حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك. حياكم الله مشايخنا وإخواننا عبر البث المباشر، صبحكم الله بالخيرات.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على كتاب أدب الدين والدنيا للإمام الماوردي عليه رحمة الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وفي غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل بلاء عافية.
ما زلنا نعيش في الصفحات الأخيرة من التعليق على الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب، ألا وهو باب أدب الدين. هذا الكتاب مقسم إلى مقدمات، ثم أدب الدين، ثم أدب الدنيا، ثم أدب النفس، هذه خلاصة الكتاب. ما زلنا في الحالة الثانية وهي قضية أدب الدين، وصلنا إلى قول المصنف: ثم الحالة الثانية من أحوال رياضتك لها. المصنف الآن يتكلم عن أحوال رياضة النفس، كيف يروض الإنسان نفسه ويؤدبها.
قال رحمه الله: ثم الحال الثانية من أحوال رياضتك لها أن تصدق نفسك فيما منحتك من رغائبها، وأنلتك من غرائبها، فتعلم أن العطية فيها مرتجعة، والمنحة فيها مستردة، بعد أن يبقى عليك ما احتقبت من أوزار وصولها إليك وحسرات خروجها. احتقبت أي جمعت. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزول قدما ابن آدم من بين يدي الله تعالى حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه».
القضية الثانية من طرق رياضة النفس أن تصدق مع نفسك في فهم طبيعة العطاء في هذه الحياة الدنيا، فتعلم أن العطية فيها مرتجعة، والمنحة فيها مستردة، لكن بعد أن يبقى عليك ما احتقبت من أوزار وصولها إليك، وخسارة خروجها عنك. وأنت حتى تصل إلى هذه الرغائب والملاذ والمتاع، ربما فعلت الكثير من المعاصي والذنوب والأخطاء، فيبقى عليك وزر ما جمعته من المعاصي أثناء الوصول إلى هذه الرغبات، ثم يبقى عليك أيضًا من الجهة المقابلة خسران خروجها عنك. فأنت حصلتها ثم خرجت عنك، فسيبقى عليك وزر المعاصي والذنوب التي حصلت بها هذه الرغبة، ثم خسران فقدك لهذه الرغبة. الإنسان الذي يعيش في عالم من المعاصي، فعل الكثير من الأوزار حتى نال ملذة من النظر الحرام والعلاقات وما شابه ذلك، ثم هذه الملذة كم ستمكث معه؟ دقائق معدودة أو أشهر، ثم بعد ذلك ستغادره. فهو فقد لذتها فشعر بألم الفقد، وأيضًا عليه وزر الجمع. وهذه طبيعة الحياة الدنيا أن ملاذها زائلة، فالإنسان يحرص على أن يجمع فيها ما ينفعه مما يسأل عنه أمام الله، فيفتخر به، ولا يجمع فيها ما يكون وزره عليه.
وروي عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال في المال ثلاث خصال. قالوا: وما هن يا روح الله؟ قال: يكسبه من غير حله. قالوا: فإن كسبه من حله؟ قال: يضعه في غير حقه. قالوا: فإن وضعه في حقه؟ قال: يشغله عن عبادة ربه. ودخل أبو حازم على بشر بن مروان فقال له: يا أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه. قال: ومن يطيق هذا يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجن والناس أجمعين.
وعيرت اليهود عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بالفقر، فقال: من الغنى دهيتم. ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئًا يقعدون عليه، فقال لهم: لو كانت الدنيا دار مقام لاتخذنا لها أثاثًا. وقيل لبعض الزهاد: ألا توصي؟ قال: بماذا أوصي؟ والله ما لنا شيء، وما لنا عند أحد شيء، ولا لأحد عندنا شيء. انظر إلى هذه الراحة كيف تعجلها، وإلى السلامة كيف صار إليها. ولذلك قيل: الفقر ملك ليس فيه محاسبة. وقيل لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: ألا تتزوج؟ فقال: إنما نحب التكثر في دار البقاء. وقيل له: لو دعوت الله تعالى أن يرزقك حمارًا؟ فقال: أنا أكرم على الله تعالى من أن يجعلني خادم حمار، لأنك إذا كان عندك حمار أو دابة بدك تصلحها وتطعمها وتعلفها.
وقيل لأبي حازم: ما كنزك؟ فقال: شيئان، الرضا عن الله تعالى، والغنى عن الناس. وقيل له: إنك لمسكين، فقال: كيف أكون مسكينًا ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ وقال بعض الحكماء: رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. وقال بعض الأدباء: الناس أشتات، ولكل جمع شتات. وقال بعض البلغاء: الزهد بصحة اليقين، وصحة اليقين بنور الدين، فمن صح يقينه زهد في الثراء، ومن قوي دينه أيقن بالجزاء. فلا تغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك، فمدة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة. وقال بعض الشعراء: رب مغروس يعاش به، عدمته كف مغترسه، وكذاك الدهر مأتمه أقرب الأشياء من عرسه.
فإذا رُضت نفسك من هذه الحال بما وصفت، اعتدت منها ثلاث خلال: إحداهن نصح نفسك وقد استسلمت إليك، والنظر لها وقد اعتمدت عليك، فانظر لها ولا تنحرف عنها، فإن غاش نفسه مغبون، والمنحرف عنها مأفون. والثانية: الزهد فيما ليس لك لتكفى تكلف طلبه وتسلم من تبعات كسبه. والثالثة: انتهاز الفرصة في مالك أن تضعه في حقه، وأن تؤتيه لمستحقه ليكون لك ذخرًا ولا يكون عليك وزرًا.
فقد روي أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أكره الموت. قال: ألك مال؟ قال: نعم. قال: قدم مالك، فإن قلب كل امرئ عند ماله. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ذبحنا شاة فتصدقنا بها، فقلت: يا رسول الله، ما بقي إلا كتفها. فقال: كلها بقي إلا كتفها. وحكي أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود باع دارًا بثمانين ألف درهم، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرًا؟ فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرًا لي عند الله تعالى، وأجعل الله تعالى ذخرًا لولدي، وتصدق بها.
وعوتب سهل بن عبد الله المروزي في كثرة الصدقة فقال: لو أن رجلًا أراد أن ينتقل من دار إلى دار، هل كان يبقي في الأولى شيئًا؟ وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. وقيل لعبد الله بن عمر: ترك زيد بن حارثة مئة ألف درهم. فقال: لكنها لا تتركه. وقال الحسن البصري: ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة إلا وعليه فيها تبعة، إلا سليمان عليه السلام؛ فإن الله تعالى قال: ﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 39]. وقال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا فلم يضرنا فقد ما زوي عنا.
وقال بعض السلف: قدموا بعضًا ليكون لكم قرضًا، ولا تخلفوا كلًا فيكون عليكم كلًا. وقال إبراهيم: نعم القوم السؤال، يدقون أبوابكم يقولون توجهون إلى الآخرة شيئًا. وقال سعيد بن المسيب: مر بي صلة بن أشيم فما تمالكت أن نهضت إليه، فقلت: يا أبا الصهباء، ادع لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه ولا يعول في الدين إلا عليه.
ولما ثقل عبد الملك بن مروان، رأى غسالًا يلوي بيده ثوبًا، فقال: وددت أني كنت غسالًا أعيش بما أكسبه يومًا فيومًا. فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى عنده ما هم فيه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت». وقال الشاعر: وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع
وقال خالد بن صفوان: بت ليلة أتمنى، فكُبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان وكوزان وطمران. وقال مورق العجلي: يا ابن آدم، في كل يوم تؤتى رزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك وأنت لا تحزن؛ تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك. وقال أبو حازم: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد؛ أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وهم من غد على وجل، وإنما هو اليوم فما عسى أن يكون؟
وقال بعض السلف: تعزَّ عن الشيء إذا منعته لقِلة ما يصحبك إذا أعطيته. وقال بعض الحكماء: من ترك نصيبه من الدنيا استوفى حظه من الآخرة. وقال آخر: ترك التلبس بالدنيا قبل التشبث بها أهون من رفضها بعد ملابستها. وقال آخر: ليكن طلبك للدنيا اضطرارًا، وفكرتك في الأمور اعتبارًا، وسعيك لمعادك ابتدارًا. وقال آخر: الزاهد من لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود. وقال آخر: من آمن بالآخرة لم يحرص على الدنيا، ومن أيقن بالمجازاة لم يؤثر على الحسنى. وقال آخر: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر. وقال أبو العتاهية: أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابًا كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه، وخذ ما أنت محتاج إليه. وحكى الأصمعي قال: دخلت على الرشيد يومًا وهو ينظر في كتاب ودموعه تسيل على خده، فلما بصر بي قال: أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، لا أبكى الله عينك.
قال: «أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت». ثم رمى بالقرطاس فإذا فيه شعر أبي العتاهية: هل أنت معتبر بمن خربت منه ... غداه قضى دساكره وبمن أذل الدهر مصرعه فتبرات منه عساكره ... وبمن خلت منه أسرته وبمن خلت عنه منابره ... أين الملوك وأين عزهم صاروا مصيراً أنت صائره ... يا مؤثر الدنيا لذته والمستعد لمن يفاخره نل ما بدا لك أن تنال من الدنيا فإن الموت أخره.
فقال الرشيد: «والله لكأني أطالب بهذا الشعر دون الناس». فلم يلبث -أنا المخاطب به نعم- قال: فلم يلبث بعده إلا يسيراً حتى مات.
قال: ثم الحال الثالثة من أحوال رياضتك لها أن تكشف لنفسك حال أجلك، وتصرفها عن غرور أملك، حتى لا يطيل لك الأمل أجلاً قصيراً، ولا ينسيك موتاً ولا نشوراً. الطريقة الثالثة أو الخطوة الثالثة في رياضة النفس هو أن تكشف لنفسك حال أجلك وأن الموت قريب، وتصرفها عن طول الأمل؛ فكرة محاربة طول الأمل هذه من رياضة النفس المهمة، أن يروض الإنسان نفسه أن الموت أقرب إلى الإنسان من شراك نعله.
قال: روي عن النبي ﷺ أنه قال في بعض خطبه: «أيها الناس، إن الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات، ورغب في الباقيات الصالحات».
عن البريد قديماً، ونوع من قديماً، كانوا طريق البريد كيف كان في الخدم؟ حكيناها، أظن في الدولة الإسلامية القديمة، يكون رجل على بغل أو حصان، والحاكم يقول له: اذهب لي إلى البصرة جيب لي فلاناً، فيروح بالحصان أو بالبغل، روح جيب له فلاناً، روح اذهب لي إلى دمشق جيب لي فلاناً، وهكذا، فكان البريد سريعاً، أصبح مثالاً في السرعة.
شيخنا، ليس وجود لفظة "البريد" يعني هي قطعاً ستجزم لأنه ليس من حديث النبي ﷺ، والله أنا أظن ذلك صحيحاً. ولذلك قلت لكم، أخونا الشيخ الماوردي رحمه الله كثيراً من أحاديثه موضوعة أو ضعيفة جداً أو مدخولة.
قال: وقال مسعر: «كم من مستقبِل يوماً وليس بمستكمِله، ومنتظر غدٍ وليس من أجله». وهذا كله كلام وعظ، لكن للأسف لما أرادوا أن يروجوه، كان هذا كثيراً عند أهل التصوف والزهد؛ يقولون كلام وعظ، إذا أرادوا أن يروجوه وضعوا قبله: قال رسول الله ﷺ، وهذه مشكلة؛ مشكلة كانت موجودة قديماً، تكلم عنها وأنكرها كثير من العلماء عند أهل التصوف أو أهل الزهد أو القصاصين أو الوعاظ أو ما شابه ذلك.
قال: وقال مسعر: «كم من مستقبل يوماً وليس بمستكمِله، ومنتظر غدٍ وليس من أجله، ولو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره». وقال رجل من الأنصار للنبي ﷺ: «من أكياس الناس؟» قال: «أكثرهم ذكر للموت، وأشدهم استعداداً له، أولئك الأكياس ذهبوا».
هذا يدل إخواني أن المتكلمين أيضاً من الأقدمين، المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، بضاعتهم كانت ضعيفة جداً. أنت قد تجد اليوم بعض طلاب العلم العاديين يعرفون أن هذه الأحاديث لم يكن النبي ﷺ قالها، هذه أدنى نظر. أنت لما تتكلم عن إمام مثل الماوردي، وتتكلم عن أشخاص مثل الغزالي، تستغرب أحياناً كيف يريدون بعض الأحاديث، بينما ربما طالب بسك (بشكل بسيط) قرأ أساسيات الحديث النبوي يعرف أن مثل هذا لا يمكن أن يكون من كلام النبي ﷺ.
هذا يعطيك أنه قديماً، خاصة لما كانت الكتب ليست متوفرة، كيف أن المتكلمين كانوا منشغلين تماماً بعلم الجدل واليقينيات والفلسفة، ونظرهم في كتب السنة الستة الأساسية ضعيف جداً، فحتى يفقد الخبرة في معرفة ماذا يمكن أن يكون قاله النبي ﷺ. الماوردي لو كان صاحب خبرة، ليس شرطاً أن يكون عالماً في علم الحديث، بل مجرد صاحب خبرة في الكتب الستة وما شابه ذلك، ربما عرف أن كثيراً من الأحاديث التي أوردها ليس لها أصل، ولم يكن يستحيل أن يكون النبي ﷺ قالها، لكن هذا يعطيك ضعف الاطلاع الكبير، بما يجعله يروي مثل هذه القضية.
قال: «أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة». وقال عيسى بن مريم عليه السلام: «كم تنامون كذلك تموتون، وكما تستيقظون كذلك تبعثون». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: «أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم».
طبعاً أنا عندي في نسختي -كرم الله وجهه- أحياناً قد يكون هناك شيء ليس من كلام الماوردي تم إدخاله من النسخ، هل هو دائماً يقول عليه السلام ولا يقول كرم الله وجهه؟ حتى النسخ مختلفة.
قال: وقال العلاء بن مسكن: «ليس قبل الموت شيء إلا والموت أشد منه، وليس بعد الموت شيء إلا والموت أيسر منه». وقال بعض الحكماء: للباقي بالماضي معتبراً ... وللآخِرِ بالآولِ مُزدَجَرا والسعيدُ لا يركنُ إلى الخُدعِ ... ولا يغترُّ بالطمعِ
وللآخِرِ بالآولِ مُزدَجَرا؛ أي الآخر إذا اعتبر بالاول، أي بمن سبقه، وما فعل الله بالأمم السابقة، فازدجر؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وقال بعض الصالحين: «إن بقاءك إلى فناء، وفناءك إلى بقاء، فخذ من فنائك الذي لا يبقى، لبقائك الذي لا يفنى». وقال بعض العلماء: «أي عيش يطيب وليس للموت طبيب؟». وقال بعض البلغاء: «كل امرئ يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله وتنطوي عليها صحيفة عمله، فخذ من نفسك لنفسك، وقص يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك، وزد في حسناتك قبل أن تستوفي مدة الأجل وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل».
وقيل في منثور الحكم: «من لم يتعرض للنوائب تعرضت له»، أي من لم يلقِ نفسه في المصائب جاءته المصائب إلى بابه.
وقال أبو العتاهية: ما للمقابر لا تجيب إذا دعاهن الكئيب؟ حفرٌ مشققةٌ عليهن الجنادلُ والكثيبُ فيهن ولدانٌ وأطفالٌ وشبانٌ وشيبُ كم من حبيبٍ لم تكن نفسي بفرقته تطيبُ غادرته في بعضهن مجندلا ... غادرته في بعضهن.
«عضى النبي ﷺ رجلاً فقال له: أقلل من الدنيا تعش حراً، وأقلل من ذنبي يهن عليك الموت، وانظر حيث تضع ولدك فإن العرق دساس». وقال الرشيد: «وانظر حيث تضع ولدك» أي ما أنت تتزوج.
وقال الرشيد لابن السماك: «عظني وأوجز»، فقال: «اعلم أنك أول خليفة يموت». وقد قيل للرشيد ابن السماك: «عظني وأوجز»، فقال: «اعلم أنك في حد عنده في النسخ شيء ثانية يموت». ربما لا يقصد على ظاهرها، بل أراد كناية عن شيء معين. هو أراد أن يقول: اعلم أنك أول خليفة يموت، ربما يقصد أول خليفة من الموجودين حالياً، فهي إشارة إلى أنه أنت أقرب ملك من ملوك المسلمين سيموت، باعتبار أنه لا يوجد غيرك الآن، فكأنه يقول: أنت أول من سيموت من الموجودين.
فهي على حقيقتين، هو أراد شيئاً معيناً وهو أنك ستموت، لكن نحن نبحث عن الكناية التي قصدها. فهل يقصد أنك أول خليفة بين الموجودين، باعتبار أنه في غيره الآن فعلياً، فأنت أول خليفة سيموت من الآن فصاعداً؟ قد يكون قصد هذا.
قال: وعز أعرابي رجلاً في ابن الله صغير، فقال له: «الحمد لله الذي نجاه مما هاهنا من الكدر، وخلصه مما بين يديه من الخطر مما هو قادم من الخطر». وقال بعض السلف: «من عمل للآخرة أحرزها، ومن أثر الدنيا حرمها والآخرة». وقال بعض الصلحاء: «استغنم تنفس، اغتنم إمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، ونفس معدود، وعمر غير ممدود». وقال بعض الحكماء: «الطبيب معذور إذا لم يدفع المحذور». وقال بعض البلغاء: «اعمل عمل المرتحل، فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك».
كل هذه النصوص تصب في الرياض الثالثة، وهي طول عدم طول الأمل، وتذكر الإنسان للموت دوماً. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال بعد موت رسول الله ﷺ: «غَرَّجَه أملُه، يموت من جاء أجله، ومن دنى من حتفه من لم تغنِ عنه حيلُه، وما بقي بقاء آخر قد غاب عنه أوله، والمرء لا يصحب في القبر إلا عمله».
وقال أبو العتاهية: لا تأمن الموت في لحظ ولا نفس ... وإن تمنعت بالحجاب والحرس ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وثوبك الدهر مغسول من الدنس واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري بغير مجاديف
جميل هذا الكلام. فإذا رددت نفسك من هذه الحال بما وصفت، أعطتك منها ثلاث خصال. إذا حصلت هذه الرياضة فماذا ستحصل من الخصال؟
أولاً: أن تكفى تسويف أمل يرديك؛ لأن الإنسان إذا أطال الأمل قال: سوف أتوب، سوف أصلح، سوف كذا، فتقصير الأمل يعين الإنسان على العمل مباشرة. وقال: «تسويف الأمل غرار، وتسويف المحال ضرار».
والثانية: أن تستيقظ لعمل آخرتك وتغتنم بقية أجلك بخير عملك، فإن من قصر أمله واستقبل أجله حسن عمله.
والثالثة: أن يهون عليك نزول ما ليس عنه محيص، ويسهل عليك حلول ما ليس إلى دفعه سبيل، فإن من تحقق أمراً توطأ لحلوله هان عليه عند نزوله.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: «نبه بالتفكر قلبك، وجاف عن النوم جنبك، واتق الله ربك». وقال عمر بن الخطاب لأبي ذر رضي الله عنهما: «عظني»، فقال: «ارضَ بالقوت، وخف الفوت، واجعل صومك الدنيا، وفطرك الموت».
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما رأيت يقيناً لا شك فيه، أشبه بشك لا يقين فيه، من يقيننا نحن؛ فإنا لو كنا مقرين لَحمقاً، ولو كنا جاحدين لَهلكنا».
وقال الحسن البصري: «نهارك ضيفك، فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك»، وكذا ليلك.
وقال الجاحظ في كتاب البيان: «وجد مكتوباً في حجر يا ابن آدم: إنك لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، ولأرغبت في الزيادة من عملك، ولأنما يلقاك غداً ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب».
ولما حضر بشر بن منصور الموت فرح، فقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: «أتجعلون قدومي على خالق أرجوه، كمقامي مع مخلوق أخافه؟». وقيل لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى الطبيب؟ فقال: «قد رآني»، قالوا: فما قال لك؟ قال: «إني فعال لما أريد». وقيل لربيع بن خثيم وقد اعتلت: ندعو لك الطبيب؟ فقال: «قد أردت ذلك، فذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرس، وقروناً بين ذلك كثيراً، وعلمت أنه كان فيهم الداء والمداوي فهلكوا جميعاً». وسئل أنوشيروان متى يكون...
قيل متى يكون عيش الدنيا الذ؟ فقال: إذا كان الذي ينبغي أن يعمله في حياته معمولًا.
وقال بعض الحكماء: «من ذكر المنية نسي الأمنية». وقال بعض الأدباء عن الموت: «تسل عنه فهو تنسل»، أي تتهرب منه. وقال: «عن الموت تنسل فهو كريشة تسحل».
وقال بعض البلغاء: «الأمل حجاب الأجل». وأنشد بعض أهل الأدب ما نُسب لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ولو كنا إذا متنا تركنا .. لكان الموت راحة كل حي ولكن إذا متنا بعثنا .. ونسأل بعد ذا عن كل شيء
وقال بعض الشعراء: ألا إنما الدنيا مقيل لراكبٍ .. قضى وطراً من منزل ثم راح ولا يدري علام قدومه .. إلا كل ما قدمت تلقى موفرا
روى سعيد بن مسعود أن أبا الدردائي رضي الله عنه قال: يا رسول الله أوصني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكسب طيبًا، واعمل صالحًا، واسأل الله تعالى رزق يوم بيوم، وأعد نفسك من الموتى». وكتب الربيع بن خثيم: «أخدم جهازك، وأفرغ من زادك، وكن وصي نفسك، والسلام».
وقال بعض السلف: «أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها». ومعناه أن من تعامل مع الدنيا بحذر يصيبها، وأصابت الدنيا من أمنها، أي من تعامل معها بالأمن وأنه لا يحصل شيء، فتصيبه الدنيا بالمصائب.
ومر محمد بن واسع بقوم فقيل له: هؤلاء زهاد؟ فقال: «وما قدر الدنيا حتى يحمد من زهد فيها جميلًا؟»؛ أي زهاد الدنيا تافهة أصلاً، لا يحمد من زهد فيها.
وقال بعض الحكماء: «السعيد من اعتبر بأمسه واستظهر لنفسه، والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه». وقال بعض البلغاء: «لا تبت عن غير وصية، وإن كنت من جسمك في صحة، ومن عمرك في فسحة، فإن الدهر خائن، وكل ما هو كائن كائن». عليك أن تعجل في كتابة وصيتك حتى ولو كنت صحيح البدن، فإن الموت يأتي فجأة.
وقال بعض الشعراء: من كان يعلم أن الموت مدركه .. والقبر مسكنه والبعث مخرجه وأنه بين جنات ستُبهجه .. يوم القيامة أو نار ستُضجّه فكل شيء سوى التقوى به سميج .. وما أقام عليه منه أسمجه ترى الذي اتخذ الدنيا له وطناً .. لم يدرِ أن المنايا سوف تزعجه
وروى جعفر بن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه: «أيها الناس، إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله تعالى صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله تعالى قاضٍ فيه؛ فليتزود العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الحياة قبل الموت، فإن الدنيا خلقت لكم، وإنكم خلقتم للآخرة. فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا دار إلى مستعتب». أي من مرجع؟ خلاص الدنيا بعدها لا يوجد رجوع، إذا غادرت الدنيا لن تعود، ولا بعد الدنيا دار إلى الجنة أو النار.
وقال الحسن البصري: «الأمس أجل، واليوم عمل، وغدًا أمل». فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فنظمه شعراً فقال: ليس فيما مضى ولا في الذي لم يأتِ .. من لذة لمستحليها إنما أنت طول عمرك ما عُمرت .. في الساعة التي أنت فيها قنع النفس بالكفاف ولا .. أطلبت منك فوق ما يكفيها
وقيل لزاهد: ما بالك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: «لأني أعلم أني مسافر، وإنها دار قلعة، وإن العصا من آلة السفر». وقال بعضهم: «حملت العصا للضعف، أوجب حملها علي، ولا أني تحنيت من كبر، ولكنني ألزمت نفسي حملها لأعلمها أن المقيم على سفر».
وقال بعض المتصوفة: «الدنيا ساعة فاجعلها طاعة». وقال ذو القرنين: «في الدنيا جاهلين، وعشنا فيها غافلين، وأخرجنا منها كارهين». وقال عبد الحميد: «المرء أسير عمره يسير».
وقيل في بعض المواعظ: «عجب لمن خاف العقاب كيف لا يكف! وعجب لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل!». وقال بعض الحكماء: «المسيء ميت وإن كان في دار الحياة، والمحسن حي وإن كان في دار الأموات، وكل بالآثر يومه أو غداه».
وقال بعض السلف: «الله المستعان على السنة تصفو، وقلوب تعرف وأعمال تخالف». وقال آخر: «إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما». وقال آخر: «اعملوا لآخرتكم، فإن الأيام إن هدمتكم فاعملوا فيها». وقال آخر: «اعملوا لآخرتكم من هذه الأيام التي تسير كأنها تطير». وقال آخر: «الموت قصاراك، فخذ من دنياك لآخرتك». وقال آخر: «عباد الله الحذر الحذر، فالموت قصاراك». وقال آخر: «عباد الله الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر، ولقد أمهل حتى كأنه قد أهمل». يتكلم عن الله، ربنا ساتر ويمهل، ولكنه لا يهمل سبحانه. وقال آخر: «الأيام صحائف أعمالكم، فخلدوها بأجمل أفعالكم».
وقيل في موثور الحكم: «اقبل نصح الشيء وإن عجل»، وقيل: «ما طلعت شمس إلا وعضت بأمس». وقال محمد بن بشير: مضى أمسك الأدنى شهيداً معدلاً .. ويومك هذا بالفعال شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة .. فثني بإحسان وأنت حميد ولا ترجُ فعل الخير منك إلى غدٍ .. لعل غداً يأتي وأنت فقيد إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت .. حميمك فاعلم أنها ستعود وإن أمراً ينجو من النار بعدما .. تزود من أعماله لسعيد
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما رأيت مثل الجنة نائم طالبها، وما رأيت مثل النار نائم هاربها».
وقال عيسى بن مريم عليه السلام: «إن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إخواني مثل هذه». هذا الاستقراء الذي يفعله الماوري رحمه الله لا ينبغي أن يبقى.
في حياة طالب العلم مجرد أفكار جميلة يعلق عليها ويقول: ما شاء الله، هذه الخاطرة رائعة، وبعض الناس يهتم بوضعها على الهاتف. هذه حقائق شئت أم أبيت أن يفهم الإنسان طبيعة الحياة، وأن الدنيا سريعة الزوال، وأنك اليوم شاب وغداً ستصبح كبيراً، وضرورة استغلال ساعات العمر أقصى درجات الاستغلال، وأن يفهم الإنسان أنك عندما تمر بالمقابر، أن هؤلاء شباب ورجال كانوا معنا البارحة، واليوم أصبحوا تحت الثرى يتمنون القدرة على العمل ونحن اليوم عندنا قدرة على العمل.
هذه المعاني تجعل دائما طالب العلم المستمع حريصاً على أن يملأ الوقت بما ينفعه، ويقلل من حجم انشغاله بالدنيا وتعلقه بها وتشبثه بما يتشبث به الناس، وحريصاً على أن يبقى في مجالس العلم النافع التي توقظ قلبه لهذه المعاني. لو لم يكن من فوائد العلم النافع إلا أن يبقى القلب يقظاً لمثل هذه المعاني، لكفت بهذه فائدة. لو أننا لم نفعل شيئاً إلا أننا نبقى متيقظين في كلمات تبقى توقظنا وتنبهنا: ترى الدنيا قريباً ستزول، ترى ما أنت مطول في هذه الحياة الدنيا، انتبه لحياتك، لا تأخذك الحياة المعاصرة والسوشيال ميديا وكذا، لا تكن همك هم الناس.
قراءة مثل هذه الكتب توقظ هذه المعاني، بغض النظر عن حجم الكلام الذي يحشده، أنت خذ الخلاصة النهائية. بعد أربعين أو خمسين أو ستين نصاً، قال فلان وقال فلان، وبغض النظر حتى عن الأسانيد في بعضها، الفكرة في مثل هذه الكتب ما هي؟ أصل الموضوع أن الدنيا قصيرة، هكذا اتفق العقلاء والحكماء وكل من يريد أن يسعى إلى الآخرة، اتفقوا على أن الدنيا قصيرة، وأن طول الأمل أكثر ما يهلك الإنسان. فيبقى الإنسان فعلاً متشوفاً لما يصلح شأنه في يومه وليلته، والاعتبار بأن الأيام تمر وأن الفرص قليلة.
وكما قال: الشمس تعظك بأن البارحة ذهب، وعندما تغيب شمس اليوم غداً سيأتي شيء جديد إذا كتبت لك حياة، وقد لا تأتي لك حياة. يبقى الإنسان منتبهاً أنه لا بد أكون سريعاً في العمل، ما في مجال للتسويف، وغداً وبعد غد وبعدين أتوب وأقرأ الكتاب وأنتفع من مادة معينة، لا، افعل اليوم كأنه آخر يوم في حياتك وصلي صلاة مودع.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الناس طالبان يطلبان، فطالب يطلب الدنيا فارفضوها في نحره، فإنه ربما أدرك الذي يطلب منها فهلك بما أصاب منها، وطالب يطلب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه.
ودخل أبو الدرداء الشام فقال: يا أهل الشام، اسمعوا قول أخيكم الناصح، فاجتمعوا عليه فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتؤملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون؟ إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم بوراً، ومساكنهم قبوراً.
وقال أبو حازم: إن الدنيا غرت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق، ففاجأهم الموت فخلفوا مالهم لمن لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم، وقد خلفنا بعدهم؛ فينبغي لنا أن ننظر الذي كرهناه منهم فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله.
ومر بعض الزهاد بباب ملك فقال: باب جديد، وموت عتيد، ونزع شديد، وسفر بعيد.
ومر بعض الزهاد برجل قد اجتمع عليه الناس فقالوا: هذا مسكين سُرق منه، ومر به آخر فأعطاه جبة، فقال: الحمد لله إن سعيكم لشتى.
وقال بعض الحكماء: ما أنصف من نفسه من أيقن بالحشر والحساب وزهد في الأجر والثواب. وقال آخر: بطول الأمل تقسو القلوب، وبإخلاص النية تقل الذنوب. وقال آخر: إياك والمنى، فإنها من بضاعة النوكى، وهي تثبط عن الآخرة.
وقال آخر: قصر أملك فالعمر قصير، وأحسن سيرتك فالبر يسير.
وقال عبد الله بن المعتز: نسير إلى الآجال في كل ساعة .. وأيامنا تطوى وهن مراحل ولم نر مثل الموت حقاً كأنه .. إذا ما تخطته الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا .. فكيف به والشيب في الرأس شامل ترحل من الدنيا بزاد من التقى .. فعمرك أيام تعد قلائل
وكان عبد الملك بن مروان يتمثل بهذين البيتين كثيراً: فاعمل على مهل فإنك ميت .. واكدح لنفسك أيها الإنسان فكأنما قد كان لم يكو إذ مضى .. وكأنما هو كائن قد كان
ونظر سليمان بن عبد الملك يوماً في المرآة فقال: أنا الملك الشاب، وكان على رأسه جارية له فقال لها: أوما تقولين أنت؟ فقالت له الجارية: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى .. غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما بدا لنا منك عيب .. كان في الناس غير أنك فان
وروي عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبان عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته الجدعاء فقال: «أيها الناس، كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذين نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيبه عن عيب غيره، وأنفق من مال كسبه من غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. طوبى لمن قدم نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته. طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة ولم يعدوها إلى البدعة».
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «زوروا القبور تذكركم الآخرة». وغسلوا الموتى؛ فإنها معالجة الأجساد الخاوية وموعظة بليغة. وحفر الربيع بن خثيم في داره قبراً، فكان إذا وجد من قلبه قسوة جاء فاضطجع في القبر فمكث فيه ما شاء الله، ثم يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]، ثم يرد على نفسه فيقول: قد أرجعتك فجِدّ. فمكث على ذلك ما شاء الله.
وقال أبو محرز الطفاوي: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة.
وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ فقال: النظر إلى محال الأموات. وأخذ أبو العتاهية فقال: وعظتك أجداث صمت .. ونعتك أزمنة خلت وتكلمت عن أوجه .. تبلى وعن صور سبت وأراك قبرك في الحياة .. وأنت حي لم تمت يا شامتاً بمنيتي .. إن المنية لم تفُت ولربما انقلب الشمات .. فحل بالقوم الشمت
ووجد مكتوباً على قبر: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وعلى آخر: من أمل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور.
وقيل في منثور الحكم: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وقال بعض الحكماء: من لم يمت لم يفت. وقال بعض الصلحاء: لنا من كل ميت عظة بحاله وعبرة بماله. وقال بعض العلماء: من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول أحد.
وقال بعض البلغاء: من مضت ساعة من عمره إلا ببضعة من نفسك. فأخذ أبو العتاهية فقال: إن مضى اليوم فاعلمن غداً .. فانظر بما ينقضي مجيء غده ما ارتد طرف امرئ بلذته .. إلا وشيء يموت من جسده
ولما مات الإسكندر قال أرسطاليس: لقد حركتنا بسكونك. وقال بعض الحكماء: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال: كفى حزناً بدفنك ثم إني .. نفضت تراب قبرك عن يدي وكانت في حياتك لي عظة .. وأنت اليوم أوعظ منك حياً
وقال بعض الحكماء: لو كان للخطايا ريح لافتضح الناس من كل عمل قبيح ولم يتجالسوا. فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال: أحسن الله بنا أن الخطايا .. لتفوح فإذا المستور منا بين ثوبيه فضوح
وكتب رجل إلى أبي العتاهية: يا أبا إسحاق، إني واثق منك بودك، فأعني بأبي فأعني بأن تعلى غيي برشدك. فأجابه أبو العتاهية: أطع الله بجهدك .. راغباً أو دون جهدك أعط مولاك الذي تطلب من طاعة عبدك
وقال بعض الحكماء: من سره بنوه ساءته نفسه. فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال: ابن ذي الابن كلما زاد منه .. مشرع زاد في فناء أبيه ما بقاء الأب الملح عليه .. بدبيب البلا شباب بنيه
وهي في معناه ما حكي عن زير بن حبيش أنه عاش مئة وعشرين سنة، فلما حضرته الوفاة أنشأ يقول: إذا الرجال ولدت أولادها .. وارتعشت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها .. تلك زروع قد دنا حصادها
وكتب رجل إلى صالح بن عبد القدوس: الموت باب وكل الناس داخله .. فليت شعري بعد الباب ما الدار؟ فأجابه صالح: الدار جنة عدن إن عملت بما .. يرضي الإله وإن فرطت فالنار ما للعباد عليهما من محل غيرهما .. فانظر لنفسك ماذا أنت تختار
أسأل الله أن يتلطف بنا. هكذا انتهى الباب الثالث في أدب الدين، لاحظ أنه باب اقتصر فيه على رياضة النفس والكلام في مقاصد العبادات ومقاصد المنهيات. الآن سينتقل إلى باب آخر سيرجعنا للدنيا والكلام عن الدنيا وسياستها، وهو كلام نافع لمن يريد أن يفهم سياسة الدنيا وكيف يعيش في دنيا.
أدب الدنيا، بسم الله، قال رحمه الله: اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته، خلق الخلق بتدبير وفطرهم بتقديره، فكان من لطيف ما دبر وبديع ما قدر أن خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين، وهذه أعظم خصلة في الإنسان، كما قال شيخ الإسلام: أعظم صفات الإنسان هي الافتقار، وليس الإمكان أو الحدوث كما يقول المعتزلة والأشاعرة، أعظم صفة من صفات الإنسان وعليها مدار رحاه أنه خلق كائناً مفتقراً، والغنى وصف له ذاته.
لشيخ الإسلام رحمه الله.
وصلت لم أستحضرها الآن، فالأعظم صفات المخلوق هو الافتقار، ومن أعظم صفات الله الغنى سبحانه وتعالى. نعم، قال ليكون بالغنى متفرداً وبالقدرة مختصاً، حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق، ويعلمنا بغناه أنه رازق، فنذعن لطاعته رغبة ورهبة، ونقر بنقصنا عجزاً وحاجة. ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان؛ لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه، والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه والاستعانة به.
نعم، فالإنسان من أعظم صفاته، وأذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم -أظن لما كنا نتكلم أن الإنسان يحتاج إلى اجتماع- أو ليست في الاقتضاء، كانت في عفواً السياسة الشرعية أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قضية أن الإنسان من أعظم أشكال افتقاره أنه محتاج لأن يتعاون مع بني جنسه لقضاء حوائجه. نعم، قال: والاستعانة به صفة لازمة لطبعه وخلقه قائمة في جوهره، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]؛ يعني ضعيفاً عن الصبر عما هو إليه مفتقر، واحتمال ما هو عنه عاجز.
ولما كان الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان كان أظهر عجزاً؛ لأن الحاجة إلى شيء افتقار إليه، والمفتقر إلى شيء عاجز به. وقد قال بعض حكماء المتقدمين: استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به. وإنما خص الله تعالى الإنسان بكثرة الحوائج وظهور العجز نعمة عليه ولطفاً به؛ ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز يمنعان من طغيان الغنى وبغي القدرة؛ لأن الطغيان مركز في طبعه إذا استغنى، والبغي مستولٍ عليه إذا قدر. نعم، هكذا الإنسان، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].
قال: ثم ليكون أقوى الأمور شاهداً على نقصه، حتى لا يدعي الألوهية أو الربوبية أو ما شابه ذلك. وأوضحها دليلاً على عجزه، قال: وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي: أعيرتني بالنقص والنقص شامل ومن ذا الذي أعطي الكمال فيكمل وأشهد أني ناقص غير أنني إذا قيس بي قوم كثير تقللوا تفاضل هذا الخلق بالفضل والحجا (يعني العقل).
قال: ففي أيما هذين أنت مفضل؟ ولو منح الله الكمال ابن آدم لخلده، والله ما شاء يفعله. قال: ولما خلق الله سبحانه الإنسان ماس الحاجة ظاهر العجز، جعل لنيل حاجته أسباباً، ولدفع عجزه حيلاً، دله عليهما بالعقل وأرشده إليهما بالفطرة، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى: 3]. هدى كل إنسان كيف يسوق حياته وكيف يصلحها، قال مجاهد: قدر أحوال خلقه فهدى إلى سبيل الخير والشر. وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] يعني طريق الخير وطريق الشر.
ثم لما كان العقل دالاً على أسباب ما تدعو الحاجة إليه، جعل الله تعالى الإدراك والظفر موقوفاً على ما قسم وقدر؛ لكي لا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي دفع العجز على فطنتهم. أيوه، يقول: صحيح أن الله سبحانه وتعالى جعل العقل دالاً على الأسباب، لكن هل بمجرد إدراك عقلك السبب سيحصل المسبب؟ لا، وإنما في النهاية القضية قسمة وقدر ونصيب، أنت تفعل الأسباب لكن ليس بمجرد أنك فعلت السبب ستحصل النتيجة.
يقول: لما كان العقل دالاً على أسباب ما تدعو الحاجة إليه، جعل الله إدراكك وظفرك بهذه الحاجة قسمة ونصيباً، فأنت قد تكون تعرف أسباب كسب المال، لكن معرفتي بأسباب كسب المال لا يعني أنني بالضرورة سأحصل النتيجة، قد يبذل الإنسان عملاً ليلاً ونهاراً ولا يصبح غنياً، وفي المقابل شخص يقصر في الأسباب ومع ذلك يوسع عليه، فالدنيا ليست مبنية على العقول وإنما مبنية على ماذا؟ مبنية على القسمة والقدر. أنت مطلوب منك أن تنمي عقلك وأن تبذل الأسباب، وفي كثير من الأحايين نعم فعلاً من أخذ بالأسباب في العادة يحصل، لكن ليس شرطاً، ليست قاعدة مطلقة لا؛ في إنسان يجد ولا يجد، وعليك أن تؤمن بأن الله سبحانه وسع أو قسم الأرزاق بحكمة.
نعم، قال: كي لا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وإن القضية فقط بالعقول اعتمد الإنسان على عقله، وإنما ليعتمدوا على ربهم، وكي لا يعتمدوا في دفع العجز على فطنتهم، بل يعتمدوا على ربهم، فقال: فبذلك تدوم له الرغبة والرهبة لله، أما ألا يكون اعتمادك على عقلك بل على ربك تدوم ماذا؟ علاقتك بالله، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، تبقى علاقتك بالله قائمة، ويظهر منه سبحانه وتعالى الغنى والقدرة.
قال: وربما عزب هذا المعنى عمن ظنه بخالقه حتى صار سبباً لضلاله، لأن كثيراً من الناس لما رأوا العقلاء فقراء ورأوا الجهال أغنياء تزندق وأصبح يشكك في حكمة الله، ويقول: غريب هذا الكون، الإنسان عاقل ويعرف طرق الكسب فقير، والإنسان الأحمق الجاهل يصبح ملكاً أو يصبح صاحب مال، فيقول: هذه الحكمة يعني.. تفهم أنه طبع، هذا تأسيس الماوردي في أول الباب، عليك أن تفهم أنه صحيح أن الله طلب منا إعمال عقولنا لندرك حوائجنا ولندفع العجز، لكن بدك تدرك في النهاية أن القضية قسمة ونصيب.
لماذا جعلها الله في النهاية قسمة ونصيباً؟ حتى تبقى راغباً راهباً وتبقى متعلقاً به، هي الفكرة أن الله يريد من الإنسان أن يبقى راغباً راهباً، يعتمد على عقله وإمكانياته؛ هذه غابت هذه الفكرة عن كثير من الحكماء قديماً، فشكوا في حكمة الله، أو سمي حكماء.. غابت عن كثير من الزنادقة قديماً، فشكوا في حكمة الله، حتى قال مثل أبو العلاء المعري ماذا يقول؟ سبحانه أو ابن الراوندي هذا عفواً قال: سبحان من أنزل الأيام منزلها وصيّر الخلق مرفوضاً ومرموقاً فعاقل فطن أعيت مذاهبه وجاهل خرق تلقاه مرزوقاً
يقول لك: أنا هذا مش مفهوم هذا التصرف من الله والعياذ بالله. بس هذا كلامه، وسير العاقل النحرير، هذا يخلي الإنسان يكفر، هيك بقول لك سير العاقل النحرير الزنديق، وهذا من سوء ظنه بربه. لذلك يعلق الماوردي على هذا الشعر فقال: ولو حسن ظن العاقل حتى صح نظره، لعلم من علل المصالح ما صار بها صديقاً لا زنديقاً، يعني هو يرد على ابن الراوندي يقول: لو أنك تنظر في المصالح نظر إنسان فاهم عاقل، فإن نظرك في المصالح سيجعلك بالعكس تصل لمرتبة الصديقية، وليس أن تصبح زنديقاً، لو كنت إنساناً تفهم المصالح التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تكون وتعقل عن الله مراده، صرت صديقاً لا زنديقاً، لكنك جاهل وأحمق يا ابن الراوندي.
قال: لأن من علل المصالح ما هو ظاهر، ومنها ما هو غامض، ومنها ما هو مغيب، حكمة استأثر بها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر كثير، يعني صحيح في مصالح نحن لا نعرفها، لكن في كثير من علل المصالح ايش؟ ظاهرة، هذا الذي يريد أن يقوله، هناك كثير من المصالح التي فعلها الله سبحانه وتعالى له ظاهر، لو أنك نظرت في هذا الظاهر اترك الباطن لن تصل إليه، لكن هذا الظاهر لو نظرت إليه لصرت صديقاً ولعرفت أن الله عظيم سبحانه وتعالى في حكمه وأفعاله. نعم، قال: ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن الظن بالله من عبادة الله».
قال: ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل أسباب حاجاته وحيل عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء، فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظاً من عنايته، لأنه لا غنى به عن التزود منها لآخرته، ولا له بد من سد الخلة فيها عند الحاجة. نعم، يقول: إذا عرفنا ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى جعل هناك أسباب الظفر بالحوائج وحيل لصرف العجز عنها، في هذه الحياة الدنيا، كما أنه جعل التي هي الدنيا دار تكليف وعمل كما عد الآخرة دار قرار وجزاء، يعني ما دام الله سبحانه وتعالى وضع في هذا الوجود الكوني الدنيوي أسباباً لقضاء الحوائج، فلزم على الإنسان أن يصرف شيئاً من وقته إلى دنياه حتى يحصل ماذا؟ دفع الحوائج أو تحصيل الحوائج ودفع العجز، لأنه لا غنى به عن التزود من الدنيا لآخرته، الدنيا مزرعتك، فلا بد أن أصلحها، لا بد أن أصلح معاشي وطعامي وشرابي وجسدي من خلال معرفة الأسباب ومحاولة تحصيلي.
فهل المطلوب من الإنسان أن يستغني عن الدنيا تماماً ولا ينشغل بها؟ لا يمكن، لا تستقيم الحياة بالانصراف عنها بالكلية؛ لأن سنة الله أن الله جعل أسباباً لقضاء الحوائج وحيلاً لدفع العجز، هكذا جعل في هذه الحياة الدنيا، فالعاقل لابد وأن يصرف شيئاً من وقته إلى تحصيل مصالح دنياه. نعم، قال: وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل من ترك فضولها. فإذا قال قائل: أنت يا ماوردي تتناقض لأنك سابقاً أعطيتنا كلاماً كثيراً عن ترك فضول الدنيا وعدم التعلق بها، أقول لك: لا، الكلام مش متناقض؛ أنا هناك قلت لك ترك الفضول ما لا يحتاج إليه، وأما تحصيل الحوائج وسد الحاجات فهذا مطلوب، يعني هذا شيء وهذا شيء مختلف، الكلام ليس متناقضاً.
نعم، قال: من ترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها، بل الراغب فيها ملوم وطالب فضول مذموم، والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة، والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية، وأما تحصيل الكفاية وتحصيل قدر الحاجة فهذا مطلوب وليس مذموماً. نعم، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]، قال أهل العلم بالتأويل: يعني وإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك، فجعل للدنيا أمراً، فإذا فرغت من تحصيل حوائجك، فإذاً يدل هذا حتى النبي عليه الصلاة والسلام كانت له حوائج في الدنيا تقضى.
وليس هذا القول منه ترغيباً لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها، ولكن ندبه إلى أخذ البلغة منها، وعلى هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعم المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم الآخرة». وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال علي عليه السلام: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن تجاوز عنها، لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها.
قال: وحكى مقاتل أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قال: يا رب، حتى متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا، فليس طلب المعاش من طلب الدنيا. نعم، يعني كان إبراهيم يمل من كسب العيش، فقالوا: أمسك عن هذا، فليس طل.. يعني هذا الكلام غير صحيح، شان أمسك عن هذا، يعني أمسك عن هذه المقولة؛ فإن طلب المعاش لرزق الأولاد أو لتحصيل مصالحهم هذا لا يعتبر طلب الدنيا؛ طلب الدنيا هو أن تطلب الزائد، أما أن تطلب معاشك وحوائجك فهذا لا يعتبر طلباً للدنيا، الطلب المذموم يعني.
نعم، وقال سفيان الثوري: مكتوب في التوراة، إذا كان في البيت بر فتعبد، وإذا لم يكن فاطلب، يا ابن آدم حرك يدك يسبب لك رزقك، يعني الدنيا قائمة على قانون السببية عموماً. نعم، وقال بعض الحكماء: ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها، وقال بعض الأدباء: ليس من الحرص اجتلاب ما يقوت البدن، وقال محمود الوراق: لا تتبع الدنيا وأيامها ذماً وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخرة
قيل لك: هل الدنيا شرف؟ قال: نعم، ترى من شرف الدنيا أن تحصل الآخرة، أنت لن تدخل الجنة إلا إذا أصلحت دنياك. قال: وإذ قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا، فواجب سبر أحوالها؛ إذا عرفنا أنه لابد للإنسان المسلم من أن يطلب الدنيا على ما يحصل به حوائجه وحاجاته، فواجب علينا أن نسبر، أن نختبر أحوال الدنيا، والكشف عن جهة انتظامها واختلالها، اللي هي قواعد السياسة، كيف تسوس دنياك. لا بد أن تفهم وتكون عاقلًا ومنتبهًا كيف تساس الدنيا لتصلح، قال: ليعلم أسباب صلاحها وفسادها، ومواد عمرانها وخرابها، لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة، وتنجلي لهم أسباب الخيرة، أي يعرف أسباب الخير وتبتعد الأمور التي تجلب الحيرة والشبه للإنسان، فيقصد الأمور من أبوابها، وتأتي الدنيا من أبوابها، ويعتمد الصلاح من قواعدها وأسبابها.
وهذا حقيقة يحتاج طالب العلم أن؛ كثير من طلاب العلم حقيقة لما تتعامل معه تجده سفيهًا في أمر الدنيا، حقيقة تجده سفيهًا في أمر الدنيا، عاد ممكن يكون مثلًا طالب علم يحفظ متونًا وأشياء وكذا، لكن لما تنظر كيف يسوس الدنيا يعافسها معافسة، تعرف أن الدنيا صعب تأتي بهذه الطريقة. شاب خلوق ومؤدب لكنه كما قلنا عنده بلادة في أمر الدنيا، فلا يعرف كيف يتعامل مع الناس، أو لا يعرف كيف يكسب التجارة، لا يعرف كيف يكسب المال، لا يعرف كيف يتعامل مع زوجه، لا يعرف كيف يتعامل مع المخالفين له. البلادة تجعلك كما يقولون تدخل في الحائط، آخر شيء أنت في نهاية الحياة لها قواعد ولها سنن ولها سير تسير عليه، هذا ما يقصده الماوردي؛ لا بد وأن تفهم طبيعة الحياة الدنيا حتى تستريح.
كثير من الشباب يأتي يشكو إليك من الدنيا وشاكلته وكذا، لكنني أتفرس فيه أو أعرف من حاله أنه هو اللي يمسك السلم بالعرض كما يقولون، أنت اللي ماشي الأمور خطأ. الأمور لو أنك عرفت التعامل مع الدنيا ومع قواعدها وسياسة النفس وسياسة العلاقات الاجتماعية وسياسة الرزق، لربما ثمانون في المئة من الهم ينشال عنك، لكن سوء إدارة الحياة الدنيا هذا يجعلك تسقط في مثل هذا العنت. بعض الشباب يظن أن فهم كيف تدار الحياة الدنيا أن هذا ليس من أمر المسلم الذي يبحث عن الآخرة، لا يقول لك الماوردي هذا كلام غير صحيح، بل حتى تصل إلى الآخرة بأمان وهدوء وطمأنينة عليك أن تحسن سياسة الدنيا وفهم قواعد التعامل معها. يعني هناك قواعد في التعامل مع الحياة الدنيا في باب العلاقات، في باب الكسب، في كثير من الأبواب، حتى في باب السياسة الشرعية وسوق الناس وقيادتهم حتى لا تؤدي إلى المهالك، فإذا سيست الحياة الدنيا بالشكل الصحيح هذا أصلاً بالعكس من أكبر المساعدات حتى تحافظ على التزامك وتدينك وسيرك إلى الله أن تفهم الدنيا.
لأنه كثير من الناس يلقي نفسه في العنت والمشقة وسوء الإدارة فهذا يسبب ضعف إيمان، يسبب انتكاسات أحيانًا، ويسبب رداءة في العلاقة حتى مع الله عز وجل، فإياك أن تظن يا طالب العلم أن فهم أمور الدنيا وأحوالها والله ليس له علاقة في سيري إلى الله، بل هو من صلب السير إلى الله أن تفهم الدنيا وكيف تعالجها. قال: فيقصد الأمور من أبوابها، ويعتمد إصلاح قواعدها وأسبابها. قال: واعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين. الآن سيبدأ التأسيس، يقول لك صلاح الدنيا الآن كقواعد عامة، صلاح الدنيا معتبر من جهتين لابد وأن ننظر فيه: الجهة الأولى ما ينتظم به أمور جملتها، والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها. الآن صلاح الدنيا مطلوب فيه أمران، صلاح البلد الذي تعيش فيه، المجتمع في الجملة، وصلاحك أنت بالتحديد، فعليك أن تنظر في الصلاح من جهتين. لابد أن نحافظ على صلاح المجتمع هذا أولًا، ثانيًا أحافظ على صلاح الفرد أنا شخصيًا، فلا بد أن أنظر إلى هاتين الجهتين، مش أنظر إلى صلاحي أنا ولو فسد المجتمع، ولا إلى صلاح المجتمع إذا فسدت أنا، كلاهما سيؤدي في النهاية إلى خلل، لذلك قال: فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه، إلا بالخصلة الأخرى.
قال: لأن من صلحت نفسه مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها. إذا أنت صالح لكن المجتمع اللي حواليك فاسد، مع أنك واقف عكس التيار، رويدًا رويدًا هذا الفساد اللي في المجتمع حولك سيتسرب إليك، وهذه قضية السفينة إذا بتذكروا؛ فجلس قوم أعلاها وقوم أسفلها، فأراد الذين أسفل أن يخرقوها، إذا فسد المجتمع لا تظن أنك ستبقى بمأمن، هذا الفساد سيتعدى إليك. ويقدح في هذا الشخص اختلال المجتمع، لأن منها يستمد وبها يستعد، لأنك أنت من المجتمع تستمد حوائجه، ولها تستعد، وأنت تستعد دائمًا للدنيا في كل اليوم للمجتمع والتعامل معه.
وأما من فسدت حاله مع صلاح الدنيا، لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثرًا، لأن الإنسان دنيا نفسه، فليس يرى الصلاح إلا إذا صلحت له، ولا يجد الفساد إلا إذا فسدت عليه، لأن نفسه أخص وحاله أمس، فصار نظره إلى ما يخصه مصروفًا، وفكره على ما يمسه موقوفًا. تمام، لأنه أنت في النهاية لو كان المجتمع صالح، وشاب فاسد يعيش في بيئة صالحة شو استفاد؟ هو إن شاء الله يتاثر فيها، نحن هيك طموحنا أنه يتأثر في البيئة، لكن إذا هو بقي فاسدًا والبيئة اللي حواليه صالحة هو ما استفاد شيئًا. فأنت لا بد وأن تحصل الصلاح من هذه البيئة، أما إذا بقيت على فساد والبيئة صالحة أنت خسرت في النهاية، لأنك أنت في النهاية دنياك هي أنت، هويتك هي أنت، فإذا أنت لم تصلح نفسك أيضًا لو صلح المجتمع أنت في النهاية كشخص خسرت. فهذه إذا هي تقعيد أن المطلوب تحصيل صلاح أمرين: صلاح المجتمع وصلاح الفرد.
قال: واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة، لأن إعراضها عن جميعهم عطب، وإسعادها لكافته فساد. الآن من قواعد الحياة الدنيا أن الدنيا لم تسعد الجميع، ولكنها في نفس الوقت لم تعرض عن الجميع. هذا معنى قوله واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، هي لم تسعد الجميع باختصار، هناك الفقير، هناك المريض، هناك المبتلى، قال: ولا عن كافة ذويها أيضًا في نفس الوقت معرضة، برضه هي ما كشرت في وجه الجميع، في ناس أغنياء وفي ناس أمورهم جيدة. لماذا؟ قال: لأن إعراضها لو أنها أعرضت عن جميع البشر لهلك الناس، وإسعادها أيضًا للجميع بأنه الكل أغنياء والكل معافى، فساد، لماذا؟ لأنه لو كل واحد شعر بالاستغناء الشخصي لقطعنا وسائل التواصل بيننا، لقطعنا العلاقة، لو كل واحد شاعر بالاكتفاء الشخصي تمامًا ما كان هناك تواصل، ما كان هناك معروف، ما كان هناك أخلاق اجتماعية، فكان لا بد من وجود التفاوت في الحياة الدنيا، فهناك الغني، هناك الفقير، هناك المبتلى، وهناك الصحيح، حتى يكون هناك تواصل وفي مجتمع وتعاون.
لذلك قال: لائتلافهم بالخلاف والتباين، لأن الله من خلال اختلاف أحوالنا وتباين أرزاقنا يصنع لنا ائتلافًا. فالاختلاف في أحوالنا هو سبب لآتلافنا وتعاوننا، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون، فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلًا، إذا كان الجميع متساوي، لن يذهب أحد إلى الثاني يطلب منه المساعدة، لأنه جميعًا في نفس الدرجة من المال والصحة والعافية، لن يحصل هناك أي ائتلاف، سبحان الحكيم. وبهم من الحاجة والعجز ما وصفناه، فيذهب حينئذ ضيعه ويهلك عجزًا، وإذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعاونة، متواصلين بالحاجة، لأن ذا الحاجة وصول، والمحتاج إليه موصول.
إذا تباينت أحوالهم فهناك الغني والفقير صاروا مؤتلفين بالمعاونة، نأتلف أنه الغني يساعد الفقير والقوي يساعد الضعيف، متواصلين بالحاجة لأن حوائجنا المختلفة تجعلنا نتواصل فيما بيننا، أنت توفر لي سلعة وأنا أوفر لك سلعة، أنت طبيب وأنا مهندس وكل واحد يساعد الثاني. قال: لأن ذا الحاجة وصول، يعني صاحب الحاجة طبيعته يتواصل حتى يقضي حاجته، والمحتاج إليه موصول، الناس تذهب إليه، فباختصار يحصل التآلف في المجتمع في هذه القضية.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]. أنا الآن كل واحد في كل مبحث يحملها على قضية، يعني نحن في علم العقائد نراهم مختلفين في العقائد، هنا أدب الدين والدنيا حملها الاختلاف في الأحوال. قال الحسن: مختلفين في الرزق، فهذا غني وهذا فقير، ولذلك خلقهم، يعني للاختلاف بالغنى والفقر، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71]. غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفورًا، وإعراضها ميسورًا، لأنها إذا منحت هنت وأودعت، وإذا استردت وافقت وأبقت.
وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرًا، وإعراضها غدرًا، لأنها إذا منحت كدت وأتعبت، وإذا استردت استأصلت وأجحفت. وأما إذا كان المجتمع فاسد والحياة فاسدة، البيئة التي تعيش فيها فاسدة، حتى لو أسعدتك كان إسعادها مكرًا، والعياذ بالله يجرك إلى المهالك، يعني شو فائدة مجتمع فاسد كالمجتمع الغربي فيه مال ووفرة ولذائذ؟ شو قيمة هذا المجتمع الذي فيه اللذائذ ما فيه والعلاقات وتفعلها اللي بدك إياه؟ هل هذا إسعاد نافع ولا إسعاد مهلك؟ هذا إسعاد مهلك، شو قيمة الحياة الغربية بكل ما فيها من الرفاهية إذا كانت تقود الإنسان إلى الرذيلة والرأسمالية والأنا الشخصية، وكل إنسان مهتم بنفسه ولشهواته ولذاته؟ فإذا كان المجتمع فاسد كان إسعاد الدنيا مكرًا، وإذا أعرضت عنك ماذا؟ غدرًا، لأنك تستوي، لو كنت تعيش بيئة فاسدة فلو الدنيا لم تحصلها، يعني إنسان هكذا يفكر في الإنسان الغربي الذي يعيش في الغرب يكون فقيرًا، بتلاقيه يستوي لأنه لا دنيا ولا آخرة، فبالنهاية شو قيمة الدنيا إذا أعرضت عنك وأنت تحبها وتعيش فيها؟
ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها، لوفور أماناتهم وظهور دياناتهم، وفسادها مفسد لسائر أهلها، لقله أماناتهم وضعف دياناتهم. إذا فسد المجتمع الناس عمومًا سيتأثرون بضعف الدين، ضعف الأمانة، سيقل كل شيء وتصبح كما هو الحال في الغرب. وقد وجد ذلك في شاهد الحال تجربة وعرفًا، كما يقتضيه دليل الحال تعليلًا وكشفًا، وهذا شيء لوحظ وشهد، هذه مش كلام مجرد نظرية، هذا شوهد بالتجربة والمعرفة أن صلاح المجتمع صلاح لأفراده، وفساد المجتمع فساد لأفراده. فلا شيء أنفع من صلاحها كما أنه لا شيء أضر من فسادها، لأن ما به تقوى ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به. الشيء الذي تقوى به ديانات الناس وأحوالهم في شيء أنفع منه؟ وعرفنا أن ما تقوى به ديانات الناس وأمانة الناس هو صلاح المجتمع. كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضررًا.
وأنشد لأبي بكر بن دريد الأزدي: الناس مثل زمانهم، قد حُذِيَ الحذاء على مثال. يعني الناس أبناء زمانهم، الناس أبناء البلد اللي بيعيشوا فيه، أبناء البيئة التي يعيشون فيها. إذا بتعيش في بيئة صالحة في مكان صالح أنت ستمشي عليه، وإذا بتعيش في بيئة فاسدة مباشرة ستتأثر فيها، ولذلك الإسلام لما نقول الهجرة من ديار الكفار إلى ديار الإسلام، هي مش فقط قضية، هناك قضايا عديدة جدًا تحتاجها، وهو أنك مهما كنت.
تحاول الحفاظ على نفسك، وأنت تعيش في مجتمع فاسد؛ هذا المجتمع سيغير فكرك ونظرتك للحياة وهويتك وأنماط سلوكك. لا تقل لا، بل تقول: الحمد لله أني ما زلت أصلي في المركز الإسلامي الذي بجنبي، وما زلت أبصر قليلاً، وفي العيد نجتمع، وفي رمضان، الله يجزاك الخير. أنت لست فاهماً أن البيئة الفاسدة تؤثر حتى على نمط حياتك؛ فإذا كانت البيئة رأسمالية تصبح أنت رأسمالياً، وإذا كانت البيئة تعلمك كيف تكون بس أنت وتفكر في دنياك، فأنت هكذا ستصبح على نمطهم. لا مشكلة، ممكن تحافظ على خمس صلوات، وممكن تلاقي ابنتك قليلاً محجبة وكذا، لكنك في النهاية تُغسل بهذه البيئة والمجتمع الذي أنت فيه. فأن تكون في مجتمع من المجتمعات المسلمة، ولو كثر فساده، خير من أن تكون في مجتمع كافر؛ لأن نمطك سيتغير.
الناس أبناء زمانهم، نعم، قال ورجال دهرك مثل دهرك في تقلبه وحاله وكذا؛ إذا فسد الزمان جرى الفساد على رجاله. أبناء الرجال الذين يعيشون في هذا المجتمع سيكونون كذلك. نعم، قال: وإذ قد بلغ بنا القول إلى ذلك، فسنبدأ بذكر ما تصلح به الدنيا، ثم نتلوه بوصف ما تصلح به حال الإنسان. إذًا سنبدأ بذكر كيف يصلح البلد والمجتمع، ثم كيف يصلح الفرد. نبدأ بكيف يصلح المجتمع؛ قال: اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة، ستة أشياء هي قواعدها.
هناك الآن ست قواعد بها يكون صلاح المجتمع: القاعدة الأولى قال وهي دين متبع، أول شيء أن يكون الدين هو الذي يحكم حياة الناس. اثنان: سلطان قاهر، وجود سلطان ولي أمر قاهر أمره مطاع وحاله مستقيم. ثالثاً: وعدل شامل، وجود العدل في أنظمة الحكم. رابعاً: وأمن عام، الأمن وهذا من الحوائج الأساسية، أي مجتمع يفقد الأمن فالناس ليسوا مطمئنين فيه. خامساً: وخصب الدار، الخصب اللي هو الاقتصاد، لابد تكون حالة اقتصادية، هكذا تقوم أي مجتمع وأي دولة؛ هذا كلام في السياسة، وجود الخصب يعني القوة الاقتصادية. سادساً: وأمل فسيح، قدرة على العمران والحياة، وجود أمل للإنسان؛ كيف يقول لك والله هي البلد بيعيش فيها فلان، يعني بدنا نحكي زي هذا بس أنه اللي بيعيش فيها مش طموح؛ لا، في بلدان من يعيش فيها يشعر بالطموح، في أمل، بقدر أمشي مشاريعي، في بلدان واضح اليأس والإحباط على مواطنيها.
طيب هذه القواعد العامة، الآن سيفصل؛ هي قواعد بناء الدول. القاعدة الأولى قال: فأما القاعدة الأولى وهي الدين المتبع، فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها، ويعطف القلوب عن إراداتها، حتى يصير قاهراً للسرائر، زاجراً للضمائر، رقيباً على النفوس في خلواتها، نصوحاً لها في ملماتها. وهذه أمور لا يوصل بغير الدين إليها، اللي هي الرقابة الذاتية. الأنظمة المعاصرة اليوم في الحالة الغربية تقوم على متابعة القانون للأفراد؛ لا، الإسلام بيقول لك الدولة يجب أن تقوم على الدين قبل أن تقوم على القانون؛ يجب أن يكون لك وازع داخلي لكل فرد يعيش في هذا النظام وفي هذا المجتمع، هو الذي يجعله لا ينظر إلى الأعراض ولا ينتهك الحرمات؛ لأنه في النهاية أي قانون قابل أن تجد فيه ثلمة، قابل أنك تتسلق عليه، وبتلاقي واسطة يمكن أن تغض الطرف؛ لا بد وأن يتربى أفراد المجتمع على الدين. كل الأنظمة المعاصرة التي تقوم على القانون، ما يسمى اليوم دولة القانون، يا أخي أيش دولة القانون التي تحكي فيها؟ طيب دولة الدين؛ يعني قبل ما تتكلم لي عن دولة القانون تكلم لي عن دولة الدين، التي يكون فيها للأفراد وازع لديهم قبل أن يكون الخوف من المخالفة والغرامة وكذا؛ الخوف من الله سبحانه وتعالى.
لذلك الغرب في بعض الأحيان، تفتكر أحياناً بعض التقارير كيف حاول أن يحد من الخمور والمخدرات ما نجح؛ أنه بيستعمل ماذا؟ القانون والسجون، لكن الإسلام عالج لك القضية من جذرها: أنا ما بشرب خمر وما بتعاطى مخدرات ديانةً، أنا مش محتاج قانون يقول لي لا تزني أو لا تأخذ مخدرات، أنا عندي دين يبعثني على هذا. فالدول التي تريد النجاح لا بد وأن تقوم على دين؛ حتى الدول التي تقوم على الديانة المسيحية هي أفضل من الدول اليوم الملحدة التي لا تتبع ديناً، وإن كانت الديانة المسيحية غلط، بس على الأقل المواطنون الذين هناك يتبعون ديناً حتى ولو كان محرفاً، بخلاف الدول المعاصرة التي تقوم على ما يسمى الدولة المدنية البحتة، التي الدين فيها علمانية، الدين فقط في المساجد ولا يحكم حياة الناس، هذه تعاني الأمرين كما يقولون.
نعم، قال: وهذه أمور لا يوصل بغير الدين إليها، ولا يصلح سائر الناس إلا عليها؛ فكان الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وأوجب الأمور نفعاً في انتظامها وسلامتها. ولذلك لم يخلُ الله تعالى خلقه مذ فطرهم غفلاً من تكليف شرعي واعتقاد ديني ينقادون لحكمه، فلا تختلف بهم الآراء، ويستسلمون لأمره فلا تفترق فيهم الأهواء. وإنما اختلف العلماء في العقل والشرع، هل جاء مجيئاً واحداً أو سبق العقل ثم تعقبه الشرع؟ فقالت طائفة: جاء العقل والشرع معاً مجيئاً واحداً، لم يسبق أحدهما صاحبه؛ الله لما أنزل البشر إلى الأرض منحهم العقول ثم أتى بالشرائع، أو أنزل العقول والشرائع مع بعضها البعض، أحياناً بعض الخلاف خلاف فلسفي يعني لا ينبني عليه عمل كثير.
وقال طائفة أخرى: بل سبق العقل ثم تعقبه الشرع؛ لأن بكمال العقل يُستدل على صحة الشرع، يعني أن العقل نزل أولاً ثم جاء الشرع، لأن العقل هو الذي يُستدل به على صدق النبوة وهكذا. وقد قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]، وذلك لا يوجد منه إلا عند كمال عقله؛ فثبت أن الدين من أقوى القواعد في صلاح الدنيا، وهو الفرد الأوحد في صلاح الآخرة، وما كان به صلاح الدنيا والآخرة فحقيق بالعاقل أن يكون بهما متمسكاً وعليهما محافظاً. وقال بعض الحكماء: إذاً فالدين هو أقوى القواعد لصلاح الدنيا؛ في قواعد أخرى بس هو أقوى القواعد، وهو المتفرد لصلاح الآخرة؛ صلاح الآخرة ما له إلا صلاح الدين، وأما الدنيا فأقوى قواعد صلاحها الدين.
وقال بعض الحكماء: الأدب أدبان؛ أدب شريعة وأدب سياسة. نعم، لما تريد أن تؤدب ناساً أنت كحاكم، في هناك أدب الشريعة هذا من الله اللي هو الوازع الداخلي، وفي أدب سياسة اللي هو القوانين والأنظمة والتربية العامة. قال: فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره. وقال سعيد بن حميد: ما صحت أبداً بنافعة حتى يصح الدين والخلق.
قال: وأما القاعدة الثانية فهي سلطان قاهر. إذاً القاعدة الثانية من قواعد السياسة ما هي؟ حتى لبناء المجتمع بعد الدين، لا بد من سلطان قوي صاحب نفوذ وصاحب تنفيذ للأوامر. قال: تأتلف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة. إذا كان السلطان ديناً لكنه ليس قاهراً، شيخ ولا هذا، لكنه تعامل مع الناس بالرحمة وكذا، "وحبايبنا"، ولا عمرها بتمشي الأمور. أنه هذا بلد فيه النصاب وفيه السوي، فيه الفاسد وفيه الصالح؛ بالتالي يجب أن تكون للسلطان رهبة وقوة حتى ينضبط أصحاب الفساد والمجون، أما أن يتعامل مع جميع الناس بالرحمة، هذا سفه؛ بعض الناس بيفكر أنه هيك الناس بتصير تحبه، هكذا بالعكس؛ يتسلق على ظهرك الفاسدون، فلا بد نعم في أخلاق وقيم، بس في قهر وفي خوف وبهكذا يستقر الحكم، أن يكون السلطان صاحب قوة، لكن قوة لا تؤدي به إلى الظلم.
قال: وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة، التي تحاول الغلبة والثور عليه؛ يعني كل مجتمع في خوارج، سواء بعقائدهم أو بأحوالهم؛ كل مجتمع في خوارج، كل مجتمع في ناس بتحاول توصل للحكم، كل مجتمع في ناس بتحاول تنقلب، لكن ما الذي يضبط هذه النفوس التي تحاول الوصول للحكم؟ وجود سلطان قوي الشخصية، هذا يضبط النفوس التي تحاول الوصول للحكم. أن هناك نفوساً هي تحب الحكم؛ في أي مجتمع في هناك نفوس تحب الحكم، فستبقى إذا وجدت قدرة على الوصول إليه بتنقلب وبتحاول تاخذ الحكم. طبعاً في التاريخ الإسلامي عندنا الخلافة الأموية، بعدين جاءت العباسية قلبوا على الأموية، بعدين المماليك طردوا وهكذا؛ فأنت إذا نظرت في التاريخ الإسلامي أكبر شاهد على ماذا؟ أن الحكم شهوة، والنفوس بعض النفوس هي تحب التغالب عليه؛ فمن الذي يقر هذه النفوس المتغالبة على الحكم؟ وجود سلطان في حاله، وجود شخص قوي يسيطر على الأمور؛ فإذا وجد بداية خروج أو بغي الطوائف قطع دابرها.
قال: وتنقمع من خوفه النفوس المتعاندة؛ لأن في طباع الناس من حب المغالبة على ما أثروه، والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع ملي. وقد أوضح المتنبي ذلك حيث قال: لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ مِنَ الأذى ... حتى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ يعني بالعكس، أكثر الناس مبنية على الظلم، إذا وجدوا واحداً ما بيظلم بقول لك في مشكلة، يعني شو القصة عنده.
قال: وهذه العلة المانعة من الظلم لا تخلو من أحد أربعة أشياء: إما عقل زاجر، أو دين حاجز؛ ما هي العلة التي تمنع الإنسان من الظلم؟ عقل يزجره عن ذلك، أو دين يحجزه عن ذلك. قال: أو سلطان رادع، أو سلطان يردع، هي الفكرة. فالنفوس، يعني المواطنون في المجتمعات؛ برجع بقول لك كثير منهم الآن بيتكلم عن فساد الحكام وكذا وكذا، هو نفسه هذا لو يصير حاكم رح يعمل أفضل مما فعله؟ دعك من الناس؛ لذلك كانوا قديماً يقولون: الناس إذا تكلمت في أمر السلطان والولاة لا تسمع لهم، حتى ولو كانوا يشكون من ظلم السلطان، ليه؟ لأنه أدبهم هم أصحاب ظلم أصلاً، لكن هو فقط لم يتمكن منه؛ لأنه مواطن بسيط يده مش طايلة، فيصير يتكلم: الفساد اللي في المجتمع يا شيخ والحكام والله ذبحونا. هسا ما هو في من كلامك صح، يعني نحن ما، بس أنت نفسك أنا أعرف، لو صرت حاكماً وطالت يدك كما طالت، يعني يا أنت مثلهم يا أنت أسوأ منهم؛ لماذا؟ لأنه أحد أسباب منع الناس عن الظلم مش أنه هو عنده دين يمنعه، هو بيشكو من ظلم الحكام تمام، بس هو لا يشكو من ظلم الحكام لأنه هو نفسياً يحب الظلم، عنده دين أو عقل؛ لا، هو بس لأنه يده مش طايلة فيشكو من الظالم، بس إذا طالت يده سيفعل كما فعل الظالمون. وهذا كثير ما نجده في الطوائف والجماعات؛ لذلك قال: فالسلطان يردع النفوس اللي عندها نبتة الظلم، اللي عندها نبتة الهيمنة، السلطان بيجي بيكبتها.
نعم، كان أكبر مثال بنشوفه مسألة الميراث؛ لما يموت الأب مباشرةً الابن بيظلم ظلم خواته، أو بيظل يعيط أنه نحن مظلومين. أحسنت، يعني كثير من الناس يتكلم عن ظلم الحكام والطبقة وهو يظلم أخواته في الميراث ويظلم الناس من حوله، وإذا كان مسؤول شركة بيظلم الموظفين اللي تحته؛ فالإنسان يظلم بقدر ما تطال يده إذا لم يكن عليه دين وعقل.
قال: أو عجز صاد؛ نعم، إذا تأملتها لم تجد لها خامساً، أو عجز، يعني هذا السبب الرابع: أن بعض الناس لا يظلم، لماذا؟ عجز، مش قادر، يده مش طايلة، بس إذا طالت يده ظَلَم. قال: ورهبة السلطان أبلغها؛ لأن العقل والدين ربما كانا مضعوفين، أو بداعي الهوى مغلوبين، فتكون رهبة السلطان أشد زجراً. أحسنت، لذلك إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ يعني أحياناً بقول لك وجود العقل والدين صح هو أحد حواجز الظلم، لكن أحياناً يكون مضعوفاً؛ يعني أثر العقل والدين في بعض الأشخاص يضعف بسبب غلبة الهوى؛ خاصة مثلاً في الجماعات الإسلامية عموماً، أنه تجد بعضها يقع في ظلم للناس مع أنه الأصل عنده دين، عنده شوية عقل؛ طيب ليش عم تظلم وأنت الأصل جماعة إسلامية وبتنادي باسم الإسلام؟ ليه؟ غلبة الهوى؛ قال: لأن العقل والدين أحياناً ربما كانا مضعوفين، يعني يضعف تأثيرهما في الشخص المتدين، لماذا؟ قال: أو بدواعي الهوى مغلوبين؛ يعني عندك هوى بيغلب ما عندك من الدين والعقل، فتصبح تظلم الناس واسمك بالدين ممكن تظلمهم.
قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم». وروي عنه أنه قال: «إن الله ليزع بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن»، هذا مشهور عن عثمان وليس عن النبي عليه الصلاة والسلام. وروي عنه أنه قال: «إن لله حراساً في السماء وحراساً في الأرض؛ حراسة في السماء الملائكة، وحراسة في الأرض الذين يقبضون أرزاقهم يذبون عن الناس». وروي عنه أنه قال: «الإمام الجائر خيرٌ».
من الفتنة، وكل لا خير فيه وفي بعض الشر خيار. نعم، اللي هو أحيانا بعض الشر أهون من بعض، صح ولا لا؟ الإمام الجائر الظالم أحسن من أن يبقى الناس لا حاكم لهم؛ ليه؟ لأنه بياكل بعضهم البعض، فهذا معه في بعض الشر خير، يعني في بعض الشر بيكون خير مما هو أسوأ منه. نعم، وإن كان لا أعلمه عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال عبد الله بن مسعود: السلطان يفسد، وما يصلح الله تعالى به أكثر. نعم، السلطان يفعل ظلم ويفسد، لكن ما يصلح الله به أكثر. إذا كان سلطانا عموما له أصل الديانة، صح بيكون منه فساد ويكون منه أحيانا ظلم، لكن بعض الناس بس يركز على هذا الجانب السلبي، لكن ما يصلح الله به أكثر. الناس ليلة واحدة بدون سلطان يأكل بعضهم بعضا، بدك تفهم هي القضية؛ ليلة واحدة بدون سلطان يأكل الناس بعضهم بعضا. هذا الشيء لا يفهمه الناس الذين يعيشون في الدول اليوم؛ لأنه ما جربوها، لكن ليلة واحدة يغيب فيها السلطان يأكل الناس بعضهم بعضا. وهذا ربما رأيناه في بعض الدول لما يزول رأس الهرم؛ كيف السراق وقطاع الطرق والحرامية بيشتغلوا في البلد، خلاص ما في نظام، انهار. إذا انهار النظام، إخواني، عبارة عن مهلكة. فلذلك الصبر على سلطان جائر، كما قال العقلاء، خير من ساعة بدون سلطان.
نعم قال: فإن عدل فله الأجر وعليكم الشكر، وإن جار فعليه الوزر وعليكم الصبر. وروى أبو هريرة قال: سئل العجم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن ذلك، وقال: «لا تسبوها فإنها عمرت بلاد الله تعالى وعاش فيها عباد الله تعالى». وقال بعض البلغاء: السلطان في نفسه إمام متبوع، وفي سيرته دين مشروع. قال: فإن ظلم لم يعدل أحد في حكم، وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم.
وقال بعض العلماء: إن أقرب الدعوات من الإجابة دعوة السلطان العادل الصالح، وأولى الحسنات بالأجر والثواب أمره ونهيه في وجوه المصالح. فهذه آثار السلطان في أحوال الدنيا وما ينتظم به أمورها. ثم لما في السلطان من حراسة الدين والذب عنه، ومنع الأهواء عنه، قال: وحراسة التبديل فيه، وزجر من شذ عنه بارتداد أو بغى فيه بعناد أو سعى فيه بفساد. يعني طبعا هنا بيتكلم عن بعض الوظائف السلطانية التي تغيب في كثير من واقعنا المعاصر، وهو أن السلطان من وظيفته حراسة الدين والملة والذب عنه، ودفع الأهواء التي تنتج من الناس، وحراسة التبديل في الشريعة، وزجر من يشذ عن الدين بردة من يرتد يقيم عليه حد الردة، ومن بغى بعناد أو سعى بفساد يعاقبه، هذه من وظائف السلطان الأساسية.
نعم قال: وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية، أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء وتحريف ذوي الآراء، فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وهائه أثر. يعني هو الشق أو الضعف، كما يقولون، أي لكل عصر فيه ضعف وانشقاق وتصدع في الدين. نعم، كما أن السلطان إن لم يكن عن دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضا والتناصر عليه حتما، لم يكن للسلطان لبث ولا للأيام صفا، وكان سلطان قهر ومفسد دهر. يعني وهذا أهمية أن السلطان يتلبس بالدين، أن تدين السلطان يجمع القلوب عليه، صحيح بخلاف إذا كان سلطان بدون دين ما يفسده كثير والنفوس تنفر منه. فيقول لك صلاح دين السلطان به تلتئم العامة حوله، بخلاف ما لو فسد دينه فإنما يكون سلطان قهر ومفسد دهر.
نعم، ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة، اللي هو من هذين الوجهين، يعني حراسة الدين وحراسة الدنيا؛ لأنه سابقا كنا نتكلم عن حراسة الدنيا، وبعدين آخر شيء تكلم أن وظيفة السلطان أيضا حراسة الدين، فبالتالي يقول من هذين الوجهين حراسة الدنيا وحراسة الدين وجب إقامة إمام في المجتمع يكون سلطان وقته وزعيم الأمة. طبعا هو بيتكلم عن الخلافة، اللي هو الأصل في المنظور الإسلامي أن هو خليفة واحد هو الذي يحكم الأمة جميعا، والآن سيأتي إلى مسألة: هل يجوز أن يكون هناك أكثر من حاكم في أكثر من بلد؟ يعني إذا زالت الخلافة، هل يجوز وجود أكثر من حاكم في أكثر من بلد وتخلص تمشي أمور الناس على ذلك؟ سيتكلم الماوردي عن ذلك، قال: ليكون الدين محروسا بسلطانه، والسلطان جاريا على سنن الدين وأحكامه. وقال: وقد قال عبد الله بن المعتز: الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى.
واختلف الناس هل وجب ذلك بالعقل أو بالشرع؟ يعني هل وجوب نصب السلطان عقلي أو شرعي؟ ولاحظ أنه دائما ياتي إلى طريقة المعتزلة قضية الوجوب العقلي، لأنه واضح أنه قارئ لهم على الأقل ومهتم بفكر المعتزلة. فقال: طائفة وجب بالعقل؛ لأن معلوما من حال العقلاء على اختلافهم الفزع إلى زعيم مندوب للنظر في مصالحهم. وذهب آخرون إلى وجوبه بالشرع؛ لأن المقصود بالإمام القيام بأمور شرعية، طبعا كل هذا الخلاف نحن لا نتفق عليه، ما في شيء اسمه وجب بالعقل، هو العقل أدرك مصلحة وجود حاكم أو خليفة، لكن العقل لا يوجب عند أهل السنة والجماعة، هي طريقة المعتزلة، فعندما يقول قال طائفة وجب بالعقل وبيتكلم على مذهب المعتزلة، نحن عندنا ما يجب شرعا وإن كان العقل نعم يدرك هذه المصالح التي توجبها الشريعة.
نعم قال: لأن المقصود بالإمام القيام بأمور شرعية كإقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وقد كان يجوز الاستغناء عنها بلا يرد التعبد بها، فبأن يجوز الاستغناء عما لا يراد إلا لها أولى. يعني يريد أن يقول وقد كان يجوز الاستغناء عن إقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وبالتالي العقل لا يوجب، يريد أن يقول هذا الأشاعرة عكس المعتزلة دائما هم طرفي نقيض هنا، فالأشاعرة يقولون: المقصود بالإمام القيام بأمور شرعية كإقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وقد كان يجوز -يعني يمكن عقلا- الاستغناء عن هذه الأمور الشرعية بأن لا يراد التعبد بها، فبأن يجوز الاستغناء عما لا يراد إلا لها أولى- شو يعني؟ يعني نفس هي التعبدات كان يمكن الاستغناء عنها، فالاستغناء عن الحاكم اللي وظيفته إقامة هالتعبدات أولى عقلا. هذا دليل عند الأشاعرة على أن وجوب إقامة حاكم هذا وجوب شرعي مش عقلي؛ ليه؟ لأنه بيقول لك هي نفس التعبدات مش عقلا كان يمكن الاستغناء عنها نفسها، فلا أن يستغنى عن الحاكم اللي هو وسيلة إليها أولى من باب العقل، فما دام العقل إذا لا يوجب إقامة حاكم من أين عرفنا إقامة الحاكم؟ من الشرع، يعني هيك بدهم يحكوا، فبالتالي هذا رد على المعتزلة أن العقل لا يوجب إقامة حاكم لأن الحاكم لإقامة التعبدات، هي نفس التعبدات عقلا مش واجبة، وإنما وجبت شرعا، فلأن يكون الحاكم نفسه الذي هو وسيلة إليها واجب شرعا لا عقلا، يعني أي طريقة في النقاش.
وعلى هذا اختلفوا في وجوب بعثة الأنبياء وإرسال الرسل عليهم السلام، نفس الفكرة، هذا استطراد منه ونفس الفكرة، هل بعثة الأنبياء واجبة عقلا ولا واجبة شرعا؟ بعض المعتزلة يقولون مثلا أو بعضهم على الأقل يقول واجب عقلا، الأشاعرة بيقولوا لا، مش واجب عقلا ليه؟ لأنه كان يمكن أن يكتفى بما عند الإنسان من العقل والقدرات ولا يحتاج إلى الأنبياء، وبالتالي الله عز وجل أرسل الأنبياء بحكمته الشرعية وليس بالوجوب العقلي، وهذا كله نقاش فلسفي قد لا تحتاج هنا في هذا النقاط.
نعم قال: فمن قال بوجوب ذلك بالعقل قال بوجوب بعثة الأنبياء، ومن قال بوجوب ذلك بشرع منع من وجوب بعثة الأنبياء، لأنه لما كان المقصود ببعثتهم تعريف المصالح الشرعية وكان يجوز من المكلفين ألا تكون هذه الأمور مصلحة لهم، لم تجب بعثة الأنبياء إليهم، يعني في النهاية الأنبياء جايين يبلغوا أمور شرعية، لما كان في احتمال عقلي أن هالأمور الشرعية ليست مصلحة لهم وإنما ثبت صلاحها بالشرع وليس بالعقل، كانت إذا بعثة الأنبياء اللي وظيفتهم تبليغ الأمور الشرعية أيضا إنما هي بالشرع لا بالعقل، هي نفس طريقة التفكير السابقة.
طيب المهم قال: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد، فلا يجوز إجماعا. طب الآن سيبدأ يتكلم في بعض قواعد السياسة الشرعية في البلد الواحد أو في العصر الواحد، إذا كان هو يتكلم عن حال أن المجتمع واحد، طبعا زمان كانت الأمة الإسلامية واحدة ما في حدود هي سايكس بيكو بيننا، عرفت؟ المهم هل يجوز إقامة خليفتين في نفس الوقت للناس؟ لا. طب على أنظمتنا المعاصرة اللي هي الدول المتفرقة، هل يجوز في البلد الواحد وجود حاكمين؟ بالإجماع لا يجوز. تمام، إذا كان الكون كله لو كان فيه آلهة إلا الله لفسدتا، لكان فيه تمانع يؤدي إلى الهلاك، فما بالك في الأنظمة البشرية الصغيرة التي مبنية على الظلم والجور والتغالب. فيقول بالإجماع إقامة حاكمين في بلد واحد لا يجوز إجماعا.
نعم قال: فأما في بلدان شتى وأمصار متباعدة، فقد ذهب طائفة شاذة إلى جواز ذلك. قال: فقد ذهبت طائفة شاذة، اعتبرها الماوردي إلى جواز ذلك، أنه خلص أن العالم الإسلامي يقسم وما يكون في خليفة يجمعهم، لا، يكون عبارة عن دول وهذا حاكم على هذا النطاق الشرقي وهذا حاكم على النطاق الغربي. هل يجوز مثل هذا النظام في الأصل الفكري الإسلامي؟ ماذا قال؟ ذهبت طائفة شاذة إلى جواز ذلك، يعني واضح أنه الماوردي لا يتفق معهم، يقول هذا لا يجوز وأن هذا قول شاذ. لماذا قال؟ لأن الإمام مندوب للمصالح، وإذا كانا إمامين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه. هذا دليل هؤلاء الذين قالوا بجواز وجود حكام مختلفين في بلدان مختلفة، قالوا أنه خلص كل واحد هو مسؤول عما تحت يده فيضبطه ولا يتأثر بما عند الحاكم الآخر، وبالتالي تقوم مصالح الناس بهذا وانتهت القضية.
نعم قال: ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة، كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. كذلك إذا جاز مش كان لبني إسرائيل أحيانا يرسل نبيين، والقرية التي ذكرت في سورة يس: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14]، ثلاث أنبياء، هل وجود ثلاث أنبياء أدى إلى تناحر بينهم؟ لا، قال: فكذلك قالوا، يعني وجود حكام في أكثر من مكان، يعني وجود حاكم هنا وحاكم هنا وحاكم هنا كل واحد في بلد، هذا لا يؤدي إلى فساد في دنيا الناس. طبعا ما مدى صحة هذا القياس؟ يعني بغض النظر، لأننا نرى أن حال الحكام ليس كحال الأنبياء، الأنبياء يعزز بعضهم بعضا، أما الحكام يقاتل بعضهم بعضا، فالقياس هذا يحتاج إلى نظر عند هؤلاء، طبعا حتى الماوردي لا يقتنع بهذا القياس.
نعم قال: وذهب الجمهور إلى أن إقامة إمامين في عصر واحد لا يجوز شرعا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». يعني لو كل واحد في بلده، يعني أن يكون إمام في المنطقة الشرقية وإمام في المنطقة الغربية هذا لا يجوز. نعم قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بويع لأميرين فاقتلوا آخرهما». قال: فالأصل الأول الخلافة إذا استقرت للأول تبقى له.
نعم قال: وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن وليتم أبا بكر تجدوه قويا في دين الله ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر تجدوه قويا في دين الله قويا في بدنه، وإن وليتم عليا تجدوه هاديا مهديا». قال: فتبين بهذا القول أن إقامة جميعهم في وقت واحد لا يصح، ولو صح لأشار إليه ونبه عليه. يعني لا أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا من حيث التنظير الشرعي، لكن اليوم أنت في واقع مختلف، يعني الآن فرق بين التنظير والآن، من حيث التنظير نعم الأصل أن المسلمين العلاقة التي تجمعهم علاقة الخلافة المسلمة، تمام علاقة واحدة تجمعهم. طب الآن هذا طموحنا لكنه مش موجود، وواقع المسلمين اليوم أنها بلدان متفرقة ولكل بلد إمام، ما دام هذا الواقع اليوم يستصلح حال الناس وهو أفضل الموجود، تبقى على أفضل الموجود. هذا ينتمي إليه أنه بعض الناس بصير لأنه عارف أن النظرية في الإسلام تقوم على فكرة الخلافة، فلما يرى الواقع ليس بوفق النظرية بصير إيش بده يعاكس الواقع بطريقة مؤذية، لا، أنت الآن عندك أهون الشرين خليك عليه؛ لأنه ما في عندك قدرة على الوصول للصورة المثلى، أنت إنسان أو فرد أو طائفة.
الوصول إلى الصورة المثلى قد يؤدي إلى محارق ومهالك، ويؤدي بالشباب إلى الفتن وغلو في التكفير. وما نشأت كل هذه الظواهر إلا لأن بعض الشباب يريد الوصول للنظرية وشايف الواقع مش موافق لها، فيؤدي به إلى تشنجات وإشكالات ومآزق ومهالك بدون أن يفهم أنها نظرية صحيحة، لكن أنت الآن مش واصل لها والواقع لا يسمح بوجودها. طبيعة الواقع التي أسبابه كثيرة من ضعف المسلمين المتراكم عبر تاريخ طويل أوصلنا إلى ما نحن فيه؛ بالتالي الحكيم هو الذي يتعامل مع أهون الشر ويتقبله ويحاول أن يصلح ضمن سقف الممكن، مش الوصول للنظرية بطريقة تؤدي إلى محارق ومهالك ومآزق.
قال: والذي يلزم سلطان الأمة من أمورها سبعة أشياء. الآن سيتكلم ما هي وظيفة السلطان، ما هي الوظائف المسندة إليه؟ واحد: حفظ الدين من تبديل فيه، وهذا معناه حراسة الدين والحث على العمل به من غير إهمال. والثاني: حراسة البيضة والذب عنها؛ وحراسة البيضة هو أن يحرس المجتمع ويحميه من صولة الصائلين، والذب عن الأمة من عدو في دين أو باغ أو باغٍ نفس أو مال. والثالثة: عمارة البلدان باعتماد الحالة الاقتصادية وتوفير سوق العمل وما شابه ذلك، وتهيئة سبلها ومسالكها والشوارع والجسور والمياه والكهرباء. والرابع: تقدير ما يتولاه من الأموال بسنن الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها؛ لما يأتي يأخذ من الناس أموالهم فإنما يأخذ ما شرعه الدين من أموال الزكاة أو الكفارات أو ما شابه ذلك على قواعد الدين، مش يضاعف الضرائب والأشياء التي تقصم كاهل الناس. والخامس: معاناه المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد النص في فصلها، أهم وظائفه إقامة نظام القضاء. والسادس: إقامة الحدود على مستحقيها من غير تجاوز فيها ولا تقصير عنها، إقامة العقوبات على المستحقين. والسابع: اختيار خلفائه في الأمور أن يكون من أهل الكفاية فيها والأمانة عليها، الحكومات والوزراء.
فإذا فعل من أفضى إليه سلطان الأمة ما ذكرنا من هذه الأشياء السبعة، كان مؤدياً لحق الله تعالى فيهم، مستوجباً لطاعتهم ومناصحتهم وخلوص نياتهم، مستحقاً لصدق ميلهم ومحبتهم؛ فإذا قام الحاكم بهذه الأمور استحق أن الناس يدعون له ويلتئمون حوله ويكونون معه. قال: وإن قصر عنها ولم يقم بحقها وواجبها كان بها مؤاخذه وعليها معاقبة، ثم هو من الرعية على استبطان معصية ومقت يتربصون الفرص بإظهارهما ويتوقعون الدوائر بإعلانهما. فيقول: أنت أيها الحاكم إذا لم تقم بهذه الوظائف أولاً عصيت الله وتستحق العقوبة على تقصيرك في الوظائف المطلوبة منك، ثم أيضاً أنت تستبطن هنا مقت الرعية لك، الناس تبدأ تكرهك وتتربص بك الدوائر وتنتظر الفرصة لأن تثب عليك أو أن تجاهر بعصيانك، طب ليش تضع نفسك في هذا المأزق؟
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65]. وفي قوله تعالى عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم تأويلان: أحدهما أن العذاب الذي من فوقهم أمراء السوء، والذي من تحت أرجلهم عبيد السوء، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني أن العذاب الذي من فوقهم الرجم، والذي من تحت أرجلهم الخسف، وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير، ونحن بيخدمنا هنا القول الأول أنه ممكن أيها الحاكم ربنا يبعث عليك عذاباً من تحتك وهم عبيد السوء اللي بيتسلطوا عليك وبيشتغلوا فيك. وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ تأويلان: أحدهما أنه الأهواء المختلفة يعني العقائد المتناحرة، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني أنه الفتن والاختلاط وهذا قول مجاهد، وكلاهما صحيح.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أمير على عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه». عملك هو اللي بيشهد لك يوم القيامة، يا بيطلقك يا يهلكك. وقال عنه صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم». وهذا صحيح، لأنه إذا كان ذا خير أحبهم وأحبوه، وإذا كان ذا شر أبغضهم وأبغضوه. وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن الله تعالى إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، فاعرف منزلتك من الله تعالى بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله تعالى مثل ما لله تعالى عندك. فكان هذا موضحاً لمعنى ما ذكرناه؛ وأصل هذا أن خشية الله تعالى تبعث على طاعته في خلقه، وطاعته في خلقه تبعثهم على محبته، فلذلك كانت محبتهم دليلاً على خيره وخشيته، وبغضهم دليلاً على شره وقلة مراقبته.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبعض خلفائه: أوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله. وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: إني أخاف الله فيما تقلّدت، فقال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف. وهذا واضح؛ لأن الخائف من الله تعالى مأمون الحيف، كالذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي مريم السلولي وهو الذي قتل أخاه زيداً: والله إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم. والارض لا يمكن أن تحب الدم، قال: فيمنعني ذلك حقاً؟ قال: لا، قال: فلا ضير، إنما يأس على الحب النساء. هذا رجل قتل زيد بن الخطاب أخو عمر، فجاء ليسلم وليتوب ويعلن بين يدي عمر توبته، فعمر قال له: شوف، أنا بقبل توبتك في النهاية، لكن بدك تعرف شغلة أنه مستحيل في حياتي أني أحبك حتى تحب الأرض الدم؛ هل يمكن للأرض أن تحب الدم؟ مش ممكن. كأنه يقول له: أنت ماشي، أنا بالنهاية ما بقدر أقول لك تزلم بس عمري ما راح أحبك. فقال له الرجل: طيب أنت ما حبيتني، حط على جنب، أنت راح تعطيني حقوقي كمواطن مسلم؟ قال: نعم، أنا في النهاية عمر عدل، قال: هذا لا يمنعك حقاً، قال: لك مش مشكلة تحبني، وإنما يأس على الحب النساء.
وروي عن عبد الرحمن بن محمد قال: أصدق طلحة بن عبيد الله أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق مئة ألف درهم، وهو أول من أصدق هذا القدر، فمر بالمال على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا؟ قالوا: صداق أم كلثوم بنت أبي بكر، قال: أدخلوه بيت المال، فأخبر طلحة وقيل ردوا لي يا عبيد، مع المسلمين. وقيل كُلم، فقال: ما أنا بفاعل؛ لأن كان عمر يرى أن له فيه حقاً ليردنه بكلامه، وإن كان لا يرى فيه حقاً ليردنه، فلما أصبح عمر أمر بالمال فدفع إلى أم كلثوم. فأنا عارف عمر عادل يعني مش خايف، قالوا لطلحة: روح كلم عمر، أخذ مهرك وحطه ببيت مال المسلمين، قال: أنا ما راح أكلم عمر؛ إذا كان يعرف أن له حقاً، والله لو ناقشته من هون للصبح ما راح يرد لأنه وقاف عند الحق، وإذا يعلم أن ليس له حق، بكرة راح يرجعه لحاله. فعمر اليوم الثاني فعلاً رجعه لحاله، هذا يخبرك أن دور الحاكم العادل كيف أنه يحسن التعامل، كيف أن الناس خلاص تطمئن له.
وحكي أن الرشيد حبس أبا العتاهية، فكتب على حائط الحبس: أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلومُ إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ ستعلم في المعاد إذا التقينا ... غداً عند المليك من الظلومُ قال: فأخبر الرشيد بذلك فبكى بكاءً شديداً ودعا أبا العتاهية فاستحله، قال: سامحني، ووهب له ألف دينار وأطلقه.
وأما القاعدة الثالثة فهي عدل شامل؛ إذا انتهينا الآن من القاعدة الثانية في الحكم وهو السلطان القاهر. القاعدة الثالثة في السياسة ما هي؟ العدل، لا بد وأن يكون عدلاً شاملاً جميع الناس، وليس عدلاً على الفقراء ويحابى الأغنياء. عدل شامل يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة، وتعمر به الأرض وتنمى به الأموال ويكثر به معه النسل ويأمن به السلطان. وقد قال الهرمزان لعمر رضي الله عنه حين رآه وقد نام متبذلاً: عدلت فأمنت فنمت. تعرف قصة لما نام عمر تحت الشجرة، قال: عدلت عدلاً شاملاً فأمنت فنمت. وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور، وهذا نبه عليه أيضاً ابن خلدون في مقدمته؛ كيف أن الظلم مؤذن بخراب العمران، أما تظلم هذا يؤذن أن المجتمع يبدأ يفسد والعدل يؤذن بالنماء.
لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل. مر معنا في كلام ابن تيمية في السياسة الشرعية أن الله سبحانه وتعالى يقيم الدولة الكافرة بالعدل، وينهي الدولة المسلمة بالظلم، هي هكذا سنة الحياة بدك تفهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات؛ فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، وخشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر؛ وأما المهلكات فشحٌ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». العدل في الغضب والرضا يكون دائماً عادلاً حتى لو غضبت.
وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع بها: لما صارت سنن بلادكم قليلة؟ قالوا: لإعطائنا الحق من أنفسنا، وعدل ملوكنا فينا. فقال لهم: أيما أفضل، العدل أم الشجاعة؟ قالوا: إذا استعمل العدل أغنى عن الشجاعة. وقال بعض الحكماء: بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف. لما صارت سنن بلادكم قليلة يعني ليش القوانين عندكم مش كثيرة؟ بتعرفين بعض الدول حاطين ليسته قانون عقوبات ما شاء الله 50 قانون عقوبات و100 قانون، هو بيقول لهم: أنا شايف أنتم مش أصحاب شرائع، ليش القوانين عندكم قليلة ومع ذلك أموركم ماشية؟ قالوا: نحن مشت أمورنا لإعطائنا الحق من أنفسنا وعدل ملوكنا فينا، ما احتجنا لقائمة العقوبات المتكونة من 100 شريحة ومن 100 قانون وتفصيل وما احتجنا لكل هذه القضية.
وقال بعض البلغاء: إن العدل ميزان الله تعالى الذي وضعه للخلق ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع وكثرة الورع. وإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره. فأما عدله في نفسه فيكون بحمله على المصالح وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز بها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جَرَّ عليها فهو على غيره أجور. وقال بعض الحكماء: من توانى في نفسه ضاع.
وأما عدله في غيره فقد ينقسم حال الإنسان مع غيره ثلاثة أقسام. القسم الأول: عدل الإنسان في من دونه كالسلطان مع رعيته والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء: باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في السيرة. يتبعهم بالأمور الميسورة يعني بيكلفهم في الأشياء الميسورة تمام، ويحذف الأشياء الثقيلة على رعيته، وترك التسلط بالقوة وابتغاء الحق في السيرة، فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف على المحبة، وابتغاء الحق أبعث على النصرة. وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر والاختلال بتدبيره أظهر، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله تعالى في سلطانه فجار في حكمه». وقال بعض الحكماء: الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم. وقال بعض الأدباء: يعني أنت يمكن تكون كافر ويدوم لك ملكك، هي الحكمة اللي قلناها قبل شوي، ولا يبقى على الظلم ولو كنت مسلماً. وقال بعض الأدباء: ليس للجائر جار ولا تعمر له دار.
وقال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم. أقرب الأشياء أن يصرع الشخص الظلوم، اللي هو كثير الظلم، أقرب الأشياء أن يصرع، يعني أن يهلك.
وقال بعض حكماء الملوك: العجب من ملك استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم. وقال أردشير بن بابك: كيف يستفسد رعيته، أي يستجلب لهم الفساد بظلمهم، مع أنه أنت تعرف أنك أنت رأس مالك يا حاكم أن تحبك الرعية، فغريب حال هؤلاء. قال: إذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة. هذا شيء، إذا رغب أي ترك العدل، تركت الرعية الطاعة.
قال: وعوتب أنوشروان على ترك عقاب المذنبين، فقال: هم المرضى ونحن الأطباء، فإذا لم نداويهم بالعفو، فمن لهم؟ تمام، بس لأنه هذا برضه بعد، يعني مش أني أترك العقاب.
قال: والقسم الثاني عدل الإنسان مع من فوقه. طيب، إذا لا بد أن يعدل مع من دونه، سواء أنت أب مع أولادك، رئيس شركة مع موظفيك، حاكم مع رعيتك. ثانياً، عدل الإنسان مع من أعلى منه، الرعية عدلها مع السلطان، والصحابة مع الرئيس، والأبناء مع الأب.
قال: وذلك يكون بثلاثة أشياء: بإخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق الولاء. كيف يكون عدلك مع من فوقك؟ أن تخلص له الطاعة، أن تنصره، وأن تكون صادقاً في الولاء له. قال: فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل، وبذل النصرة أدفع للوهم، وصدق الولاء أنفى لسوء الظن. وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء، تسلط عليه من كان يدفع عنه، واضطر إلى اتقاء من كان يقي عنه. إذا لم تجتمع، تسلط عليك اللي أنت كنت تدافع عنه. تمام، كلمة الرعية اللي هو الرعية، يعني والله أنا عندي المرء، بس هي شها برضه تضبط المرء.
قال: كما قال البحتري: متى أحوجت ذا كرم تخطى إليك ببعض أخلاق اللئيم قال: وفي استمرار هذا، يعني إذا أنت أحوجت إنساناً كريماً، هذا الإنسان الكريم ممكن يفعل معك أخلاق اللئام، أذيت السلطان، السلطان بيأذيك، يعني بالتالي هذا معنى كأنه يقول هذه الخصال إذا لم تجتمع في المرء، تسلط عليه من كان يدفع عنه، واضطر إلى اتقاء من كان يقي عنه؛ بصير تتقي الإنسان اللي أنت كنت تقيه. لا بد تجتمع فيك هي الخصال الثلاث حتى لا تجعل السلطان يؤذيك، أو أنه يفسد عليك دنياك.
قال: وفي استمرار هذا خلل نظام جامع، وفساد صلاح شامل. وقد قال أبرويز: وفي استمرار هذا، أي استمرار عدم اجتماع هذه الخصال: إخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق الولاء، إذا لم تجتمع هذه الخصال في الرعية، اختل النظام الجامع للمجتمع، لم تجتمع حاله، وفسد، وحصل فساد لهذا الصلاح، وفساد صلاح شامل.
طيب قال: أطع من فوقك يطعك من دونك. وقال بعض الحكماء: الظلم مسلبة النعم، والبغي مجلبة النقم. وقال بعض البلغاء: إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه إلا بأداء حقه، وحقه شكر النعمة، ونصح الأمة، وحسن الصنيعة، ولزوم الشريعة.
قال: والقسم الثالث عدل الإنسان مع أكفائه. طيب، الآن القسم الثالث من العدل، أن تعدل مع أقرانك. قال: وقد يكون بثلاثة أشياء: بترك الاستطالة، ومجانبة الإدلال. ترك الاستطالة: ألا تستطيل على إخوانك وتشعرهم أنك أعلى منهم. ومجانبة الإدلال: الإدلال المنة، يعني تحاولش أنك تشعرهم بالجميلة عليهم والمنة عليهم، وأن أنا ساعدتك وأعطيتك ومنحتك. وكف أذاك عنهم؛ لأن ترك الاستطالة يجعل هناك ألفة، ومجانبة الإدلال وإشعارهم بالذل وأنه أنت صاحب منة يجعل هناك ألفة، وكف الأذى أنصف.
قال: لأن ترك الاستطالة ألفة، ومجانبة الإدلال أعطف، وكف الأذى أنصف. وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء، ففسدوا وأفسدوا. إذا أنت لم تخلص هذه الأمور لأقرانك، سريعاً تفسد علاقتك مع إخوانك، أسرع فيهم تقاطع الأعداء، يعني سنتقاطع تقاطع الأعداء، أصبح أنا عدو، أنت عدو لي؛ لأنه أنت دائماً بقول لك: والله فلان شايف حاله علينا، فاهم هيك، فلان كذا، فلان مش كافينا شره. سريعاً تفسد العلاقات بين الشباب والأصدقاء بسبب عدم الإنصاف في هذه الأمور، ففسدوا وأفسدوا.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بشرار الناس؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده». ثم قال: «أفلا أنبئكم بشر من هذا؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره». ثم قال: «ألا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من يبغض الناس ويبغضونه».
وروي أن عيسى بن مريم عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم. يا بني إسرائيل، الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردوه إلى الله تعالى. وهذا الحديث جامع لآداب العدل في الأحوال كلها.
وقد قال بعض الحكماء: كل عقل لا يدارى به الكل فليس بعقل تام. وقال بعض الشعراء: ما دمت حياً فداري الناس كلهم، فإنما أنت في دار المداراة. الدنيا هي دار المداراة أصلاً، ولن تطيب لك الحياة إلا بأن تحسن فن المداراة والتغافل. قال: من يدري دارى، ومن لم يدري سوف يرى عما قليل نديماً للندامات. من يعرف الناس داره بده يستعمل المداراة، ومن لم يدري، واللي ما بيعرف، سوف يرى، أي سوف نشاهده عما قليل نديماً للندامات، يعني سوف نشاهده عما قليل صاحب للندامة، دلالة أن من لا يداري الناس فسد وهلك.
قال: وقد يتعلق بهذه الطبقات أمور خاصة، يكون عدلهم فيها بالتوسط في حالتي التقصير والسرف، لأن العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل. وقد قالت الحكماء: الفضائل هيئات متوسطة بين خلتين ناقصتين. المنقبة والفضيلة هي بين الإفراط والتفريط، هكذا تعريف الفضيلة، هي أمر عال بين خلتين ناقصتين؛ الإفراط والتفريط. فالشجاعة هي بين التهور والجبن، الكرم بين الإسراف والبخل، وهكذا. وأفعال الخير توسط بين الرذيلتين، فالحكمة واسطة بين الشره والجهالة، والشجاعة واسطة بين التقحم والجبن، والعفة واسطة بين شره وضعف الشهوة، والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة، والظرف واسطة بين الخلاعة والفدامة، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس، والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير، والحلم واسطة بين إفراط الغضب وعدمه، والمودة واسطة بين الخلابة وقسوة الخلق، والحياء واسطة بين الوقاحة والحصر، والوقار وسط بين الهزء والسخافة.
وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل، كان ما خرج عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل. وقد قال بعض البلغاء: السلطان السوء يخيف البريء ويصطنع الدنيء، والبلد السوء يجمع السفل. وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل، فكذلك ترك ما هو أولى إلى ما ليس بأولى، يعني حتى داخل العدل فيه أولويات، فإن تترك الأولى إلى ما ليس بأولى يعتبر خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل. كأنه يقول الآن في شيء اللي هو دائماً أسميه خير الخيرين وشر الشرين، هسا في عندك أبيض وأسود، لكن حتى داخل الأسود في عندك مراتب وداخل الأبيض في مراتب، فتركك الأولى من المراتب البيض إلى ما ليس بأولى، حتى ولو كان من ضمن مساحة البياض، هو أيضاً جزء من الخروج عن العدل، فإذن هناك خير وشر وهنا خير الخيرين وشر الشرين، فكمال العدل أن تصل إلى خير الخيرين وشر الشر.
وقد قال بعض البلغاء: السلطان السوء يخيف البريء ويصطنع الدنيء، والبلد السوء يجمع السفل ويرث العلل، والولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف، والجار السوء يفشي السر ويهتك الستر، فجعل هذه الأشياء بخروجها عن الأولى إلى ما ليس بأولى خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل، ولست تجد فساداً إلا وسبب نتيجته الخروج فيه عن حال العدل إلى ما ليس بعدل، من حالتي الزيادة والنقصان، فإذاً لا شيء أنفع من العدل، كما أنه لا شيء أضر مما ليس بعدل.
طيب بعد أن تكلمنا عن العدل الشامل، القاعدة الرابعة من قواعد الأمن المجتمعي هو الأمن العام، لذلك الله سبحانه وتعالى ما تكلم ممتناً على قريش قال: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]. الأمن مهم جداً حتى تستقيم حياة الناس. فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنى عيش، والعدل أقوى جيش. ولأن الخوف لذلك النبي ﷺ قال: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». الأمن سبحان الله نعمة عظيمة جداً مفقودة في كثير من البلدان.
ولأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، يعني الاستثمارات، يكفهم عن أسباب المواد، يعني عن الاستثمار والاقتصاد الذي به يقوم أود الناس وصلب حياتهم وانتظام جملتهم. ولئن كان الأمن من نتائج العدل، والخوف من نتائج ما ليس بعدل، فقد يكون الخوف تارة بمقاصد الآدميين الخارجة عن العدل، وقد يكون تارة بأسباب حادثة عن غير مقاصد الآدميين، فلا تكون خارجة عن حال العدل. فمن أجل ذلك لم يكن ما سبق من حال العدل مقنعاً عن أن يكون الأمن في انتظام الدنيا قاعدة للعدل، فإذا كان ذلك كذلك، فالأمن المطلق ما عم. والخوف قد يتنوع تارة ويعم، فتنوعه بأن يكون تارة على النفس، وتارة على الأهل، وتارة على المال، وعمومه أن يستوعب جميع الأحوال: النفس والأهل والمال.
ولكل واحد من أنواعه حظ من الوهن ونصيب من الحزن، وقد يختلف باختلاف أسبابه، ويتفاضل بتباين جهاته، ويكون بحسب اختلاف الرغبة فيما خيف عليه. فمن أجل ذلك لم يجز أن نصف حال كل واحد من أنواعه بمقدار من الوهن ونصيب من الحزن؛ لا سيما والخائف على الشيء مختص الهم به، منصرف الفكر عن غيره، فهو يظن أن لا خوف إلا إياه، ويغفل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه، فصار كالمريض الذي هو بمرضه متشاغل وعما سواه غافل.
يعني الإنسان قد يكون شاعر بالخوف على المال، لكنه ينسى أنه في أمن على أهله ونفسه، أحياناً انشغالك بشيء من الخوف على مستقبل معين لك ينسيك ويشغلك عن النظر إلى الجوانب الإيجابية في هذا البلد، مثلاً أنك والله آمن، بس أنا في المقابل على ديني وعلى كذا وكذا. تمام، لذلك لما يجي شخص يتفاضل، يقول لك مثلاً: أظني عايش في الأردن ولا أطلع لبلد آخر؟ أقول لك: أنا في الأردن مش مأمن على المستقبل المالي، بس أنت مأمن على أيش؟ على فكرك، مأمن عموماً على أمان أولادك، رعايتهم بشكل عام. لما بدك تروح على الغرب، ماشي، بجوز هناك أنت تأمن على مال أو شيء، لكن ما راح تكون تشعر بالأمان على نفسك وعقيدتك ودينك وأفكارك وما شابه ذلك. فهي مشكلة الإنسان القاصر اللي بفكر فقط في اللي بيغلب الخوف على جهة معينة ويفكر أنه ما في عندي أمان فيها، لكن ينسى أنه عنده أمانات أيضاً في جهات أخرى. دائماً لما تتخذ القرار بدك يكون عندك قدرة ثاقبة، أنا عندي خوف وعدم أمان مالي، بس أنا عندي أمان فكري، أمان كذا، أمان جوانب أخرى.
إنه كما قال لك؛ فهو يظن أنه لا خوف له إلا إياه، فيغفل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه، أنت تنسى نعمة الله أنك آمن، بس في جهات أخرى، فهو كالمريض الذي لما يكون بمرضه متشاغل، ينسى كل النعم التي ربنا حاطه فيها، ويقول: يا سيدي أخي أنا مريض، وأنا كذا، وسيلته يفكر في المرض بس، أنت ماشي أنت مريض، بس في عندك نعم كثيرة أيضاً في الحياة يجب أن تنظر إليها لما تتخذ أي قرار.
قال: فهو بمرضه متشاغل عما سواه من النعم، غافل، ولعل ما صرف عنه أعظم مما ابتلي به؛ ماشي، بجوز أنت عندك خوف على المستقبل المالي، لكن ما صرف عنك من البلايا الأخرى في دينك ودنياك أعظم من البلية المالية التي أنت فيها، وهكذا المؤمن يكون ثاقب النظر.
قال: على أنها تعفو الكلوم، وإنما نوكل بالأدنى، وإن جل ما يمضي. نعم، ع الكلوم الجراح تعفو، إيش يعني تعفو؟ تزول. على أنها تعفى الكلوم، وإنما يوكل بالأدنى؛ يعني دائماً ربنا بيبتليك بما تستطيعه، وإن جل ما يمضي، وكي بقول لك اللي مضى راح وبقي القليل، بقول لك يعني يبقى القليل وذهب الأصعب.
نعم، حكي أن رجلاً قال وأعرابي حاضر: ما أشد وجع الدرس! فقال الأعرابي: كل داء أشد داء. نعم بالنسبة للإنسان لما يكون سنه بس بوجعه، بيقول لك: يا الله شو هالمرض هذا كذا، طيب ماشي بس أنت ناسي طبعاً في ناس مرض سرطان، في ناس الله يعين شو ما بتبتلاه، فبالنسبه لكل شخص المرض الذي هو فيه بشوفه أعلى مرض، كل داء أشد داء بالنسبة لصاحبه. لكن حقيقة لو قيست الأمور بموضوعية وجع الدرس قد يعتبر من أخف الآلام وقارت بأوجاع أخرى.
نعم، قال كذلك من عمه الأمن كمن استولت عليه العافية، فهو لا يعرف قدر النعمة بأمنه حتى يخاف، صحيح، وهذا ذكرها ابن حزم في مداواة النفوس، أن الأمن لا يشعر نعمته إلا من فقده، الذي يعيش في الأمن لا يعرف قدر نعمة الأمن، فإذا فقده وشعر بالخوف يقول: آه والله كنت أنا آمن، ونفس الشيء الصحة لا يعرف قدرها إلا من مرض، وهذه نعم للأسف نحن نغفل فيها، وهذا كثير من الشباب يتدافع لفقدان الأمن في بلده وإشعال الفتن فيها، ويظن أن القضية سهلة، عادي، شيخ كذا كذا، وبتصير الأمور طيبة بعدين، أنت بس خليك تعيش خايف يوم واحد بتعرف شو قدر نعمة الأمن، تأمن على نفسك، على عرضك، تأمن على عرضك وزوجتك، تأمن على أولادك.
تأمن؛ بعض الشباب هو لا يفهم هذا الكلام، ولا أن العلماء ينطقون بالحكمة، وأن كثيراً من قرارات العلماء هي مبنية على معرفة حوائج البشر، مش قرارات اندفاعية حماسية. العالم لما يقول لك: اصبر على جور أيام ولا تندفع لفتن، هو يعرف ماذا يقول؛ لأنه يعرف أنك إذا فقدت الأمن لساعة واحدة ستبكي كما يبكي النساء، بس أنت في لحظة أمنك مش شاعر بخطورة فقد الأمن، مش شاعر بالويلات التي ستأتي على عرضك وأهلك ومالك وحياتك، وكيف أنه أنت لن تنام لك ليلة إذا فقدت الأمن.
فلذلك كان كثير من علمائنا ومشايخنا، كل العلماء في التراث يركزون على عدم دفع الناس إلى الفتن، على عدم إشغال الناس. بعض الشباب المتحمس يظن أن العالم الكبير لما يقول: لا تلقي نفسك في الفتن، والله العالم جبان، والله العالم هذا مش جريء، نحن أكيد نحن أنصار الدين ونحن اللي كذا، خلوا الموضوع عننا، سيبكم من العلماء.
آه طيب تفضل خليني أشوف أنت أنصار الدين شو بدك تعمل لي في تمام، خل الناس بس تفقد الأمن ساعة واحدة، وأنت أول من سيبكي، لأنك لا تعرف. هناك نعم وسنن في الكون، هذه الأمور لا يحق أن يخل بها، أو أن يدفع الناس إلى إخلالها، كما قال الجويني في غياث الأمم إلا لمصلحة أعظم وحاجة، ودراسة حقيقية منطقية علمية، مش يدفع الناس إلى الفتن دفعاً ويؤزون إليها أزاً، وأنت في النهاية لا تعرف بعد أن تفقد الأمن، يلا كيف بدنا نرقع الموضوع وكيف ترأب الصدع.
هذا كلام حكمة يقوله العلماء، يجب أن يشكل عقلية لدى طالب أن يفهم أن هناك نعماً، وأن الله وضع للكون سنناً، وأنه كيف يتم التعامل مع هذه السنن حتى لا يؤدي بنفسه وبمجتمعه وبأهل الإسلام إلى حرج شديد ومهلكة فوق طاقتهم، فيكون سبباً في فتنة الناس.
نعم، قال كذلك من عمه الأمن كمن استولت عليه العافية، هو لا يعرف قدر نعمة بأمنه حتى يخاف، كما لا يعرف المعافى قدر نعمة بعافيته حتى يصاب، وقال بعض الحكماء: إنما يعرف قدر النعمة بمقاساة ضدها، نعم، فاخذ ذلك أبو تمام الطائي فقال: والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنبأك كيف نعيمها أي والله، والحادثات وإن أصابك بؤسها، صح أنك تبتلى بمرض أو بخوف، لكن والله هي نعمة لأنها ذكرتك بالنعيم، والحادثات هي المصائب، وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنبأك كيف نعيمها، أنت لن تشعر بطعم الغنى إلا لما تذوق الفقر، فالفقر هو نعيم من جهة أنه يعرفك بالنعيم، والمرض صح أنت عم تشعر بالألم، بس هو الذي عرفك قيمة النعمة، نعمة العافية، وهكذا.
فالأولى بالعاقل أن يتذكر عند مرضه وخوفه قدر النعمة فيما سوى ذلك، من عافيته وأمنه، ومن صرف عنه مما هو أشد من مرضه وخوفه، فبالتالي الإنسان العاقل إذا شعر بالخوف وعدم الأمان كما قلنا في جهة معينة، ما تظلك مركز على هذه النقطة وعايش في ألم أني أنا خايف على الحالة المالية، شوف الجوانب المضيئة، مش بقول لك شوف الجانب الممتلئ من الكاسة؟ شوف الجوانب المضيئة، أنه أنت بس أنا في النهاية صح يعني فاقد للأمان المالي، بس الحمد لله آمن على بيتي، آمن على أسرتي، آمن على أولادي، أستطيع أن أحصي كثيراً من الأمور الجميلة، أقول لك حاول شوي توسع أفقك في ساعة المرض، ولا تجعل المرض يذهلك تماماً.
نعم، قال ليستبدل بالشكوى شكراً، وبالجزع صبراً، فيكون فرحاً مسروراً. حكي أن يعقوب قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام حين لاقيه: أي شيء كان خبرك بعدي؟ قال: لا تسألني عما فعل بي إخوتي، اسألني عما صنعه بي ربي؛ يعني خلص النقطة السلبية أنه إخواني فعلوا، طرف عنها، وخلينا نشوف النعم التي حصلتها أثناء البلاء، كيف ربنا رعاني في السجن وحماني من الوقوع مع امرأة العزيز وأخرجني وجعلني. خلينا ننظر للجانب الممتلئ يعني هكذا، أو من أجل هذا جاب القصة، وقال الشاعر: لا تنس في الصحة أيام السقم ... فإن عقبة بتارك الحزم ندم وأما القاعدة الخامسة؛ طيب بعد أن تكلمنا عن القاعدة الرابعة وهي قاعدة الأمن المجتمعي، القاعدة الخامسة الاقتصاد، لابد حتى يستمر الحكم ويستديم وجود قوة اقتصادية، لأن الناس في النهاية أمن، أطعمهم من جوع، مشكل ربنا قال في سورة قريش: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ [قريش: 4]، الناس لا تسلم للهيئة الحاكمة، ولا للنظام الحاكم، والدولة تستقر إذا لم يكن هناك قدرة على توفير الطعام والشراب، وقدرة على توفير المال للحياة المستقرة.
فإقامة الاقتصاد هو أحد أعمدة الدولة قديماً وحديثاً، قالوا: تتسع به الأحوال ويشترك فيه ذو الإقلال والأكثر، والإقلال فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم تباغض العدم. أحسنت، لأنه إذا كثر الفقر سيصبح ينظر للطبقة الحاكمة الثرية بعين الحسد، الناس رح تأكلك يعني، وأنت كل ما بتأكل طعام زيارة، والله للوفد الكذا وفد الكذا، وأنت بتأكل مناسب وكذا، والرعية لا تجد أكلاً ولا طعاماً، بالتالي سيكون حسد، وشوية شوية ضغينة ستزداد على الطبقة الحاكمة والطبقة الثرية.
قال: وتتسع النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتواصل، وذلك من أقوى الدواعي في صلاح الدنيا وانتظام أحوالها، ولأن الخصب يؤول إلى الغنى، والغنى يحدث الأمانة والسخاء. كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري: لا تستقضين إلا ذا حسب أو مال، فإن ذا الحسب يخاف العواقب، وذا المال لا يرغب في مال غيره؛ لا تستقضين أي لا تضع في القضاء إلا رجلاً له حسب أو مال، فإن صاحب الحسب يعدل لأنه يخاف عواقب الأمور، وذا المال ما حدا برشيه؛ لأنه معه مال شبعان، أما تحط لي شخص فقير قاضي، بس هي خربت الدنيا، كل واحد بحط له خمس ليرات عشر ليرات بيمشي الحال.
وقال بعض السلف: إني وجدت خير الدنيا والآخرة في خصلتين، وشر الدنيا والآخرة في خصلتين، فخير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر. وقال بعض الشعراء: ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر يعني بعض الناس يظن أن الرفاه الاقتصادي هذا يضر بالمجتمعات، لا حقيقة لا، مطلوب الرفاه الاقتصادي، يعني الحالة الاقتصادية الجيدة للبلد مطلوبة؛ لأنه فقر الناس والمجتمعات لا يمكن أن تكل الناس إلى دينهم إلا قلة قليلة، وأكثر الناس يعني إذا وكلته إلى دين ممكن يهلك، فتحتاج أن تستصلح حال الناس بتوفير شيء من الغنى والقدرة المالية، بدك بياع أقمشة وبدك بياع تجارة وبدك بياع، هذه حال الناس الهادئة بها يستصلح الناس ويصلح سياستهم.
وبحسب الغنى يكون إقلال البخيل وإعطاؤه، وإكثار الجواد وسخاؤه، كما قال ديعبل: لئن كنت لا تولي يداً أمة ... فلست بمول نائلاً آخر الدهر وأي إناء لم يفض عند ملئه ... وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر وإذا كان الخصب يحدث من أسباب الصلاح ما وصفت، فكان الجدب يحدث من أسباب الفساد ما ضدها، وكما أن صلاح الخصب عام، فكذلك فساد الجدب عام، وما عم به الصلاح إن وجد، وعم به الفساد إن فقد، فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ودواعي الاستقامة.
والخصب يكون من وجهين: خصب في المكاسب، وخصب في الموارد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب الموارد، وهو من نتائج الأمن المقترنين به، وخصب في المكاسب أن يكون يعني فيما يظهر لي أنه انتشار للوظائف، يعني خصبهم في المكاسب أن البلد هذه ممكن تفتح فيها مشاريع متعددة، بإمكانك تفتح فيها مشاريع مالية وكهربائية وإلكترونية، وخصبهم في المواد التي هي المواد الخام والموارد، خلينا نسميها أحسنت، ويقول لك خصب الموارد أصلاً هي التي تولد خصب المكاسب، لما يكون عندك موارد متعددة في النظام عندك وظائف متعددة.
قال: وأما خصب الموارد فقد يتفرع عن أسباب إلهية، وهو من نتائج العدل المقترنين بها، قد يتفرع عن أسباب إلهية، أنه خصب الموارد جزء منه ماذا؟ رزق من الله لهذا البلد، أنه عنده موارد مائية ومعادن في الأرض ومخزون، هذا من قسمة الله سبحانه وتعالى، وهذه الأمور أيضاً تزيد ببركة العدل هكذا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، إذا كنت أنت عادلاً الله سبحانه يسخر لك من الموارد والمواد ما بها تصنع اقتصاداً حقيقياً ينهض ببلدك ومجتمعك.
قال: وأما القاعدة السادسة فهي أمر القاعدة الأخيرة من قواعد الحكم وهي ماذا؟ فهي أمر فسيح، يبعث على اقتناء ما يقصر العمر عن استيعابه، ويحث على إنشاء ما ليس يوثق في دركه بحياة أربابه؛ إيش يعني؟ بخليك تعمل مشاريع وإن كنت تعرف ربما أن عمرك لن يسع لها، لكنه عندي أمل في هذا البلد وشاعر فيه بالهدوء، بخليني أضع حجر الأساس لمشاريع ممكن أنا حياتي لن تبلغها، لكن ممكن تشوفها الأجيال القادمة في البلد، أضع حجر الأساس لمشاريع مواصلات، مشاريع نقل، مشاريع جامعية، مشاريع دراسية، كثير من المشاريع حتى في باب العلوم الشرعية يضعون مشاريع لمعاهد وخطط دراسية، ويعرف أنه مش هو راح يشوف الثمار، لكن على الأقل أن الأجيال القادمة ترفل في هذا النعيم العلمي أو المعرفي أو التقني.
هذا الأمل شعورك أنه هذه البلد تكون لها مستقبل، قول لك هذه البلد لها مستقبل، تقبل أن أضع فيها مشاريع وإن كان عمري قد يتقاصر عن بلوغ نهايتها. قال: ولولا أن الثاني يرتفق بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنياً، افتقر أهل كل عصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه؛ يعني تخيل لو أن كل جيل بس بفكر في حياته هو، لما يجي الجيل الثاني بده يرجع يبني من جديد، بس مش هيك سنة الحياة، سنة الحياة أن الجيل الثاني بيبني على الجيل الأول، وأن الأمم تنهض بتراكم الأجيال.
قال: لافتقر أهل كل عصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكن، ودور الحرث، وفي ذلك من الأعواز وتعذر الإمكان ما لا خفاء به، فلذلك ما أرفق الله تعالى خلقه باتساع الآمال حتى عمر به الدنيا وتم صلاحها، وصار تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها، ويرم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها، يرم يعني يجمع ما فرقه الثاني، لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة، وأمورها على مرور الدهر منتظمة.
ولو قصرت الآمال لما تجاوز الواحد حاجة، كان كل واحد بيقول لك: بس بجيب أكل اليوم ولا يفكر أبداً ببناء مشاريع وأفكار للأجيال، قال: ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من بعده خراباً، فلا يجد فيها بلغة ولا يدرك منها حاجة، فبصير كل...
يبدأ من الصفر، ثم ننتقل إلى ما بعده بأسوأ من ذلك حالاً حتى لا ينمي فيها نبت ولا يمكن فيها لبث، لا ينمي يعني لا ينمو. قال: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأمل رحمة من الله لأمتي، ولولاه لما غرس غارس شجرة ولا أرضعت أم ولدا». طبعاً الحديث فيه نظر كبير. وقال الشاعر: وللنفوس وإن كانت على وجلٍ من المنية آمالٌ تقويها.
جميل هذا الكلام؛ النفوس وإن كنا نحن عارفين أنه الموت جاي، لكن في النهاية نحن نعيش أيضاً بالأمل حتى نبني. أي واحد فيكم كيف يخطط لحياته؟ مش بدك تتزوج يا شيخ؟ قلت لي شو اللي بخليك عندك الأمل بالزواج؟ قضية أنه هذا الأمل مهم حتى تفكر بالزواج، حتى تفكر بالشغل، حتى تفكر بأشياء كثيرة. قال: وللنفوس وإن كانت على وجلٍ من المنية آمالٌ تقويها؛ وإن كنت أنت تترقب الموت، لكن الأمل لمرحلة معينة. كنا قبل شوي في باب أدب الدين نتكلم أنه طول الأمل، بس في النهاية في نوع من الأمل واحد منه مطلوب، لأنه به يتم التخطيط؛ أنا بدي أخطط، والله بدي أحفظ كذا، بدي أدخل كذا، بدي أجيب شهادة كذا، بدي أفتح مشروع كذا. وهذا الحجم من الأمل الذي لا يؤدي إلى التقصير مطلوب، لأنه به يقوم سوق الدنيا.
قال: فالمرء يبسطها والدهر يقبضها، والنفس تنشرها والموت يطويها. فالمرء يبسطها، يبسط لنفسه أملاً، والدهر يقبض هذه الآمال، والنفس تنشرها تحييها، والموت يطويها. قال: فأما حال الأمل في أمر الآخرة فهو من أقوى الأسباب في الغفلة عنها وقلة الاستعداد لها. وقد أفصح لبيد فهذا هو الأمل الذي لا نريده. وأما حال الأمل في أمر الآخرة، يعني لا تخلي أمل في أمر الآخرة؛ في أمل في الدنيا وفي أمل في الآخرة. جميل هذا الكلام؛ الأمل في الدنيا مطلوب والأمل في الآخرة مذموم. شو الفرق؟ هذه فائدة نفيسة في التفريق بين الأمل المطلوب والأمل المذموم؛ يقول لك الأمل في أمر الآخرة مذموم، والأمل في أمر الدنيا مطلوب. شو الفرق بين الأمل في أمر الآخرة والأمل في أمر الدنيا؟
الأمل في أمر الآخرة أنك مثلا ما تعمل أعمال صالحة وتحكي "أحسنت"، اللي هو التسويف في التوبة، التسويف في الأعمال الصالحة، التسويف في القراءة، في التعلم، في الصلاة؛ هذا الأمل هو اللي ورد ذمه في الشريعة. وأما الأمل في أمر الدنيا هذا مطلوب، وهو الأمل بمعنى أني بدي أعمل مشروع، بدي كذا، بدي أخطط لهؤلاء الشباب، بدي أعمل لهذه الأمة، بدي أبني كذا، بدي أزود، هذا مطلوب. فهذا تفريق جيد بين متى يكون الأمل مذموماً ومتى يكون الأمل محموداً. فالأمل في أمر الآخرة مذموم لأنه يقود إلى التسويف في الطاعات والتسويف في التوبة، والأمل في أمر الدنيا هو سنة الحياة؛ لأن به أنت بتخطط وتضع برامج ومشاريع لصلاح نفسك وصلاح بلدك.
قال: وقد أفصح لبيد بن ربيعة مع عرابيته بما بين به حال الأمل في الأمرين، فقال: وأكذب النفس إذا حدثتها، إن صدق النفس يجري بالأمل، غير ألا تكذبنها في التقى، وأجزيها بالبر لله الأجل. إذاً: وأكذب النفس إذا حدثتها، حاول تضحك على نفسك وتقول لها: لا، أنا معي فسحة أعيش وراح كذا، من باب أنك تمضي أمور حياتك وتبني مشاريعك، تمام. غير ألا تكذبنها بالتقى، لا تقول لها أنه الموت بعيد؛ لما تيجي تتكلم عن التوبة، هناك باب مختلف، التقى والخوف من الله ما تضحك على نفسك، لا تذكر أن الموت قريب. لكن بالنسبة لأمر الدنيا مش مشكلة، اضحك عليها شوي حتى تستطيع أنك تبني حياتك.
قال: وفرق ما بين الآمال والأماني أن الآمال ما تقيدت بأسباب، والأماني ما تجردت عنها. والفرق بين الآمال والأماني أن الأماني مجرد كذيبات أنت تضحك بها على نفسك بدون حتى أخذ بالأسباب، ما في فيها أسباب، بخلاف الأمل فهو يقوم على الأخذ بالأسباب. فهذه القواعد الست التي تصلح بها أحوال الدنيا وتنتظم أمور جملتها، فإن كملت فيها كمل صلاحها. وبعيد أن يكون أمر الدنيا تاماً كاملاً، يعني هي قواعد الست طبعا أنها تكون كلها موجودة: دين متبع، وسلطان، وعدل شامل، وخصب؛ صعب تكتمل في بلد من البلدان، لكن بالأقل شوف الأفضل فالأفضل. قال: وأن يكون صلاحها عاماً شاملاً لأنها موضوعة على التغير والفناء، وشاه على طبيعتها على التصرف والانقضاء.
سمع بعض الحكماء رجلاً يقول: قلب الله دنيا، قال: إذاً تستوي لأنها مقلوبة. وقال بعض الشعراء: ومن عادة الأيام أن خطوبها إذا سر منها جانب ساء جانب وما أعرف الأيام إلا ذميمة ولا الدهر إلا وهو للثأر طالب وبحسب ما اختل من قواعدها يكون اختلال وفساد، وهكذا انتهينا من القسم الأول وهو الكلام عن صلاح المجتمع. ثم سينتقل إن شاء الله في الدرس القادم الكلام عن صلاح الإنسان؛ لأنه قلنا الصلاح صلاح مجتمع وصلاح فرد، انتهى من صلاح المجتمع، سينتقل بعد ذلك إلى صلاح الفرد والأفراد الذين يعيشون معه، ونترك الدرس القادم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلمكم الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل