد. وقال سليمان بن داود عليه السلام لابنه؛ شدة التعلق، السبب الثالث، كأنه قال: وقد كانوا يكرهون ذات الجمال البارع. العلة الأولى ماذا؟ شدة الإدلال، وأما لما يُخاف من محن الرغبة؛ يعني تشوف الناس إليها، وأما لما يُخشى من شدة التعلق وشدة العشق، وهذه في النهاية تكسر ظهرك؛ لأنه أنت طول الوقت تفكر بها ومتعلق بصورتها.

نعم، قال: وقال سليمان بن داود عليهما السلام لابنه: امشي وراء الأسد ولا تمشي وراء المرأة. نعم، قال: وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه امرأة تقول: إن النساء رياحين خُلِقن لكم، وكلكم يشتهي شم الرياحين. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن النساء شياطين خُلِقن لنا، نعوذ بالله من شر الشياطين.

نعم، قال: هو عمر إن صح هذا البيت، لا يقصد ذم المرأة، لكنه يقصد كما جاء في الحديث أن المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان؛ بمعنى يزينها، وبالتالي يبقى الرجل متعباً منهكاً. وكما قال ابن العربي المالكي: إن الرجل وُضِعت فيه غريزة الوصول إلى المرأة، هذه وُجدت في الرجل غريزة الوصول إلى المرأة، فكيف إذا كانت المرأة في قمة جمالها وشدة بهائها؟ فهذا يجعل الإنسان أكثر تشوفاً ونظراً. ولذلك كثير من الشباب أصلاً لماذا يقع في إدمان النظر للحرام على الجوال؟ أنه الرجل ينظر والصورة تعلق ويبقى يتشوف أن يعيد النظر في ذاك الجمال، فيحصل إدمان في النظر. وهذا مع الوقت يتعبك ويصير عندك حالة من عدم التوازن في الحياة؛ أنه أنا بس الصورة بتضلها تأتي وتحضر، وأنا متشوف أبقى أنظر إليها وأقلب النظر في محاسنها، فيصير الشباب يبتلى بالإباحية ويبتلى بالنظر الحرام، ويصبح كما قال ابن الجوزي، مر معنا في صيد الخاطر: كم من نظرة أحدثت في قلب صاحبها البلابل. تكون أنت إنساناً صاحب مشروع ومتوازن ومثقف وقارئ ومتعلم وماشي ببرامج نافعة، مرة تصيدك عاد في هالطريق تفتلك تماماً، فهذه من إشكالية الجمال البارع.

قال: وإن كان العقد رغبة في الدين فهو أطيب. أما إذا تزوجت المرأة رغبة في دينها، قال: فهو أوثق العقود حالة، وأدوامها ألفة، وأحمدها بدءاً وعاقبة؛ لأن طالب الدين متبع له، ومن اتبع الدين قد أفلح، فاستقامت حاله وانتظم أمره وأمن زلله. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك». وفيه تأويلان: أحدهما تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين، والثاني أنها كلمة تذكر للمبالغة ولا يراد بها شيء. عفواً المعنى الأول تربت يداك دعاء، كمان أنه أنت اسأل الله أن تترب وأن تفتقر إذا لم تتزوج ذات الدين. المعنى الثاني، وهو المشهور، أنها كلمة تذكر للمبالغة ولا يراد بها السوء، يعني كأنه يقول في الحالة الأولى أنت ستساء، وقد لا تكون دعاء، قد تكون دلالة على السوء الذي سيصيبك إذا لم تظفر بذات الدين، نقول تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين، أو تكون هي كلمة تذكر فقط لمجرد المبالغة كقوله ما أشجعه وأقاتله.

قال: وقيل التأويلان: أحدهما يقتضي استغنيت، والثاني افتقرت.

قال: وإن كان العقد رغبة في الألفة، فهذا قد يكون على أحد وجهين. أما إذا تزوجت امرأة رغبة في الألفة؛ في بعض الناس بيتزوج ليس لمالها ولا لجمالها ولا لدينها، ليه؟ بدّه وحدة تأكل معه، تمام؟ خاصة هؤلاء الذين يتزوجون وعمرهم 40، 50، يكون مثلاً ماتت زوجته الأولى، هو زواجه بيكون في العادة وتراً وشيء، لكن عادة بيكون بده يستانس، خاصة في الـ60 والـ70 لما يكون بده يتزوج بكون مَلَّ أنه جالس وحده وأولاده كبروا، وصار كل واحد في حياته، بقول لك أنا قاعد في البيت وحدي بدي واحدة نألفها، نوالفها، نشرب كاسة شاي على الصبح، نقعد نسولف لنا سالفة ونخرف لنا خرافية، فهذا زواج مبني على الألفة.

نعم، قال: فهذا قد يكون على أحد وجهين، إما أن يقصد به المكاثرة باجتماع الفريقين، والمضافرة بتناصر الفئتين، وإما أن يقصد به تألف أعداء متسلطين استكفافاً لعاديتهم وتسكيناً لصولتهم. هنا حمل الألفة على معاني أخرى، قال: أما أن يقصد به المكاثرة باجتماع الفريقين والمضافرة بتناصر الفئتين، يعني هنا حمل الألفة على معنى أنه أنا أتزوج امرأة من قبيلة أو عشيرة معينة؛ الهدف ما هو؟ أنه نحن نستكثر بهم، تقول مثلاً نحن عشيرة صغيرة أو قبيلة قليلة، فأروح أتزوج بنت من عشيرة كبيرة في الأردن أو في أي مكان فنستكثر بهم، تصير أنه والله نحن مع العشيرة الفلانية فنتناصر ونتقوى. قال: إما أن يقصد به المكاثرة باجتماع الفريقين، هذه العشيرة مع هذه العشيرة بينهم نسب فيتكاثرون. وإما أن يقصد به ماذا؟ تألف الأعداء المتسلطين، اللي هي الفكرة ذكرناها قبل شوي، أنك تتزوج واحدة من عيلة عدو أو من شخص عدو في مكان ويصبح بينك وبينهم نسب. ولذلك حتى كانوا يتزوجون أحياناً النساء الصليبيين في الدولة العثمانية أو ما قبلها كانوا يتزوجون أحياناً من نساء، ويعتبر هذا من نوع من التحالف، يعني هذه فكرة كانوا يعرضون على بعضهم البعض، نتزوج بعض؛ أمراء الصليبيين في حال قوة الدولة الإسلامية قديماً كان بعض أمراء الصليبيين يعرض على زعماء المسلمين أن يتزوجوا نساءهم، ويكون هو هذا الصليبي بده هذا الحاكم المسلم يقف معه في معركة لهذا الصليبي ضد صليبي آخر، فيتناصر بماذا؟ بزواج الحاكم المسلم من أخته أو شقيقته.

نعم، قال: استكفافاً لعاديتهم وتسكيناً لصولتهم، وهذان الوجهان قد يكونان في الأماثل وأهل المنازل، وداعي الوجه الأول هو الرغبة، وداعي الوجه الثاني هو الرهبة، وهما سببان في غير المتناكحين؛ يعني الموضوع مش هو وهي، الموضوع العشيرتين، بل من أقارب هؤلاء وهؤلاء، يا رغبة في هؤلاء يا رهبة منهم. نعم، قال: فإن استدام السبب دامت الألفة؛ فإذا ظلت الرغبة والرهبة بين العشيرتين موجودة بظل الزواج موجود، قلبوا على بعض بكره بطلق له بنته بيقول له خذها، أو أخته بيقول له بدي إياها، اختلفنا أنا وإياك كعشيرتين. نعم، قال: وإن زال السبب بزوال الرغبة والرهبة خيف زوال الألفة إلا أن ينضم إليها أحد الأسباب الباعثة عليها والمقترنة؛ يعني إذا صار في حب بسبب الألفة.

قال: وإن كان العقد رغبة في التعفف فهو الوجه الحقيقي المبتغى بعقد النكاح، وما سواه فأسباب متعلقة عليه أو مضافة إليه، هو الأصل في النكاح ما هو؟ طلب الوطء من باب حصول العفة بأن لا يسقط الإنسان في الزنا، يقول لك هذا أصل النكاح هو طلب العفة. نعم، قال: روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خلق الرجل من التراب فهمه في التراب، وخلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل. وروى عطية بن بسر عن عكاف بن وداعة الهلالي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عكاف، ألك زوجة؟ قال: لا. قال: فأنت إذاً من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فإن سنتنا النكاح؛ لأنه الإنسان بدون زوجة يبقى يفكر. نعم، قال: فكان هذا القول منه حثاً على التعفف عن الفساد، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للقفال من غزوة -يعني للعائدين من الغزوة-: إذا أفضيت إلى نسائك فالكيس الكيس؛ يعني في طلب الولد، اجتهدوا في طلب الولد، هذا معنى فالكيس الكيس، يعني كونوا أذكياء، اطلب الولد، بكرة بيجيك شغلة ثانية، بتطلع معركة ثانية، فبادر في طلب الولد.

قال: فلزم حينئذ من عقد التعفف تحكيم الاختيار فيه والتماس الأدوم من دواعيه، وهي نوعان؛ نوع يمكن حصر شروطه ونوع لا يمكن لاختلاف أسبابه وتغير شروطه. قال: فإما الشروط المحصورة فيه فثلاثة شروط؛ أحدها الدين المفضي إلى الستر والعفاف المؤدي إلى القناعة والكفاف. قال أبو هريرة رضي الله عنه: لا يفرك مؤمن مؤمنة، لا يفرك يعني لا يبغض، إن كره منها خلقاً رضي خلقاً. وخطب رجل من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يتيمة كانت عنده، فقال: لا أرضاها لك. طبعا هو الآن سيتكلم إذا أنت كان قصدك الأساسي من الزواج تعفف، فعليك أن تحسن اختيار هذه المرأة التي تريدها للتعفف.

قال: فلزم حينئذ في عقد التعفف تحكيم الاختيار فيه والتماس المرأة التي يمكن أن يدوم معها الزواج في هذا المجال. والتماس الأدوم من دواعي، قال وهي نوعان، يعني هذه الدواعي نوعان، نوع يمكن حصر شروطه ونوع لا يمكن لاختلاف أسبابه، فإما الذي يمكن حصره، وهذا اللي بيهمك، فإما الشروط المحصورة فيه فثلاثة شروط: أولاً أن تنظر في ذات الدين، أنت بدك عفاف بس من العفاف برضه تحتاج فيه امرأة ذات دين تفضي إلى الستر والعفاف حقيقة، تطيعك إذا طلبتها، تجمل نفسها طاعة لله سبحانه، تعرف الدين ماذا يأمرها في حسن التبعل.

قال: وخطب رجل من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يتيمة كانت عنده، فقال: لا أرضاها لك، قال: ولم؟ وفي ذلك نشأت، قال: لأنها تتشرف؛ قال: لا أبالي، قال: الآن لا أرضاك لها، قال: لأنها تتشرف، طبعا هنا قال تتشرف يعني ستطلب الشرف بك؛ لأنه هي ليس لها شرف في أصل والدها، تمام؟ يعني أنت رجل أشرف من هيك، يعني كأنه هذا الرجل يستحق بنتاً ذات نسب أعلى، فقال: إنها تتشرف، قال: لا أبالي، يعني ما عندي مشكلة لو تشرفت بي، قال: لا أرضاها لك، يعني هذا دلالة أنه أنت ساقط الهمة، يعني الأصل أنك تختار شيئاً يصونك أكثر. قال: وفي معنى هذا قول بعض الحكماء: من رضي بصحبة من لا خير فيه، لم يرضَ بصحبته من فيه خير.

والشرط الثاني: العقل الباعث على حسن التقدير، الآمر بصواب التدبير؛ يعني ثانياً إذا أنت بدك تأخذ واحدة تعفك بدها تكون عاقلة، لا تأخذ واحدة حمقاء؛ لأن الحمقاء تتعبك في الحياة. كثير من الشباب تجده يتعلق، خاصة هؤلاء الشباب الذين يتزوجون في الجامعات، يشوف واحدة من هالبنات وطالعا بمكياجها أو شيء من أمور جمالها فيتشوف، ويبدأ برسم سيناريوهات معينة، إن شاء الله كذا، بعدين بعد شهرين يخطبها، بعد كذا، تكون البنت حمقاء شمطاء، يعني لا تستحق، ليست ذات تدبير ولا ذات رؤية، فقط همّها أن تذهب إلى الجامعة فتفتن الشباب، وتضع سطل المكياج على وجهها، وهي ما عندها أي هم ولا أي شيء، بنت حمقاء بالمعنى الحقيقي، وليست صاحبة عقل ولا صاحبة تدبير، بس في الموضات والأزياء وكذا.

أن يتزوجها وينال تلك اللذة التي فكر بها سنوات الجامعة؛ فيندم ويقول: هذه طبخة لا تعرف تطبخ، وإدارة منزل لا تعرف تدير، والمال لا تؤمن عليه، ولا تسكن في بيتها، فطاطة خراجة ولاجة، لا يشعر بالاستقرار معها، يعرف أنه خسر الرهان.

يقول لك المرأة التي تعفك من شروط أن تعفك أن تكون عاقلة؛ لأنه أنت في النهاية حاجتك ليست فقط هي العفة المباشرة الجسدية، بل أيضاً حاجتك بالاستقرار الأسري، وأن تجد امرأة تطمئن أن تكون أماً لأبنائك؛ تخرج أنت من البيت للعمل تحرس أبناءك تربيهم، تعرف ماذا تفعل. أما أنت إذا خرجت من المنزل وأنت لا تعرف ماذا تفعل، تتكلم مع شباب آخرين، ما هي التي رضيت لنفسي أن تتكلم معها قبل أن تتزوجها؟ ما عندهاش مانع أن تتكلم مع غيرك ويكون عندها شبكة علاقات محرمة، فأي استقرار وأي زواج تتكلم عنه؟ فالفكرة لابد أن تكون امرأة عاقلة؛ فالعقل شرط في المرأة حتى يحسن استقرار البيت معها.

نعم، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العقل حيث كان ألوف مألوف». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالودود الولود، ولا تنكحوا الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء، وولدها ضياع». نعم ولدها يضيع؛ لأنها حمقاء مغفلة ما عندهاش أي بعد تربوي، وصحبتها بلاء؛ مشاكل كثيرة وفي إدارة المنزل والحياة.

نعم، قال والشرط الثالث: الأكفاء الذين ينتفي بهم العار ويحصل بهم الاستكثار، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون إذاً من ذوات الكفاءة، أن تتزوج امرأة كفؤاً لك؛ كفؤاً لك في نسبها، مش يقول لك العرق دساس، والطبائع يكون في كفاءة من حيث، لا تنافر، عادة في المثل ايش يقول لك؟ خذ واحدة على قد لحافك؛ لأنك إذا أخذت امرأة من لحاف آخر أو من طينة أخرى، حتى قد لا يكون الأمر متعلقاً بالدين ابتداءً، بس أنماط العشائر وأنماط البلدان وأنماط الكذا بتختلف، وأنماط الحرف وأنماط كثيرة تؤثر، فإذا هي لم تكن كفاءة لا برضه بتأثر حياتك ولا تستقر. قد تكون هي كفاءة لشخص يماثلها في الطين والمنبع، لكن قد لا تكون كفاءة لك أنت؛ لأن طينتك وحياتك تختلف، فيجب النظر إلى هذا الموضوع.

أنا دائماً أنصح بهذا الأخوة والأخوات لما يقولون عن الزواج: خذ من ذوات الكفاءة لك في مالك؛ يعني قد تكون هي بنت أهلها في منصب مالي عالي وأنت وضعك المالي محدود، ما ينفع في العادة ما بينفع؛ لأنه مش كفؤ لك، لأنه أنت وضعك المالي جداً رديء وهي تربت في بيت بالدلال والسيارات الفارهة، تأخذها بتتعبك وبتتعبها. فلذلك الإسلام راعى هذه القضايا؛ أنه أنت في النهاية من أسباب الألفة وجود نوع من التكافؤ المالي، نوع من التكافؤ العشائري نوعاً ما، نوع من التكافؤ الاجتماعي، حتى تستطيع أنك تنهض فيك وتنهض فيها تماماً.

أما الاختلاف التام بينهم سبحان الله يؤدي هذا، وقفت عليه كثير من الأخوة الذين كان يتزوج من بلاد بعيدة عنه جداً جداً، هو مثلاً من المشرق وهي من شرق آسيا، طيب أنت في طبيعة وحياة ومجتمع وهي في طبيعة وحياة ومجتمع، فتجدهم بعد شهرين ثلاثة طلق، طب ما احنا من أول لك يا أخي تورطش حالك؛ لأنه كل بيئة اجتماعية لها ظروفها وتوابعها، مش كل بيئاتي. بعض الناس حاول يكون مثالياً، لا يا شيخ المهم الدين، ما هو الدين مهم بس أخي في سنن في الحياة، شغلك في سنن ما تحاول تخادع نفسك بهيك أدبيات لا تمثل الواقع، الحياة تقوم على سنن، كل بيئة اجتماعية لها طبائعها وأمورها ونفسياتها، اللي هم يجتمعون مع بعضهم لما يكونوا من نفس البيئة، بس أنت ما راح تجتمع معها، وهذا لا يقدح فيك ولا فيها، هكذا الحياة.

نعم، قال وقال أكثم بن صيفي لولده: يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب؛ فإن المناكح اللئيمة مدرجة للسرف، والكريمة مدرجة للشرف. يعني إذا يحملنكم جمال النساء أن تتغافلوا عن صراحة الأنساب، أنك تعرف شو نسبها من وين، اجتهادك جاء في الحديث وإن كان فيه ضعف: «إياكم وخضراء الدمن»، وهي المرأة الجميلة في بيئة السوء. يعني لا يحملنك أنك فتنت بجمال بنت أنك لا تتأكد من نسبها، يا با هيك أكثم بن صيفي أحد عقلاء العرب، وتأكد من نسبها أنها مناسبة لك ولا لا، العرق دساس، هيك ينصح أولاده.

وقال أبو الأسود الدؤالي لبنيه: قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تشنؤون بها. نعم يقول إن شاء الله ابن فلانة، جبت لكم أم تفتخرون أنه يقال فلان ابن فلانة، مش أم إذا ذكرت قيل فلان فلان.

قال وقد ينضم إلى هذه الشروط من صفات الذات وأحوال النفس ما يلزم التحرز منه لبعد الخير عنه وقلة الرشد فيه؛ فإن كوامن الأخلاق بادية في الصور والأشكال. هذه مقولة جميلة للماوردي؛ قال وقد ينضم إلى هذه الشروط من صفاتها الذاتية وأحوالها النفسية ما يلزم التحرز منه، لبعد الخير عنه وقلة الرشد فيه؛ يعني في صفات ذاتية لا تستحسن في المرأة وأحوال نفسية لا تستحسن فيها.

مثل ايش؟ كثرة التشاؤم، يعني مثلاً امرأة كثيرة التشاؤم كثيرة التذمر، مثلاً هذه حقيقة من الصفات التي لا تستحسن فيها، أنها تكون متقلبة، يتقلب مزاجها كل يوم، يوم زعلانة يوم غضبانة، امرأة معروفة مثلاً قالوا لك عنها لما ذكر لك من صفاتها: ترى فلانة متقلبة، يوم عقلها معها يوم تفصل يوم كذا، يوم متقلبة المزاج، هذا تقلب المزاج هذا مش شيء جيد.

أو الجريئة هذه الجريئة على الرجال، أنها تكون امرأة جريئة عادي تتكلم مع الرجال، أنا والمسترجلة ما يسميها البعض وكأنه في شيء يعني ولا تضع أي سيف من سيوف الحياة أمامها.

بدك تنتبه، طبعاً هذه الأمور الأخوات ربما يسمعننا في الدروس ممكن تكون في الرجل أيضاً، حتى نحفظ خط الرجعة، إذا عرفت في الرجل من صفاته الذاتية متقلب المزاج، لا يصفى على بر، نفس الفكرة يعني. لكن أنا بس ماشي مع الماوردي لأنه يتكلم عن الرجل بمن يرتبط، ولكن ما عجبني التعبير النهائي هو قال: فإن كوامن الأخلاق بادية في الصور والأشكال، شو يعني هذا؟ يعني أخلاقها حتى إذا غبت أو كذا حاولت إلا ما تظهر في أخلاق تبعها، يعني الأخلاق الكامنة رح تطلع رح تطلع، لماذا؟ يعني معدنها الداخلي الأخلاق الكامنة فيها، طبائعها النفسية المستورة ستظهر في تعاملاتها الشكلية الظاهرة، بس أنت بس تلمح واسأل، لا يمكن أن تخفي، خاصة المرأة لا يمكن أن تخفي كوامن الأخلاق، لابد وأن يظهر ذلك المراد في الصور والأشكال، في تعابير وجهها، في تعاملاتها، في طريقة اجتنابها، في طريقة الذكي عنده فراسة يعرفها، في طريقة مشيتها في طريقة تعاملها مع الأشياء البسيطة، يظهر لك كوامن الأخلاق وطبائع النفوس.

قال كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد بن حارثة: «أتزوجت يا زيد؟» قال: لا، قال: «تزوج تستعفف مع عفتك، ولا تتزوج من النساء خمساً». قال: وما هن يا رسول الله؟ قال: «لا تتزوج شهبرة، ولا لهبرة، ولا نهبرة، ولا هندرة، ولا لفوتاً». قال: يا رسول الله ما أعرف مما قلت شيئاً. قال: «أما الشهبرة فالزرقاء البذية، وأما اللهبرة فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهندرة فالقصيرة الذميمة، وأما اللفوت فذات الولد من غيرك».

طبعاً هذا الحديث ضعيف جداً جداً، يعني دائماً لما يكون حديث في مسند الديلمي اللي هو الفردوس، يعلم أن هذا كما يقول هذا مسند المظلم، وللأسف كثير في الوعاظ ياتون به، مسند الفردوس للديلمي هذا مسند مظلم تعبان يعني، نادر ما تصادف أو قليل جداً ما تصادف حديثاً له أصل أو حسن، للأسف وهذا يعتمد عليه كثير من القصاص الوعاظ.

ممكن تحمل على أنه الأخلاق ممكن أن تغني عن شيء من الجماع أو غيره؟ لا هو يتكلم عن الأخلاق الذميمة، وحتى هو الحديث الذي أتى به وإن كان حديثاً كما قلت من الناحية الإسنادية مظلم، لكن هي فكرة أنه مثلاً لما قال له الطويلة، القصيرة، حتى بيتكلم عن الصور الشكلية؛ الصورة الشكلية قد تشير أيضاً إلى طبائع الأخلاق.

وقال شيخ من بني سليم لابنه: يا بني إياك والرقوب، الغضوب، القطوب. الرقوب التي تراقب أن يموت فتأخذ ماله، المرة اللي بتستنى أنك تموت عشان تجمع هذا خاصة كبار السن كثير منهم ما يتزوجوا، ممكن يأخذ واحدة عمرها مثلاً هو عمره 80 وهي عمرها 35، أنت بتتعجب، لكنك إذا عرفت أنه ذا مال تتعجب، تكون هي عارفة، قال الحج طال شهرين وبودع، ترثين ماله، فهي مستعدة إذا كانت مثلاً 35 كذا بتقول لك شو بدي أحسن من أني أحصل ورثه بهذا طيب.

وأوصى بعض الأعراب ابنه لهو في التزويج، فقال: إياك والحنانة والمنانة والأنانة؛ فالحنانة التي تحن إلى زوج كان لها، والمنانة التي تمن على زوجها بمالها، والأنانة التي تأن كسلاً وتمارضاً. هذه الحنانة، إياك أنك تأخذ فتاة قلبها متعلق بخاطب سابق، مش ضروري يزوجها، لا تأخذ فتاة قلبها متعلق بخاطب سبقك إليها، أحياناً ممكن تعرف أنه هي الفتاة خطبها فلان وهي بدها إياه بس أبوها منعها، بتروح أنت أبوها يسربك بيشوفك كذا، والله هذا يا با أحسن لك، هذا معه مال وكذا، أنت بتروح تظن أنك ماذا ظفرت بها، لكن قلبها ظفر به من سبقك، هذه ما بتسعد معها، أنه خلص هي عينها على شخص سبقك ثانياً، وسبحان الله لنا عندنا من القصص التي تأتينا في هذا الباب الكثير، أب يزوج بنته لشخص وهي قد خطبها شخص سابق، فتبقى كان بقيت على علاقة مع الرجل السابق مع أنها متزوجة الآن من الرجل اللاحق.

هذه مشكلة، وأنا أعرف أيضاً شاب خطب فتاة ووالدها أصر أنه لا يخطبها، فخطبها لرجل آخر، وهذه قصة عارفها من الأحياء التي حوله، فخطبها لرجل آخر راه وارتضاه، والأول تزوج بها، والرجل صادق وجد أن هذه الفتاة غير سعيدة معه، يعني في المنزل شهرين ثلاث أربعة، أنه يا فلانة طيب ليش أنت أسلوبك صعب؟ ليش كذا؟ شو مشكلة؟ خاصة في بداية أيام الزواج الأصل تكون المرأة مشغوفة، فأخبرته بصراحة قالت له: أنا أريد ذاك الرجل الذي خطبني سابقاً، يعني أنا قلبي به متعلق، فطلقها والله كان حكيماً هذا الشاب الذي أعرفه، قال لا نقطة سطر جديد، رجعها إلى بيت والدها وقال ترى فلانة ما هي ما ترغب وهي تريد ابن عمها السابق، وفعلاً الرجل خضع للأمر الواقع وزوجها ابن عمها السابق وهي الآن سعيدة وعندها أبناء، فهذه نفوس بشرية أحياناً في جانب معين يصعب أنك تجبر المرأة عليه، أكون صادق معك، وما بدك تكون مثالياً فتكسر، خلص إذا القلب إذا تعلق تعلق.

ولذلك كانوا يقولون إنما أفضل ما للمتعلقين أو العاشقين الزواج وربنا يألف بينهم، أنت في النهاية إذا كنت مثالياً كثيراً سبحان الله قد تدمر نفوس، قد تفسد في فرش، قد تؤدي إلى علاقات محرمة حتى ولو كان هذا الزواج ليس في نظرك الزواج التام، لكن أفضل من أن تغش المرأة وأن يكون لها علاقات محرمة، أليس كذلك؟ ففي نوع من السياسة والكياسة يجب أن تكون في أولياء الأمور.

قد يكون هذا حتى في بيئات متدينة وملتزمة؛ هذه نفوس. الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان مثلاً الشخص يتشوف إلى صحابية أخرى ويسمع عنها فيرغب بها. هو في النهاية ليس في اعتقادي عيباً أن الإنسان يحب، ليس عيباً أن الرجل يحب، وإنما العيب هو أن تحصل الهفوات والزلات وأن لا يكون عندك من الديانة ما يكبح هذا، لكن أن يحب الرجل فتاة ويفكر بالزواج منها ما هو الزواج يُبنى على الحب؟ هكذا هي الطبائع. أحياناً يجوز بعض الطرح الشرعي يكون مثالياً زائداً عن اللزوم، ويشعر الإنسان الملتزم أو الفتاة الملتزمة بجلد الذات كلما فكر بهذه القضايا، وأنا أعتقد أن هذا غير صحيح تماماً.

لكن المشكلة أن الواقع المعاصر مؤدلج؛ الواقع المعاصر اختلطت فيه كثير من الأمور لدرجة أنك ما عدت إذا أردت أن تحكي كلاماً هنا بالمنطق أن تسدد وتقارب حتى لا يُفهم بالبعد الذي نشره الإعلام والسوشيال ميديا والسلسلات الفاسدة، فأصبحت حتى المشاعر النبيلة بمجرد الكلام عنها تُستحضر فيها قصص روميو وجوليت والقصص هذه التي تشاهدونها على التلفاز. لو بقيت بغير هذه المدخلات الفاسدة المعاصرة لربما بقي في مساحة جيدة للكلام فيها، والصحابة والسلف كانوا يراعون هذه القضايا حتى في الكلام وفي التعامل مع الناس، يراعون مشاعر أنه فلان أحب فلانة ليتزوجها، فلان رغب في فلانة، يبني عقداً ما عنده مشكلة. لكني أرجع أقول إن الواقع للأسف مؤدلج بطريقة متعبة، فتصبح تحتاج أن تكون حذراً في كل كلمة يمكن أن تقولها.

الشيخ العاقل أو الداعي العاقل لا يجعل سطوة الواقع تمنع من نصح الشباب فيما ينفعهم، لا يكون مثالياً لدرجة أن يقول للشاب: كيف تقع وكيف تخطب بنت وكيف فكرت؟ يا شيخ الله يرضى عنك، هي في النهاية نفوس بشرية لا يمكن أن تلغيها، وكانت موجودة حتى في الجيل الرائع جيل الصحابة الكرام. أنت هو ما عمل حراماً؛ الحرام أن يؤدي إلى عمل لا يرضي الله، أما هذه القلوب والمشاعر فأنت لا تملكها. النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». في أشياء أنا لا أملكها؛ خلاص قدر الله وعلقت.

قال أوفى ابن دلهم: النساء أربع، فمنهن: مع، لها شيء أجمع، ومنهن: تبع، ترى ولا تنفع. طبعاً أنا علقت على الحنانة؛ الحنانة على زوجها بمالها، أي دير بالك منها أن تكون زوجتك تمنّ عليك بالمال. والأنانة التي دائماً تئن كسلاً متمارضة؛ في بعض النساء كسولات، يتزوجها رجل لا تعمل له وجبة إفطار ولا تكوي له ثيابه ولا تلتفت إلى أمره، وإذا قال لها نظفي البيت قالت: والله إني تعبانة وكذا. في امرأة دائماً بطبيعتها كسولة متمارضة، يكون فيها شيء بس هي دائماً تقول أنا تعبانة، تستيقظ الساعة واحدة الظهر، ما عندها حيل، باختصار هذه بتتعبك. في النهاية بدها تمشي الحياة في بيت أنت مسؤولة عنه في عمل أنا آتي به من خارج، أما التي دائماً كسولة هذه سبحان الله لا يهنا معها الإنسان.

وقال أوفى ابن دلهم: النساء أربع، فمنهن: مع، لها شيء أجمع، ومنهن: تبع، ترى ولا تنفع، أو تضر ولا تنفع، يعني بتضرك وما بتنفعك بحاجة، باختصار خرج مشاكل زي ما يقولوا. ومنهن: مصدع، تفرق ولا تجمع، برضه شغل تفرقة، تفرق مثلاً بينك وبين أمك، تفرق بينك وبين أخواتك، تعمل مشاكل دائماً مع سايبها. ومنهن: غيث وقع ببلد، فامر، اللي هي أحسنها، ومنها امرأة ذات خير، يعني كأنها مطر نزل في بلد فأزرع، كأنك صادفت امرأة جيدة في طباعها وأخلاقها.

وقال الشاعر: أرى صاحب النسوان يحسب أنها.. سواء وبون بينهن بعيد أرى اللي بفكر في النساء فكر أنه كل النساء نشيطات مجدات محترمات، لا، مش كذا، كما أن الرجال ليسوا كذلك. إياك أن تظن أن الشيطان يريك غير المقدور عليه على خلاف ما هو عليه، كما تقول دوماً، كما قال ابن مفلح: المرأة التي لما لم تكن عندك تراها جميلة معطاءة حسنة، بس لما تجي عندك بتشوف أنت الحقيقة، وأنت نفس الشيء لما تذهب عندها؛ النساء يرين الرجال الشاب النبيل الأديب الخلوق كما تراه على الشاشات، فإذا رأته تعرف الحق. فمنهن جنات تفيء ظلالها، ومنهن نيران لهن وقود.

قال وأنشد أبو العيناء عن أبي زيد: إن النساء كأشجار نبتن معاً.. منهن مر وبعض المر مأكول إن النساء ولو صغرن من ذهب.. فيهن من هفوات الجهل تخييل إن النساء متى ينهين عن خلق.. فإنه واجب لا بد مفعول يعني إذا أنت قلت لها تفعلي هذا الشيء، لا، بصير هذا الشيء واجب ولازم تفعله، يعني نوع من المداقرة كما يقول.

قال وأما النوع الآخر فهو ما لا يمكن حصر شروطه، لأنه قد يختلف باختلاف الأحوال وينتقل بتنقل الإنسان والأزمان. إذاً الشرط كأنه ذكر الشروط الأساسية الثلاث للمرأة التي تعفك: الدين، والعقل، والكفاءة لك؛ هذه في كل زمان ومكان لازم تتأكد من وفرتها، أما الشروط الأخرى أنه والله مدنية، حضرية، قروية، ريفية، من بنات فلان؛ هذا يرجع لاختلاف الأزمان والأعراف والأماكن، فهذا يصعب حصره أو الإحاطة به وجمعه. فإنه لا يُستغنى فيه عن موافقة النفس ومتابعة الشهوة، ليكون أدوم لحال الألفة وأمد لأسباب الوصلة، فإن الرأي المعلول لا يبقى على حاله، والميل المدخول لا يدوم على دخله.

فإن الرأي المعلول -الرأي الذي فيه إشكال وفيه علة- لا يبقى على حاله؛ سبحان الله تتقلب نفسك فيه، إذا أخذت امرأة ليس على رأي رشيد، على رأي معلول مضروب شوي، ما بقي على حاله، بكرة بتتمشكل أنت وإياها. وكذلك الميل المدخول؛ أن تميل إلى فتاة ميلاً ليس ميلاً على أسس صحيحة لا يدوم، الميل المدخول أي ليس صافياً، كدر، لا يدوم على حاله. ولا بد أن ينتقل إلى إحدى حالتين: إما إلى الزيادة والكمال، وإما إلى النقصان والزوال.

حُكي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إني أحبك وأحب معاوية. فقال علي عليه السلام: «أما الآن فأنت أعور، فإما أن تبرأ وإما أن تعمى». يعني مش ممكن، لأنه نحن كأننا متضادين؛ الآن فإما أن تبرأ فتصبح تبصر بعينيك، وإما أن تعمى، فكأنه يقول له لا يمكن أن تجمع بين حبي وحب معاوية. طبعاً هذا إن صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن نأخذ الحكمة في النهاية، يعني أننا في أشياء متعارضة يا هنا يا هنا، لكن في النهاية لا يمكن المسلم أن يحب علياً ويحب معاوية وينتهي عن التفكير أصلاً في الخصومات التي حدثت بينهم، هذا موقف أهل السنة والجماعة.

علي بن أبي طالب كما قال ابن تيمية هو محل لأن تُعطى فيه القصص من باب أنه رجل مشهور، والائمه المشهورون كثيراً ما يلتصق بهم من القصص ما لا يكون له أصل؛ علي بن أبي طالب كذب عليه الرافضة كذباً تروى عنه قصص ليس لها أصل. وإذا كان كذلك فلا بد من كشف سبب الباعث على هذا النوع، فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون لطلب الولد، فالأحمد فيه التماس الحداثة والبكارة لأنها أخص بالولادة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير». ومعنى أعذب أفواهاً أي أفواههن ألطف من أفواه غيرهن، وقوله أنتق أرحاماً أي أكثر أولاداً. وقال معاذ بن جبل: عليكم بالأبكار فإنهن أكثر حباً وأقل خداعاً، لأنه تكون لساتها صغيرة مش عارفة الدنيا، أما الكبيرة فتكون صارت عملاقة فبالتالي تعرف اللف والدوران.

وهذه الحال هي أولى الأحوال الثلاث لأن النكاح موضوع لها والشرع وارد بها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سوداء ولود خير من حسناء عاقر». والعرب تقول: من لم يلد فلا ولد. وقد كانوا يختارون لمثل هذه الحال نكاح البعداء الأجانب، ويرون ذلك أنجب للولد وأبهى لخلقه، ويجتنبون نكاح الأهل والأقارب ويرون كونه مضوياً لخلق الولد بعيداً عن نجابته. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اغتربوا لا تضووا». وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا بني السائب اغتربوا، أي لا تضعفوا؛ لأنه إذا أنت بتضلك تتزوج من عشيرتك الولد يضوي يعني يضعف. كثير من الناس بتشوف أولادهم بتلاقي جسمه هزيلاً ضعيفاً؛ هذا بسبب زواج الأقارب، كثيراً ما يسبب مشاكل صحية.

لكن غرب النكاح؛ تغريب النكاح هذا أقوى للولد، لأنه في العادة تكون جناس متباعدة، فكل شخص يكون حاملاً نفس الجينات التي فيها الأمراض كالسرطان أو ما شابه ذلك الله يعافي الجميع. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا بني السائب قد أضويتم فانكحوا في الغرائب. وقال الشاعر: تجاوزت بنت العم وهي حبيبة.. مخافة أن تضوي علي سلالي وكان حكماء المتقدمين يرون أن أنجب الأولاد خَلقاً وخُلقاً من كانت سن أمه ما بين الثامنة عشرة والعشرين، وسن أبيه ما بين العشرين والخمسة وعشرين.

والعرب تقول إن ولد الغيرة لا ينجب، وإن أنجب النساء الفروك؛ لأن الرجل يغلبها على الشبه لزهدها في الرجال. قالوا إن الرجل إذا معاشرها وهي كرهانة زوجها فلما يتم المعاشرة على الفراش تكون هي مش راغبة فيقل ماؤها، والرجل هو اللي بدّه فيكثر ماؤه، فالابن يأتي على أبيه. فهمت شو الفكرة؟ قال لأن الرجل يغلبها على الشبه؛ أنتم بتعرفوا جاء في الحديث كيف يشبه الرجل أمه أو أباه، إذا علا ماء الرجل على ماء المرأة كان الشبه لأبيه، وإذا علا ماء المرأة على ماء الرجل كان الشبه للأم. فيقولون المرأة إذا كانت تبغضك فهي لا تحب معاشرتك على الفراش، فإذا أنت عاشرتها فإنت تعاشرها لرغبة فيك أنت، فبالتالي أثناء هذه المعاشرة ماؤك سيغلب على مائها فيكون الولد شبهه إليك، بس المشكلة إذا كان أبوه أحمق عاد ساعتها راح الولد.

الغيرة التي تكون شديدة، إذا شلنا هذه، أحسنت؛ أنت عكس؛ هي لأنه قال: إن أنجب النساء الفاروق، العكس بالعكس. تلك شديدة الشهوة، لأنه إذا كانت المرأة غيرة فهي تحب زوجها كثيراً، فهي مثلاً قد تجبر أنه بدك العشرة، بدنا نعمل، فإذا عاشرت تكون هي المتشجعة أكثر، فيغلب ماؤها على مائه فلا ينجب. طبعاً هذه الفكرة تعتمد على طبيعة المرأة أيضاً، وليش لا ينجب؟ بجوز هي تكون أشطر منه فيخرج إلى أمه، يكون أذكى من أبيه.

قالوا: إن الرجل إذا أكره المرأة وهي مذعورة ثم أذكرت أنجبت. تمام، يقولون إن الرجل إذا أكره المرأة وهي مذعورة ثم أذكرت، أذكرت يعني طبعاً جمعت، أنجبت. وكان هذا بمعنى أنه لأنها لما تكون مذعورة أيضاً لا يكون عندها استعداد للعشرة، فإذا عاشرها وهي مذعورة يغلب ماؤه على مائها، هي نفس الفكرة التي ذكرناها قبل قليل.

طبعاً الآن لما ذكر الأمور التي لا تحصر، أولاً ذكر الأمور التي تحصر، الآن لما ذكر الأمور التي لا تحصر من أسباب عدم الحصر أيضاً اختلاف مقاصد الناس. فبيقول لك مثلاً قد يكون الإنسان قصده مع العقد طلب الولد، فإذا كان طلب الولد فلا بد أن تلتمس امرأة بكراً حديثة في سنها؛ لأنه هذا أخص بالولد إذا كان مشروعك، أنت حريص على الأولاد مثلاً.

الحالة الثانية أن يكون المقصود به القيام بما يتولاه النساء من تدبير المنازل، مثلاً إذا أنت قصدك مع العفة بدي واحدة تدبر لي أموري المنزلية، يعني أنا مش طالب ولد، أنا طالب تدبير منزل. وهذا كان يحصل كثيراً أن الإنسان يذهب إلى بلد أجنبي أو مغترب فيحتاج إلى امرأة تدير منزله وحياته، فماذا يقول لك؟ إذا كان المقصود من الزواج أن يأتي بامرأة تقوم بتدبير المنزل وحياته، خاصة في بلد الغربة أو ما شابه ذلك.

قال: فهذا وإن كان مختصاً بمعاناة النساء فليست ألزم حالتي الزوجات، لأنه قد يجوز أن يعانيه غيرهن من النساء، ولذلك قيل: المرأة ريحانة وليست بقهرمان، يعني مش خادمة؛ القهرمان هو رئيس الخدم، فهو يقول: الحالة الثانية أن يكون مقصدك من الزواج أن تأتي بامرأة تدير المنزل، فيقول الماوردي: فهذا -إدارة المنزل وتدبيره- وإن كان مختصاً بمعاناة النساء -نعم، هو الأليق بالنساء، النساء هن اللاتي في العادة يباشرن موضوع إدارة المنزل وترتيبه وتصفيته وما شابه ذلك- لكنه ليس بألزم حالتي الزوجات، يعني مش هي الحالة التي يُطلب من أجلها الزواج أساساً.

ولذلك بتعرف الفقهاء مختلفين في مسألة كأصل فقهي، هل المرأة مطالبة بخدمة المنزل من الفرش والغسيل وكذا أم ليست مطالبة بذلك؟ من ناحية الوجوب في خلاف كبير جداً في هذه المسألة؛ أن هذه ليست هي ألزم حالات الزواج، ألزم حالات الزواج هو التعفف، خدمة المنزل تعتبر خلينا نقول درجة ثانية في الموضوع. ولذلك قيل: إنه قد يجوز أن يعانيه غيرهن من النساء؛ أن موضوع خدمة المنزل أنت ممكن تجيب خادم، مش ضروري الزوجة هي التي تباشر هذا بالتحديد إذا كان عندك وفرة مال. اليوم خادمة، قديماً كان فكرة الإماء، كانوا يجيبوا إماء هي التي تعاني هذا الموضوع. ولذلك قيل: المرأة إنما أتي بها لتكون ريحانة في المنزل وليست قهرمانة، يعني مش مسؤولة الخدم.

وليس في هذا القصد تأثير في دين ولا قدح في مروءة، لكن انتبهوا؛ لو أنا بدي أتزوج امرأة لأني بدي واحدة تخدم لي في المنزل، هذا ما يقدح في دينك ولا يقدح في مروءتك، لأن هذا أيضاً من مطالب الزواج. طبعاً هنا أنبه على قضية وهي أن هذا الخلاف الفقهي يجب أن لا يسقط على الواقع؛ بمعنى أنه حتى لو الفقهاء اختلفوا، هذه المرأة يجب عليها خدمة المنزل أو لا؟ إذا كان هناك سبل متاحة أخرى ما في مشكلة، لكن ضمن الواقع المعاصر هذا الخلاف يجب أن لا يأخذ أبعاده، بسبب أن واقعنا المعاصر مع ضيق المعاش، إذا لم تقم المرأة بخدمة المنزل وإدارته تفسد الأسر والمجتمعات، ويكثر الطلاق والبغضاء، فيصبح واجباً حتى عند جميع الفقهاء.

أحياناً بعض الناس للأسف يبحث المسألة فقهياً لكن لا يبحث مآلاتها ونظرها والواقع. حتى الفقهاء الذين قالوا إن المرأة لا يجب عليها الخدمة كوجوب شرعي، هم كانوا يتكلمون ضمن ظروف معينة يصلح فيها أن يقوم بمعاناة هذا الموضوع غيرها، فيصبح النقاش الفقهي دائراً. لكن إذا أصبح مآل عدم خدمة المرأة لمنزلها يؤدي إلى فساد الأولاد وفساد الأسر، فهنا باتفاق الجميع يجب عليها أن تقوم بهذا ديانةً.

وهذا أمر للاسف كثير من الناس لما يأتي يبحث هذا الموضوع ما يلتفت إليه، يأخذ لك فتوى، قال المذهب الحنبلي، أخي الله يرضى عليك، أنت تأخذ الفتوى بس من كتب المذاهب، إن كتب المذاهب تتكلم، بدك ذكاء في دراستها والظروف التي أحيطت بها هذه المسألة فقهياً. أما لما تختلف المسألة، لأنه إذا بدي ألزمك بهذه الفتوى، بدي ألزمك بالفتوى الأخرى التي عند جمهور المذاهب أن الرجل غير مسؤول عن تطبيب زوجته، الرجل غير مسؤول عن تطبيب زوجته إذا مرضت، إذا بدها دواء كذا هي المسؤولة عن هذا عند جماهير الفقهاء؛ بتحب أخذ لك هذه الفتوى ولا هذه أيضاً تعتمد على ظروف معينة كانت موجودة في الزمن القديم؟ يتعلق بطبيعة الطب القديم.

بالنهاية القضية مش انتقاء، أن المرأة خاصة المرأة المتأثرة بالفكر النسوي وتجيء تقول جمهور الفقهاء على أن المرأة غير مسؤولة عن خدمة بيت الزوجية، وباقي جمهور الفقهاء على أن الرجل غير مسؤول عن طب زوجته، احتاجت مستشفيات، احتاجت عمليات، احتاجت كذا تدبر حالها؟ إذاً ما بينفع، وأنت كيف امرأة وزوجها ما يقوم بطبها؟ أنت ليش أخذت هذيك الفتوى لأنها وافقت هواك وهي رأي جمهور الفقهاء، وتركت هذه الفتوى لأنها خالفت هواك وهي رأي جمهور الفقهاء؟ نفس القضية، حتى تعرف أن الفقه القديم مبني أيضاً على دراية الواقع الاجتماعي في تلك الفترة، وأن هذه المسائل تقبل التغير باعتبار ظروف الزمان والمكان، وأن الشيء الذي يؤدي إلى فساد في زمان قد لا يؤدي إلى فساد في زمان آخر.

قال: وليس في هذا القصد تأثير في دين ولا قدح في مروءة، والأحمد في مثل هذا التماس ذوات الأسنان والحنكة ممن قد خبرن تدبير المنازل وعرفن عادات الرجال، فإنهن أقوم بهذه العهدة. وهذا يناسب قصة جابر لما تزوج ثيباً، صح؟ لما النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر: هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: هل بكراً تلاعبها؟ قال: يا رسول الله، أنا عندي سبع أخوات أو تسع أخوات خرقاوات، يعني عقلهم صغير، إذا جبت واحدة كمان بكر عقلها صغير معناه البيت رح يقلب مشاكل، فأخذت امرأة ثيباً تصلحهم وشأنهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: أحسنت. يعني هذا من حسن التدبير، أنك حتى شايف ظرف جابر خلاه يكون اختياره على الثيب، لأنه هو ابتداء مش جاي طالب ولد، طالب واحدة تدير أخواته؛ لأنه لما مات والده استشهد في غزوة أحد، احتاج من يدير أخواته، صار هو مسؤول عن تسع أخوات، فظرفه ألجأه أن يختار واحدة ثيب. لكن طالب الولد، التي هي الحالة السابقة، لا، بتجيب واحدة بكراً؛ شوف كيف اختلفت الظروف فاختلفت الأحوال وطبيعة الزوجة التي تطلبها.

هذا مقصد الماوردي، أنه في ظروف معينة قد تحكمك ما تحكمني، فهنا قد يختلف اختيارنا، بس في عناصر مشتركة لازم تكون؛ دين وعقل، وإيش قلنا؟ الكفاءة. ما بعد ذلك أنت قد تأتي في حياتك ظروف ما تأتي في حياتي، فيكون عندك شروط أو مطالبات ما تكون موجودة عندي، بهذا رغبتك أنت لا والله تغلب جانب الولد، أنا أغلب جانب الخدمة، فلن يغلب جانب آخر.

قال: والحالة الثالثة أن يكون المقصود به الاستمتاع، وهذه أذم الأحوال الثلاثة وأوهنها للمروءة. الحالة الثالثة لا طالب ولد ولا طالب تدبير منزل، هو فقط يريد الحاجة البدنية، ما عنده مطلب إلا الحاجة البدنية، فيقول لك هذه أخص الهمم؛ ما يكون إنسان جيد. ماشي، والإنسان هذه لذة وضعها الله في الإنسان، وجوده في الرجل والمرأة، لكن ما يكون فقط هدفك في الزواج هو تحقيق هذا المشروع.

قال: لأنه ينحط فيه لأخلاقه البهيمية، ويتابع شهواته الذميمة. وقد قال الحارث بن ظالم الأزدي: شر النكاح نكاح الغلمة. شر النكاح نكاح الغلمة، اللي هو النكاح فقط الدافع إلى الشهوة. وهذه أغلب زواجات الشباب في الجامعات للأسف، الزواجات غير الدقيقة، والممثلين والمطربين وهذه إيش؛ علاقات لا تدبير منزل سيدي ولا طلب ولد، فقط شهوات، هو أعجبته وأعجبها وبدهم يعيشوا علاقة، فالحمد لله اللي ما راحوش عملوا فاحشة، وأنه دخل في الزواج، جزاك الله خيراً، بس بدك تعرف أنه هذا مش مشروع زواج راقي اللي بس هدفه فقط الاستمتاع. لا، خلي لك مشاريع من زواجك، ماشي الاستمتاع مطلوب وعفة، لكن خلي لك مشاريع فيه؛ والله أولاد أربيهم لهذا الدين، أسرة مسلمة أكون ثغراً في هذا، أي هدف من الأهداف النبيلة الجميلة.

قال: إلا أن يفعل ذلك لكسر الشهوة وقهرها بالإضعاف لها عند الغلبة، أو تسكين النفس عند المنازعة حتى لا تطمح لها عين بريبة ولا تنازعه نفس إلى فجور، ولا يلحقه في ذلك ذم ولا يناله وصف، وهو بالحمد أجدر وبالثواب أحق. اه، إلا في حالة واحدة يكون هذا المقصد بالنسبة لنا معقولاً؛ إذا الشاب مرهق من ناحية الشهوة، إذا هو مرهق جداً، بعض الناس قد يكون عنده غلمة زائدة، أحياناً بعض يتعلق بهرمونات، أحياناً بطبيعة جسد، تمام؟ بعض الرجال أعطي جسداً قوياً، فهو يقول لك: أنا شيخ صراحة ما بدي ولد وما بدي هذا، بس أنا بدي أعف نفسي، أنا باختصار هذا الموضوع مرهقني، مشتت ذهني، عامل لي إشكالية في الحياة، أريد العفة فعلاً، أنا فقط أريد الاستمتاع حتى لا أقع في عين تزيغ أو أقع في علاقات محرمة، فهنا إذا كان فعلاً فعلاً مقصده دفع الشر عن نفسه ودفع الفواحش عنها، فنرجو أن يكون في هذه الحالة محموداً.

قال: ولو تنزه في مثل هذه الحال عن استبدال الحرائر إلى الإماء كان أكمل لمروءته وأبلغ في صيانته. عادي، عادي شيخ مشعل إن شاء الله، لأنه هذه استبدال الحرائر إلى الإماء كان موجوداً في حقبة سابقة، حقبة الماوردي كان موجوداً، تمام، لكن في حقبنا هذه غير موجود.

قال: وهذه الحالة تقف على شهوات النفوس، لا يمكن أن يرجح فيها أولى الأمور، ثم هي أخطر الأحوال بالمنكوحة؛ لأن للشهوات غايات متناهية، يزول بزوالها ما كان متعلقاً بها، فتصير الشهوة في الابتداء كراهية في الانتهاء. ولذلك كرهت العرب البنات ووأدتهن، إشفاقاً عليهن وحمية لهن من أن... وهذه الحالة الثالثة اللي هو يكون المقصود فقط الاستمتاع، هذه ليس لها حد؛ لأن الاستمتاع يقوم على لغة الجسد، وهذه قضايا تتعلق بتعرف أشكال المرأة وأجسادهن وهيئاتهن، وكل شاب عنده مثالية معينة في الشكل والمنظر، وشكل أنفها وعينها وشعرها، غير متناهية. ولذلك يقول: لأن للشهوات غايات متناهية، يزول بزوالها ما كان متعلقاً بها؛ أنت لما تأخذ واحدة لشكل معين، والله بمجرد ما يصير معها حادث، كان أنفها مثلاً هنا صار هنا، أو كانت عينها كذا ضاقت عينها، قال: تتركها؛ لأنه أنت أصلاً ماخذها فقط هدفك منظر معين وصورة معينة في العقل الباطن تراها، إذا حتى مش ضروري حالت كبرت وبدأت شيء من التجاعيد يظهر على وجهها تزهد بها. فاختصار موضوعك في الزواج فقط على الاستمتاع البدني، بمجرد ما تتغير هذه الصورة سيتغير تعلقك بها؛ هكذا هي فلسفة الحياة.

قال: ولذلك كرهت العرب البنات ووأدتهن إشفاقاً عليهن وحمية لهن من أن يبتذلهن... لمثل هذه الح... نعم، أنه يكون بس مقصود الرجال إيش، أن يستمتع بجسدها ثم يلقيها. يعني يقول طبعاً هذا تفسير من الماوردي أن أحد أسباب ظاهرة وأد البنات عند بعض العرب قضية أنه مش راضي لبنته أن فقط يكون رجل يأخذها يقضي وطره بها ثم يرميها بعد ما تكبر، تلاقيه رماها ويريد غيرها؛ فقال لك بدفنها وخلص حتى ما أخلي بنتي سلعة.

البعض يقول لك: آه والله غاية شريفة، لكن هذا كلام غير صحيح، يعني أنت في النهاية زوج بنتك لرجل؛ النساء عمائم الكرام. قال: وكان من تحوب من قتل البنات لرقة أو محبة، كان موتهن أحب إليه وآثر عنده، يعني حتى اللي ما وأد البنات كان بيتمنى أنها تموت وحده حتى لا يقع؛ يقول لك في مثل هذا الظرف.

قال: خطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء، فقال: إني... وأنسي... يعني هو مسمي بنته كذا، يعني تمام، يعني الله يسامحه، تمام.

في الحاشية قال: سميت الجرباء لأن النساء ينفرن عنها لتقبيحها بمحاسنها. أي سميت الجرباء لأنها لشدة جمالها تنفر النساء منها، فأصبحت جرباء. بالله عليك هذا مقنع يا شيخ حذيفة؟ ابحث عن اسم آخر، أو ابحث عن خيار آخر.

فقال: إني وإن سيق إلي المهر ألف وعبدان وذود -وذود يعني الإبل، وعشر نوق- أحب أحب أصهاري إلي القبر. يعني هذا أبوها يقول: أنا لو أعطاني هذا الخاطب ألف دينار وعبدان وعشر نوق ما بدي أزوجها، ما لي رغبة في تزويجها، يعني من باب الغيرة على ابنتي خلينا نقول.

وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: لكل أبي بنت يراعي شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر؛ فبعل يراعيها، وخدر يكنها، وقبر يواريها، وخيرهم القبر. يعني أي أب عنده بنات عنده ثلاثة أصهار ممكن يزوجها لهم، قال: إما بعل يراعيها، وخدر يكنها، وقبر يواريها، وخيرهم القبر. يعني أنت يا بتزوجها يا بتخليها في البيت يا بتندفن، وأحسنها أنها تندفن. هذه من الأقوال التي بقيت، بس هذا كلام طبعاً غير صحيح، وهذا يدل على نوع من آثار الجاهلية التي بقيت. أنت في النهاية زوج بنتك للكرام، الكرام يضعون ابنتك فوق رؤوسهم ويكرمونها، وأما إذا زوجت ابنتك للئام، هناك ستشقى البنت.

قال رحمه الله: فصل، وأما المؤاخاة بالمودة؛ هيك انتهينا من القسم الرابع من المؤاخاة. صحيح قلنا، نرجع ونقول إن هذا الفصل كله يتكلم عن سعادة الإنسان، وسعادة الإنسان في ثلاثة أشياء، ذكرناها: نفس تطيعه، وألفة، ومادة وجود يعني حالة مالية مستقرة. تكلمنا عن موضوع النفس تطيعه، والآن نحن في موضوع الألفة. قلنا الألفة لها أسباب: إما ديانة، وإما نسباً، وإما مصاهرة، وإما مودة، وإما براً. نعم، لما تكلمنا عن النسب تقسموا إلى ثلاثة أمور؛ اللي هي المصاهرة، وهذه كانت ضمن الأنساب.

فالآن السبب الرابع من أسباب الألفة والعشرة مع الناس ما هي؟ المودة. قال: وأما المؤاخاة بالمودة، وهي الرابع من أسباب الألفة، فلأنها تكسب بصادق الميل إخلاصاً ومصافاة، وتحدث بخلوص المصافاة وفاءً وافياً ومحاماة صافية، وهذا أعلى مراتب الألفة وعمدتها؛ لأن أصل الألفة الصفاء ونتيجتها الوفاء، ولذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه لتزيد ألفتهم ويقوى تضافرهم وتناصرهم. نعم، المؤاخاة التي حصلت بين المهاجرين والأنصار كان مقصدها حصول الألفة والمودة بينهم ليكونوا متناصرين.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بإخوان الصدق؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء». وروى أبو الزبير عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرء كثير بأخيه، ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقاء الإخوان جلاء الأحزان. وقال خالد بن صفوان: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم. وقال علي بن أبي طالب لابنه الحسن عليهما السلام: يا بني، الغريب من ليس له حبيب. وقال ابن المعتز: من اتخذ إخواناً كانوا له أعواناً.

وقال بعض الأدباء: أفضل الذخائر أخ وفي. شوف هذا استقراء كلام العقلاء؛ مثلاً هنا في الصداقة هذا كلام عقلاء كلهم يقولون لك لا بد من صديق، الحياة بدون صديق ما تضبط، بعض الشباب تجيه حالة نفسية يقول لك: لا، أنا قاعد وحدي، نحن في زمن الغربة، ويجلس في بيته. يا أخي ما ينفع، بدك تصبر نفسك، الله يقول لك: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28]. لا بد أن يكون لك أصدقاء مودة تذهب إليهم، الحياة فيها كمد وفيها كبد وفيها أتعاب، شباب تجلس معهم على تلة، على جبل، تروح معهم على سدر، هذه المودة هي الألفة بترطب شوي من صعوبات الحياة ومن كمدها.

وقال بعض البلغاء: صديق مساعد عضد وساعد. وقال بعض الشعراء: هموم رجال في أمور كثيرة.. وهمي من الدنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين قسما.. فجسماهما جسمان والروح واحد جميل، وقيل: إنما سمي الصديق صديقاً لصدقه، والعدو عدواً لعدوه عليك. وقال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً. وأنشد قول بشار: قد تخللت مسلك روحي مني.. وبه سمي الخليل خليلاً

قال: والمؤاخاة في الناس قد تكون على وجهين: أحدهما أخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار، والثاني أخوة مكتسبة بالقصد والاختيار. فإما المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالاً؛ لأنها تنعقد عن أسباب تقود إليها. والمكتسبة بالقصد تعقد لها أسباب تنقاد إليها. وما كان جارياً بالطبع فهو ألزم مما هو حادث بالقصد.

نحن لم نتلاحظ كيف اختلف تعبيره؛ قال: فإما المكتسبة بالاتفاق تنعقد عن أسباب تقود إليها، والثانية بالعكس؛ قال: وأما التي تكون بالقصد لا، تعقد لها أسباب؛ يعني الأولى تنعقد عن أسباب في أسباب هي التي خلتني أصاحبك اتفاقاً، اشتراكنا في جامعة في وظيفة في كذا في حارة في منطقة، والثاني بالعكس، أنا أعمل أسباباً تعقد لها حتى تقودني إلى هذه الصداقة. ففي الحالة الأولى السبب موجود عمل صداقة، الحالة الثانية بالعكس، أنا عملت سبباً حتى يعمل لي صداقة، أنا الذي عقدت السبب، أما الحالة الأولى السبب حصل سابقاً قدراً فصرنا أصحاباً.

فسيبدأ بالحالة الأولى، قال: أما الصداقة التي تكون بالاتفاق قدراً نتيجة أسباب آلت إليها. جميل هذا الكلام، قال: أما المكتسبة بالاتفاق فله أسباب يبتدئ منها ثم ينتقل في غاية أحواله المحدودة إلى مراتب سبع، ربما يستكملهن وربما وقف على بعضهن، ولكل مرتبة من ذلك حكم خاص وسبب موجب، كما قال الشاعر: ما ألفة إلا له سبب يبتدئ منه وينشعب.

فأول أسباب الإخاء الذي يحصل اتفاقاً، التجانس في حال يجتمعان فيها ويأتيان بها، فإن قوي التجانس قوي الائتلاف به، وإن ضعف كان ضعيفاً به، ما لم تحدث علة أخرى يقوى بها الائتلاف. وإنما كان كذلك لأن الائتلاف بالتشاكل، والتشاكل بالتجانس؛ فإن عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من كل وجه، ومع انتفاء التشاكل يعدم الائتلاف. فثبت أن التجانس وإن تنوع أصل للإخاء وقاعدة للائتلاف، وقد روى يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وهذا واضح، وهي بالتجانس متعارفة وبفقدته متناكرة. فما تعارف منها ائتلف، ويقول إن التعارف في الحديث ما هو؟ التجانس، فما تجانس منها ائتلف، والتناكر هو فقد التجانس.

وقد قيل في منثور الحكم: الأضداد لا تتفق، والأشكال لا تفترق. وقال بعض الحكماء: بحسن تشاكل الإخوان يثبت التواصل. وقال بعض الشعراء: فلا تحتقر نفسي وأنت خليلها.. فكل امرئ يصبو إلى من يجانسه وقال آخر: فقلت أخي قالوا أخ من قرابة.. فقلت لهم إن الشكول أقارب نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي.. وإن فرقتنا في الأصول المناسب

جميل والله هذا الكلام، الذي يشابهني في عزمي وهمتي وطموحي وآمالي هو القريب هو الذي يناسبني، أما لو كان أخي أو كان شخصاً ابن عمي لكننا نختلف تماماً في كل الهمة والعزم والطموح سيكون بيننا بعد ولا بلا شك. قال: ثم يحدث التجانس المواصلة بين المتجانسين، وهي الرتبة الثانية من رتب الإخاء، وسبب المواصلة بينهما وجود الاتفاق منهما، فصارت المواصلة نتيجة التجانس.

ثم تحدث عن طلبة الجامعات: أول شيء نفس التخصص، أول سنة يتعرفون على بعض، يصير التواصل إذا تجانسوا في التخصص الجامعي مثلاً، فصار بينهم تواصل، صاروا على الواتساب، فلان عندك امتحان، عندي امتحان، صار كذا، بعدين صار في تأنس، بطلنا بس علاقتنا علاقة عندك امتحان، صار في نوع من الأنس أن نقعد مع بعض، ممكن نشرب كاسة شاي، ممكن نتحدث في أمور جانبية، ثالثة طبعاً بعد ذلك.

إذا صح هذا المعنى فكأنه يقول انتفت التشاكل من كل وجه أي من مجموعها؛ لا إلا أن انتفت كلها، أي انتفت من كل وجه يتعلق بهذا التجانس، نعم. قال ثم تحدث عن المؤانسة رتبة رابعة وهي المصافاة وسببها خلوص النية؛ بعد ما يصير في بيننا مؤانسة يصير عندك نوع من المصافاة، أنه أنا يعني أراعي أحوال الرجال؛ لأنه في صدق نية في هذه المودة التي بيني وبينك.

ثم يحدث عن المصافاة رتبة خامسة وهي المودة وسببها أنه صار في بيننا وبينك ثقة، وهذه الرتبة هي أدنى الكمال في أحوال الإخاء. المودة وما قبلها أسباب تقود إليها، فإن اقترن بها المعاضة فهي الصداقة. ثم تحدث عن المودة رتبة سادسة وهي المحبة وسببها الاستحسان، فإن كان سببها الاستحسان لفضائل النفس حدثت منه رتبة سابعة وهي الإعظام، وإن كان أُعظمك وأراك قدوة أو شيئاً أو احتراماً كبيراً لك، نعم. وإن كان الاستحسان للصورة والحركات حدثت منه رتبة ثامنة وهي العشق. أما إن كان الاستحسان ليس لمناقبك الشريفة وإنما لمطلعك البهي، فإن هنا تحصل رتبة أخرى من رتب العشق وسببه الطمع في الوصول إلى هذه الصورة.

نعم، قال وقد قال المأمون: أول العشق مزاح وولع، ثم يزداد إذا زاد الطمع، كل من يهوى وإن غلت به رتبة الملك لمن يهوى تبع. أي والله لو كنت ملكاً وعشقت صورة ستكون تبعاً لها. نعم قال وهذه الرتبة هي آخر الرتب المحدودة، وليس لما جاوزها رتبة مقدرة ولا حال محدودة؛ لأنها قد تؤول إلى ممازجة النفوس وإن تميزت ذواتها، وتفضي إلى مخالطة الأرواح وإن تفارقت أجسادها، وهذه حال لا يمكن حصر غايتها ولا الوقوف عند نهايتها. نعم، إذا صار خلص عشق، أنت وصلت للمرحلة هي، المرحلة بعديها سقف مفتوح، فليست رتباً؛ لأنه قد تصل لمرحلة أنه دائماً أنا هيمان فيك وأنت هيمان فيّ، أو أحدهما هيمان في الآخر، وتبقى أشعر بك التعلق الكبير، فتبقى دائماً هي النفس تفكر بالنفس الأخرى ومتعلقة بها وتحلم بها، وكأنهما جسدان والنفس واحدة، كما قال، فهذا بحسب قوة العشق تقوى هذا التمازج بين النفسين والروحين.

قال وقد قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك. جميل، الصديق هو يعبر عنك، الصديق هو إنسان هو أنت، الصديق يعبر عنك إلا أنه شخص آخر من حيث الوجود الخارجي. نعم قال ومثل هذا القول يحكى عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في عمر رضي الله تعالى عنه حين أقطع طلحة بن عبيد الله أرضاً وكتب له بها كتاباً وأشهد فيه الناس منهم عمر، فأتى طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه فامتنع عليه، فرجع طلحة مغضباً إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل عمر، لكنه أنا. رضي الله عنهم، إحنا أصدقاء، اعتبر الخليفة عمر، بس عمر يتمثل في شخصيته وأنا أتمثل في شخصيته، تمام.

أما المكتسبة بالقصد فلا بد لها من داع يدعو إليها وباعث يبعث عليها، وذلك من وجهين: رغبة وفاقة. قال فأما الرغبة؛ انتهينا الآن من الصحبة المبنية على المجانسة خلينا نحكي، فإذاً هذا الاضطرار يقود الحالة الثانية، أما المكتسبة بالقصد والاختيار فلا بد لها من داع يدعو إليها. نعم قال فأما الرغبة فهو أن يظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه، ويتوسم بجميل يدعو إلى اصطفائه. آه، إذاً الحالة الثانية الصحبة التي تكون عن دراسة وعن قرار هي أني أنا كما قلت، أنظر في أحوالك، أرى فيك من الفضائل الجميلة والمناقب العلية ما يقودني إلى أن أحب أن أصادقك وأكون زميلاً لك. نعم قال وهذه الحال أقوى من التي بعدها لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف لطلبها، وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع لها، فليس كل من أظهر الخير كان من أهله.

يعني هذه الحالة نخاف فيها هذا النوع من الصحبة أن يكون أنت اغتررت بشخص هو يتصنع الفضائل، لكنها ليست طبعاً له، لأنه أحياناً بعض الناس، خاصة على السوشيال ميديا وهؤلاء الناس الذين يتعلق بهم الشباب، يتصنع الوقار ويتصنع الكذا ويتصنع حسن الهندام، بس أحياناً تراه في بيته أو تراه في أحوال معينة تعرف أن هذه فضائل مصطنعة. هذا الذي يخيف؛ أن يكون هو يتصنع الفضائل وليس من أهلها حقيقة. نعم قال ولا كل من تخلق بالحسنى كان في طبعه، والمتكلف لشيء مناف له إلا أن يدوم عليه مستحسناً له في العقل أو متديناً به في الشرع، فيصير متطبعاً به لا مطبوعاً عليه؛ لأنه قد تقدم من قول الحكماء ليس في الطبع أن يكون ما ليس في الطبع. يعني الطبع لا يقبل شيئاً ليس فيه باختصار.

نعم قال ثم أقول من المتعذر أن تكون أخلاق الفاضل كاملة بالطبع، وإنما الأغلب أن يكون بعض فضائله بالطبع وبعضها بالتطبع؛ الجار بالعادة مجرى الطبع، يعني هكذا نحن البشر فينا طبائع جيدة وفي طبائع نكتسبها اكتساباً، يعني نحن لم نخرج من بطون أمهاتنا كاملين. نعم قال حتى يصير ما تطبع به في العادة أغلب عليه مما كان مطبوعاً عليه إذا خالف العادة، ولذلك قيل العادة طبع ثان. وقد قال ابن الرومي: واعلم بأن الناس من طينة، يصدق في الثلب لها الثالب، لولا علاج الناس أخلاقهم، إذاً لفاح الحمأ اللازب. قال الحمأ الذي هي الطين اللازب الملتصق. نعم قال وأما الفاقة فهو أن يفتقر الإنسان لوحشة انفراده ومهانة وحدته إلى اصطفاء من يأنس بمؤاخاته ويثق بنصره وموالاته. وقد قالت الحكماء: من لم يرغب في ثلاثة بلي بست؛ من لم يرغب في الإخوان بلي بالعداوة والخذلان، ومن لم يرغب في السلامة بلي بالشدائد والامتهان، ومن لم يرغب في المعروف بلي بالندامة والخسران. قال ولا عمري أن إخوان الصدق من أنفس الذخائر وأفضل العدد؛ لأنهم سهمان النفوس وأولياء النوائب. وقد قالت الحكماء: رب صديق أود من شفيق.

هي سهمان النفوس، سهمان النفوس بمعنى نصيبك من هذه الحياة، السهم يطلق على النصيب والله له سهم من كذا فكأنه يقول لأنهم سهمان النفوس بمعنى نصيبك. وقد قالت الحكماء: رب صديق أود من شقيق؛ يعني من أخوك الشقيق. قال وقيل لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أي الناس أحب إليك؟ قال: صديق يحب حببوني إلى الناس، يكون جسراً يوصلني إلى الناس. بعض الناس قد يفقد إخواني، هذه الفكرة الثانية، أنه من أسباب عقد الصداقة، نحن مش قلنا الصداقة المكتسبة إما أن تكون لأن الشخص فيه فضائل فأحب أن أصادقه عليها، أو لأنني قد أكون مفتقراً إلى صداقة، مش لأنه أنت عندك فضائل، أكثر من كوني أنا مفتقر إلى وجود صديق، ليه؟ أحياناً بعض الناس قد تكون شخصيته ضعيفة مهاراته في التواصل مع المجتمع محدودة فيحتاج إلى صديق يكون هو جسراً يوصله إلى المجتمع يعبر عنه، قد يكون إنساناً كما قلنا أيضاً كما قال لك يفتقر إلى الأنصار إلى الأعوان فانت تعقد صداقة حتى يكون لك أعوان أنصار، كما قال لك: صديق يوصلك إلى المجتمع لأنك تفقد أنت المهارات؛ تشعر أنه في إنسان لا ما شاء الله جريء وقوي ويعرف يتكلم مع الناس وأنا مهاراتي محدودة، فتصبح تشعر أنه هذا الصديق لا بد أعقد معه صداقة حتى أتقوى به وهو يكون بوابتي في الدخول إلى المجتمع.

نعم وقال ابن المعتز: القريب بعداوته بعيد، والبعيد بمودته قريب. وذلك تجد الناس ما عندهم صداقات في العادة، ما بيعرفوش يدبروا أنفسهم في المجتمع صح ولا لا؟ بخلاف اللي عندهم صداقات، يلاقي عنده واسطة في وزارة الصناعة والتجارة، واسطة في وزارة، واسطة في كهرباء، واسطة هون يعني باختصار فهلوي بيعرف يدبر حاله، أنه المجتمع هذا بياكلك إذا ما عندك صداقات ومعارف، فهو يشعر بالفاقة داخل المجتمع، فبيقول لك لازم أشكل صداقات حتى أقضي حوائجي. لهذا هذا المجتمع إذا أنت بدك تضلك وحدك فيه حقيقة، لما يسوء حال الناس وتكثر الفتن والفساد بدون صديق تشدك وتشده، يعني للأسف في المجتمع بتضيع، لازم تعرف الناس وتعرف تشكل علاقات وصداقات حتى على الأقل أيضاً تقضي حوائجك.

نعم وقال الشاعر: لمودة ممن يحبك مخلصاً، خير من الرحم القريب الكاشح. وقال آخر: يخونك ذو القربى مراراً، وربما وفى لك عند العهد من لا تناسبه. أي والله نعم. قال فإذا عزم على اصطفاء الإخوان، سبر أحوالهم قبل إخائهم، وكشف عن أخلاقهم قبل اصطفائهم؛ لما تقدم من قول الحكماء: اصبر تخبر؛ يعني اختبرهم، ابحث بتعرف كل شخص ما عنده. قال ولا تبعثه الوحدة على الإقدام قبل الخبرة ولا حسن الظن، يعني إياك أن تبعثك شعورك بالوحدة على الإقدام على صداقة الشخص قبل أن تخبره، أحياناً الإنسان بيستعجل، صح لأنه وحيد بيستعجل في تشكيل العلاقات، لا بيقول لك لا تخلي الوحدة تجعلك تستعجل في اختيار الأصدقاء، حتى يعني اللي صبرت طويلاً وكثيراً اصبر لك شوي، لا تستعجل، لا تجعل الوحدة تجعلك تقدم قبل أن تخبر الشخص هل يصلح للصداقة أو لا، ولا يحملنك حسن الظن على الاغترار بالتصنع؛ مش كل شخص بتشوفه على السوشيال ميديا وبتشوفه في الجامعة، والله شخص بيعرف يتفلسف ويتكلم مباشرة، والله هذا شكله، خليني أصير صديقه، لا، كثير من الناس تتصنع وتتكلف وليست صادقة في معدنها.

نعم قال فإن الملق مصائد العقول، والنفاق تدليس الفطن، فإن الملق مصائد العقول، هذه كثير ما تسقط فيه الفتيات عموماً، لما تشوف ترى إنساناً شاباً يحسن الكلام ويحسن التصرف وكذا، تقع في أنه هذا شكله شاب رائع وكذا، وكان كثير منهم لبسوا لكم جلود الضأن على قلوب الذئاب، احذروا، يعني خاصة الأخوات، أنه ليس كل إنسان يتكلم ويحسن الكلام ويصفط الكلام إنساناً صادقاً في معدنه، احذروا ولذا قال: إن الملق مصائد العقول، هذه حكم بدك تعرفها، الملق تصطاد به العقول، الناس تتأثر بالإنسان الذي يحسن الحديث لكن لما تخبر أموره وتخبر كلامه مع الوقت بتجد أنه مصيبة، وأنه هذا الرجل عم يجر الناس لأفكار مسمومة، وكثير اللي خرجوا في الفترات السابقة خلال 20 سنة من مشاهير السوشيال ميديا ممن يتكلم باسم الدين، هو فقط اصطاد العقول بهندامه، الكاريزما تاعته، أسلوبه في الكلام، لكنه في النهاية مأجور، بتلاقيه راح على دبي ولا كذا، تمشي وراءه وانتهت القضية، يعني اشتغل في أي مكان، المهم أنه يريد مصاري، هو مأجور لكنه بملقه وأسلوبه الذكي اصطاد العقول. النبي صلى الله عليه وسلم حذر في آخر الزمان من كل منافق عليم اللسان، بيعرف يحكي، شاطر في الكلام لكنه في القلب منافق، مش صادق مع أمة الإسلام.

نعم قال والنفاق تدليس للفطن، وهما سجية المتصنع؛ وهما تدليس للفطن بالانسان، بيخبي عليك، طبع نفاقه، بيدلس عليك، نعم قال وهما سجية المتصنع وليس في من يكون النفاق والملق بعض سجاياه خير يرجى ولا صلاح يؤمل. نعم، ولأجل ذلك قالت الحكماء: اعرف الرجل من فعله لا من كلامه، واعرف محبته من عينه لا من لسانه، وقال خالد بن صفوان: إنما نفقت عند إخواني لأني لم أستعمل معهم النفاق ولا قصرت.

نعم وقال حماد عجرد: كم من أخ لك لست تنكره، ما دمت من دنياك في يسر. متصنع لك في مودته، يلقاك بالترحيب والبشر. فإذا عدا، والدهر ذو غير، دهر عليك عدا مع الدهر. فارفض بإجمال مودة من يقلل المقل ويعشق المثري. وعليك من حالاه واحدة، في العسر أما كنت واليسر. نعم على أن الإنسان موسوم بسيماء من قارض، ومنسوب إليه فاعيل من صاحب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب»، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: الصاحب مناسب، وقال عبد الله بن مسعود: ما شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب، وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك، وقال بعض الأدباء: يظن بالمرء ما يظن بقرينه، وقال عدي بن زيد: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي. إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي. قال فلزم من هذا الوجه أيضاً أن يتحرز من أخلاء السوء ويجانب صحبة أهل الريب ليكون موفور العرض سليم الغيب فلا يلام بلائمة غيره، وهذا قبل التثبت والارتياء ومداومة الاختبار والابتلاء متعذر بل معوز. وقد ضرب ذو الرمة مثلاً بالغاً في من حسن ظاهره وخبث باطنه فقال: ألم تر أن الماء يخبث طعمه، وإن كان لون الماء أبيض صافياً. ونظر بعض الحكماء إلى رجل سوء حسن الوجه فقال: أما البيت فحسن وأما الساكن فرذيء.

هذا المعنى، فقال: ربي ما أبين التباين فيه، منزل عامر وعقل خراب. قال: وأنشدني بعض أهل العلم:

لا تركنن إلى ذي منظر حسن ... رب رائقة قد ساء مخبرها ما كل أصفر دينار تصرفه ... صفر العقارب أدهاها وأنكرها

قال: ثم تقدم من كلام الحكماء: من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندماً؛ أحسنت، لا تستعجل، امتحن الرجال قبل أن تودعوا. نعم، وقال بعض البلغاء: مصارمة قبل اختبار أفضل من مؤاخاة على اغترار. جميل، وقال بعض الأدباء: مصارمة قبل اختبار، يعني أنك تترك علاقتك مع الشخص قبل أن تختبره وتنهي العلاقة سريعاً، أفضل من أن تستمر في مؤاخاة مش مبنية على اختبار ودراية. نعم، وقال بعض الأدباء: لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا توقع بالعدو قبل القدرة. وقال بعض الشعراء: لا توقع بالعدو قبل القدرة. هذه مهمة، لكن أنك تقدم على معاداة شخص أو أنك تحارب شخصاً وأنت لسه مش قده، توقع بالعدو قبل القدرة؛ لأنك أنت اللي بينكسر رأسك مش هو. نعم، وقال بعض الشعراء:

لا تحمدن امرأً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريبِ فحمدك المرء ما لم تبلُ خطأٌ ... وذمك المرء بعد الحمد تكذيبُ

فإذا قد لزم من هذين الوجهين سبر الإخوان قبل إخائهم، وخبرة أخلاقهم قبل اصطفائهم؛ فالخصال المعتبرة في إخائهم بعد المجانسة التي هي أصل الاتفاق، أربع خصال. الخصلة الأولى: عقل موفور يهدي إلى مراشد الأمور، فإن الحمق لا تثبت معه مودة ولا تدوم لصاحبه استقامة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البذاء لؤم، وصحبة الأحمق شؤم». يعني هذا الحديث ينظر فيه. طيب، وقال بعض الحكماء: عداوة العاقل أقل ضرراً من مودة الأحمق، لأن الأحمق ربما ضر وهو يقدر أنه ينفع، والعاقل لا يتجاوز الحد في مضرته، فمضرته لها حد يقف به عنده العقل، ومضرة الجهل ليست بذات حد، فالمحدود أقل ضرراً من غير المحدود.

وقال المنصور للمسيب بن زهير: ما مادة العقل؟ فقال: مجالسة العقلاء. وقال بعض البلغاء: من الجهل صحبة ذوي الجهل، ومن المحال مجادلة ذوي المحال. نعم، قال وقال بعض الأدباء: من أشار عليك باصطناع جاهل أو عاجز، لم يخلُ إما أن يكون صديقاً جاهلاً أو عدواً عاقلاً، لأنه يشير بما يضر بك ويحتال فيما يضع منك. وقال بعض الشعراء:

إذا ما كنت متخذاً خليلاً ... فلا تثقن بكل أخ إخائي فإن خيرت بينهم فألصق ... بأهل العقل منهم والحياءِ فإن العقل ليس له كفاءُ ... إذا ما تفاضلت الفضائلُ

ما معنى ومن المحال مجادلة ذوي المحال؟ ذوي المحال ذوي الجدل، أي ذوي المكر والخديعة، هنا يقول: ومن المحال أنك تنتصر في مجادلة شخص ماكر وخادع فاترك مجادلته. نعم، طيب، الخصلة الأولى: بده يكون ذا عقل موفور، الخصلة الثانية قال: الدين الواقف بصاحبه على الخيرات، فإن تارك الدين عدو نفسه، فكيف يرجى منه ود غيره؟ وقال بعض الحكماء: اصطفِ من الإخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب، فإنهم ردء لك عند حاجتك، ويد عند نائبتك، وأنس عند وحشتك، وزين عند عافيتك. وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

أخلاء الرخاء هم كثير ... ولكن في البلاء هم قليل فلا يغررك خلّة من تؤاخي ... فما لك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفي ... ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل له حسب ودين ... فذاك لما يقوله هو الفعول

نعم، كل واحد يقول لك أنا أخوك وفي لك، لكن عند جدها تجده ذاهب. نعم، وقال آخر: من لم تكن في الله خلته فخليله منه على خطر. وقال الخصلة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق، مرضي الأفعال، مؤثراً للخير آمراً به، كارهاً للشر ناهياً عنه، فإن مودة الشرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق، ولا خير في مودة تجلب عداوة وتورث مذمة وملامة، فإن المتبوع تابع لصاحبه. وقال عبد الله بن المعتز: إخوان السوء كشجر النار يحرق بعضه بعضاً. وقال بعض الحكماء: مخالطة الأشرار خطر، والصبر على صحبتهم كركوب البحر الذي من سلم ببدنه من التلف فيه لم يسلم بقلبه من الحذر منه، وقيل: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار.

وقال بعض البلغاء: إن من خير الاختيار صحبة الأخيار، ومن شر الاختيار صحبة الأشرار. وقال بعض الشعراء وهو سراقة البارقي:

مجالسة السفيه سفاه رأي ... ومن عقل مجالسة الحليمِ فإنك والقرين معاً سواءٌ ... كما قد الأديم من الأديمِ

قال: كما قد، يعني قطع الجلد من وين؟ من الجلد، قطعة الجلد الصغيرة من أين قدت؟ من قطعة جلد كبيرة. نعم، قال والخصلة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما ميل إلى صاحبه ورغبة في مؤاخاته، فإن ذلك أوكد لحال المؤاخاة. الرابعة أنه يعني كما يكون صاحب عقل ودين وأخلاق، بس لازم يكون أيضاً أنه هو حاب صداقتك زي ما أنت حاب صداقته، لأنك أنت لا تستطيع أن تفرض نفسك على الآخرين، صحيح، وأي صداقة مبنية من طرف واحد هي صداقة هزيلة، لأنك أنت تكون كالضيف الثقيل الذي ينتظر ذهابك، فلا بد تتأكد من خلال القرائن أنه هو يحب هذه الصداقة منك كما أنت تحب الصداقة له.

نعم، قال: فإن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة، إذ ليس كل مطلوب إليه طالباً، ولا كل مرغوب إليه راغباً، ومن طلب مودة ممتنع عليه ورغب إلى زاهد فيه كان خائباً. نعم، كما قال البحتري:

وطلبت منك مودة لم أعطها ... إن المنى طالب لا يظفرُ

وقال العباس بن الأحنف:

فإن كان لا يدنيك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافعِ فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافعي وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائعي

قال: فإذا استكملت هذه الخصال في إنسان وجب إخاؤه وتعين اصطفاؤه، وبحسب وفورها فيه يجب أن يكون الميل إليه والثقة به، وبحسب ما يرى من غلبه إحداها عليه يجعله مستعملاً في الخلق الغالب عليه، فإن الإخوان على طبقات مختلفة وأنحاء متشعبه، ولكل واحد منهم حال يختص بها في المشاركة وثلمة يسدها في المؤاخاة والمظافرة، وليس تتفق أحوال جميعهم على حد واحد، لأن التباين في الناس غالب واختلافهم في الشيم ظاهر. وقد قال بعض الحكماء: الرجال كالشجر، شرابه واحد وثمره مختلف، وأخذ هذا المعنى منصور بن إسماعيل الفقيه فقال:

بنو آدم كالنبت ونبت الأرض ألوانُ ... فمنه شجر الصندلي والكافور والبانُ ومنه شجر أفضل ما يحمل قطرانُ

قال: ومن رام إخواناً تتفق أحوال جميعهم فقد رام أمراً متعذراً، بل لو اتفقوا لكان ربما وقع به خلل في نظامه، إذ ليس الواحد من الإخوان ومن رام إخواناً تتفق أحوال جميعهم، اللي بده إخوانه أصحابه كلهم يكونوا نفس الصفات، نفس الموضوع، سيفسد الحياة، مش كذلك، عليك أن تعرف أنه في صديق مثلاً عنده جانب إيجابي في هذه النقطة، وعندي صديق جانبه الإيجابي في هذه النقطة، وعندي صديق جانبه الإيجابي كذا، فاللي يروم أن كل إخوانه يكونوا على نفس المستوى في الصفات والأحوال رح يتعب، ما رح تضبط الأمور وتطلب مثالية غير موجودة في الناس.

فيقول: ومن رام إخواناً تتفق أحوال جميعهم رام أمراً متعذراً، أي غير موجود في هذه الحياة، بل لو اتفقوا لكان ربما وقع به خلل في نظامهم، يعني بتعرفوا لو كانوا كلهم في نفس المكان، أي لكان بالعكس هذا رح يعمل لك مشاكل، وجود تنوع في صفاتهم هو الذي يؤدي إلى الألفة أكثر، تمام، بالعكس وجود اتفاق في الصفات كامل سيؤدي إلى تنافس أكبر. نعم، قال: إذ ليس الواحد من الإخوان يمكن الاستعانة به في كل حال، ولا المجبولون على الخلق الواحد يمكن أن يتصرفوا في جميع الأعمال، وإنما بالاختلاف يكون الائتلاف. وقد قال بعض الحكماء: ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بداً. هي قضية ثانية، هي مرت معنا كثيراً أنه ليس الإنسان، ليس بلبيب من لم يعاشر شخصاً لابد من معاشرته، يعني شخص مفروض عليك، الحكومة فرضته عليك، وأنت عارف أن أنا مش رح أقدر أهرب منه، يا أخي عاشره بالمعروف لحتى تفتك منه، يعني هكذا المثل، بس هذه قضية عامة.

طيب، قال وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات، طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحياناً، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبداً. قال: ولعمري أن الناس على ما وصفهم للإخوان، وليس من كان منهم كالداء من الإخوان المعدودين، بل هم من الأعداء المحذورين، وإنما يداجون بالمودة استكفافاً لشرهم وتحرزاً من مكاشفتهم، فدخلوا في أعداد الإخوان بالمظاهرة والمساترة، وفي الأعداء عند المكاشفة والمجاهرة، وقد قال بعض الحكماء: مثل العدو الضاحك إليك كالحنظلة الخضراء أوراقها القاتل مذاقها. وقد قيل في حكم الفرس: لا تغترن بمقاربة العدو، فإنه كالماء إن أطيل إسخانه بالنار لم يمنع من إطفائها. قال وقال يزيد بن الحكم الثقفي:

تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي لسانك معسول ونفسك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك ملتوي فليت كفافاً كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي

فإذا خرج من كان كالداء من عداد الإخوان، فالإخوان هم الصنفان الآخران، من كان منهم كالغذاء أو كالدواء، لأن الغذاء قوام النفس وحياتها، والدواء علاجها وصلاحها، وأفضلهما من كان كالغذاء لأن الحاجة إليه أعم. وإذا تميز الإخوان وجب أن ينزل كل واحد منهم حيث تنزلت به أحواله إليه، واستقرت خصاله وخلاله عليه، فمن قويت أسبابه قويت الثقة به، وبحسب الثقة به يكون الركون إليه والتعويل عليه، قال الشاعر:

ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسبابِ فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لشدة الأوصابِ

قال: وقد اختلفت مذاهب الناس في اتخاذ الإخوان، فبينهم من يرى أن الاستكثار منهم أولى ليكونوا أقوى منعة ويداً، وأوفر تحنناً وتودداً، وأكثر تعاوناً وتفقداً، وقيل لبعض الحكماء: ما العيش؟ فقال: إقبال الزمان وعز السلطان وكثرة الإخوان. وقيل: حلية المرء كثرة إخوانه. إذاً الناس اختلفت في فلسفة الصداقة، هل الأفضل في الصداقة أن يكثر أصدقاؤك أم أن يقل أصدقاؤك؟ ما هو الأفضل في علم الصداقة؟ البعض قال: الأفضل كثرة الإخوان حتى يكونوا فزعة وتتقوى بهم. البعض لا، قال: الأفضل قلة الإخوان، هذا ذهب إليه ابن حزم في مداواة النفوس، لماذا؟ لأن كثرة الإخوان تجعل عليك متطلبات حياتية كثيرة، هذا تزوج وهذا بده نقوط وهذا بده كذا وهذا جاء ولد، وإذا ما ضبطت الأمور هذا بيزعل منك وهذا كذا، ولا قلل من، وهذا بده إياك مشكلة، فبتصير أنت مزحوم، طبعاً فرق بين الإخوان والمعارف، مثلاً المعارف شيء، والإخوان شيء، الإخوان هم الناس اللي أنت أصدقاء محسوبين عليك وأنت محسوب عليهم، أما المعارف فهذا باب واسع.

نعم، قال: ومنهم من يرى أن الإقلال منهم أولى لأنه أخف أثقالاً وكلفاً وأقل تنازعاً وخلفاً، نعم. قال: وقد قال الإسكندر: المستكثر من الإخوان من غير اختبار كالمستوقر من الحجارة، والمقل من الإخوان المتخير لهم كالذي يتخير الجوهر. وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: من كثر إخوانه كثر غرماؤه. وقال إبراهيم، كثر غرماؤه ليش؟ ديون ومشاكل، وهذا صار معه كذا، وهذا بده دين منه، بالتالي بتصير أنت مداين كل إخوان، نعم. وقال إبراهيم بن العباس: مثل الإخوان كالنار، قليلها متاع، وكثيرها بوار. ولقد أحسن ابن الرومي في هذا المعنى ونبه على العلة حيث يقول:

عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحابِ فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشرابِ فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطابِ إذا انقلب الصديق غداً عدواً ... مبيناً والأمور لها انقلابِ فما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الري في النطف العذابِ

يعني أحياناً ممكن يكون عندك لجج من البحار، لكنها لا تروي ويكون عندك كاسة مي، هذا معنى قد يكون عندك أصحاب كثير بس ولا واحد بتشد ظهرك، في عندك واحد صاحب شد الظهر، شيء نعم سبحان الله، وقال بعض البلغاء: ليكن غرضك في اتخاذ الإخوان الخلاء، واصطفاء النصحاء، واصطناع النصحاء، تكثير العدة لا تكثير العدد، وتحصيل النفع لا تحصيل الجمع، فواحد يحصل به المراد خير من ألف يكثر الأعداد، يعني ليكن هدفك في الصداقة البحث عن العدة، يعني الناس اللي بتقوي، مش العدد، سيبك من العدد، أنت بدك العدة، الناس اللي تشد ظهرك فيهم، فتحصيل النفع لا تحصيل الجمع، مش بس تجمع تجمع، وهذا حتى في فلسفة بناء الجماعات بعض.

الجماعات هدفها فقط تحصيل الجمع، وليس تحصيل النفع؛ فتجد فيها الغث والسمين، بخلاف الإنسان العاقل. النبي عليه الصلاة والسلام في تأسيسه للدولة المسلمة، لماذا أطال النفس في الهجرة؟ ولماذا؟ هو كان يبني العدة، وليس العدد. ما كان هدفه يجمع أي واحد، يلا موالي، نصف موالاة، يلا خمس موا، هؤلاء لا يمشون؛ إذا ما كانوا أنصارك موالين لك ولاءً تاماً، يفدونك بأرواحهم، لا يوجد نفع لو كانوا بالملايين.

قال: وإذا كان التجانس والتشاكل من قواعد الأخوة وأسباب المودة، كان وفور العقل وظهور الفضل يقتضي من حال صاحبه قلة إخوانه؛ لأنه يروم مثله، ويطلب شكله. وأمثاله من ذوي العقل والفضل أقل من أضداده من ذوي الحمق والتنقص، لأن الخيار في كل جنس هو الأقل، فلذلك قل وفور العقل والفضل. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]. فقلَّ لهذا التعليل إخوان أهل الفضل لقلتهم، وكثر إخوان ذوي النقص والجهل لكثرتهم. وقال الحكيم: المرء حيث يجعل نفسه؛ إن صانها ارتفعت، وإن قصر بها اتضعت. وقد قال في ذلك الشاعر: لكل امرئ شكل من الناس مثله ... فأكثرهم شكلاً أقلهم عقلا وكل أناس يألفون لشكلهم ... فأكثرهم عقلاً أقلهم شكلا لأن كثير العقل ليس بواجد له في طريق حين يسلكه مثلاً، وكل سفيه طائش إن فقدته وجدت له في كل ناحية عدلاً.

قال: وإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقد تنقسم أحوال من دخل في عداد الإخوان أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين.

قال: فأما المعين المستعين فهو معاوض منصف؛ يؤدي ما عليه ويستوفي ما له، فهو كالمقرض؛ يسعف عند الحاجة، ويسترد عند الاستغناء. فهو مشكور في معونته، ومعذور في استعانته، وهذه أعدل أحوال الإخوان.

وأما من لا يعين ولا يستعين، فهو متارك، قد منع خيره وقمع شره، فلا هو صديق يرجى ولا عدو يخشى. وقد قال المغيرة بن شعبة: التارك للإخوان متروك. ومن كان كذلك فهو كالصورة الممثلة؛ يروقك حسنها ولكن يخونك نفعها، ما تنتفع منه. قال: فلا هو مشكور لمنع خيره، ولا هو مذموم لقمع شره، وإن كان بالذم أجدر. وقال الشاعر: وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى ... له أحد يزري عليه وينكره غير أن فساد الوقت وتغير أهله يوجب شكر من كان شره مقطوعاً؛ يقول لك مع فساد الزمان هذا، الله يجزاه الخير الذي لا يعين بس لا يستعين، تاركنا من شره، هذا جزاه الله خيراً وإن كان خيره ممنوعاً، بس الله يجزاه الخير أنه مش عم بضرنا. كما قال المتنبي: أنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال

قال: وأما من يستعين ولا يعين، فهو لئيم؛ اللي بيطلب منك بس إذا بدك إياه ما بتلاقيه، ولما هو بده إياك بتلاقيه عندك، فهذا لئيم، حمل، أنا ايش علاقتي فيك؟ أنت بس بدك إياي بتلاقيني، لكن أنا ما بدي إياك ما بلاقيك. قال: ومهين مستذل، قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة، فلا خيره يرجى ولا شره يؤمن. وحسبك مهنة برجل يستثقل عند إقلاله، ويستقل عند استقلاله. يستثقل يعني بيجي يطلب منك لما يكون هو فقير، ويستقل عند استقلاله، يعني بيستغني عنك وبتشوفه مش صحبة هذه. فليس لمثله في الإخاء حظ، ولا في الوداد نصيب، وهو ممن جعله المأمون من داء الإخوان لا من دوائهم، ومن سمهم لا من غذائهم. وقال بعض الحكماء: شر ما في الكريم أن يمنعك خيره، وخير ما في اللئيم أن يكف عنك شره. وقال ابن الرومي: عذرنا النخل في إبداء شوك ... يرد به الأنامل عن جناه فما للعوسج الملعون أبداً ... لنا شوكاً بلا ثمر نراه

قال: وأما من يعين ولا يستعين، فهو كريم الطبع مشكور الصنع، فقد حاز فضيلتي الإسداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلاً في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة. هذا أحسن الشباب؛ هو بيعينك وبالشكل العام ما بيطلب منك خدمة، بس إذا بدك إياه بفزع لك. فهو أشرف الإخوان نفساً، وأكرمهم طبعاً، فينبغي لمن أوجد له الزمان مثله، وقلّ أن يكون له مثل حقيقة لأنه الدر الكريم والدر اليتيم، أن يثني عليه خنصره، أي أن تمسك به، أوعدك تفلت؛ لأنه هذا سريع الفلتان، ويعض عليه ناجذه، ويكون به أشد ضناً بنفائس أمواله وسني ذخائره؛ لأن نفع الإخوان عام، ونفع المال خاص، مال بينفعك في بعض الزوايا، بس هذا بينفعك في أشياء كثيرة، وما كان أعم نفعاً فهو بالادخار أحق. الفرزدق يقول: يمضي أخوك فلا تلقى له خلفاً ... والمال بعد ذهاب المال يكتسب أخوك إذا راح ما بتلاقي زيه، أما المال بيروح وبيبدل. وقال آخر: لكل شيء عدمته عوض ... وما فقد الصديق من عوض

نقف اليوم عند هذا القدر إن شاء الله، وصلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.