بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك، وفي هذا المجلس الطيب المبارك في التعليق على كتاب «أدب الدين والدنيا» للإمام الماوردي رحمه الله تعالى. نسأل الله عز وجل أن يفرج عن المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، وأن يفرج عن إخواننا في غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن ينصرهم ويكبت عدوهم، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
في المجلس الماضي، كنا في التعليق على مقدمات كتاب «أدب الدين والدنيا»، ونبدأ اليوم إن شاء الله في التعليق على الباب الثالث، الذي يعتبر من أبواب الكتاب، ولكن هنا بدأ -كما يقولون- رب الكتاب في التعليق أولاً على أدب الدين. فقال المصنف رحمه الله: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ إخواننا المستضعفين من المؤمنين».
قال رحمه الله: «باب أدب الدين. اعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف خلقه متعبداته، وألزمهم مفترضاته، وبعث إليهم رسله، وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم، ولا من ضرورة قادته إلى تعبدهم». الله سبحانه وتعالى عندما كلفنا، فهو ليس لأنه يحتاج إلينا، وليس لفاقة من أجله كلفنا بالصلاة والزكاة والصيام وهذه الأمور، وإنما قصد نفعهم تفضلاً منه عليهم، كما تفضل بما لا يحصى عدداً من نعمه.
بل النعمة فيما تعبدهم به أعظم؛ لأن نفع ما سوى المتعبدات مختص بالدنيا العاجلة، ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة. فالله سبحانه وتعالى كما تفضل علينا بنعم دنيوية، كذلك من أعظم نعمه التكاليف الشرعية. فالتكاليف الشرعية ليست عبئاً وثقلاً وتكاليف كما هو اسمها، أو كما سماها المتكلمون، بل هي غذاء القلب والروح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن كلمة "التكاليف" التي تستعمل في علم الأصول، كان يعتقد أن هذه العبارة أحياناً تشعر الإنسان بأن العبادات والصلوات والزكوات هي عبارة أمور مثقلة يريد الإنسان أن يتخلص منها فقط ليبرئ ذمته منها، والصحيح أن العبادات هي -كما قال- نعم من الله بها يكون صلاح الدنيا والآخرة. ليست أعباءً يتخلص منها، بل تستقيم حياة الإنسان بدون صلاة، ولا تطيب حياته بدون ذكر، ولا تسمو حياة المجتمع المسلم بدون زكاة.
هذه الأمور ينبغي أن يعرف أنها مصالح لنا، ونحن لا نفعلها لأن الله يحتاجها، بل الله سبحانه تفضل بها علينا؛ تفضل علينا لما علمنا كيف نصلي له، تفضل علينا لما علمنا كيف نذكر، تفضل علينا لما علمنا كيف نتكافل اجتماعياً. ولذلك قال: «وإنما جمع نفعي الدنيا والآخرة، كان أعظم نعمه وأكثر تفضلاً».
قال رحمه الله: «وجعل ما تعبدهم به مأخوذاً من عقل متبوع وشرع مسموع». فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل. صح عندكم هكذا في نسختكم؟ لأنه في نسخة "فيما لا ينفع"، لكن النسخة الصحيحة كما قال الشيخ: «والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل».
إذن هما قاعدتان: العقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل. ما الفرق بين العبارتين؟ خلينا نحللهم؛ يقول لك العقل متبوع: متى يتبع المسلم عقله؟ إذا لم يخالف الشريعة فيما لا يمنع منه الشرع، في المساحات المباحة والمساحات الحياتية التي لا تصطدم مع الشريعة. والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل؛ ما معنى هذا؟ يعني يشبه كلام ابن تيمية أنه الشريعة تأتي بالمحارات لا بالمحالات.
بمعنى أن الشرع متبوع في الأمور التي ليست ممتنعة عقلاً، أي المستحيلات العقلية، وهذا واقع؛ لأن الشرع لا يمكن أن يأتي بما هو مستحيل عقلاً. فالله سبحانه وتعالى لا يأمرك مثلاً أن تجمع بين متناقضين، كأن تكون قائماً قاعداً في نفس الوقت. وإذا جاء نص فيه هذه الأمور الممتنعة عقلاً، فهذه قرينة على أن هذا النص ليس حديثاً صحيحاً؛ لأن الشريعة لا يمكن أن تأتي بالمستحيلات العقلية. تأتي بما لا يبلغه العقل بكل تأكيد، لكن لا تأتي بما يستحيله العقل.
قال رحمه الله: «لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل، والعقل لا يتبع فيما يمنع منه الشرع». ولذلك توجه التكليف إلى من كمل عقله؛ فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على دين كله ولو كره المشركون. فالمخاطب بالتكليف هو البالغ؛ لأن البلوغ هو أمارة اكتمال العقل. الإنسان قبل البلوغ لأن عقله لم ينضج بعد، كذلك النضج لا يوجه إليه التكليف، وإنما يوجه التكليف إلى من كمل عقله، البالغ العاقل؛ لأنه حتى لو بلغ وهو غير عاقل برضه ما خدمنا، فالمقصود هو البالغ العاقل الذي يستطيع أن يتبع عقله وشرع ربه.
قال: «فبلغهم رسالته، وألزمهم حجته، وبين لهم شريعته، وتلى عليهم كتابه فيما أحله وحرمه، وأباح وحظر، واستحب وكره، وأمر به ونهى عنه، وما وعد به من الثواب لمن أطاعه، وأوعد به من العقاب لمن عصاه». قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151].
وكان وعده ترغيباً ووعيده ترهيباً؛ لأن الرغبة تبعث على الطاعة، والرهبة تكف عن المعصية، والتكليف يجمع أمراً بطاعة ونهياً عن معصية. ولذلك كان التكليف مقروناً بالرغبة والرهبة، وكان ما تخلل كتابه من قصص الأمم السالفة وأخبار القرون الخالية عظة واعتباراً، تقوى معهما الرغبة وتزداد بهما الرهبة، فكان ذلك من لطفه بنا وتفضله علينا. فالحمد لله الذي نعمه لا تحصى، وشكره لا يؤدى.
الحمد لله ثم جعل إلى رسوله ﷺ بيان ما كان مجملاً، وتفسير ما كان مشكلاً، وتحقيق ما كان محتملاً؛ ليكون له مع تبليغ رسالته ظهور الاختصاص به. ليكون اختصاص محمد ﷺ بالقرآن أظهر اختصاصه؛ هو الذي يشرحه ويبينه ويبين معانيه. هذا معنى لظهور الاختصاص؛ لظهور اختصاصه بالقرآن، ظهر اختصاصه بالقرآن من جهة أنه هو وحيد المكلف بماذا؟ بشرح معانيه وبيانها.
ثم لما بين لنا القواعد أصبح العلماء يتبعون طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في فهم القرآن. قال: ظهور الاختصاص به ومنزلة التفويض إليه، فهو المفوض أيضاً أن يبين المعاني. قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. قال: ثم جعل إلى العلماء بعد رسوله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على معانيه وأشار إلى أصوله؛ ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد به، فيمتاز بذلك عن غيرهم ويختص بثواب اجتهادهم. قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7].
فصار الكتاب أصلاً والسنة فرعاً، واستنباط العلماء إيضاحاً وكشفا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القرآن أصل علم الشريعة نصه ودليله، والحكمة بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها». أحياناً بعض الأحاديث التي يذكرها الماوردي تستغرب، عقلية كعقلية الماوردي كيف يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني واضح أن هذا الحديث ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام، وإنما هو أقرب لكلام الأصوليين وكلام العلماء المتأخرين منه إلى أن يكون حديثاً، لكن سبحان الله، العالم قد ينبغ في باب ويضعف بضاعته في باب آخر.
قال: وكان من رأفته بخلقه وتفضله على عباده أن أقدرهم على ما كلفهم ورفع الحرج عنهم فيما تعبدهم. فالله لم يكلفنا بشيء خارج قدرتنا، ولم يكلفنا بشيء فيه عنت. قال: ليكونوا مع ما قد أعده لهم ناهضين بفعل الطاعات ومجنبة المعاصي. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وجعل ما كلفهم ثلاثة أقسام: قسماً أمرهم باعتقاده، وقسماً أمرهم بفعله، وقسماً أمرهم بالكف عنه. فالتكاليف الشرعية هي إما عقيدة -وهذه محلها القلب- وإما أوامر، وإما نواهي، هذه جملة ما كلف به هذا الإنسان في رحلة الحياة.
قال: ليكون اختلاف جهات التكليف أبعث على قبوله وأعون على فعله حكمة منه ولطفا. قال: وجعل ما أمرهم باعتقاده قسمين: قسماً إثباتاً وقسماً نفيا. العقيدة فيها الإثبات والنفي، فأما الإثبات فإثبات توحيده وصفاته وبعثه رسله وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وأما النفي فنفي الصاحبة والولد والحاجة والقبائح أجمع، وهذان القسمان هما أول ما كلفه العاقل، وهذا أهم شيء العقيدة؛ أول شيء العقيدة والعقيدة فيها الإثبات أمور نثبتها لله سبحانه وتعالى، والنفي وهي النقائص التي لا يجوز أن تكون لله بحال.
قال: وجعل ما أمرهم بفعله ثلاثة أقسام، فالأوامر ثلاثة أقسام: قسماً على أبدانهم كالصلاة والصيام، وقسماً في أموالهم كالزكوات والكفارات، وقسماً على أبدانهم وفي أموالهم كالحج والجهاد؛ ليسهل عليهم فعله ويخف عليهم أداؤه نظراً منه لهم وتفضلاً منه عليهم. وجعل ما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام كذلك، فالنواهي ثلاثة أقسام: قسماً لإحياء نفوسهم وصلاح أبدانهم كنهيه عن القتل وأكل الخبائث والسموم وشرب الخمور المؤدية إلى فساد العقل وزواله، وقسماً لالتئامهم وصلاح ذات بينهم كنهيه عن الغصب والغلبة والظلم والسر المفضي إلى القطيعة والبغضاء، وقسماً لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم كنهيه عن الزنا ونكاح ذوات المحارم. نستطيع أن نقول إن النواهي إنما قصد بها حفظ المقاصد الخمس أو الضروريات الخمس: حفظ دينهم ونفسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم.
فكانت نعمته فيما حظره علينا كنعمته فيما أباحه لنا، وتفضله فيما كفنا عنه كتفضله فيما أمرنا به. فهذه نعمة أن الله عز وجل ينهاك عن شيء يضرك، هذه نعمة كما أن أمره بشيء ينفعك نعمة، كذلك نهيه لك عن شيء فيه ضرر على نفسك أو عقلك هذا أيضاً نعمة عليك أن تحمد الله عز وجل أن نهاك عن هذه الأمور ووجهك إلى اجتنابها. فهل يجد العاقل في رويته مساغاً أن يقصر فيما أمر به وهو نعمة عليه، أو يرى فسحة في ارتكاب ما نهي عنه وهو تفضل عليه؟ وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها مع شدة فاقته إليها إلا مذموماً في العقل مع ما جاء من وعيد السمع؟ ثم من لطف الشريعة الذي لا يأتي بـ ولا يحافظ على هذه الأمور فهو مذموم في العقل وفي الشرع.
ثم من لطفه بخلقه وتفضله على عباده أن جعل لهم من جنس كل فريضة نفلاً، وجعل لها من الثواب قسطاً، وندبهم إليه ندبا، وجعل لهم بالحسنة عشراً ليضاعف ثواب فاعله ويضع العقاب عن تاركه. ثم من تفضل الله علينا أن جعل لنا في الأمور التي أمرنا بها فريضة ونفلاً؛ عندك الصلاة فيها فريضة ونفل، والصيام فيه فريضة ونفل، والزكاة فيها صدقة، والحج؛ وهذا ليزداد الإنسان تقرباً من ربه وزيادة في حسناته.
قال: ومن لطيف حكمته أن جعل لكل عبادة حالتين: حالة كمال وحالة جواز، رفقاً منه بخلقه؛ لما سبق في علمه أن فيهم العجل المبادِر والبطيء المتثاقل ومن لا صبر له على أداء الأكمل. يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل هناك صورة كاملة لأداء العبادة وصورة هي الحد الأقل، الحد الأدنى الذي دونها لا تصح. مثلاً الله سبحانه وتعالى جعل الكمال في الصلاة أن تصليها في أول وقتها، وأن تقرأ الفاتحة ثم سورة، ثم في داخلها سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو أكثر، أما إذا فعلتها مرة فهذا حد الجواز، ولكن في حد الكمال أن تقولها ثلاثاً وأكمل الكمال أن تقول سبحان ربي العظيم عشر مرات، فأنت إذا نظرت في كل عبادة ستجد أن هناك ما يسمى حد الكمال، وهناك ما يسمى حد الجواز الذي بدونه لا تصح.
لماذا جعل في العبادات صورة كاملة وصورة جائزة؟ قال: لعلمه سبحانه أن الناس ينقسمون، الناس منقسمون؛ في ناس العجل المبادِر، في ناس تحب تقدم أكثر، وفي المقابل في البطيء المتثاقل؛ اللي سبحان ربي العظيم مرة واحدة تقول له ليش يا شيخ ثلاث مرات؟ في ناس بتحكيها ثلاثة وفي ناس بتحكيها عشرة. في واحد بيقول لك أنا نفس الشيء؛ الوتر هسا الوتر في وتر بركعة وفي وتر بثلاثة، لأنه في ناس متنوعة في هممها، في ناس بتقول لك أنا أوتر بـ 11 وفي واحد يقول لك واحدة وكفاها الله. قال: ومن لا صبر له على أداء الأكمل؛ ليكون ما أخل به من هيئات عبادته غير قادح في فرض ولا مانع من أجر، فكان ذلك من نعمة علينا. وحظ الإنسان الذي يقتصر على الجواز ولم يفعل الأكمل؛ اقتصاره على الجواز يجعل صلاته مقبولة، هذا غير قادح في أنه أدى الفرض وأنه يحصل أصل الثواب، ولو كان قصر في فعل الأكمل.
وكان أول ما فرض بعد تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم عبادات الأبدان وقدمها على ما يتعلق بالأموال، لأن النفوس على الأموال أشح وبما يتعلق بالأبدان أسمح. لأنه أنت لشخص يمشي من هون لوسط البلد بيمشي، قول له أعطي ديناراً لله صعبة، فالفكرة أن العبادات البدنية تبقى أسهل على النفس من الأمور المالية فبدأ بالأسهل عليه. وذلك الصلاة والصيام؛ فقدم فرض الصلاة على الصيام لأن الصلاة أسهل فعلاً وأيسر عملاً، وجعلها مشتملة على خضوع له وابتهال إليه؛ فالخضوع له رهبة منه والابتهال إليه رغبة فيه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم إلى صلاته فإنما يناجي ربه، فلينظر أحدكم بما يناجيه».
وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان كلما دخل عليه وقت الصلاة اصفر لونه وارتعد، فقيل له في ذلك، فقال: أتتني الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملتها أنا ولا أدري أسيئت فيها أم أحسنت. قال: ثم جعل لها شروطاً لازمة من رفع حدث وإزالة لـ ليستديم النظافة للقاء ربه والطهارة لأداء فرضه، ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليتدبر ما فيه من أوامره ونواهيه ويعتبر إعجاز ألفاظه ومعانيه، ثم علقها بأوقات راتبة وأزمان مترادفة؛ ليكون ترادف أزمانها وتتابع أوقاتها سبباً لاستدامة الخضوع له والابتهال إليه، فلا تنقطع الرغبة منه ولا الرهبة فيه، وإذا لم تنقطع الرغبة والرهبة استدام صلاح الخلق، وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استيفاؤها على الكمال أو التقصير فيها عن حال الجواز.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة مكيال، فمن وفى وُفي له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من هانت عليه صلاته كانت على الله أهون». وأنشدت عن بعض صلحاء الشعراء: أقبل على صلواتك الخمس كمُحْ... وعساه لا يُمْسِي واستقبل اليوم الجديد بتوبة... تمحو ذنوب صبيحة الأَمْسِ فليفعلن؛ إن بوجهك الغض البلى... فعل الظلام بصورة الشمس.
سيبلى وجهك كما أن الظلام يبلي الشمس. قال: ثم فرض الله تعالى الصيام وقدمه على زكوات الأموال لتعلق الصيام بالأبدان، فكان في إيجابه حث على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم لما قد عانوه من شدة المجاعة في صومهم. وقد قيل ليوسف عليه الصلاة والسلام لما تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. ثم لما في الصوم من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى يسير الطعام والشراب، والمحتاج إلى الشيء ذليل به. وبهذا احتج الله تعالى على من اتخذ عيسى وأمه إلهين من دونه فقال: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]، فجعل حاجتهما إلى الطعام نقصاً فيهما عن أن يكونا إلهين.
وقد وصف الحسن البصري رحمه الله في قصصه نقص الإنسان بالطعام وغيره فقال: مسكين ابن آدم، مكتوم الأمل، محتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل؛ يتكلم بلحم وينظر بشحم، يتكلم بلحم يعني اللسان، اللسان لحم، يتكلم بقطعة لحم وهي اللسان، وينظر بشحم؛ بشحمة قيل يعني هي بؤبؤ العين، يقول تشبه الشحمة أكثر من أنها لحمة، هذا البياض الذي في عينينك، ويسمع بعظم؛ أسير جوعه وصريع شبعه، تؤذيه البقة وتنتنه العرقة، وتقتله الشَرقة؛ شرقة بشربة ماء واحدة تقتل، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. فانظر إلى لطفه بنا فيما أوجبه من الصيام علينا كيف أيقظ العقول له وقد كانت عنه غافلة أو متغافلة، ونفع النفوس به ولم تكن لولاه منتفعة ولا نافعة. فالصيام ينبه الإنسان على فقره وعلى احتياجه، هذا معنى أيقظ العقول؛ أن الصيام ينبهك على فقرك واحتياجك، لأنك لما تصوم فترى كيف الجوع يفعل فعله وتدور الإنسان إلى الطعام تعرف كم أنت ضعيف هزيل؛ مجرد أن تصوم يوماً من الفجر إلى المغرب تجد أن الدنيا تلف فيك، بمجرد أن تمتنع من الطعام من الفجر إلى المغرب تعرف أن الإنسان ضعيف وبنيان مسكين، ثم بعد ذلك يطغى على ربه، وكذلك تنتفع النفوس بالصيام بصلاحها وقصر شهواتها.
ثم فرض زكوات الأموال وقدمها على فرض الحج؛ لأن في الحج مع إنفاق المال سفراً شاقاً، فكانت النفس إلى الزكاة أسرع إجابة منها إلى الحج، فكان في إيجابها مواساة للفقراء ومعونة لذوي الحاجات، تكفهم عن البغضاء وتمنعهم عن التقاطع وتبعثهم على التواصل؛ لأن الـ لأن الأمل وصول والراجي هائب. لأن الذي يأمل ما عندك متأمل أنه فلان يساعدني يبقى وصل بيننا وبينه، والراجي هائب، فلا يؤذيك ولا يتطاول عليك. وإذا زال الأمل وانقطع الرجاء واشتدت الحاجة.
وقعت البغضاء واشتد الحسد، فحدث التقاطع بين أرباب الأموال والفقراء، ووقعت العداوة بين ذوي الحاجات والأغنياء، حتى تفضي إلى التغالب على الأموال والتغيير بالنفوس؛ وبالتالي تصبح المشاكل والسرقات، كل واحد يريد أن يأخذ مال أخيه.
هذا مع ما في أداء الزكاة من تمرين النفس على السماحة المحمودة ومجانبة الشح المذموم؛ لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق، والشح يصد عنها، وما بعث على أداء الحقوق فاجدر به حمداً، وما صد عنها فإخلاق به ذماً. وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «شر ما أعطي العبد شح هالك وجبن هالك». فسبحان من دبرنا بلطيف حكمته، وأخفى عن فطنتنا جزيل نعمته، حتى استوجب من الشكر بإخفائها أعظم مما استوجبه بإبدائها.
قال: ثم فرض الحج، فكان آخر فروضه؛ لأنه يجمع عملاً على بدن وحقاً في مال، فجعل فرضه بعد استقرار فروض الأبدان وفروض الأموال ليكون استئناسهم بكل واحد من النوعين ذريعة إلى تسهيل ما جمع النوعين. فكان في إيجابه تذكير ليوم الحشر في مفارقة المال والأهل، وخضوع العزيز والذليل في الوقوف بين يديه، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه، وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه وندم المذنبين على ما أسلفوه؛ فقل من حج إلا وأحدث توبة من ذنب وإقلاعاً عن معصية.
ولذلك قال النبي ﷺ: «من علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيراً منه قبلها». وهذا صحيح؛ لأن الندم على الذنوب مانع من الإقدام عليها، والتوبة عنها مكفرة لما سلف منها، فإذا كف عما كان يقدم عليه، أنبأ عن صحة توبته، وصحة التوبة تقتضي قبول الحجة.
ثم نبه بما يعاني فيه من مشاق السفر المؤدي إليه على موضع النعمة برفاهة الإقامة وأنس الأوطان، ليحنو على من سلبت هذه النعمة من أبناء السبيل. فإنت لما تفارق الوطن تعرف قيمة الوطن، ولما تفارق البلد تعرف قيمة أن تكون في بلد، وبالتالي السفر إلى الحج يعلمك كيف تحنو على المنقطعين من أبناء السبيل.
قال: ثم اعلم بمشاهدة حرمه الذي أنشأ منه دينه وبعث فيه رسوله ﷺ، ثم بمشاهدة دار الهجرة التي أعز الله تعالى بها أهل طاعته وأذل بنصره نبيه ﷺ أهل معصيته، حتى خضع له عظماء المتجبرين وتذلل له زعماء المتكبرين؛ إذ لم ينتشر عن ذلك المكان المنقطع ولا قوي بعد الضعف البين، حتى صار به طبق الأرض شرقاً وغرباً إلا بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز.
كأنك لم ترَ مكة والمدينة وترى حالها، تتعجب كيف كانت هذه البقاع هي سبب لهذا الخير العميم الذي عم شرقاً وغرباً، فتعرف أن هذا إنما هو بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز من الله سبحانه. فكان هذا من مقاصد الحج أن يرى الإنسان تلك البقاع فينتمي إلى الإسلام العظيم.
قال: فاعتبر الهمك الله تعالى الشكر ووفقك للتقوى إنعامه عليك فيما كلفك، وإحسانه إليك فيما تعبدك، فقد وكلتك إلى فطنتك وأحلتك على بصيرتك، بعد أن كنت لك رائداً صدوقاً وناصحاً شفيقاً. هل تحسن نهوضاً بشكره إذا فعلت ما أمرك وتقبلت ما كلفك؟ كلا؛ لأنه لا يوليك نعمة توجب الشكر إلا وصلها قبل شكر ما سلف بنعمة توجب الشكر في المستقبل.
كأنه يقول: بعد أن عرفتك هذه النعم؛ نعم العبادات كالصلاة والزكاة والصيام، هل ستؤدي شكرها؟ هل تعتقد أنك ستوفي شكرها؟ قال: لا، إنك لم تستطع أن توفي شكر هذه النعم؛ لأنك إذا أردت أن تشكرها، فإنت قبل أن تصل إلى شكرها، إذاً بنعمة جديدة من الله تأتي تستوجب الشكر في المستقبل. فنعم الله تتجدد وأنت لا تستطيع أن توفي شكر هذه النعم.
ولذلك قال الحسن بن علي عليهما السلام: «نعم الله أكثر من أن تشكر، إلا ما أعان عليه»، أي أن يعينك الله. وقال: «وذنوب ابن آدم أكثر من أن تغفر، إلا ما عفا عنه». وأنشدت لمنصور بن إسماعيل الفقيه المصري رحمه الله تعالى: شكر الإله نعمة موجبة لشكره ... فكيف شكري بره وشكره من بره؟ فكيف شكري بره؟ وأصلاً شكري هو شكل من أشكال الأمور التي تحتاج إلى شكر، وهي من بر الله أن وفقني إلى الشكر، فشكرك لله يحتاج إلى شكر، فهذا تسلسل لا نهاية له.
سبحان الله! وإذا كنت عن شكر نعمه عاجزاً، فكيف بك إذا قصرت فيما أمرك أو فرطت فيما كلفك ونفعه أعود عليك لو فعلته؟ فهل تكون لسوابغ نعمه أكفوراً؟ وببدائه العقول أسجورا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [التوبة: 67]. قال مجاهد: أي يعرفون ما عدد الله عليهم من نعمة وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم أو اكتسبوها بأفعالهم.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله تعالى: «يا ابن آدم، ما أنصفتني! أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي؟»، أي تتبغض إلي بالمعاصي. «خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد، كم من ملك كريم يصعد إلي منك بعمل قبيح».
هذه الأحاديث كما قلت لكم عندها إشكالات كثيرة، لكن هذا ما قيل. وقال بعض صلحاء السلف: «قد أصبح بنا من نعم الله تعالى ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري أيهما نشكر: أجمل ما ستر، أم قبيح ما ستر؟».
فحق على من عرف موقع النعمة أن يقبلها ممتثلاً لما كلف منها، وقبولها يكون بأدائها، ثم يشكر الله تعالى على ما أنعم من أدائها؛ فإن بنا من الحاجة إلى نعمة أكثر مما كلفنا من شكر نعمة. فإن أدينا حق النعمة في التكليف، تفضل بأداء النعمة من غير جهة التكليف، فلزمت النعمتان، ومن لزمته النعمتان فقد أوتي حظ الدنيا والآخرة، وهذا هو السعيد بالإطلاق.
وإن قصرنا في أداء ما كلفنا من نعمة، قصر عنا ما لا تكلف فيه من نعمة. فإذا أنت أديت ما أمرك الله سبحانه وتعالى به من التكاليف، تفضل بأداء النعمة؛ أي أنعم عليك بنعم كثيرة من غير جهة التكليف. النعم علينا قسمان: نعمة التكليف، ونعم أخرى ليس لها علاقة بالتكاليف كالسمع والبصر وغيرها. فإذا أنت فعلت نعمة التكليف وأديتها بحقها، كنعمة الصلاة والزكاة، تفضل سبحانه وتعالى عليك بنعم من دون أن يكلفك بشيء، فحصلت لك النعمتان.
وإن نعمًا أخرى أحاطت بك وأنت لست مكلفًا تجاهها بشيء، قال: فنفرت النعمتان؛ ومن نفرت عنه النعمتان فقد سلب حظ الدنيا. وإن قصرنا في أداء ما كلفنا من شكره، قصر عنا ما لا تكليف فيه من نعمه. بقدر ما تقصر في أداء العبادات، وبقدر ما تقصر في حقوق الله، بقدر ما تبتعد عنك النعم الأخرى؛ فتخسر كلتا النعمتين. قال: فلم يكن له في الحياة حظ، ولا في الموت راحة، وهذا هو الشقي بالاستحقاق. وليس يختار الشقوة على السعادة ذو لب صحيح ولا عقل سليم. وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123].
وقد روى الأعمش عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: «يا أبا بكر، إن المصيبة في الدنيا جزاء». يعني أنت كل ما تصاب به في الدنيا من هم وغم هو جزاء لمعاصيك. واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: 101]، فقال بعضهم: أحد العذابين الفضيحة في الدنيا، والثاني عذاب القبر. وقال عبد الرحمن بن زيد: أحد العذابين مصائبهم في الدنيا في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب الآخرة في النار.
هذا إنما أراد أن يبين به أن الإنسان الذي لا يؤدي نعمة التكاليف فيقوم ويواظب على صلاته، تتعلق به التعاسة في الدنيا وفي الآخرة، وعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. ومن هذا عذاب الدنيا مثلًا ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾؛ من عذاب الدنيا الفضيحة، من عذاب الدنيا المصائب، من عذاب الدنيا الهموم والغموم. فعليك أن تؤدي نعمة الله سبحانه وتعالى في التكاليف ليعطيك الله عز وجل نعمًا لا تعد ولا تحصى بها سعادة الدنيا والآخرة.
وليس وإن نال أهل المعاصي لذة من عيش أو أدركوا أمنية من دنيا كانت عليهم نعمة؛ بل قد يكون ذلك استدراجًا ونقمًا. هذا شكل من أشكال البلاء، فهو جزء من المصائب؛ لماذا؟ لأنك لما تكون مصرًا على المعصية وترى الله يعطيك، هذا بلاء لأنه يستدرجك. فمفهوم البلاء والنعمة تحتاج أنت أن تقومه؛ النعمة أن ينعم الله عليك بشيء يكون فيه مصلحتك، لكن لما يعطيك وهو يستدرجك بذلك ترى هذا بلاء لا نعمة من هذه الجهة.
وروى ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العباد ما يشاؤون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44].
فأما سائر المحرمات التي يمنع الشرع منها، واستقر التكليف عقلًا أو سمعًا بالنهي عنها، فتنقسم قسمين: منها ما تكون النفوس داعية إليها والشهوات باعثة عليها، كالسفاح والزنا وشرب الخمر؛ فقد زجر الله تعالى عنها لقوة الباعث عليها وشدة الميل إليها بنوعين من الزجر: أحدهما حد عاجل يرتدع به الجريء، وهذا يكون في الدنيا كحد الزنا وحد شرب الخمر وحد السرقة. والثاني وعيد آجل يزدجر به التقي. ومنها ما تكون النفوس نافرة منها والشهوات مصروفة عنها، كأكل الخبائث والمستقذرات وشرب السموم المتلفات؛ فاقتصر الله سبحانه في الزجر عنها بالوعيد وحده دون الحد؛ لأن النفوس مسعدة في الزجر عنها، والشهوات مصروفة عن ركوب المحظور منها.
ثم أكد الله تعالى زواجره بإنكار المنكرين لها، فأوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الأمر بالمعروف تأكيدًا لأوامره، والنهي عن المنكر تأييدًا لزواجره. لأن النفوس الأشره قد ألهتها الصبوة عن اتباع الأوامر، وأذهلتها الشهوة عن تذكار الزواجر؛ فكان إنكار المجانسين أزجر لها، وتوبيخ المخالطين أبلغ فيها. ولذلك قال النبي ﷺ: «ما أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله تعالى بعذاب محتضر».
وإذا كان ذلك كذلك، فلا يخلو حال فاعل المنكر من أحد أمرين: أحدهما أن يكونوا آحادًا متفرقين وأفرادًا متبددين لم يتحزبوا فيه ولم يتضافروا عليه، وهم رعية مقهورون وأشذاذ مستضعفون؛ فلا خلاف بين الناس أن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع المكنة وظهور القدرة واجب على من شهد ذلك من فاعليه أو سمعه من قائليه. وإنما اختلفوا في وجوب ذلك على منكريه؛ هل وجب عليهم بالعقل أو بالشرع؟ فذهب بعض المتكلمين إلى وجوب ذلك بالعقل؛ لأنه لما وجب بالعقل أن يمتنع من القبيح، وجب أيضًا بالعقل أن يمنع غيره منه؛ لأن ذلك أدعى إلى مجانبته وأبلغ في مفارقته.
وقد روى عبد الله بن المبارك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن قومًا ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا، فأخذ كل واحد منهم موضعًا، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو ما كان يصنع به، أصنع به ما شئت»، فلم يأخذوا على يديه فهلك وهلكوا. وذهب آخرون إلى وجوب ذلك بالشرع دون العقل؛ لأن العقل لو أوجب النهي عن المنكر ومنع غيره من القبيح، لوجب مثله على الله تعالى، ولما جاز ورود الشرع بإقرار أهل الذمة على الكفر وترك النكير عليهم؛ لأن واجبات العقول لا يجوز إبطالها بالشرع، وفي ورود الشرع بذلك دليل على أن العقل غير موجب لإنكاره.
فأما إذا كان في ترك إنكاره مضرة لاحقة بمنكره، وجب إنكاره. وأما إن لحق المنكر مضرة من إنكاره، ولم تلحقه مضرة من كفه وإقراره، لم يجب عليه الإنكار لا بالعقل ولا بالشرع.
وسكوتي لن يتسبب بضرر عليه، قال: ولم تلحقه مضرة من كفه عن إنكار المنكر وإقراره على وجوده، فهنا لم يجب عليه الإنكار لا عقلاً ولا شرعاً. يعني هو الآن يعطيك حالتين، حالة أنه إذا أنا لم أنكر المنكر سأتضرر أنا مباشرة، فهنا عقلاً وشرعاً يجب إنكار المنكر، لأنني الآن سأتضرر.
الحالة المعاكسة لا، بالعكس؛ أنه أنا إذا أنكرت المنكر إنكاري سيضرني، وسكوتي عن إنكاري وكفي عن إنكاري وخلي الأمر يحصل لن يضرني، ففي هذه الحالة لا يجب علي أن أنكر المنكر لا عقلاً ولا شرعاً. وهكذا هي سنة الحياة؛ وهذا ما ناقشناه في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي قضية أنه أحياناً يلزمني أن أنهى عن المنكر لأنه إذا الآن ما أنهيت سيحصل منكر أعظم في حياتي وحياة الناس، فهنا يجب عقلاً وشرعاً أن أنكر المنكر وجوباً.
والعكس إذا كان إنكاري للمنكر سيتسبب بالضرر علي أكثر، وسكوتي عن إنكاره لن يتسبب علي بالضرر، فبالتالي أنا هنا مش ملزم أنكر، بل أحياناً قد يكون إنكاري للمنكر منكراً إذا كانت مفسدة الإنكار أعلى من المصلحة المرجوة، هذا ما يريد أن يقوله، بس طبعاً قضية يجب عقلاً لا يجب عقلاً، إحنا هذه ما لنا علاقة فيها هذه خلوها للمعتزلة.
نعم، قال: أما العقل فلأنه يمنع من اجتلاب المضار التي لا يوازيها نفع، وأما شرعاً فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أنكر المنكر بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان». قال: فإن أراد الإقدام على الإنكار مع لحوق المضرة به نظر. قال: فإن لم يكن إظهار النكير مما يتعلق بإعزاز دين الله تعالى، ولا إظهار كلمة الحق لم يجب عليه النكير، إذا خشي بغالب الظن تلفاً أو ضرراً، ولم يحسن منه النكير أيضاً.
لم يجب عليه النكير، بل ايش قال؟ لم يحسن، وهذه تهمنا أنه لم يجب عليه النكير نحن أخذناها من الفقرة السابقة، هنا الذي يهمنا لم يحسن منه النكير. يعني إذا كان هذا المنكر الذي بدك تنكره إذا لم يكن في إنكارك له إعزاز للدين وإظهار لكلمة الحق، ففي هذه الحالة لا يحسن بك أن تنكر المنكر مع أنه سيجلب هذا الإنكار عليك تلفاً أو ضرراً أو إشغالاً، والنتيجة المرجوة من إنكارك لن تكون مؤثرة. باختصار يعني: إذا كان إنكاري للمنكر لن يؤثر حقيقة في إعزاز الدين، ولن يظهر له صد وقوة لدين الإسلام مع غلبة الظن أو العلم أنني أنا سأتضرر وسيحصل تلف وإشكالات وأروح فيها سنين سجون، لا يحسن إنكار المنكر في هذه الحالة لأنه لا فائدة مرجوة والضرر حاصل.
قال: وإن كان في إظهار النكير إعزاز دين الله تعالى وإظهار كلمة الحق حسن منه النكير مع خشية الإضرار والتلف، وإن لم يجب عليه، إذا كان الغرض قد يحصل له بالنكير وإن استضر أو قتل. قال: إذا كان الغرض، يعني الهدف، إذا كان الغرض والهدف قد يحصل مع إنكارك هذا المنكر، بالتالي أنا لازم أتأكد لما بدي أنكر منكر أنه في غرض، في فائدة مرجوة.
كثير من الشباب للأسف هم مجموعة من المتهورين، خلاص لا بدنا ننكر منكر، طيب يا جماعة أنتم الآن بدكم تنكروا منكر، هذا الإنكار هل سيجلب نفع؟ هل في أحد راح يسمع فيكم أصلاً؟ يقول لك نحن نريد أن نعز دين الله سبحانه ونريد أن نقيم شرع الله في الأرض وكذا، وتسمع البروباجاندا هي، طيب وفي حدا سامع فيكم؟ طب هل في هدف حقيقي؟ هل غرض هناك سيتحقق لك؟ مش مشكلة المهم أنني فعلت، لا مش مهم أنك فعلت، هذا لاحظ ماذا يقول العلماء: يجب أن يكون إذا أنت ستتلف -سواء تلف بدني تقتال أو يتلف منك عضو أو تسجن سنوات أو ما شابه ذلك- عليك أن تنظر، أن هذا مش أنت الآن لما تتحرك وتصور وتجاهد هدفك إنكار المنكر الذي يكون على الأرض، عليك أن تتلمح النتيجة، عليك أن تتلمح الغرض، ليس الفكرة أن الإنسان خلص مجرد يتلف خلص أنا هيك أنكرت المنكر، هذا ليس بصحيح، وهذا لم يقله أحد من العلماء، ترى.
وإنما هذا كثير منه من تأصيلات الاندفاعيين المعاصرين الذين أصلوا فكرة أن الإنسان المهم أن يتلف أن يبذل، انتبهوا يا شباب، هذه فكرة المهم أن أبذل هذه ما هي صحيحة بهذا الإطلاق، عليك أن تبذل بذلاً يحقق نفعاً بغض النظر عن حجم النفع، أكيد النفع، يعني أنت شخص مش راح وحدك يقوم الإسلام على ظهرك وحدك، لكن الفكرة أنك إذا بذلت، لاحظ هو طبعاً الكلام عن أي مسألة؟ البذل الذي يؤدي إلى تلف أو يؤدي إلى سجون أو يؤدي إلى أشياء كبرى في حياتك وتغيرات جذرية متعبة منهكة، هذا البذل الذي سيؤدي إلى تلف في النفس أو سجن طويل الأمد أو ما شابه ذلك لا يحسن أن تقدم عليه، بل قد يصل لدرجة الكراهة أو التحريم أحياناً على حسب متعلقاته، وأنت لا ترى شيئاً فيه إعزاز حقيقي لدين الله، أنت مش النقطة الفاصلة والأثر الذي فعلته ما أحد يراه أصلاً، أو لن يكون فعلاً عميق الأثر، مش ضروري أحد يراه طبعاً يقول لك لا أنا مش ضروري أحد يراه، لازم أحد يراه، بس أنا بعرف أن هذا الذي فعلته استراتيجياً يفيد الأمة لفترة طويلة، أخي ممتاز الله يرضى عليك كتب الله أجرك، لكن أن يكون عبارة عن بالون ويفقع ولا يكون له أي أثر أو نكاية حقيقية في أعداء الله سبحانه وتعالى أو يعني خدمة للمشروع الإسلامي حقيقة، هنا لا يحسن لك أن تنكر، بل حافظ على حياتك وعائلتك وأولادك وكذا، واصبر واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
بعض الناس يقول لك طيب شيخ كيف بدنا نغير؟ وأحياناً قد هو جزء من معركة الإسلام أن تعبد ربك حتى يأتيك اليقين، انتظار الفرج، انتظار الوقت المناسب، انتظار الفرص المناسبة، أنت تريد أن الأقدار تأتي رغماً عنك رغماً عنها تجاهك ما بينفع، جزء من عبودية النبي ﷺ في المرحلة المكية، اصبر كثير هذه في القرآن ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾، اصبر في جزء من مرحلة الحياة والدعوة هكذا، أما المعافسة وتكليف النفس فوق طاقتها ودفع أثمان لا معنى لها هذا ليس من الشريعة في شيء، بل هذا من إيقاع الشباب في حرج ودفعهم إلى مهالك، ولم يقل ذلك الإسلام أبداً.
نعم، قال: وعلى هذا الوجه قال النبي ﷺ: «إن أفضل الأعمال كلمة حق عند سلطان جائر». فأما إذا كان يقتل قبل حصول الغرض قبح في العقل أن يتعرض لإنكاره. وكذلك لو كان الإنكار يزيد المنهي إغراء بفعل المنكر ولجاجاً في الاستكثار منه قبح في العقل إنكاره.
قال فإما إذا كان يقتل قبل حصول الغرض قبح في العقل أن يتعرض لإنكاره، يعني إذا كنت أنت أصلاً ستنتهي ولم تحقق غرضاً من إنكارك للمنكر، بالتالي ما في داعي أن تدخل في إنكار المنكر بهذه الطريقة، ما هو الهدف؟ وكذلك إذا كان الإنكار يزيد المنهي إغراء بفعل المنكر، اللي هو إذا كان إنكاري يجعل الذي يفعل المنكر يزداد فعلاً للمنكر، تمام، يعني أحياناً مثلاً قد تكون تقريبها، قد تكون أنت في طريق في الشارع وتجد هوشة كبيرة والعياذ بالله، الذين يختصمون يسبون الله ويسبون الإسلام، تعرف هذا للاسف ينتشر في بعض البلاد وهم في لحظة غضب شديد، أحياناً دخولك المفاجئ ولا يا فلان ترى لا تقل قد يكون يؤدي إلى مردود عكسي، أنه هو الآن في لحظة فقد عقله، هو غير لا يسال في رب ولا دين والعياذ بالله، فدخولك المفاجئ إنكاراً عليه قد يزيده إصراراً وتتابعاً في السب والشتم، فمثل هؤلاء لا، اتركه، لأن هو الآن ليس في مرحلته العقلية، حتى يعود له عقله ثم بعد ذلك تنكر عليه أو تعاقبه إن كنت صاحب قدرة على العقاب، أما وهو في هذه الحال كما قال، قد يزيدك قد يزيده إنكارك بغياً وتتابعاً في الشتم أو السب والعياذ بالله.
نعم، قال: والحالة الثانية أن يكون فعل المنكر من جماعة قد تضافرت عليه وعصبة قد تحزبت ودعت إليه، فقد اختلف الناس في وجوب إنكاره على مذاهب. الحالة الثانية أن يكون فاعلو المنكر جماعة، سموها طائفة ممتنعة في بلد أو قرية تحزبوا على فعل المنكر.
نعم، قال: فقد اختلف الناس في وجوب إنكاره على مذاهب شتى، فقالت طائفة من أصحاب الحديث وأهل الآثار لا يجب إنكاره، والأولى بالإنسان أن يكون كافاً ممسكاً وملازماً لبيته وادعاً غير منكر ولا مستنكر يعني حقيقة، فقال طائفة من أصحاب الحديث الأثر لا يجب إنكاره، والأولى أن يكون كافاً ممسكاً، يعني طريقة في سرد هذا القول أنا لا أعتقد أنها دقيقة، يعني من من أهل الحديث الذي يقول إن الطائفة الممتنعة بفعل منكر من المنكرات لا يجب الإنكار، والأولى أن يكون كافاً ممسكاً؟
نعم شيخنا، هو يقصد موضوع إنكار على أئمة الجور، الآن أن يكون من هو يقول لك جماعة عن طائفة ممتنعة بس أقصد الإسقاط هون إسقاطه على أهل الحديث، لا لا أنا لا أعتقد هذا، لا أعتقد هذا ولا أعتقد أن هذا النقل دقيق لهذه الدرجة، الحديث يقولون هذا في الفتنة، في الفتنة أن تقتتل طائفتان مؤمنتان ولا يعرف الحق بينهما، نعم فهنا يترك الإنسان أن يلزم بيته وخيراً له، هذا الكلام تمام. وإذا كان الذي يفعل ذلك السلطان أو ما شابه ذلك من الذي قال إنه لا ينكر عليه أبداً؟ أبداً هذا ما قاله أحد من العلماء، إنما يقول بعض المعاصرين الذين لم يفهموا، وإنما ينكر على قدر الاستطاعة، هكذا عقيدة أهل الحديث، ينكر على قدر الاستطاعة وعلى قدر المصلحة وعلى قدر المنفعة، تمام بحيث لا يؤلب الناس، لكن في نفس الوقت لا يترك المنكرات، فأطلق الأمر بهذه الطريقة، أعتقد أن النظر هذا يحتاج إلى أو هذا القول يحتاج إلى تحري في نسبته وفي معرفة مقصده.
نعم، قال: وقال طائفة أخرى ممن يقول (يعني لو نسبه إلى هذا التصوف لكذا لسه أعقل، لأنه التصوف بشكل عام هو يمشي مع القدر ويسالم الأقدار، يعني مهما فعل فيها من القبائح بقول لك نحن نستسلم للقدر ويشاهدون هذا المقام هنا) نعم. قال: وقالت طائفة أخرى ممن يقول بظهور المنتظر لا يجب إنكاره ولا التعرض لإزالته إلا أن يظهر المنتظر، هم الروافض الذين يقولون وخروج المنتظر الإمام المهدي المنتظر في هذه القضية. نعم قال فيتولى إنكاره بنفسه ويكون حينئذ أعوانه. قال وقال طائفة أخرى منهم الأصم لا يجوز للناس إنكاره إلا أن يجتمعوا على إمام عدل فيجب عليهم الإنكار معه.
قال: وقال جمهور، هذا إذا كان المراد أنه اقتتال، يعني إذا كان المراد أننا سنقاتل هذه الطائفة الممتنعة، أن إنكار المنكر برضه للجماعة الممتنعة على مراتب، منه ما يكون باللسان ومنه ما يكون بماذا؟ بالسنان، بالسيف، وأعتقد أن الأقوال الثلاثة التي يذكرها هو الإنكار بالسيف، لأنه قال الطائفة الأولى من أهل الحديث لا يجب الإنكار والأولى أن يكون كافاً ممسكاً، قالت طائفة لا نقاتل أهل الجور إلا بوجود المهدي المنتظر، وقالت طائفة لا يجوز الإنكار إلا أن يجتمعوا على إمام عدل فيجب عليهم الإنكار معه، وهذا القول الثالث، يعني مع القول الأول يجب أن يتكاتفوا، يعني إذا كانت هناك طائفة ممتنعة ومصرة على المنكرات ووجد إمام عدل به يصال ويجال وبه يتم إنكار هذا المنكر، يقاتل معه، هذا صحيح، وهذا أيضاً من يعني طريقة أهل الحديث، وأما إذا لم توجد ظروف مهيأة ولا الأمور متاحة فعندئذ نعم لا يقاتلون، ولزوم المنزل هو الخير صيانة للدماء من الفتن والذهاب.
نعم، قال: وقال جمهور المتكلمين إنكار ذلك واجب ودفع عنه لازم على شروطه في وجود أعوان يصلحون له، فإما مع فقد الأعوان فعلى الإنسان الكف لأن الواحد قد يقتل قبل بلوغ الغرض فيه، وذلك قبيح في العقل أن يتعرض، نفس الفكرة. وقال جمهور المتكلمين إنكار ذلك واجب لكن على شرط وجود أعوان يصلحون، يعني بغض النظر وجد إمام عدل ولا لا، يمكن يقوم به أفراد بدون وجود الإمام العدل بس بشرط وجود ماذا؟ ثلة قوية يتعاونون فيما بينهم في إزالة المنكر الذي تفعله تلك الطائفة الممتنعة. نعم، وخلاصة هذا الأمر خلاصة هذه الحالة الثانية أن الطوائف الممتنعة بالمنكرات الإنكار عليها باللسان سهل، لكن المشكلة الإنكار إذا كان بماذا؟ بالسيف.
والقتال واعتقد أن هذه الأقوال كما قلت إنما هي عن الإنكار بالسيف، أما الإنكار باللسان أنا لا أعتقد أنه يتحدث عنه بحال. فقضية الإنكار بالسيف نعم هي قضية تحتاج إلى رؤية مصلحية عالية، ينظر ما الناس مدفوعون إليه في إنكار المنكرات؛ في هذه الحالة أنت تتكلم عن طائفة ممتنعة وجهة ممتنعة بمنكرات تفعلها، هل أستطيع أن أواجهها مواجهة عسكرية؟ يقول لك يجب أن ينظر، إذا كان لك أعوان أو قدرة حقيقية أو إمام عدل تقاتل معه ويحصل الغرض بذلك، نعم يقاتلون حتى يكفوا عن هذه المعاصي والذنوب التي اجتمعوا عليها. لكن إذا ما كان في هناك شيء من ذلك فهنا يأتي قول الذي ذكره لأهل الحديث، ليش أقول لك أنا قول أهل الحديث؟ أنا لا أعتقد أنها الأقوال متعارضة بهذه الطريقة، إنما قول أهل الحديث كانوا ينظرون إلى المال أنه إذا ما أنا أستطيع أن أدخل بالسيف فإذا دخلت واقتحمت بالسيف يؤدي إلى دماء وأشلاء لا أدخل في هذا الحال. لكن إذا كان هناك قوة ممتنعة قوية مع إمام عدل وسلطة قائمة تستطيع من خلالها الدخول على هذه الطائفة الممتنعة بالمنكر وتغيير ما هم عليه؛ ساعتها يكون في هناك معقولية، في هناك فعلاً معقولية في المواجهة العسكرية وتحصيل الغرض المطلوب.
نعم قال فهذا حكم ما أكد الله سبحانه به أوامره وأيد به زواجره من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يختلف من أحوال الآمرين به والناهين عنه. ثم ليس يخلو أحوال الناس فيما أمروا به ونهوا عنه من فعل الطاعات واجتناب المعاصي من أربعة أحوال: فمنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات ويكف عن ارتكاب المعاصي، وهي أكمل أحوال أهل الدين وأفضل صفات المتقين، فهذا يستحق جزاء العاملين وثواب المطيعين. روى محمد بن عبد الملك المدني عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذنب لا يُنسى، والبر لا يبلى، والديان لا يموت، فكن كما شئت فكما تدين تدان». قال وقال المسيح عليه السلام: بالمكيال الذي تكيلون يُكال لكم، وقديماً قيل: كل يحصد ما زرع ويُجزى بما يصنع، بل قالوا: زرع يومك حصاد غدك.
ومنهم من يمتنع من فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي، وهي أخبث أحوال المكلفين، فلا هو للأوامر فعل ولا عن المعاصي انزجر، وشر صفات المتعبدين؛ فهذا يستحق عقاب الله عن فعل ما أمر به من طاعاته، وعذاب المجترئ على ما أقدم عليه من معاصيه. وقد قال ابن شبرمة: عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار؟ يعني بعض الناس يعمل حمية فلا يأكل الطعام مشان يعمل رجيم بيخاف إنه ينصح، حتى قال إذا أنت بتعمل حمية عن الأطعمة خايف إنه تأتيك السمنة القاتلة والداء، كذلك اعمل حمية عن المعاصي والذنب فهي أولى إنك تعمل حمية عنها. قال فأخذ ذلك بعض الشعراء فقال: جسمك قد أفنيته بالحمى دهراً من البارد والحار، وكان أولى بك أن تحتمي من المعاصي حذر النار.
وقال ابن ضبارة: أنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله تعالى أهون من الصبر على عذاب الله تعالى. أي والله إنك تصبر على طاعة الله في الدنيا أهون من أن تصبر على عذاب الله في الآخرة، هناك الصبر ما بينفع، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. وقال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غناء بكم عن ثوابه، واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه. وقيل للفضيل بن عياض: رضي الله عنك؟ فقال: كيف يرضى عني ولم أرضه؟
ومنهم من يستجيب إلى فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي، القسم الثالث من البشر؛ شر من يفعل الطاعات لكنه يقصر فيفعل النواهي أيضاً، فهذا يستحق عقاب المجترئ؛ لأنه تورط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية وإن سلم من التقصير في فعل الطاعة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقلعوا عن المعاصي قبل أن يأخذكم الله تعالى فيدعكم». قال الهت الكسر والبت القطع. ولذلك قال بعض العلماء: أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه، ولم تزل الشبهة يقينه. وقال حماد بن زيد: عجبت لمن يحتمي الأطعمة لمضرتها، كيف لا يجتنب الذنوب لمعرتها؟ وقال بعض الصلحاء: أهل الذنوب مرضى القلوب. وقيل للفضيل بن عياض: ما أعجب الأشياء؟ فقال: قلب عرف الله تعالى ثم عصاه.
وقال بعض الأولياء: يدل بالطاعة العاصي وينسى عظيم المعاصي. نعم يدل أي يمن على الله، العاصي يمن على الله إذا صلى ركعتين أو صام يوماً وينسى عظم المعاصي التي فعلها، أنت لماذا تمن على الله بطاعتك؟ أنسيت عظم معاصيك؟ وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: أيما أحب إليك؟ رجل قليل الذنوب قليل العمل، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا أعدل بالسلامة شيئاً. وقيل من أيهما أفضل؟ طلع عنده قليل الذنوب أحسنت، قليل الذنوب قليل العمل لأنه هذا أسلم، يعني إيش فائدة كثير العمل بس في المقابل عندي كثر الذنوب؟ لأن لا أحد يلبس بالسلامة شيئاً، قليل الذنوب قليل العمل هذا أفضل.
وقيل لبعض الزهاد: ما تقول في صلاة الليل؟ قال: خف الله تعالى بالنهار ونم بالليل. قال نعم، يعني أحياناً بعض الناس فعلاً هذا خطابه، يكون شاب غارق في الذنوب والمعاصي وكذا وجاي يسأل يا شيخ شو رأيك قيام الليل؟ أنت إيش بتقول له؟ بقول له أخي الكريم أنت بس اترك المعاصي جزاك الله خير، اترك بس المعاصي ونام، مش طالبينك الآن بقيام الليل؛ يعني هذه خطوة متقدمة، جزاك الله خير اترك المعاصي في النهار ونام طول الليل شكراً، هذا لمرحلة معينة من الشباب اللي ما بيعرف مصلحته وبيجي بيتكلم بيسأل أسئلة وأنت تعرف إنه هو غارق في أوحال أخرى يسأل عن السنن والمستحبات وهو غارق في الذنوب والمعاصي في الخلوات.
وسمع بعض الزهاد رجلاً يقول لقوم: أهلككم النوم، فقال: بل أهلكتكم اليقظة. وقيل لأبي هريرة: أهلكتكم اليقظة؟ إيش يعني؟ أنت مستيقظ بس أنت مستيقظ يا مرائي يا منافق يا شغال، نحن بننام بس على الأقل مش عاملين معاصي، يعني هذا يقول أنتم وأنتم مستيقظين على المعاصي والذنوب أو المراءاة والنفاق. وقيل لأبي هريرة رضي الله عنه: ما التقوى؟ فقال: اجتزت في أرض فيها شوك؟ فقال نعم. قال: فكيف كنت تصنع؟ قال: كنت أتوقى، قال: فتوقى الخطايا. وقال عبد الله بن المبارك: أيضمن لي من ترك المعاصي وأرهنه الكفالة بالخلاص؟ أطاع الله قوم فاستراحوا ولم يتجرعوا غصص المعاصي.
ومنهم من يمتنع من فعل الطاعات ويكف عن ارتكاب المعاصي، فهذا يستحق عقاب الله عن دينه المنذر بقلة يقينه. روى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان صحف موسى عليه السلام كلها عبراً، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، وعجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا وطني الشاهد وعجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل.
وقال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي». وهذا واضح المعنى؛ لأن الكف عن المعاصي ترك وهو أسهل، وعمل الطاعات فعل وهو أثقل. ولذلك لم يبح الله تعالى ارتكاب معصية قط لعذر ولا غير عذر لأنه ترك، طبعاً قضية لعذر نحن نعرف أن الضرورات تبيح المحظورات، فكيف يقول إن الله لم يبح ارتكاب المعاصي لعذر؟ تمام، إلا يعني إذا يقصد معنى إيماني ممكن يحمل عليه تمام، يعني الله عز وجل لم يأذن للرجل مثلاً لمجرد شيء عارض لم يبلغ مرتبة الضرورة أن يفعل المعصية، صحيح؛ فالمعاصي لا تفعل إلا في الضرورات التي تبيح المحظورات، مثلاً أكل الميتة معصية لكن متى يجوز أكل الميتة؟ في الضرورة إذا كان الإنسان في مخمصة. والذي يظهر لي أن مقصده لم يبح ارتكاب المعاصي بعذر، عذر لا يصل إلى الضرورة، تمام، كالحاجة أو الرغبة أو شيء من الإرهاق النفسي أو ما شابه ذلك، إذا كان العذر لا يصل إلى الضرورات فلم يبح ارتكاب المعاصي.
قال لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك الأعمال بالأعذار لأن العمل بخلاف الأعمال اللي هي الأوامر، فإنك يجوز أن تترك بعض التكاليف إذا كان لديك ماذا؟ عذر ولو لم يصل إلى الضرورة، كما أن مثلاً الصائم يفطر بمرض ولو لم يكن المرض قاتلاً، والمسافر يستطيع أن يقصر ويستطيع أيضاً أن يفطر ويقضي، فالله عز وجل في المأمورات أباح تركها بماذا بوجود الأعذار ولو لم تبلغ مرتبة الضرورات. وأباح ترك الأعمال بالأعذار لأن العمل قد يعجز المعذور عنه. وقال بكر بن عبد الله: رحم الله امرأً كان قوياً فاعمل قوته في طاعة الله تعالى، أو كان ضعيفاً فكف عن معصية الله تعالى. وقال عبد الأعلى بن عبد الله الشامي: العمر ينقص والذنوب تزيد، وتقال عثرات الفتى فيعود، هل يستطيع جحود ذنب واحد رجل جوارحه عليه شهود؟ والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي تنقيصها، ومن الممات يحيد.
واعلم أن لأعمال الطاعات ومجانبة المعاصي آفتين، إحداهما تكسب الوزر وأخرى تذهب الأجر. فأما المكسبة للوزر فالإعجاب بما أسلفت من عمله وقدم من طاعته، لأن الإعجاب به يفضي إلى حالتين مذمومتين؛ إحداهما أن المعجب بعمله ممتن به، والممتن على الله تعالى جاحد لنعمه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به الراحة، وأما انقطاعك إلي فهو عز لك، فهذان لك وبقيت أنا. ما معنى هذا الكلام؟ إنك إذا زهدت في الدنيا فهذا أصلاً راحة، وقد استعجلت الراحة هذا أيضاً لمصلحتك؛ يعني إياك أن تمن به عليّ، لأنه الإنسان لما يزهد في الدنيا فيتقلل من المال ويتقلل من العلاقات الاجتماعية ويتقلل من كثير من الأمور، ترى هذه أحياناً راحة؛ الإنسان لما يكون ماله قليل بيتعب في البنوك، لما تكون بيته صغير بيتعب في التنظيف، لما تكون علاقاته الاجتماعية محدودة؛ فأحياناً قال الزهد هذا أنت أصلاً استرحت من كثير من التبعات التي توجد عند غيرك. وأما انقطاعك إليّ للتعبد هذا عز لك وبقيت أنا؛ يعني أنت يعني باختصار كأنه يقول لا تمن عليّ أنت لم تعطني شيئاً، لا تمن عليّ، هذا خلاصة هذه الفائدة، فكل ما فعلته يا أيها العبد إنما يعود صالحه لك.
والثانية أن المعجب بعمله مدل به، والمدل مشترئ، والمشترئ الذي يدل على الله ويمن على الله هذا مشترئ على الله، والمشترئ على الله تعالى عاص. وقد قال مورق العجلي: خير من العجب بالطاعة ألا تأتي بطاعة. وقال بعض السلف يعني أن تفعل طاعة فيصيبك عجب أو لا تفعل الطاعة ابتداء أحسن، لا تفعل الطاعة ابتداء أحسن من أن تفعلها وأنت معجب بها. وقال بعض السلف: ضاحك معترف بذنبه خير من باكٍ مدل على ربه؛ سبحان الله! أن تلاقيه يضحك ومبسوط في حياته العامة وهو معترف بتقصيره في حق الله هذا أولى من إنسان منقطع للبكاء ويقطع الليل تسبيحاً وقرآناً لكنه في النهاية يمن على الله سبحانه وتعالى بأعماله. وباكٍ نادم على ذنبه خير من ضاحك مغتر بلهوه.
وأما المذهبة للأجر فالثقة بما أسلفت والركون إلى ما قدمت، لأن الثقة تؤول إلى أمرين سيئين؛ أحدهما يحدث اتكالاً على ما مضى وتقصيراً فيما يستقبل، ومن قصر واتكل لم يرجُ أجراً ولم يؤدِ شكراً. والثاني أن الواثق آمن، والأمن من الله تعالى غير خائف، ومن لم يخف الله تعالى هانت عليه أوامره وسهلت عليه زواجره. وقد قال الفضيل بن عياض: رهبة المرء من الله تعالى على قدر علمه بالله تعالى. وقال مورق العجلي: لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح ناعماً. وقالت الحكماء: ما بينك وبين ألا يكون فيك خير إلا أن ترى أن فيك خيراً. وقيل لرابعة العدوية: هل عاملت عملاً قط ترين أنه يقبل منك؟ قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يرد عليّ عملي. وقال ابن السماك: أنا لله فيما مضى ما أعظم فيه الخطر، وإن لله فيما بقي ما أقل منه الحذر، وحكي أن بعض الزهاد...
وقف على جمع فنادى بأعلى صوته: يا معشر الأغنياء لكم أقول استكثروا من الحسنات؛ فإن ذنوبكم كثيرة. ويا معشر الفقراء لكم أقول أقلوا من الذنوب؛ فإن حسناتكم قليلة. فينبغي أصلحك الله أن تقلل من الذنوب حتى لا تذهب بحسناتك. وقال: فينبغي أصلحك الله أن لا تضيع صحة جسمك وفراغ وقتك بالتقصير في طاعة ربك والثقة بسالف في عملك، واجعل الاجتهاد غنيمة صحتك، والعمل فرصة فراغك؛ فليس كل زمان مسعدًا.
لما فات فليس كل زمان مسعدًا؛ يعني استغل كما قال: خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك. ليس كل زمان مسعدًا، اليوم أنت في فراغ، اليوم أنت في شباب، اليوم أنت في صحتك وعافيتك، الزمان يساعدك فاستغله، بكرة بتكبر، بكرة بتصيبك أمراض، غدًا تصبح في شغل، غدًا تتراكم عليك هموم الحياة. فهذا معنى قوله: فليس كل زمان مسعدًا؛ أي ليس كل زمان يساعدك على الطاعة، في أوقات فعلاً تجدها في الحياة، خاصة فترة الشباب، فترة قلة العائلة، وما في أبناء، وما في زواجات، وفي همة؛ يعني تجد الإنسان عنده وقت يعمل. لكن شوف آباءكم وأجدادكم لما تكاثرت عليهم الهموم وإشكالات الحياة كيف يضعف الإنسان عن العمل في ذلك الوقت؛ فاشتغل من الآن للآن.
نعم، قال: ولا لما فات مستدركًا، وللفراغ زيغ أو ندم، وللخلوة ميل أو أسف. قال: وللفراغ زيغ أو ندم؛ الفراغ يا بيخليك تزيغ في صحبة الطالحين والنظر فيما لا يرضي الله، أو ندم؛ أو بيخليك تندم بعد ما ينتهي الفراغ وأنت ما استغليته، حتى لو ما كان في زيغ بتندم عليه، أنه أنا والله قبل فترة كان عندي وقت وظللت قاعد طالع جاي مع الشباب ورايح، يعني تندم على أنك ما استغليت لحظات الفراغ.
قال: وللخلوة ميل أو أسف؛ يعني الخلوة بتخليك تميل، لما تكون وحدك وما في حدا معك هذا للأسف بيخلي كثير من الناس يميلوا، فإن أكثر المعاصي إنما تأتي للإنسان من ذنوب الخلوات، فإنها تسبب ميلًا عن الصراط المستقيم. أو أسف، ولا أدري هل يقصد الأسف أيضًا على المعاصي والذنوب أو أسف أنه لم يستغلها، ممكن. نعم، قال: وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الراحة للرجال غفلة، وللنساء غلمة. وقال: يعني الراحة للرجل تسبب ماذا؟ غفلة فينسى العمل ويترك العمل، وبالنسبة للنساء الفراغ ماذا يسبب لهن؟ الغلمة، الغلمة هي الشهوة، المراد التفكير في ماذا؟ في الحرام، كثير من النساء إنما يدخل عليها التفكير في الحرام بسبب ماذا؟ الخلوات والفراغ، تلاقيها جالسة على السوشيال ميديا وبتقلب وبتقلب وبتقلب، وبتشوف المناظر والحفلات والزينة والأغراض و.. هذا الفراغ الذي يعيشه كثير من النساء يسبب لهن ماذا؟ التفكير في الحرام والدخول في شباكه.
نعم، وقال أبو زروج مهر: إن يكن الشغل مجهدًا فإن الفراغ مفسدًا. بعض الشباب بيقول لك: يا أخي والله الشغل بتعب، ماشي الشغل مجهد بس الفراغ مفسدة؛ يعني أنت ما بدك تشتغل عشان ما تتعب، لكن في النهاية ستفسد. وهذا كله يؤكد أن مما يساعد الإنسان على التخفف من الذنوب والمعاصي أن يبقى دائمًا منشغلاً بالخير، مما يساعد الإنسان على التخفف من الذنوب والمعاصي أنه لا يكون فراغ في حياتك، الفراغ قاتل، الفراغ هو أبرز أسباب المعاصي في حياة الشباب. الشاب اللي بيظله جالس على الجوال طول الوقت، وبيظله طول الليل ثلاث أربع ساعات بقلب في الفيسبوك ومقاطع الريلز والتيك توك ومثل هذه الأمور؛ ماذا تتوقع منه؟ ماذا تتوقع أن يسبب له هذا الفراغ إلا المعاصي والذنوب والصور الرديئة والخطرات، هذا كله بسبب الفراغ. أما الشاب اللي ما شاء الله يشتغل من الصباح إلى الثالثة أو الرابعة بعدين يذهب إلى مجلس علم أو يحضر حلقة قرآن أو يحضر برامج نافعة مع إخوانه أو يشارك في عمل إغاثي أو تطوعي، بغض النظر، ثم يجلس مع عائلته فيطيع الله سبحانه وتعالى إذا كان متزوجًا أيضًا أدى حق الأسرة، ثم بعد ذلك نام مبكرًا الساعة 10 أو 11 نام، استيقظ لقيام الليل الساعة الثالثة؛ يعني هذه هي الحياة الصحيحة حتى ما يضحك الإنسان على نفسه، أما الفراغ فهو سبب الذنوب والمعاصي، بدك تفهم كلما كان عندك فراغ أكثر في هناك معاصي أكثر، هي علاقة مضطردة.
نعم، قال: وقال بعض الحكماء: إياكم والخلوات فإنها تفسد العقول وتعقد المحلول. وقال بعض البلغاء: لا يمضي يومك في غير منفعة، ولا يضيع مالك في غير صنيعة؛ فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع، والمال أقل من أن ينصرف في غير الصنائع -صنائع المعروف يعني-. والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره، وينفق أمواله فيما لا يحصل له ثوابه وأجره. وأبلغ من ذلك قول عيسى بن مريم عليه السلام: البر ثلاثة: المنطق والنظر والصمت؛ فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.
هيك من نعمة الله على الشاب المسلم أن يرزق همة على إشغال الوقت بما ينفعه، من نعمة الله على الشاب المسلم اليوم خصوصًا مع كثرة الملهيات والمشغلات أن يرزقك الله حبًا لإشغال الوقت بما ينفع؛ يعني في شباب فيهم خير بس لما تأتي تتكلم معه في حضور مجالس العلم النافع والعمل الصالح يقول: يا شيخ أنا لا أجد فيه رغبة. فعلى ذلك فتحمد الله سبحانه وتعالى أنت إذا وجدت فيك رغبة إلى ذلك، يعني في كثير من الناس قد يكون حرم نعمة التلذذ بالقراءة والتعلم والانتفاع، حرم هذه النعمة، بالتالي هو سريع التضجر والملل، بده خلص درس نص ساعة ربع ساعة وخلص بدي أرجع للحياة، كأنه هو في الدرس مأسور، شاعر بقمة كذا، ينتظر اللحظة التي يعود فيها للفراغ. بخلاف حياة السلف، هم يبحثون عن أوقات إضافية حتى يملؤوها بما ينفع، وبعض الشباب اليوم تقول له تعال انتفع بالعكس، هو بده ربع ساعة وثلث ساعة ويعود إلى الفراغ، فلو هؤلاء أعطوا أوقاتهم للسلف لكان خيرًا لهم؛ يعني ما دام عندك أوقات أنت تريد أن تصدرها، ما عندك شيء تفعله في حياتك إلا اللهو والعبث، فأنت لا تحتاج إلى هذه الأعمار والأوقات، فباطن الأرض خير من ظاهرها بالنسبة لهذا النوع من الشباب.
نعم، قال: واعلم أن للإنسان فيما كلف من عباداته ثلاثة أحوال؛ إحداها أن يستوفيها من غير تقصير فيها ولا زيادة عليها، والثانية أن يقصر فيها، والثالثة أن يزيد عليها. يعني يقول الإنسان فيما كلف به من العبادات إما أن يؤدي الفرائض لكنه لا يزيد عليها ولا ينقص، الحالة الثانية أن يقصر في أداء الفرائض، الحالة الثالثة أن يزيد عليها يؤدي الفرائض ويفعل النوافل ويكون أعلى وأعلى.
طيب سنبدأ بالحالة الأولى، قال: فأما الحالة الأولى وهو أن يأتي بها على حال الكمال من غير تقصير فيها ولا زيادة تطوع على راتبها، فهي أوسط الأحوال وأعدلها، لأنه لم يكن منه تقصير فيذم ولا تكثير فيعجز. قال: وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سددوا وقاربوا، ويسروا». التوسط نعم، قال: واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. وقال الشاعر: عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولًا ولا صعبًا
قال: وأما الحال الثانية وهو أن يقصر فيها، فلا يخلو حال تقصيره من أربعة أحوال. نعم الإنسان عندما يقصر في العبادات ما سبب التقصير في العبادات؟ قال: إحداهن أن يكون تقصيره لعذر أعجزه عنه أو مرض أضعفه عن أداء ما كلف منه؛ فهذا يخرج عن حكم المقصرين. نعم، إذا كان سبب التقصير عذر بسبب مرض أو سفر أو شيء من ذلك فهذا لا يسمى مقصرًا على الحقيقة لأنه عذر طارئ. نعم، قال: ويلحق بأحوال العاملين استقرار الشرع على سقوط ما دخل تحت العجز، وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عامل كان يعمل عملاً فيقطعه عن ذلك العمل مرض، إلا وكل الله تعالى به من يكتب له ثواب عمله».
قال: والحال الثانية أن يكون تقصيره اغترارًا بالمسامحة فيه ورجاءً للعفو عنه؛ فهذا مخدوع المغتر بستر الله وصبر الله عليه. نعم، قال: فهذا مخدوع العقل ومغرور بالجهل، قد جعل الظن ذخرًا والرجاء عدة له. قال: فهو كمن قطع سفرًا بعيدًا بغير زاد ظنًا بأنه سيجده في المفاوز الجدبة؛ فيفضي به الظن إلى الهلكة، وهلا كان الحذر أغلب عليه وقد ندب الله تعالى إليه. قال: وحكي عن إسرائيل بن محمد القاضي قال: لقيني مجنون كان يكون في الخربات، فقال: يا إسرائيل خف الله تعالى خوفًا يشغلك عن الرجاء، فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله تعالى ولا تفر منه. طبعًا لقيني مجنون، الظاهر يعني هذا مش مجنون مجنون تمامًا لأنه هذا كلام ينطق بالحكمة الرجل هذا، ولا أدري أي أنواع المجانين هؤلاء يعني، لكن المراد اللي بيفصل وبيشبك، الله أعلم.
طيب قال: وقيل لمحمد بن واسع ألا تتكئ؟ فقال: تلك جلسة الآمنين. يعني قيل له ليش ما تتكئ؟ قال: أنا ما عندي وقت أتكئ، تلك جلسة إنسان آمن وارتاح عشان هيك بيتكي، أنا لازم أظلني واقف. قال: وحكي أن أبا حازم الأعرج أخبر سليمان بن عبد الملك بوعيد الله عز وجل للمذنبين، فقال سليمان: فأين رحمة الله تعالى؟ قال: قريب من المحسنين. نعم رحمة الله قريب من المحسنين مش من العاصين.
نعم، قال: وقال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل كتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه السلام. وقال: أما بعد، فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها تريحًا لأن هذا لم يكتب لك، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة بطول الأمل، فكان قد والسلام. أي فكان قد اتعظت أو كان قد حصل لك التعبد أو الفهم بهذه الطريقة، فهذا طريق يعني هنا صحيح الحذف مش خطأ لأنه هذا من أساليب يقول: وكان قد، أي وكان قد حصل مقصودك والسلام.
نعم، قال: وقال محمود الوراق: أخاف على المحسن المتقي ... وأرجو لذي الهفوات المسي فذلك خوفي على محسن ... فكيف على الظالم المعتدي على أن ذا الزيغ قد يستفيق ... ويستأنف الزيغ قلب التقي
قال: والحال الثالثة أن يكون تقصيره ليستوفي ما أخل به من بعد، فيبدأ الحالة الثالثة، إذا الحالة الثانية من يقصر اغترارًا بالمسامحة ويقول ربنا رح يسامحني وما رح يعاقبني أن الله غفور رحيم، النوع الثالث الذي يقصر هو مش بيقول إنه خلاص بقصر ربنا رح يسامحني، لا، بقصر في فترة معينة على نية إني أنا إن شاء الله بدي أتوب بس بعد، يعني السنة الذي يسوف في التوبة، فيقول الحالة الثالثة أن يكون تقصيره ليستوفي ما أخل به من بعد، يعني بده قول لك تعرف الشباب قول لك أنا بس خليني أعيش شبابي وبعد الثلاثين أو الأربعين بتوب بصير إنسان صالح، وخلصت الشباب أقضيها مع الشباب والعلاقات المحرمة و و، وإن شاء الله بإذن الله رح أتوب يا شيخ.
وإذا تبت ربنا رح يغفر لي، وهيك انتهت القضية. قال: فيبدأ بالسيئة. نعم، قال: فيبدأ بالسيئة في التقصير قبل الحسنة في الاستيفاء، اغتراءً بالأمل في إمهاله، فهو مغتر بطول الأمل؛ أن الله أعطاه فرصة وأمهله، فيغتر بطول الأمل فيبقى يسوف التوبة. نعم، قال: ورجاءً لتلافي ما أسلف من تقصيره وإخلاله، فهو يرجو أن يتلافى تقصيره وإخلاله في المستقبل. نعم، قال: فلا ينتهي به الأمل إلى غاية؛ نعم، لأنه لما يوصل للأربعين شو بصير؟ ولا بس خليها للخامسة والأربعين، بس وصل خمس وأربعين يا شيخ، معنا للخمسين، الأمل عم يطلع معه السقف إلى أن يموت، نعم، هذا إذا طبعاً كتب له الحياة أصلاً.
نعم، قال: ولا يفضي به إلى نهاية؛ لأن الأمل في ثاني حال كهو في أول حال. نعم، أنت أملك وأنت في العشرين كاملك وأنت في الأربعين، ففي الثاني أنت كالأول، يعني ستبقى الأمل ينتقل معك خطوة بعد خطوة. نعم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يأمل أن يعيش غداً فإنه يأمل أن يعيش أبداً». سبحان الله، طبعاً هو لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام بس الكلام صحيح، اللي عنده طول أمل لبكرة خلص هذا عنده طول أمل لعشرين سنة، من كان يعني شاعر أنه مئة بالمئة سأدرك الغد، هذا إذا وطن نفسه أنه مئة بالمئة سأعيش عشرين وثلاثين سنة، لكن المؤمن لا، إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، لا أحد يضمن أن يعيش إلى آخر نهاره.
نعم، قال: ولعمري إن هذا صحيح لأن لكل يوم غداً، فإذاً يفضي به الأمل إلى الفوت من غير درك، ويؤديه الرجاء إلى الإهمال من غير تلاف، فيصير الأمل خيبة والرجاء يأساً. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول صلاح هذه الأمة باليقين والزهد، وفسادها بالبخل والأمل». وقال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. وقال رجل لبعض الزهاد بالبصرة: ألك حاجة ببغداد؟ قال: ما أحب أن أبسط أملي بمن يذهب إلى بغداد ويجيء، قال أنا يعني ما أتوقع أن أعيش حتى أنت تروح لبغداد وترجع، يعني ما عنده طول أمل حتى لهذه الدرجة.
نعم، قال: وقال بعض الحكماء: الجاهل يعتمد على أمله، والعاقل يعتمد على عمله. وقال بعض البلغاء: الأمل كالسراب، غر من رآه وخاب من رجاه. قال: وقال محمد بن يزداد: دخلت على المأمون وكان يومئذ وزيره، فرأيته قائماً وبيده رقعة، فقلت: يا محمد أقرأت ما فيها؟ فقلت: هي في يد أمير المؤمنين، قال: فرمى بها إلي، فإذا فيها مكتوب: إنك في دار لها مدة، يقبل فيها عمل العامل، أما ترى الموت محيطاً بها، يقطع فيها أمل الآمل، تعجل الذنب لما تشتهي، وتأمل التوبة من قابل، والموت يأتي بعد ذا غفلة، ماذا بفعل الحازم العاقل؟ فلما قرأتها قال المأمون: هذا من أحكم شعر قرأته. وقال أبو حازم الأعرج: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت. وقال بعض البلغاء: الإمهال رائد الإهمال.
نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب؛ يعني الواحد بيقول أنا ما بدي أموت حتى أكون تبت، بس فعلياً شو اللي بصير؟ ونحن لا نتوب حتى نموت، فبنضلنا نؤجل، نقول: أنا يا رب ما بدي أموت حتى إن شاء الله أتوب، بس الواقع أنك بتموت ولساتك مش تائب، ونحن لا نتوب حتى نموت، بتضل الواحد عنده طول أمل طول أمل، فتجده مات وهو لم يتب بعده، والإمهال رائد الإهمال كما قال بعض البلغاء، الإمهال؛ يعني لما تجد ربنا معطيك فسحة بصير الإمهال سبباً في الإهمال.
نعم، قال: والحالة الرابعة أن يكون تقصيره فيها استثقالاً للاستيفاء وزهداً في التمام. طيب، الحالة الرابعة أن يقصر استثقالاً للاستيفاء وزهداً في التمام، وهذا من أبخس الأنواع؛ الذي يقصر في أداء العبادات لأنه مستثقل منها، ما بده يتممها، خلص بقول لك: بصلي في اليوم ثلاث صلوات ولازم أصلي الخمسة يا شيخ؟ تمام، بصلي الظهر ثلاث ركعات بدل أربع ركعات، هو مستثقل لتمام العبادات وزاهداً في إتمامها، واقتصاراً على ما سنح، يعني بقول أنا إذا وجدت وقتاً بصلي، ما عندي وقت ما في داعي أصلي، يعني إذا وجدت وقتاً أو لم أجد وقتاً، طيب وقلة اكتراث فيما بقي، فهذا على ثلاثة أضرب.
نعم، قال: أحدها أن يكون ما أخل به وقصر فيه غير قادح في فرض ولا مانع من إجزاء عبادة، كمن اقتصر من العبادة على فعل واجباتها ومفروضاتها وأخل بمسنوناتها وهيئاتها، إذا كان الإخلال فقط في السنن والهيئات وأدى الفرائض فهذا مسيء فيما ترك إساءة لا يستحق بها وعيداً؛ لأنه في النهاية قصر في السنن ولا يستوجب عقاباً؛ لأن أداء الواجب يسقط عنه العقاب في الجملة، وإقلاله بالمسنون يمنع من إكمال الثواب.
وقد قال بعض الحكماء: من تهاون بالدين هان، لكن في النهاية الذي يستمر على التهاون بالسنن يهون على الله، يعني ماشي أنت ما وقعت في ذنب، لكن الذي يخل بالندب دائماً يهون على الله سبحانه، هذا معنى استشهاده بقول العلماء: من تهاون بالدين هان، هذا حتى لو كان على مستوى السنن والمكروهات.
نعم، وقال الشاعر: ويصون ثوبيه ويترك غير ذلك لا يصونه وأحق ما صان الفتى ورعاه أمانته ودينه
نعم، قال: والضرب الثاني أن يكون ما أخل به من مفروض عباداته، لكن لا يقدح ترك ما بقي فيما مضى. نعم، بعض أنواع التقصير أن تقصر في فرض، لا تأتي بفرض، لكن عدم إتيانك بهذا الفرض هو لا يؤثر على فرض آخر، فتعاقب فقط على إخلالك بهذا الفرض، يعني زي شخص مثلاً بيصلي الظهر وما صلى العصر، إخلاله بالعصر هل سيؤدي إلى عقابه على الظهر وأن تكون الظهر باطلة؟ هذا لا؛ لأن العبادات منفصلة، فإخلاله بعبادة يعاقب عليها لكن هذا لا يؤثر على عبادة أخرى منفصلة عنها.
نعم، قال: كمن أكمل عبادة وأخل بغيرها، فهذا أسوأ حالاً مما تقدمه لما استحقه من الوعيد واستوجبه من العقاب. والضرب الثالث أن يكون ما أخل به من مفروض عباداته وهو قادح فيما عمل منها، كمن يصلي مثلاً الظهر ثلاثاً بدل أربعة، لا هنا هذا الإخلال في الفرض سيؤثر على كل العبادة، مش رح نقول خلص ربنا بيقبل الثلاثة بس بضل عليك واحدة وستعاقب عليها، لا، كل الأربعة ما انقبلوا لأن هي الظهر متصلة ببعضها البعض، فإخلال في فرض من فروضها يؤثر على سائر العبادة ولا تتجزأ، لا تقبل التجزئة.
نعم، قال: كالعبادة التي يرتبط بعضها ببعض فيكون المقصر في بعضها تاركاً لجميعها فلا يحتسب له بما عمل لإخلاله بما بقي، وهذه أسوأ أحوال المقصرين ولاحقة بأحوال التاركين، بل قد تكلف ما لا يسقط فرضاً ولا يؤدي حقاً، فقد ساوى التاركين في استحقاق الوعيد وزاد عليهم في تكلف ما لا يفيد، فصار من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم لعله لا يفطن لشأنه ولا يشعر بخسرانه، وقد خسر الدنيا والآخرة ويفطن لليسير من ماله إن اختل، وأنشدني بعض أهل العلم: إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر فطناً بكل مصيبة في ماله فإذا يصاب بدينه لم يشعر
أي والله صدق، هذا الشعر احفظوه جيداً بني، إن من الرجال بهيمة، يعني بعض الرجال بهائم، بني أن من الرجال بهيمة، ليش هو شبهه بالبهائم؟ قال: هو بهيمة بس في صورة الرجل، لماذا؟ قال: إذا نقص ماله متفطن، إذا صار له خسارة مالية أو في الشركة قصر متفطن، ولا يتفطن للقصور في دينه ولا لمشاكله الدينية والقلبية، فهذا إنسان بهيمة في صورة إنسان.
نعم، قال: وأما الحالة الثالثة فهو أن يزيد فيما قلت، طيب إذاً هيك خلصنا الحالة الأولى: الاعتدال، لا يزيد ولا يقصر، الحالة الثانية: التقصير وعرفنا أسباب التقصير وصوره، الحالة الثالثة: أن يزيد على حالة الاعتدال، فهذا ثلاثة أقسام.
نعم، قال: أحدها أن تكون الزيادة رياءً للناظرين وتصنعاً للمخلوقين، حتى يستعطف به القلوب النافرة ويخدع به القلوب الواهية، فيتبهرج بالصلحاء وليس منهم، فيتبهرج يعني يتزين ويظهر أنه من الصلحاء لكنه ليس منهم حقيقة هو مراد. نعم، قال: ويتدلس بالأخيار وهو ضدهم، يتدلس يعني يدلس على الناس أنه من الأخيار فهو في الحقيقة ضدهم.
نعم، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمرائي بعمله مثلاً فقال: «المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور». المتشبع بما لا يملك، تمام، كالذي يقول: والله أنا عندي كذا وكذا وكذا وهو ما عنده، تمام، أو يتصنع أشياء كذا في العلم أو في الحياة وهي ليست عنده، قال: هذا كمن يلبس ثوبي زور، ثوبي كذب.
نعم، قال: يريد بالمتشبع بما لا يملك المتزين بما ليس فيه من العلم أو الأخلاق، وقوله كلابس ثوبي زور هو الذي يلبس ثياب الصلحاء ويفعل فعل الطلحاء، فهو بريائه محروم الأجر مذموم الذكر؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيؤجر عليه، ولا يخفى رياؤه على الناس فيحمد به. وقال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. قال جميع أهل التأويل معنى قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي لا يرائي بعمله أحداً، فجعل الرياء شركاً لأنه جعل ما يقصد به وجه الله تعالى مقصوداً به غير الله تعالى.
وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] قال: لا تجهر بها رياءً ولا تخافت فيها حياءً. وكان سفيان بن عيينة يتأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90] قال: إن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وكان غيره يقول: العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله تعالى في سره وجهره، وإيتاء ذي القربى صلة الأرحام، وينهى عن الفحشاء يعني الزنا، والمنكر القبائح، والبغي الكبر والظلم، وليس يخرج الرياء بالأعمال من هذا التأويل أيضاً نعم حتى على التأويل الثاني لأنه من جملة القبائح.
طيب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى أن فيه خيراً ولا خير فيه». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا تعمل شيئاً من الخير رياءً ولا تتركه حياءً. وقال بعض البلغاء: كل حسنة لم يرد بها وجه الله تعالى فعلتها قبح الرياء، وثمرتها سوء الجزاء.
وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به، كما حكي أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، نعم، فقال: يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين، يعني جزاك الله خيراً، أنت ما حد سألك عن صيامك، إحنا سألناك متى دخلت العراق، فلماذا تتكلم والله أنا برضو صار لي ثلاثين سنة صائم؟ يعني نحن سألناك عن دخولك للعراق، هذه الإضافة هذه من مين طلبها منك؟ شوف كيف لما أراد أن يرائي فضح نفسه.
نعم، قال: وحكى الأصمعي أن أعرابياً صلى فأطال وإلى جانبه قوم فقالوا: ما أحسن صلاتك، فقال: وأنا مع ذلك صائم. هو بيصلي، هذا الأعرابي كان يصلي فسمع ناس بيقولوا: ما شاء الله ما أحسن صلاته، فهو يصلي قال: ترى وأنا صائم يا جماعة، يعني طيب جزاك الله خيراً ضيعت صلاتك وصيامك. طيب، قال: فقال أعرابي كان فيهم يستهزئ به: صلى فأعجبني، وصام فرابني، نح القلوص عن المصلي صائمين، نح القلوص، القلوص اللي يكنى بها عن المرأة، والله هذا أخونا بيصلي وصائم، أبعدوا عنه النساء، يعني الله يجزاكم الخير لأنه هو منشغل بصلاته وصيامه، يعني يريد يكون هذا رجل غير صادق.
نعم، قال: فانظر إلى هذا الرياء مع قبحه، ما أدله على سخف عقل صاحبه! ربما ساعد الناس بظهور ريائه على الاستهزاء بنفسه، كالذي حكي أن زاهداً نظر إلى رجل في وجهه سجادة، كالذي حكي أن زاهداً نظر إلى رجل في وجهه سجادة كبيرة، تعرفوا الذي يطيل السجود بصير عنده هنا.
هذه البقعة التي تظهر في العادة من آثار السجود؛ قال: واقفاً على باب السلطان فقال: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت هاهنا؟ يعني: أنت يا شيخ إنسان زاهد عابد، وهذه العلامة بحجم الدرهم في وجهك، وشايفينك واقف على باب السلطان؛ مش عيب يا شيخ؟ قال: فقال إنه ضُرِبَ على غير السكة. يقول: مش قال إن مثل هذا الدرهم؛ قال في دراهم صحيحة وفي دراهم مزيفة، فقصده أنه ضُرِبَ على غير السكة؛ هذا درهم مزيف، سيبك منه، يعني هذا الدرهم مش درهم حقيقي؛ وأنا واقف على باب السلطان، ومشى الحال. قال: وهذا من أجوبة الخلاعة التي يدفع بها تهجين المذمة.
وقد استحسن الناس من الأشعث بن قيس قوله، وقد خفف صلاته مرة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت صلاتك جداً، فقال: إنه لم يخالطها رياء. الناس ذموه على خفة الصلاة، قال: بس الحمد لله أن صلاتي صحيحة ما رأيت فيها. نعم، قال: فخلص من تنقصهم وسلم من تعيبهم بنفي الرياء عن نفسه ورفع التصنع من صلاته، وقد كان الإنكار لولا ذلك متوجهاً عليه واللوم لاحقاً به، يعني هو لأنه كانت صلاة خفيفة كثيراً فالعادة أنه سيلام عليها، لكن كيف تخلص؟ لو أنه قال على الأقل أنا ما رايت فيها، يعني صلاة صحيحة، ولو كنت أريد الرياء لطولت فيكم ولتصنعت وأعطيتكم صلاة طويلة، بتقولوا ما شاء الله عليه. ماشي، بجوز أنا خففت زيادة، لكن على الأقل صلاة عفوية خلينا نحكي بدون أي تصنع وتكلف.
نعم، ومر أبو أمامة ببعض المساجد فإذا رجل يصلي وهو يبكي، فقال: أنت، لو كان هذا في بيتك... شوف هون، يعني أبو أمامة مر على رجل يبكي في المسجد أمام الناس، قال له: أنت ما شاء الله عليك، بس الأفضل أنك ما تبكي أمام الناس، الأفضل يكون بكاؤك في بيتك حيث لا يراك الناس. فلم يرَ ذلك منه حسناً أبو أمامة لأنه اتهمه بالرياء، ولعله كان بريئاً منه، يعني الله أعلم، هو لا يتهم، هو لا يقول مئة بالمئة أنت مرائي، قال: ولعله كان بريئاً، بس نصحه أنه لا تحاول أن تظهر أعمالك الصالحة المتعلقة بك بشخصيتك أمام الناس.
فكيف بمن صار الرياء أغلب صفاته وأشهر سماته؟ مع أنه آثم فيما عمل، أندم من هبوب النسيم بما حمل. ولذلك قال عبد الله بن المبارك: أفضل الزهد إخفاء الزهد. وربما أحس ذو الفضل من نفسه ميلاً إلى المراءاة، فبعثه الفضل على هتك ما نازعته النفس في المراءاة به، وكان ذلك أبلغ في فضله، كالذي حُكِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أحس على المنبر بريح خرجت منه، فقال: أيها الناس، إني قد مِلْتُ بين أن أخافكم في الله تعالى وبين أن أخاف الله تعالى فيكم، فكان أن أخاف الله تعالى فيكم أحب إليَّ، ألا وإني قد فسوت وها أنا ذا أنزل لأعيد الوضوء. صحة هذا عن عمر بن الخطاب في قصة صحيحة تحتاج إلى نظر، القصة واستبعد أن تكون صريحة بهذه الطريقة.
نعم، فكان ذلك منه زجراً لنفسه لتكف عن نزاعها إلى مثله. يعني أن يقول: إن بعض الفضلاء إذا شعر من نفسه المراءاة، فإنه يكسر هيبة نفسه أمام الناس، هيك بده يحكي؛ أن بعض الفضلاء من تأديبه لنفسه إذا شعر من نفسه المراءاة أو خاف، إيش بعمل؟ يكسر هيبتها أمام الناس حتى يكسر المراءاة. فهيك يعني كأنه عمر بن الخطاب فعل تماماً؛ أنه كذا، أنا والله كنت شعرت أنني أريد أن أستحيي منكم وأنني أقول لكم أنني فعلت كذا وكذا، فكسر هيبة نفسه حرصاً على كسر الرياء. طبعاً هذا يحتاج برضه إلى موازنة، لأنه أحياناً قد يكون لا، المحافظة على هيبة النفس أيضاً مطلوبة في مناطق معينة، طبعاً تعالج الرياء بطريقة أخرى؛ لابد من معالجة الرياء، لكن قضية كسر هيبة النفس، ربما لو ذهب مثلاً كَنَسَ لامرأة عجوز أو شيء مقبولة بهذه الطريقة، لكن في بعض أشكال الهيبة لا ينبغي أن تكسر، فعليك أن تعرف لو أردت أن تكسرها كيف يكون ذلك بتوازن لا يُذِلُّ عليك.
نعم، قال: فكان ذلك منه زجراً لنفسه لكي تكف عن نزاعها إلى مثله. وقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: عظني، فقال: لا أرضى نفسي لك واعظاً، هكذا في نسختي، لأني أجلس بين الفقير والغني فأميل على الفقير وأوسع للغني. نعم، يعني هو يرى، يعني هذا ممكن نوع من أنواع هتك النفس؛ أنه أحياناً بكون أجلس بين فقير وغني فبميل على الفقير من أجل أن أوسع للغني، فرأى أن هذا نوع من التقصير منه محمد بن كعب القرظي، أنه كيف يجور على الفقير مقابل إجلال الغني والتوسعة له؟
نعم، قال: ولأن طاعة الله تعالى في العمل لوجهه لا لغيره، حُكِيَ أن قوماً أرادوا سفراً فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب فقالوا: قد ضللنا فكيف الطريق؟ فقال: هاهنا، وأومأ إلى السماء. نعم، يعني هو حملها على الطريق المعنوي؛ يعني هم ناس كانوا مسافرين فضلوا، فقالوا للراهب: وين الطريق سيدنا الشيخ؟ فأشار إلى الله الطريق. وكان هذا ربما أتى به الماوردي ليخبر أن طاعة الله في العمل لوجهه، كيف أن الإنسان ينبغي أن يعمل لوجه الله، وأن الطريق لا يكون إلا إلى الله.
القسم الثاني: قال والقسم الثاني أن يفعل الزيادة اقتداءً بغيره إذا الحالة الأولى أن يفعل الزيادة رياءً، هذا دعكم منه. القسم الثاني أن يفعل الزيادة اقتداءً بغيره من الصالحين. نعم، قال: وهذا قد تثمره مجالسة الأخيار الأفاضل وتحدثه مكاثرة الأتقياء الأماثل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». هي أنت تجلس مع الصالحين فترى فيهم أنت زيادة، تحب أن تصبح مثلهم وتقتدي بهم، هذه أثر الصحبة النافعة.
نعم، قال: فإذا كاثرهم المجالس وطاولهم المؤسس، أحب أن يقتدي بهم في أفعالهم ويتأسى بهم في أعمالهم، ولا يرتضي لنفسه أن يقصر عنهم ولا أن يكون في الخير دونهم. فإذا كاثرهم، كاثرهم يعني أكثر الجلوس معهم. نعم، قال: فتبعثه المنافسة على مساواتهم، وربما دعته الحمية إلى الزيادة عليهم والمكاثرة لهم، فيصير سبباً لسعادته وبعثاً على استزادته. والعرب تقول: لولا الوئام هلك الأنام، أي نعم، الاجتماع، نعم؛ أي لولا أن الناس يرى بعضهم بعضاً فيقتدي به، فيُقتدى بهم في الخير، لهلكوا.
نعم، قال: ولذلك قال بعض البلغاء: إن من خير الاختيار صحبة الأخيار، ومن شر الاختيار مودة الأشرار، وهذا صحيح لأن للمصاحبة تأثيراً في اكتساب الأخلاق، فتصلح أخلاق المرء بمصاحبة أهل الصلاح، وتفسد بمصاحبة أهل الفساد. وقال الشاعر: رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم عند الفساد إذا فسد يعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
نعم، قال: وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر الخوارزمي: لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
قال: والقسم الثالث أن يفعل الزيادة ابتداءً من نفسه، التماساً لثوابها ورغبة في الزلفة بها؛ بعض الناس يفعل الزيادة بدون وجود محمس خارجي، لا، الحماس أتى منه من نفسه، يعني عنده دافع داخلي، وهذا مثال: من سنَّ سُنَّةً حسنة. نعم، قال: فهذا من نتائج النفس الزاكية ودواعي الرغبة الوافية، الدالين على خلوص الدين. نعم، هذا يدل على أن نفس هذا الشخص الذي يزيد في العبادات من نفسه بدون دافع خارجي، هذا دلالة على أن نفسه ذكية طيبة، وعنده كما قال دواعي رغبة وافية كاملة تامة، فهذا دال على كل خير ودال على صحة اليقين، وهذا أفضل العاملين وأعلى منازل العابدين.
نعم، قال: وقد قيل الناس في الخير أربعة: منهم من يفعله ابتداءً، ومنهم من يفعله اقتداءً، ومنهم من يتركه استحساناً، ومنهم من يتركه حرماناً. فمن فعله ابتداءً فهو كريم، ابتداء أي بدون كما قلنا دافع خارجي. نعم، ومن فعله اقتداءً فهو حكيم، جيد برضه، لو أنت فعلت الخير اقتداءً بغيرك فهذه حكمة. قال: ومن تركه استحساناً فهو رديء، ومن ترك الخير استحساناً لتركه فهو رديء العقل. نعم، قال: ومن تركه حرماناً فهو شقي، ومن تركه لأن الله حرمه وخذله فهذا أشقى الأشقياء، نسأل الله العافية.
نعم، قال: ثم لما يفعله من الزيادة حالتان؛ إحداهما أن يكون مقتصداً فيها وقادراً على الدوام عليها فهي أفضل الحالتين. نعم، يعني أن يزيد لكن زيادة معقولة، فهذا هو الصحيح أن تكون زيادتك زيادة معقولة ولا تستطيع المداومة عليها. نعم، قال: فهي أفضل الحالتين وأعلى المنزلتين، وعليها انقرض أخيار السلف وتبعهم فيها فضلاء الخلف. وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله تعالى لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه». والعرب تقول: القصد والدوام وأنت السابق الجواد.
نعم، قال: ولأن من كان صحيح الرغبة في ثواب الله تعالى لم تكن له مسرة إلا في طاعته. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: قلت لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا أعصي الله تعالى فيه فهو يوم عيد. انظر إلى هذا القول منه، وإن لم يكن من مقاصد الطاعة ما أبلغه في حب الطاعة وأحثه على بذل الاستطاعة. وخرج بعض الزهد لأنه لما قال: إيش، كل يوم لا أعصي الله فيه فهو يوم عيد، هذا يؤدي إلى يعني الإنسان الذي لم يعصِ الله سبحانه وتعالى، عدم معصيته لله يجعله يحب طاعة الله سبحانه وتعالى ويحثه على دوام الطاعة، هذا الذي يقصده.
نعم، شيخنا ايش "وإن لم يكن من مقاصد الطاعة"؟ يعني الذي يظهر لي أنه هو يقول: الطاعات ملف مختلف عن المعاصي؛ فانت يقول كل يوم لا أعصي الله فيه فهو يوم عيد. الله سبحانه وتعالى هو لا يريد فقط ألا تعصي الله فيه، بل يريدك أيضاً أن تطيعه وأن تفعل أوامر. تمام؟ فهو يقول، صحيح هو قال يعني ركز هذا الراهب على قضية أنه لم يعصِ ولم يركز على أنه فعل طاعات، وركز على إيش؟ بس أني لم أعصِ، لم يركز على فعل الطاعات، فهذا ليس، يعني عدم المعاصي هذا مقصود لغيره والطاعات مقصودة لذاتها. فهو يقول وإن لم يكن هو بحد ذاته من مقاصد الطاعة، بل هو من وسائلها، لكنه في النهاية ترك المعاصي يؤدي إلى تحبيب الطاعة إلى قلبك، يعني الطاعة هنا بالمعنى الخاص مش بالمعنى العام، الطاعة بمعنى فعل الأشياء الجيدة، وهو يقول لك أنت لما لا تفعل معاصي هذا بخلي قلبك منشرح لفعل الطاعات. لما يقول أنا لم أعصِ الله سبحانه فهذا يوم عيد، نعم أنت صح لم تعصِ الله فانت لم تفعل طاعة بالمعنى الخاص للطاعة، أنت فقط اقتصرت على عدم المعصية، لكن عدم المعصية هو بحد ذاته يجعلك تتحمس لفعل الطاعات. ولذلك انظر إلى شؤم المعاصي في حياتك، لما تكون بدأت يومك بمعصية أو نمت على معصية كيف تجد أن المعاصي تذخر فعل الطاعات، تجعل الإنسان لا يحب أن يقوم الليل ولا يحب يقرأ كتاب ولا يحب أن يفعل شيئاً نافعاً لأن شؤم المعصية تكريه الطاعة إليك، ومن بركة ترك المعاصي أن تحب الطاعة. ولذلك قال: "ما أبلغه في حب الطاعة وأحثه على بذل الاستطاعة"، ترك المعاصي من أعظم ما يعين الإنسان على حبه للطاعات، حبه للعلم النافع، حبه لمجالس الصالحين، وهكذا.
نعم، قال: وخرج بعض الزهد في يوم عيد في هيئة رثة، فقيل له: أتخرج في مثل هذا اليوم في مثل هذه الهيئة والناس يتزينون؟ فقال: ما يتزين لله تعالى بمثل طاعته. ماشي، بس أنه برضه مش مطلوب من الإنسان يأخذ هذا، يعني جواب دبلوماسي جميل؛ أنه أجمل ما تتزين به هو طاعة الله، لكن برضه النبي عليه الصلاة والسلام من سنته أنه كان يتجمل للعيد بثياب جميلة، فهذا في باب الإيمانيات نقبله، لكن من حيث السنة لا.
أيضاً السنة أن تخرج ليس في هيئة الرث، قالوا إلا إذا كان أذى من اعتكافه. الحنابلة عندئذ يقولون فإنه من قادماً من معتكفه يذهب إلى العيد بثياب الاعتكاف، يعني هذا ممكن يمشيه.
قال والحالة الثانية أن يستكثر منها استكثاراً من لا ينهض بدوامها ولا يقدر على اتصالها، الحالة الثانية أنك تزيد في العبادة لكن زيادة مثقلة على كاهلك مما يؤدي إلى الانقطاع، وهذه ليست طريقة السلف الصالح في التكثر من العبادة. قال فهذا ربما كان بالمقصر أشبه؛ لأن الاستكثار من الزيادة إما أن يمنع من أداء لازم فلا يكون إلا تقصيراً؛ لأنه تطوع بزيادة أحدثت نقصاً وبنفل منع فرضاً، وإما أن يعجز عن استدامة الزيادة ويمنع من ملازمة الاستكثار من غير إخلال بلازم ولا تقصير في فرض فهي إذا قصيرة المدى قليلة اللبث، فلا حاجة إلى مثل هذا الزيادة المشقة.
وقليل العمل في طويل الزمان أفضل عند الله من كثير العمل في قصير الزمان؛ لأن المستكثر من العمل في الزمان القصير قد يعمل زماناً ويترك زماناً، ربما صار في زمان تركه لاهياً أو ساهياً، والمقلل في الزمان الطويل مستيقظ الأفكار مستديم التذكار. بالتالي أنت لما تكون عندك أذكار قليلة لكنك مواظب عليها أفضل من أن يكون عندك ورد في الأذكار كثير، لكن لثقله تفعل أحياناً وتقصر أحياناً، القليل يجعلك دائماً في استيقاظ. يعني مثلاً رجل يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له عشر مرات بس مواظب عليها، هذا دائماً أفكاره مستيقظة بخلاف شخص يقولها ألف مرة، لكن لأنها ألف يوم بيقوى عليها وخمسة أيام بيتعب عنها، فهذا في الخمسة أيام غفل وسها. لا، احكِ لي إياها كل يوم عشر مرات أفضل من أنك تضع ألف مرة وتقوى يوماً وتفتر عنها أياماً، فأقول القليل يجعلك دائماً في استيقاظ وهذا هو المطلوب. الله عز وجل لا يريد بحد ذاته الكم، وإنما يريد النوع ويريد الاستيقاظ من الغفلات، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
قال وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن للإسلام شرة وللشرة فترة، فمن سدد وقارب فارجوه، ومن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه». فجعل للإسلام شرة وهي الإيغال في الاستكثار، وجعل للشرة فترة وهي الإهمال بعد الاستكثار، فلم يخل بما أثبت من أن تكون هذه الزيادة تقصيراً أو إخلالاً، ولا خير في واحد منهما. طبعاً هذا الحديث روي بطرق متعددة، الرواية المشهورة أن لكل عامل شرة، أي كل إنسان يعمل فيدين الله في البداية يكون له شرة بمعنى اندفاع وحماس، كيف الشاب اللي بيكون في بداية الدورة عنده حماس يكمل الدورة، أو الشاب في بداية التزامه بده يكون له حماس، أو لما نبدأ كتاب ما شاء الله بتلاقي المتابعين شرة يعني على أقصى درجات المتابعة.
هنا قال ولكل شرة فترة، بعد الاندفاع وحماس البدايات تأتي مرحلة النزول والهبوط، الآن كيف تعرف الإنسان الصادق من غير الصادق؟ قال فمن كانت فترته إلى الكتاب والسنة أو إلى خير في بعض الروايات، في بعض الناس صح بفتور بس بيظله محافظ على الخطوط الرئيسية، يعني أنه ما بيطلع عن السكة، بيظله محافظ على أقل القليل من السنة والالتزام، وممكن يحضر لك شيئاً من الدرس بس ماشي ما عاد يحضر بنفس الهمة السابقة، فيقول فمن كانت شرته إلى الكتاب والسنة فهذا ارجوه، يعني هذا شاف فيه خير؛ لأنه شيء طبيعي حتى ما نكون مثاليين أن الإنسان في البدايات يكون متحمساً بعدين يجي شيء من الفتور، بس أهم شيء في حالة الفتور ما تطلع عن السكة وعن الخط.
قال أي ومن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه، ومعنى إذا أشير إليه بالأصابع أي إذا كان هذا الرجل يعرف بالخير والصلاح ثم في حال فتوره خرج عن الطاعة وخرج عن الاستقامة وترك كل الأعمال الصالحة، بعض الشباب إذا فتر بيترك كل شيء، يترك حتى الصلاة في المسجد يترك حتى الأفعال الخيرة كاملة ويغوص، فإذا أصبح يشار انظروا إلى فلان كيف كان وكيف صار، انظروا إلى فلان ترى كان في أعلى شيء وكان مع طلاب العلم وانظروا بعد ذلك إلى قال هذا فلا تعدوا مثل هذا الشخص. واضح أنه حتى في لحظة فترته عنده نوع من عدم الصدق، في عنده نوع كان من الاندفاع المليء بالرياء، ولذلك هو بتعرف بعض الشباب اللي بيحاول يشوف نفسه في مكان معين، ما لقاه في مكان معين بيترك كل الكار؛ خليني أجرب حالي مع الشباب وطلاب العلم والله صار لي جمهور وصار لي هيك شعبية ومشيت معهم، إذا شفت طريق صعب وكذا وخلص نرجع لشباب التيك توك وشباب الانستغرام ونقضيها، قال هذا مثل هذا لا تعده. فعليك إذا أردت أن تعرف صدقك فلا تنظر في لحظة اندفاعك، انظر في لحظة فتراتك، كيف توازنك النفسي في لحظة الفتور والملل؟ هل تحافظ على الخطوط الرئيسية ولا تنحدر عنها فتقع في الذنوب ومعاصي الخلوات؟ عرفت حتى الإنسان الشاب كل إنسان فينا يعرف نفسه، أحياناً بيكون مقبل وكذا وأحياناً بتجيه لحظات ما له نفس يعمل شيء، أو هيك لحظات من الفتور النفسي، لحظات الفتور إيش بتسوي؟ هل تقع في أوحال الذنوب والمعاصي وبتقول يعني خلص خليني آخذ راحتي اليوم أنا مليت أو شاعر بحالة من الفتور؟ لا، تحافظ على الخطوط العريضة في حياتك، لأنه أنا ماشي فتور يعني بس مش معناها أن أقع في ذنوب ومعاصي وأخرب الدنيا كلياتها تمام، لا أنا بحافظ على خطوط إلى أن تعود الهمة من جديد وأحاول أن أستثيرها مرة أخرى.
قال واعلم جعل الله تعالى العلم حاكماً لك وعليك، الحق طبعاً هنا أنا أعتقد أن الماوردي فهم معنى الشرة بمعنى الإيغال في الإكثار تمام، أنا أعتقد أن الشرة معنى الاندفاع والهمة ليس مجرد يعني مش الإيغال في الإكثار، أنا شعرت أنه هو يلومها لما يقول وهي الإيغال عرفت، قال وجعل للشرة فترة هذا شيء طبيعي وهي الإهمال بعد الاستكثار، هذا صحيح، الفترة هي الإهمال بعد الاستكثار؛ بعض المرات تكون تأخذ دروساً ومشاركاً في دورات وكذا يصبح عندك نوع من الإهمال، فلم يخل بما أثبت لك من أن تكون هذه الزيادة تقصيراً أو إخلالاً ولا خير في واحد منهما، أنا أعتقد أنه يعلق على كل الفقرة السابقة يعني مش على حديث، نعم أنه الزيادة إما أن تكون تقصيراً؛ لأنه لما قال والحالة الثانية أن يستكثر استكثار من لا ينهض بدوامها فهذا ربما كان كالمقصر أشبه لأن الاستكثار إما أن يمنع من أداء اللازم فلا يكون إلا تقصيراً، وأما أن يعجز عن استدامة الزيادة ويمنع من ملازمة الاستكثار من غير إخلال بلازم ولا تقصير في فرض فهذا إذا قصير المدى قليل اللبث، قال فلم يخل بالتالي بما أثبت لك من أن تكون هذه الزيادة تقصيراً أو إخلالاً، ولا خير في واحد من التقصير أو الإخلال. هذا يعلق على كل الحالة الثانية، هذا ليس تعليقاً على الحديث، نعم شيخنا ممكن بناءً على فهمه للنص وكأنه فهم الحديث أن الشرة هي الغلو الزائد عن الاعتدال، وأنا أعتقد أن هذا فهم عمر رضي الله عنه جزاه الله خيراً، لكن أنا أعتقد أن الشرة على فهم كثير من شراح الحديث هو الاندفاع، وهذا الاندفاع هو شيء طبيعي مش غلو، هو الاندفاع وأنه أي اندفاع بعديه فتور وهذا شيء طبيعي، لكن الفكرة أنه في لحظات الفتور كيف يكون تعاملك.
أقصد شيخ أنه ممكن يكون يقصد بعبارة من أشير إليه بالأصابع حال شرته وحال استكثاره، فلا تغتروا به، هسا هو شوف يعني أنا قدمت له أكثر من شرح، هي عبارة أن أشير إليه بالأصابع عبارة مجملة نوعاً ما تحتاج إلى نوع من التحليل. الآن البعض من أهل العلم كيف يشرحها؟ يشار بالأصابع أنه الشاب اللي بتلاقيه يركز على نقطة معينة بده يبرز فيها ويشار إليه بالأصابع فيها، لكنك بتلاحظ أنه مقصر في كل أبواب الخير الأخرى، فهذا أنت بتأخذ مؤشر عنه أنه في نوع من عدم المصداقية؛ لأنه الأصل في المسلم أن يأخذ الدين جملة، يعني بتلاقيه بعض الشباب بده يبرز فبتلاقيه كل يوم لك مقطع، بده يسوي مقطع مقطع مقطع مقطع، لكن لما تيجي على حياته الاجتماعية مقصر في الوتر مقصر في سنن الرواتب، مقصر في علاقاته الاجتماعية، عاق بأمه لا يحسن لزوجته لا يربي أبناءه، طيب أنت حتى يشار إليك بالأصابع في تلك النقطة لكن في النقاط الأخرى مهدومة تماماً في حياتك، هذا لا تعده لأنه واضح أنه في نوع من الرياء والنفاق وعدم المصداقية؛ أنه هو فقط يركز على نقطة معينة يريد أن يخرج فيها إنجاز ويقصر في كل الواجبات والحقوق الأخرى في حياته، هذا قول من الأقوال قيل في معنى فإن أشير إليه بالأصابع.
ويمكن كما قال البعض أن إذا أشير إليه بالأصابع إلى انتكاسته، أنه كيف تكون شخصاً مثلاً من أهل الخير والصلاح ثم في لحظات فتوره خرج أو حلق لحيته وكذا وترك، فهذا يشار إليه بالأصابع بمعنى ماذا؟ أنه الناس بتأشر عليه أنه شوف فلان شو صار، شوف فلان كان إمبارح مع المشايخ شوف اليوم كيف أصبح حاله، فهذا خلص معناته الرجل انتكس يعني. في ناس في شباب وهذا فاهم جيد، يعني أنت يحضر معك في الدروس والدورات وكذا، أنت لا تستطيع أنك تعرف أنه في لحظة فتور الآن، وإن كان فعلياً ماراً في لحظة فتور ليش؟ لأنه يحسن التوازن في لحظات الفتور فلا يظهر عليه ذلك أمام الناس، عرفت؟ إذا قال فإن سدد وقارب، شوف الحديث فإن سدد وقارب، هسا في شاب بتلاقيه مندفع وكاتب قمة حماسه وحفظه واشتغاله في الخير، بتجي عليه لحظات فتور الناس لا تنتبه ليه؟ لأنه هو محافظ على معالم الصلاة عموماً، أنه ما زال بيصلي معنا صلوات خمس وكذا ومحافظ على علاقاته، بالتالي الناس لم تلاحظ فتوره، فهذا دلالة أنه الإنسان متوازن نفسياً يحسن النزول والصعود بهدوء بدون ما يعمل كركبة.
بعض الناس لا، إذا فترت الدنيا يا جماعة شوف فلان حلق لحيته، إيش فتر بطلت تشوفه في المسجد؟ يا ابن الحلال شوي، يعني هذا دلالة أنه أنت عندك مشكلة أن الناس بتشوفك مرة في خير ومرة في قمة القبح، فهذا في لحظات فتوره يشار إليه بالأصابع، إيش يعني؟ يلاحظ فتوره، أنه فتوره يظهر للجميع أنه أخونا لا، هذا فتور مبين ليه؟ لأنه حتى قرآن بطل يقرأ صلاة جماعة بطل يصلي معنا. فكان هذا الذي يظهر، المعنى الثاني قريب أنه في ناس في لحظات فتورهم لا يظهر فتورهم للآخرين لأنه متوازن؛ بيكون بيقبل كذا وبيحفظ متونه وشغال لو فتر بتحس أنه محافظ على توازنه، بتقول أنه انتكس، بتقول أنه غير أخونا بيصير يتعهدنا في المجالس يوم يومين وطول اليوم، هو ما بيصرح لك وأنت ما بتشعر أنه في حالة فتور شديد، أنه يحسن التوازن في لحظات الفتور.
في أناس لا، لحظات فتورهم يشار إليهم بالأصابع، يعني الكل بيقول لك فلان شايفه راح، هذا دلالة أنه مش صادق، أن لحظات اندفاعه ولحظات عفوية ليست صادقة في تمام صدقها، فبالتالي لحظات انتكاسته كانت بينة واضحة، أو أنه ممكن يكون لحظات اندفاعه لم يحسن التعامل معها ولم يثبت معالم الإيمان في قلبه، فكانت انتكاساته انتكاسات يشار إليها بالبنان، كيف أنت بتفتح بعض مقاطع اليوتيوب بتشوف واحد كان زمان يتكلم وكذا ويحشيخ ويضرب ويطرح وكذا وغزة والضفة والانتصارات، وبعدين يوم تقول جاي فلان غير كل المبادئ وفرطت المسبحة معه، يشار إليه بالأصابع انتكاسات ظاهرة نسأل الله السلامة والعافية ويرحمنا ويسترنا ويغفر لنا، لأن الإنسان معرض لأي شيء من هذا، فنسأل الله العافية. وفي بعض الناس لا يعني عادي بتشوف له نشاط بعدين بيخف نشاطه وما بتحس أنه يشار إليه بالأصابع أنه ممكن تتفقد كل حين، اه شو صار في أخونا زمان ما شفنا، بس مش ملاحظ عليه الانتكاسة مش ملاحظ عليه الفتور، فهذا اللي بيقول لك، الثاني الأول اللي لم يلاحظ عليه الانتكاس هذا ارجوه، فارجوه لاحظت الرواية هي فارجوه، يعني أرجو أنه يرجع زي ما كان مندفع، فارجو له أن يعود إلى حماسه، أنه هو متوازن في لحظات فتوره، أما ذاك اللي لحظات فتوره هي انعكاس 180 درجة، لا هذا بتخاف لا تعدوه لأنه واضح أنه مش متوازن من البداية، هو بس هبة شباب وحماس تمام، بعدين بينتكس زي كثير من الناس لما يقع بين المسلمين نازلة، بتلاقيه أول ما تحصل النازلة زي ما حصل في غزة، نازل زل وكذا وبده يعمل وكذا وبيسوي، بعدنا بعد والله طالت الأزمة على إخواننا ست أشهر سبعة.
تعرف أن مثل هذا لا يعدو، هذا الشاب الذي يصرخ لي في أول شهرين، وآخر شيء بعد ستة أشهر يقول لك: طولت، أنا بدي أظلني قاعد أحكي عن إخواننا في غزة، خلص البيت، ربي يحميه. فتعرف أن مثل هذا لا تعدوها، مثل هذا لا يخاط به البحر؛ نقول أمثال هؤلاء لا يخاط بهم البحر، لأنه هذا هبت حماس، أول أحداث غزة صار يصلي في المسجد وصار كذا وصار الدعاء، ويلا بدي أشتغل، بدي أودي داعم، بدي كذا، بعدين طولت شوي.
هسه شيء طبيعي أنه بعد سنة من الحرب أن تكون في نوع من عودة للانشغال، شيء من نوع من الفتور في متابعة الأخبار، بس في حد أدنى تعرف من خلاله الشاب اللي بس كانت حماس البدايات وهبت شبابه ولم يثبت معاني الإيمان؛ بعد سنة هسه بطل يصلي، أو قاعد أصلاً بجوز بتابع مباريات وأفلام ومسلسلات ورجع ولا كأنه هناك دماء، ولا الشيء يحسب، بخلاف الشاب لا، اللي ما زال محافظ على توازنه في متابعة قضايا المسلمين.
أكيد اللحظات الأولى، مع الأسف، الإعلام عودنا منظر الأشلاء والدماء، فيصبح الإنسان بيسمع الخبر زي كأنه بيسمع خبر طبيعي؛ اليوم استشهد ٢٠ الله يتقبلهم، يوم كذا، بتصير تسمع الخبر الآن في نوع من الألفة تصبح مع الأخبار للأسف. أقول هذا مش بس في شاب يظله محافظ على الدعاء لإخوانه، والله محافظ إلى الآن سنة ونصف على أنه مثلاً بيتصدق، يحيي هذه القضية في حياة الناس، يتكلم عنها في كل مجلس؛ هذه هي الفكرة.
هذا حديث من الأحاديث العظيمة، طبعاً يحتاج إلى درس كامل، حديث: «إن لكل عابر شره، ولكل شره فترة، فمن كان فمن سدد وقارب في لحظات الفتور فارجوه، ومن أُشير إليه بالأصابع فلا تعدوه». هذا النبي صلى الله عليه وسلم يعطيك تفهم طبيعة الناس، وتعرف مين الشاب اللي ممكن تخوض به البحر وتركز عليه أنه شاب متوازن، ومين الإنسان اللي شغل هبات وشغل اندفاعات ولكنه لا يعول عليه؛ لأنه إذا فتر مباشرة يشار إليه بالأصابع؛ يعني يعرف أنه فلان غير كل الأشياء، البعض منهم بصير حتى يقلب على إخوانه، بصير يتكلم بكلام عكس ما كان يقول؛ أولاً كان في البداية يقف مع إخوانه، الآن تجده يشتمهم: «وأنتم جبتولنا المصايب».
في أمور يجب أن يكون الإنسان عاقل ويفهم نفسه، ويعرف كيف يثبت معالم الإيمان، ولا يركز فقط على لحظات الاندفاع؛ أي لحظات اندفاع في بعدها فتور هي شيء طبيعي، بس أهم شيء أنه يكون فتورك في حياتك بتعب، فتور متوازن بحيث أنك ترجع تعطي نفسك الحماس مرة أخرى، ترجو أن تعود، سميه تكتيك يا سيدي؛ أما لحظات الفتور المرعبة التي فيها انتكاسات فأسأل الله العفو والعافية.
نعم، قال: واعلم أن العلم حاكماً لك وعليك، والحقائق دالة لك وإليك، أن للدنيا إذا وصلت تبعات موبقة، وإذا فارقت فجعات محرقة، وليس لوصلها دوام، ولا من فراقها بد؛ فرض نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها، وعلى فراقها لتأمن من فجعاتها؛ فقد قيل: المرء مقترض من عمره المنقرض، مع أن العمر وإن طال قصير، والفراغ وإن تم يسير؛ وأنشدت لعلي يقول: أن الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة.
ما معنى أن الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة؟ يعني الدنيا وهي مقبلة عليك تعطيك؛ ترى في تبعات ممكن تكون مهلكة، يعني حتى وهي الدنيا بتعطيك مال وأولاد وذرية، ترى في تبعات لهذه الأمور؛ لا تفكر أنه هذا بالمجان يُعطى، في له تبعات؛ نعم بتسحبه أو في تكاليف من الكسب للعيال، في تكاليف العلاقات الاجتماعية، وفي حتى المال بدك تدير بالك عليه، وكل هذه طلبات مهلكة، يعني مش سهلة.
وكذلك العكس، إذا فارقتك الدنيا وأدبرت عنك بفراق الأحبة، بفراق الإخوان، بالفقر، فهذه أيضاً فجاعات محرقة؛ لما تفارق الأحبة، لما تفارق الأبناء، لما تفارق الأموال، فكل الدنيا سواء أتت أو ذهبت متعبة، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، وليس لوصلها دوام، بدك تفهم حتى لو الدنيا ابتسمت في وجهك ليس لوصلها دوام، هي هكذا الحياة، ولا من فراقها بد؛ يعني لا بد وأن يحصل فيها فراق شئت أو أبيت؛ قال: فرض نفسك على قطيعتها، بالتالي أنه إيش؟ روض نفسك على عدم التعلق بالدنيا، خلص هي طبيعتها دوامها لا يدوم وفراقها لازم، فعود نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها حتى لا تبقى متعلقاً بها، وعلى فراقها لتأمن فجعاتها تمام.
قال: فرض نفسك على قطيعتها، قد يكون فرض نفسك على قطيعتها هذا عكس الوصل، أن الدنيا موصلة، قل لك روض نفسك على أنه إيش؟ إذا الدنيا أرادت أن تصلك أن أنت تقطع، أن ما تتعلق حتى إيش؟ لا تهلكك تبعاتها؛ لأنه إذا أنت غرقت في الدنيا زي ما حكاه أخونا؛ الدنيا ابتسمت لك في المال، عود نفسك خذ على قدر الحاجة؛ لأنك إذا أنت فتحت شهيتك للمال ستُهلكك، ولو كان ابن آدم وادي من الذهب أو واديان من ذهب لرجى وادياً ثالثاً؛ وكذلك عود نفسك على ماذا؟ قال فرض نفسك على قطيعتها حتى تسلم من تبعات الوصال، وروض نفسك على فراقها لتأمن فجاعات الفراق؛ يعني حتى إذا صار فراق أنت تكون أصلاً مهيأ نفسياً للحظات الفراق والبعد.
فقد قيل: المرء مقترض من عمره المنقرض، نعم؛ قال: أنشدت لعلي بن محمد: إذا كملت للمرء ستون حجة، فلم يحظَ من ستين إلا بسدسها، ألم تر أن النصف لليل حاصل، وتذهب أوقات المقيل بخمسها، وتأخذ أوقات الهموم بحصة، وأوقات أوجاع تميت بمسها، فحاصل ما يبقى له سدس عمره، إذا صدقته النفس عن علم حدسها.
نعم، ورياضة نفسك لذلك تترتب على أحوال ثلاث، وكل حال منها تتشعب، وهي لتسهيل ما يليها سبب؛ فالحالة الأولى سيعطيك قواعد ترويض النفس، وكل حالة هي سبب للحالة التي بعدها. الحالة الأولى في ترويض النفس قال: أن تصرف حب الدنيا عن قلبك، فإنها تلهيك عن آخرتك، أولاً أن تصرف حب الدنيا؛ أن تعود نفسك أن لا تكون محباً للدنيا؛ لذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الوهن قال: «ولا يقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا: ما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»، فعود نفسك ألا تحب الدنيا، إيش فيها؟ عيش الغريب الذي يعرف أنه مغادر عما قريب.
طيب، قال: فالحالة الأولى أن تصرف حب الدنيا عن قلبك، فإنها تلهيك عن آخرتك، ولا تجعل سعيك لها فتمنعك حظك منها، وتوقى الركون إليها، ولا تكن آمناً لها، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أشرب قلبه حب الدنيا وركن إليها، التاط منها بشغل لا يبلغ عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه». التاط: يعني التصق به أو حصل له؛ وقال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: الدنيا لإبليس مزرعة وأهلها له حراث؛ وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: مثل الدنيا مثل الحية، لين مسها قاتل سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها، وكن أحذر ما تكون لها؛ أنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه، وإن سكن منها إلى أُناس أزاله عنها إيحاش؛ يعني أنت إذا بتأنس بشيء بكره تستوحش منه، وإذا اطمأننت أنت إلى سرور فإذا أنت منه إلى مكروه.
قال: وقال بعض البلغاء: إن الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تفي لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلي من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك؛ قال: فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى وتبعاتها تبقى. وهذا من عظيم الحكم، أن ما يخفف على الإنسان آلام المصائب في الدنيا هو أن يكون متعلقاً بها، وهذه نعمة الإسلام العظيمة؛ شوف الإنسان لما يكون قلبه فعلاً مش كثير متعلق في الدنيا، لو جاءته آلام الفقد للمال أو للأحبة بتهون؛ ليه؟ لأنه هو مش مراهن كثير على الدنيا، أما المتشبث بالدنيا المتمسك فيها اللي بحبها كثير، هذا ما بيستطيع يستوعب قضية الفقد.
كثير من الناس خلينا نحكي عن فقد المال، بعض الناس بيخسر خسارات فادحة في المال عشرات الآلاف، ومع ذلك بتشوفه طبيعي وبيضحك وماشي أموره طيبة وأخباره جيدة؛ ليه؟ لأنه هو مش مراهن كثير على الدنيا، وفي ناس خسروا ١٠ دنانير بتلاقيه بمصيبة بدك تعزيه؛ ليه؟ لأنه هو كثير مراهن على الدنيا، بالتالي خايف على أقل القليل أن يفوته، ففعلاً هذه مش قضية تنظيرية بتكلم فيها الماوردي، هي قضية عملية، كل إنسان يعرفها من نفسه؛ كلما قل حرصك على الدنيا واهتمامك بها وتفكيرك فيها كلما هانت عليك مصائبها، وهان عليك ما يحصل فيها؛ وكلما كنت أكثر تمسكاً بها وحرصاً عليها كلما ألمّك أدنى فقد يحصل فيها، يكون مؤلم؛ فعود نفسك وروضها على ألا تحب الدنيا، إيش فيها؟ كأنك غريب، هذه قمة الراحة النفسية.
وقال بعض الحكماء: انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، ولا تتأملها تأمل العاشق القالق؛ وقال بعض الشعراء: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم، وما خير عيش لا يكون بدائم، تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها، هل أنت إلا كحالم؟ فمن غافل عنها وليس بغافل، ومن نائم عنها وليس بنائم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من هوان الدنيا على الله تعالى ألا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها»؛ وروى سفيان أن الخضر قال لموسى عليهما السلام: يا موسى اعذف عن الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت الدنيا للعباد ليتزودوا منها للمعاد.
وقال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها؛ وقال علي عليه السلام يصف الدنيا: أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب وحرامها عقاب، من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن، من سعاها فاتت، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمت، ومن نظر بها بصرته؛ وقال بعض البلغاء: الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول؛ فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية؛ فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك.
إيش يعني في اغتنم غفوة الزمان؟ يعني إذا رأيت الزمان غافلاً عنك فاشتغل؛ يعني كأنه الزمان فجأة بصحصح لك فبيصير يبتليك، ولا طبعاً هو هذه سموها إسناد مجازي، وإلا الذي يبتلي هو الله سبحانه، لكن إسنادها للزمان إسناد مجازي وهذا مقبول عموماً عند العلماء على سبيل الإسناد المجازي؛ أنه إذا صحصح لك الزمان بيشتغل فيك، فإذا شفت الزمان متغافل عنك والأمور ماشية، استغل الآن الوقت، اشتغل.
وقال وهب بن المنبه: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسقطت الأخرى؛ يعني زي واحد متزوج اثنتين، إذا بده يرضي الأولى بيزعل الثانية، وعلى هذا المنوال؛ قال عبد الحميد: الدنيا منازل، فراحل ونازل؛ وقال بعض الدنيا منازل، واحد بيرحل على الطريق، وواحد نازل فيه؛ وهكذا كل ما نزلت منزلاً تفقد بعض الأحبة، تفقد فلان مات، تفقد فلان رحل، فلان الله يسهل عليه وهكذا.
وقال بعض الحكماء: الدنيا إما نقمة نازلة، وإما نعمة زائلة، وقيل في منثور الحكم: من الدنيا على الدنيا دليل؛ يعني من أمور الدنيا ما يدلك على الدنيا وعلى طبيعتها، على أنها دنيا؛ أيوه، من أمور الحياة الدنيا ما يدلك على أنها دنيا وأنها فانية؛ لما ترى فراق الأحباب، وقلة الثبات، وتقلب الأمور؛ تعرف والله أنها دنيا، من الدنيا على الدنيا دليل.
وقال بعض الشعراء: تسمع من الأيام إن كنت حازماً، فإنك منها بين ناه وآمر، إذا أبقت الدنيا على المرء دينه، فما فات من شيء فليس بضائر؛ فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة، ولا وزن ريش من جناح لطائر؛ فما رضي الدنيا ثواباً لمؤمن، ولا رضي الدنيا جزاء لكافر؛ الله لم يرضَ الدنيا ثواباً لمؤمن ولم يرضَ الدنيا برضه جزاء لكافر، بل جعل جزاء الكافر أين؟ وهذا يجعل المؤمن يتسلى أو يشعر بالثبات؛ حتى ولو أن بعض الكفار المجرمين ماتوا ولم ينالوا عقوبتهم في الدنيا؛ لأن الله.. شوف هذا الجميل: ولم يرضَ الدنيا جزاء لكافر، بده يعذبه في نار جهنم، بده يعذبه في الدنيا حتى يدخلوا أشد العذاب في نار جهنم، شوف هذا المعنى، ولم يرضَ الدنيا حتى تكون جزاءً لكافر؛ لأنه عقوبات الدنيا تزول، لا، أنا بدي.
في نار جهنم، فبالتالي لو رأيت كافراً مستبداً ظالماً عذب المؤمنين وأنهكهم وفتنهم، ولكنه مات ولم يعذب ولم يصب، بعض الناس يقول: بصير يشك في قدرة الله وحكمة الله. يا أخي، كيف هذا الفاجر الكافر يموت في مستشفى راقي في منطقة من المناطق في أوروبا، وهذا المسلم مات ذبحاً؟ هو كما قال الشاعر: فما رضي الدنيا ثواباً لمؤمن، ولا رضي الدنيا جزاءً لكافر. هؤلاء ما ادخره الله لهم من العذاب في الآخرة أعلى بكثير. الدنيا عذاب ولا يستحق أن يسمى عذاباً مقارنة بالعذاب الشديد يوم القيامة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا يومان: يوم فرح ويوم هم، وكلاهما زائل عنك، فدعوا ما يزول واتعبوا أنفسكم في العمل لما لا يزول». طبعاً كثير من الأحاديث تأخذونها كحكم بس لا تثبتوها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عيسى بن مريم عليه السلام: لا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أفضتم ولا على دينكم أبقيتم. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا تكن ممن يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين؛ إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي زيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض الطالحين وهو منهم.
وقال الحسن البصري رحمه الله: الدنيا كلها غم، فما كان منها من سرور فهو ربح. وقال بعض العلماء: الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكير، شديدة المكر، دائمة الغدر، فاقطع أسباب الهوى عن قلبك، واجعل أبعد أملك بقية يومك، وكن كأنك ترى ثواب عملك. وقال بعض الحكماء: الدنيا إما مصيبة موجعة وإما منية مفجعة. وأنشد: كل دنيا فإنها يعقب الخير شرها، هي أم تعق من نسلها من يبرها، كل نفس فإنها تبتغي ما يسرها والمنايا تسوقها والأماني تغرها. إذا استحلت الجنان أعقب حلوها مرها، ويستوي في ضريحه عبد أرض وحرها.
فإذا رددت نفسك عن هذه الحال بما وصفت، أعطيت منها ثلاث خلال. فإذا أنت حصلت عدم حب الدنيا عوضك الله بثلاث خلال. ما هي الخلة الأولى؟ أحدها أن تكفى إشفاق المحب وحذر الواثق؛ فليس لمشفق ثقة، فالذي يكون دائماً مشفق يظل في زعزعة وقلق، ولا لحاذر الراحة. الذي يظل خائفاً الدنيا تروح يظل مش مرتاح متوتر، بخلاف الإنسان الذي الدنيا ما هي فارقة عنده، حصلت ما حصلت، ينام مطمئن، بيصحى مطمئن، في قلبه وباله ما عنده ذاك الأمراض العصبية التي يعاني منها الحريصون على الدنيا. إذا كفاك الله هذه الخصلة، إشفاق المحبين وحذر الواثقين، هذه أول شيء تكفى بحمد الله.
اثنين: أن تأمن الاغترار بملهياتها فتسلم من عادية دواهيها، فإن اللاهي بها مغرور، والمغرور فيها مدهوم. بالتالي، ثانياً أن تأمن الاغترار بملهياتها وفتنها، خلاص أنت مقبل على ربك سبحانه.
ثالثاً: أن تستريح من تعب السعي لها ووصب الكد فيها، فإن من أحب شيئاً طلبه، ومن طلب شيئاً كد له، والمكدود فيها شقي إن ظفر ومحروم إن خاب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لكعب: «يا كعب، الناس غاديان: فغادٍ نفسه فمعتقها، وموثق نفسه فموبقها».
وقال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل. وقال بعض البلغاء: من نكد الدنيا ألا تبقى على حاله، ولا تخلو من استحالة، تصلح جانباً بإفساد جانب، وتسر صاحباً بمساءة صاحب، فالركون إليها خطر، والثقة بها غرر. وقال بعض الحكماء: الدنيا مرتجعة الهبة، والدهر حسود، لا يأتي على شيء إلا غيره، ولمن عاش حاجة لا تنقضي. أي أن الذي عايش دائماً هو في احتياج مستمر. كل هذا الاستقراء من الماوردي هدفه أن تعرف ماذا قال الحكماء عن الدنيا التي تقاتل من أجلها وتعيش لها.
ولما بلغ مزدق -وهو أحد فلاسفة الفرس- من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه، نبذها وقال: هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وغنى لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وغنى لولا أنه منى، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلاء لولا أنه بلاء، وحسن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد. فكان يقول كل ما تراه في الدنيا هو عكسه.
وقال بعض الحكماء: قد ملك الدنيا غير واحد من راغب وزاهد، فلا الراغب فيها استبقى، ولا الزاهد عنها كفت. وقال أبو العتاهية: هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغير، فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقضِ منها الوطر. يا من يؤمل طول الحياة، وطول الحياة عليه ضرر، إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، هل يتوقع أحدكم إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو الدجال فهو شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر». هذا جميل، وهذا كان ما ينبغي أن يبدأ به الماوردي حقيقة، فهذا الحديث كان ينبغي أن يتقلل من كلام الحكماء والفلاسفة ويكثر من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الدنيا وذمها، فهذا أولى ما يقال لما فيه من الحكمة البالغة.
وحكي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: أن هب لي من قلبك الخضوع، ومن عينك الدموع، وادعني فإني قريب. وقال عيسى بن مريم عليه السلام: أوحى الله تعالى إلى الدنيا: من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه. وقال بعض البلغاء: زد من طول أملك في قصور عملك، فإن الدنيا ظل الغمام وحلم النيام، فمن عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق وحرم التوفيق.
وقال بعض الحكماء: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك من إدبارها عنك، ولا دولة لك من إدالتها منك. وقال آخر: ما مضى من الدنيا كما لم يكن، وما بقي منها كما قد مضى. وقيل لزاهد: قد خلعت الدنيا فكيف سخت نفسك عنها؟ فقال: أيقنت أني أخرج منها كارهاً، فرأيت أن أدعها طائعة. وقيل لحرقة بنت النعمان: ما لك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلي غضارة. والقاعدة تقول: لم تمتلئ دار فرح إلا امتلأت ترحاً، هي رأت أهلها في نعيم فبكت، مع أنه هذا كان ينبغي أن يسرها، قالت: لا، لأنني أعرف أن سنة الحياة أنه ما امتلأت دار فرحاً وسروراً إلا في يوم من الأيام ستمتلئ حزناً وكدراً. هكذا هي الحياة.
وقال ابن سماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها. وقال صاحب كتاب كليله ودمنة: طالب الدنيا كشارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، لأنه ماء البحر مالح.
وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات كثيراً: نهارك يا مغرور سهو وغفلة، وليلك نوم والأسى لك لازم. تسر بما يفنى وتفرح بالمنى، كما سر باللذات في النوم حالم. وتشغل فيما سوف تكره غب عاقبته، كذلك في الدنيا تعيش البهائم.
وسمع رجل رجلاً يقول لصاحبه: لا أراك الله مكروهاً. فقال: كأنك دعوت على صاحبك بالموت! إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلا بد أن يرى مكروهاً. يعني إذا قلت لشخص: لا أراك الله مكروهاً، كأنك تقول له: إن شاء الله تموت هسا! ليه؟ لأنه ما دمت في الدنيا فلا بد أن ترى مكروهاً، الدنيا دار المكروهات، فإذا قلت: لا أراك الله مكروهاً، كأنك تقول لي: الله يخلصك من الدنيا، إن شاء الله تموت. جميل.
وقال أبو العتاهية: الزمان وإن لا بس خشن، خطواته المتحركات كأنهن سكن. هذه الرياضة الأولى من رياضة الابتعاد عن الدنيا وهي عدم حبها، ثم نترك الحالة الثانية من الرياضة إلى الدرس القادم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. جزاك الله خيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل