دخولتسجيل الدخول

المجلس الخامس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعا إخوانا وأخواتا الذين يتابعون البرنامج على البث المباشر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا المجلس ويجعله مجلسا عاما بالخير.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله في مجلس يتجدد بنا في صبيحة السبت، التعليق على كتاب «أدب الدين والدنيا» للإمام الماوردي رحمه الله تعالى، وهو كتاب نافع نفيس في بابه، فريد في تعليقاته وما فيه من الملاحظات سواء في الأمور العلمية أو في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية. ويحسن بطالب العلم أن يقف على مثل هذه المصنفات فيتأدب من خلالها ويتعلم ويصون نفسه من الأخلاق الرديئة والسلوكيات البعيدة عن منهج الصواب.

ما زلنا نعيش مع الماوردي في الباب الثاني وهو باب العلم، ما زال يتحفنا بفوائده التي قل أن تجدها حقيقة في كتاب آخر بمثل هذا التحرير وبمثل انتقائه للعبارات. وكان قد انتهى من الكلام عن قضية أمور الفهم، وقلنا إن علاقة طالب العلم بالمدرس فإنه أحيانا قد يفهم كلامه، فإذا فهمه عليه أن يحفظه ثم أن يراجعه حتى يستقر العلم.

أما الحال الثاني، أن يكون طالب العلم لا يفهم كلام المدرس، وقلنا في هذه الحالة يجب عليه أن يعرف السبب؛ فإما أن يكون السبب من المعلم، وإما أن يكون السبب من الطالب، وإما أن يكون السبب من نفس المعلومة أنها متقدمة على مستوى الطالب. ثم أضاف السبب الرابع لعدم الفهم وهو: إذا كان الطالب يقرأ قراءة وليس درسا مسموعا، وإنما كان الدرس مقروءا، فقد تكون مشكلة عدم الفهم عند الطالب للمصنفات أو للكتب هو عدم فهم الخط.

ربما هذه المشكلة تقل اليوم عند طلابنا بسبب الطباعة، أن الكتب أصبحت مطبوعة بأفخم الطبعات والتحقيق لها، فهذا أضحى ميسرا. لكن في الزمن القديم طالب العلم إذا أراد أن يقرأ كتابا يكون الكتاب مخطوطا، فإذا كان الخط جيدا فقد نعم الطالب، وإذا كان الخط رديئا فهنا يحصل للطالب الإشكالات. اليوم نحن نعاني أحيانا من مشكلة الطباعة الرديئة؛ فبعض دور النشر تطبع الكتاب طباعة رديئة، فتجد في الكتاب سقطا أو تحريفا للكلمات، أو إشكالات حتى في وضع الحركات الإعرابية أو النقاط، وهنا بالتأكيد ينشأ سوء الفهم ويشعر الطالب بالعنت وهو يحاول فهم الكتاب، ثم يكتشف في النهاية أن الكتاب فيه سقط كلمة أو زيادة كلمة، فمشاكل الطباعة قريبة من مشاكل الخط.

دعونا نكمل هذه الفكرة الأخيرة في قضية الخط، حيث أراد المصنف أن يعطيك فوائد عامة؛ وما هي أسباب كون الخط قد يؤدي إلى إشكال في الفهم؟ وصلنا إلى قوله: «واختلف في أول من كتب العربية».

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا منك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين. قال رحمه الله: «واختلف في أول من كتب بالعربية»، فذكر كعب الأحبار أن أول من كتب بها آدم عليه السلام، ثم وجدها بعد الطوفان إسماعيل عليه السلام، يعني أن آدم كتبها في لوح ثم بعد أن حصل الطوفان وجاء إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وجدها، وطبعا كلها قصص إسرائيليات لا نجزم بها.

قال: «وحكى ابن عباس رضي الله عنهما أن أول من كتب بها ووضعها إسماعيل عليه السلام على لفظه ومنطقه»، وحكى عروة بن الزبير رضي الله عنه أن أول من كتب بها قوم من الأزل الأوائل أسماؤهم: أبجد وهوز وحطي وكلم وسعفصوا وقرشت، وكانوا ملوك مدين. وحكى ابن قتيبة هنا كلمة «أبجد وهوز»، فقيل إنهم أسماء ملوك أصلا من الأزد، والأزد قبيلة يمنية.

قال: «وحكى ابن قتيبة في المعارف أن أول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار»، ومن الأنبار انتشر، والأنبار من العراق. وحكى المدائني: «أول من كتب بها مرامر بن مروة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة»، فمرامر وضع الصور، وأسلم فصل ووصل، وعامر وضع الإعجام.

ولما كان الخط بهذه الحال، وجب على من أراد حفظ العلم به أن يعنى بأمرين؛ المعلومات السابقة تعتبر ثانوية، عليك أن تعتني بالمعلومة اللاحقة وهي ما الذي يعتني به طالب العلم في قضية الخط: أولا، حفظ تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها، وثانيا، ضبط ما اشتبه منها بالنقط والأشكال المميزة لها. إذا احتجت إلى هذين الأمرين؛ أولا تقويم الحروف على أشكالها، فتكتب القاف على صورة القاف وتكتب الحاء على صورة الحاء والخاء، لابد أن تضبط صورة الحرف. ثانيا، ضبط النقاط والشكل، تضع النقاط في مكانها المناسب والشكل كالفتحة والضمة والكسرة.

قال: «ثم ما زاد على هذين من تحسين الخط وملاحة تظهر، فإنما هو زيادة حذق بصنعته وليس بشرط في صحته». الآن إذا استطعت أن تضع الحرف على صورته وتضع النقاط والشكل بصورتها الصحيحة في السياق، فما بعد ذلك من أن تكون بخط الرقعة أو بخط الديوان أو تجمل الخط، هذا كله يعتبر من المحسنات كالملح في الطعام؛ فإذا فعلته جزاك الله خيرا، وإذا قصرت فيها المهم أنك وضعت صورة الحرف ووضعت النقطة في مكانها فهذا هو الأساس.

وقال علي بن عبيدة: «حسن الخط لسان اليد»، وقال أبو العباس المبرد: «رداءة الخط عاهة الأدب»، والعاهة هي نوع من الآفة. وقال عبد الحميد: «البيان في اللسان وألب البنان»، والبيان قد يكون في اللسان وقد يكون في البنان وهو القلم. وأنشدني بعض أهل الأدب لواحد من شعراء البصرة:

أعذر أخاك على رداءة خطه ... واغفر رداءته لجودة ضبطه واعلم بأن الخط ليس يراد من ... تركيبه إلا تبين سنطه

المعاني لم يكن تحسينه إلا زيادة شرطة. هذا كله يقول لك إن الخط الرديء ليس مشكلة، اعذرني إذا كان خطي رديئًا، المهم أنني أبانته إبانة عامة.

قال: «ومحل ما زاد على الخط المفهوم من تصحيح الحروف وحسن الصورة، محل ما زاد على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ وصحة الإعراب». ولذلك قالت العرب، كما أن الكلام المفهوم إذا تحريت فيه الفصاحة فهذا طلب للفصاحة فيه وأن يكون كلامك فصيحًا، وهذا زائد؛ أنا ممكن أتكلم كلامًا عاميًا وأنت تفهم المقصود، هذا الكلام العام إذا راعيت فيه الفصاحة وحسن الإعراب يعتبر زيادة جميلة مطلوبة لكن ليست بالدرجة الأولى.

نفس الشيء الخط؛ إذا أحسنت الكتابة الأساسية فما بعد ذلك من تحسينه وتجميله هي زيادة جميلة لكنها ليست هي الدرجة الأولى. ولذلك قالت العرب: «حسن الخط إحدى الفصاحتين». وكما أنه لا يعذر من أراد التقدم في الكلام أن يطرح الفصاحة والإعراب وإن فُهم، كذلك لا يعذر من أراد التقدم في الخط أن يطرح تصحيح الحروف وتحسين الصور وإن فُهم.

إذا كان يريد التقدم في الخط، أي إذا أراد أن يقول إنه مميز في الخط، فلا يصلح أن تتقدم وأنت لا تحسن التجميل. أما إذا لم يكن غرضك التقدم في الخط، كأن أقول أنا لست داخلًا في مسابقة خط وليس قصدي أن أعرف بأن خطي جميل، أنا فقط أريد سريعا أن أكتب كلامًا يفهمه الجميع وانتهى، فهذا قد يُعذر.

قال: «وربما تقدم بالخط من كان الخط أجل فضاء صائله وأشرف خصائله، حتى صار علمًا مشهورًا وسيدًا مذكورًا». غير أن العلماء اطرحوا صرف الهمة إلى...؛ أقول لك أحيانًا بعض الناس أصل تميزه في الخط، لو أردت أن تقرأ مضمون الكلام قد يكون لا قيمة له، لكن أحيانًا في بعض الرسائل تحب أن تقرأها فقط لجودة خطها، فبعض الناس أصل تميزه إنما هو في الخط، وأما من حيث جودة الألفاظ أو قيمة الكلام الداخلية قد تكون ضعيفة لكنه يتقدم لحسن خطه.

الآن سأقول لك قضية هنا ينبه عليها وهي جميلة تفهمها، وهي أن أكثر العلماء كانت خطوطهم رديئة. لماذا؟ لأنه لاشتغالهم بتصحيح المعاني عن تسميد الخطوط، ولأنهم يريدون استيعاب الزمان أكثر وأكثر فلم ينشغلوا بتحسين خطوطهم.

قال: «اطرحوا صرف الهمة إلى تحسين الخط لأنه يشغلهم عن العلم ويقطعهم عن التوفر عليه». ولذلك تجد خطوط العلماء في الأغلب رديئة، لا تُلحظ إلا من أسعده القضاء. ومعنى من أسعده القضاء أي من حالفه الحظ، من أسعده القضاء والقدر بأن يكون له خط جميل، وإلا ففي العادة خطوطهم رديئة.

قال الفضل: «من سعادة المرء أن يكون رديء الخط ليكون الزمان الذي يفنيه بالكتابة يشغله بالحفظ والنظر». أي مثلاً وجهة نظر أخرى. قال: «وليست رداءة الخط هي السعادة». وهذا تعليق من الماوردي؛ هو لا يقصد الفضل أن تكون رديء الخط هكذا تكون سعيدًا، ولا يقصد أنها هي السعادة بحد ذاتها، وإنما قال: «إنما السعادة ألا يكون له صارف عن العلم». هذا هو الجميل، احفظها في حياتك: «إنما السعادة ألا يكون له صارف عن العلم».

لماذا قال الفاضل إن رداءة الخط هي السعادة؟ ليس لذاتها، وإنما المراد كفكرة عامة عند العلماء: السعيد من طلاب العلم هو الذي لا يوجد له صارف يصرفه عن العلم؛ لأن أغلب طلاب العلم إنما يحصل الفشل في حياتهم بسبب الصوارف. الإنسان قد يأتي عليه فترة من العمر وهو مقبل ويحضر مجالس العلم ويحفظ المتون ويقرأ، لكن بعد خمس سنوات أو ست سنوات تتغير الحياة وتنقلب به، ويصبح مشغولًا بتحصيل لقمة العيش خاصة إذا فكر بالزواج والأبناء وكذا، فتبدأ الشواغل ويترك. وهذا واقع حال الأكثر من طلبة العلم خاصة مع تعقيدات الواقع المعاصر؛ فمن يبدأ في بداية الشباب تبدأ هموم الحياة تتكاثر عليه وتكثر الصوارف فتُفقد من المجالس.

ولذلك من السعادة لطالب العلم أن يصرف الله عنه الشواغل إلى آخر العمر، ولذلك قلَّ العلماء، لماذا العلماء دائماً هم قلة؟ لأن القليل هم الذين يسعدهم القضاء والقدر كما يقولون، عبر في قضية أنه يبقى مستمرًا في طلب العلم وتعلمه وتحصيله إلى آخر الأعمار. ولذلك دائماً فليكن أحد المشاريع الكبرى لديك أن تحاول أن تفهمه من فن طالب العلم أن يسعى دومًا أن يكون حتى شغله وطريقه ودخله وطريقة حياته تنسجم مع هدفه في طلب العلم. أما إذا أردت أن تسلك مسالك أخرى في واقعنا المعاصر، فهذه تشتد، ففي العادة المسالك الأخرى للرزق تسحبك بعيدًا عن ميادين التعلم، نسأل الله الإعانة.

قال: «وعادة ذي الخط الحسن أن يتشاغل بتحسين خطه عن العلم، فمن هذا الوجه صار برداءة خطه سعيدًا وإن لم تكن رداءة الخط سعادة».

قال: «وإذا كان ذلك كذلك فقد يعرض للخط أسباب تمنع من قراءته ومعرفته، كما يعرض للكلام أسباب تمنع من فهمه وصحته». كفكرة سريعة، ما هي الأسباب المانعة من قراءة الخط؟ أراد أن يعطيك إياها على شكل فوائد سريعة.

قال: «والأسباب المانعة من قراءة الخط وفهم ما تضمنه قد تكون من ثمانية أوجه، أحدها: إسقاط ألفاظ من أثناء الكلام». هذا السبب الأول، أنك أثناء كتابتك أسقطت ألفاظًا كاملة من النص، وهذه قد تقيس هذه الأمور على الطباعة، أنه أحيانًا قد يكون في السطر كلمة أو كلمتان سقطتا سهوًا، قال: «يصير الباقي بها مبتورًا لا يعرف استخراجه ولا يفهم معناه»، وهذا يكون إما من سهو الكاتب وإما من فساد نقله.

قال: «وهذا يسهل استنباطه على من كان مرتضك النوع». فهذا إسقاط ألفاظ من أثناء الكلام، إما أن يكون من نفس الكاتب الأساسي أنه سهى فأسقط اللفظة، أو أنه نقل من كتاب وهو ينقل من الكتاب الذي ينقل منه هو أصلاً في إسقاط للألفاظ؛ فالكاتب ما سهى، لكن الكاتب الذي نسميه اليوم حافظًا ليس فاهمًا، هو نقل النص كما هو لكن لم ينتبه الكاتب أثناء النقل أن النص الأصلي في النسخة التي بين يديه فيه سقط. قال: «وهذا يسهل استنباطه على من كان مرتضًا بذلك النوع، فيستدل بحواشي الكلام وما سلم منه على ما سقط أو فسد». الآن طالب العلم...

طالب العلم الذكي، والذي عنده ارتياض في فهم كلام العلماء، حتى لو كان الكتاب فيه سقط ألفاظ، هو يستطيع بارتياضه في العلوم أن يعرف أن هذا النص فيه سقط، بل أحيانا قد يخمن ويوفق للكلمة التي سقطت. فلذلك سبحان الله، يقول لك أحيانا بعض الطلاب قد لا يشكل عليه فهم الكلام حتى ولو كان فيه سقط، لماذا؟ لارتياضه في كلام أهل العلم. نحن أحيانا في تراثنا، مثلا بعض الكتب التي تقرأ لابن تيمية، كنا نجد بعض الكلمات الأسطر مش كاملة، يعني في مشكلة في النص؛ فتصبح أنت تحاول باعتياضك في العلوم أن تخمن ما هي الكلمة التي سقطت، وإذا كنت موفقا وخبيرا تعرف ذلك وحدك. أحيانا كما أقول من الحواشي، يعني من السياق؛ سياق الكلام لحاله يجعلك تعرف ما هي الكلمة التي سقطت.

لا سيما إذا قيل: إن الكلمة متى تستدعي ما يليها، ومعرفة المعنى توضح عن الكلام المترجم عنه ما شذ من ألفاظه، ما شذ يعني ما حذف وما سقط. فأما من كان قليل الارتياض بذلك النوع، فإنه يصعب عليه استنباط المعنى منه لا سيما إذا كان كثيرا؛ لأنه يحتاج في فهم المعاني إلى الفكر والروية فيما قد أهمله الكتبة، وإذا هو لم يعرف تمام الكلام المترجم عن المعنى، قصر فهمه عن إدراكه وضل عن صحيحه. أما الطالب الذي لم يرتض في كلام العلماء وكانت الكلمات التي سقطت كثيرة، فسيجد نفسه يتعب، سيضطر لقراءة النص مرة ومرتين، وأحيانا سبحان الله كثير ما تحصل معك حتى لو كنت مرتضى؛ تجلس في مسألة في كتاب، وتجلس تحريها، يا أخي المسألة مش مفهومة، تبدأ تنفضها يمينا وشمالا، وتجلس بعد ساعة تراجع المسألة في كتاب آخر، تكتشف أن سامح الله الكاتب أسقط كلمة أو حرفا به بيان المعنى، أو أحيانا قد تكون الكلمة لا حذفها؛ أصبح الكلام مثبتا وهي منفية، وأنت تجلس ساعة ويضيع وقتك للاسف، خاصة الطالب الذي لم يرتض يكتشف أنه سامح الله الكاتب حذف له، فصار الكلام مثبتا وهو في الأصل منفي، وهكذا.

والوجه الثاني: زيادة ألفاظ في أثناء الكلام يشكل بها معرفة الصحيح غير الزائد وتميزه من السقيم الزائد، فيصير كله مشكلا. الوجه الثاني عكس الأول؛ إثبات زيادة ألفاظ بالخطأ، وهذا لا يكاد يوجد كثيرا إلا أن يقصد الكاتب تعمية كلامه فيدخل في أثنائه ما يمنع من فهمه؛ لأنه طبعا هذا قليل، فعادة الإشكال تكون من أنك تسقط، أما أنك تزيد والله هذا خطأ كاتب فادح. يقول: فيصير ذلك رمزا يعرف بالمواضعة، أما لذلك يقول: وهذا لا يكاد يوجد كثيرا، يعني زيادة الألفاظ، إلا أن يتقصد الكاتب زيادة ألفاظ ليعمي كلامه حتى يصبح الكلام نفسه نوعا من الألغاز، فيدخل في أثنائه، أي في أثناء كتابته، ما يمنع من فهم كلامه، فيصير ذلك كأنه رمز يعرف بماذا؟ بالمواضعة؛ أي مصطلح واصطلاح الكاتب نفسه. فأما وقوعه سهوا فقد يكون بالكلمة والكلمتين، وذلك لا يمنع من فهمه على المرتض وغيره، أما لو زاد كلمة أو كلمتين فهذا يمكن أن يفهمه، أي أن يدرك وجه الخطأ فيه مباشرة المرتض في العلوم.

والوجه الثالث: إسقاط حروف من أثناء الكلمة تمنع من استخراجها على الصحة، وقد يكون هذا تارة من السهو فيقل، وتارة من ضعف الهجاء فيكثر، والقول فيه كالقول في الوجه الأول. والوجه الرابع: زيادة حروف في أثناء الكلمة يشكل بها معرفة الصحيح من حروفها، وهذا يكون تارة من سهو الكاتب فيقل ولا يمنع من استخراج الصحيح، ويكون تارة لتعمية ومواضعة يقصد بها الكاتب إخفاء غرضه فيكثر كالتراجم، ويكون القول فيه كالقول في الوجه الثاني.

والوجه الخامس: وصل الحروف المفصوله وفصل الحروف الموصولة، فيدعو ذلك إلى الإشكال؛ لأن الكلمة ينبه عليها وصل حروفها ويمنع فصلها من مشاركة غيرها. فإن كان ذلك من سهو قل وسهل استخراجه، وإن كان ذلك من قلة معرفة بالخط أو مشقا تسبق به اليد كثر فصعب استخراجه إلا على المرتض به. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شر الكتابة المشق، المشق حيث توصل الكلمة بالكلمة؛ تعرف كيف اللغة الإنجليزية تلاقي الكلام كل كلمة متصل مع بعضها؛ اللي يكتب سريعا، المشق هو أن توصل الكلمة بالكلمة التي بعدها بسبب سرعة الكتابة، كما أن شر القراءة الهذرمة، الذي يتكلم سريعا ولا يفهم عليه. وإن كان للتعمية والرمز لم يعرف إلا بالمواضعة؛ يعني بعض الناس قد يكون مثل الدكاترة، كيف الطبيب تذهب تقرأ رويته تتأوه، يا أخي شو كاتب؟ مش فاهم حاجة؛ لأنه كله مشق، الكلام كله موصول، وأحيانا قد يكون قصد الطبيب أن لا تفهم أنت، أن يفهم فقط الصيدلاني حتى أنت ما تروح لحالك تعمل لك مصيبة.

والوجه السادس: تغيير الحروف عن أشكالها وإبدالها بأغيارها، حتى يكتب الحاء على شكل الباء، والصاد على شكل الراء، وهذا يكون في رموز التراجم، لا يوقف عليه إلا بالمواضعة أو لمن زاد فيه الذكاء فقدر على استخراج المعمى. وهذا يكون في رموز التراجم، نفس الشيء في اللي قبلها، رموز التراجم؛ الحكم على الرجال في الجرح والتعديل، أو عرفت تراجم الرجال، فهذا يكون في علم الجرح والتعديل، قد يكون تغيير الحروف عن أشكالها وإبدالها أحيانا قد يكون الهدف اختصارا، أنه حتى فلان معدل أو مجرح أو ثقة. أنت بتعرف هذه مصطلحات الجرح والتعديل، فهذه المصطلحات أحيانا يستعمل فيها رموز معينة أو طريقة معينة.

والوجه السابع: ضعف الخط عن تقويم الحروف على الأشكال الصحيحة، وإثباتها على الأوصاف الخفية حتى لا تكاد الحروف تمتاز عن أغيارها، فتصير العين الموصولة كالفاء، والمفصوله كالحاء، وهذا يكون من رداءة الخط وضعف اليد، واستخراج ذلك ممكن بفضل معاناة وشدة التأمل، وإن كان ربما أضجر قارئه وأوهى معانيه، ولذلك قيل: إن الخط الحسن لا يزيد الحق وضوحا. والوجه الثامن: إغفال النقط والشكل اللذين تتميز بهما الحروف المشتبهة، وهذا أيسر أمر وأخف حالة؛ لأن من كان متميزا بصحة الاستخراج ومعرفة الخط، لم تخف عليه معرفة الخط وفهم ما تضمنه، يعني إذا كانت المشكلة فقط أنك ما وضعت الفتحة والضمة والكسرة، أو مثلا أغفلت وضع بعض النقاط، هذا أسهل الأخطاء؛ لأنه يمكن للطالب الذي استخراجه حسن وفهمه جيد أن يعرف مباشرة ما هو الشكل، هل هي فتحة ضمة كسرة، أو أنه والله هذه غين مش عين، ممكن يعرفها سريعا وإن كان الأولى التبيين.

بل قد استقبح ذلك الكتاب في المكاتبات، وراوه من تقصير فهم الكاتب؛ بالعكس الكتاب كانوا يستقبحون وضع النقاط والشكلات قديما، الكتاب في الدولة الأموية والعباسية كانوا يرون أن من كمال الكاتب أصالة أن يضع النقاط ولا الشكلات، وأنه أنت القارئ يجب أن تفهمها بدون أن أضع لك شيئا، وإنما توضع النقاط والشكلات هذه للطالب المبتدئ، في الكتابات ضعيفة، أما المتمكنون لا يضعون النقاط ولا الشكلات، هكذا كانوا. وراوه من تقصير فهم الكاتب أو سوء ظنه بفهم المكاتب، وكان استقباحه له في مكاتبة الرؤساء أكثر. وقد حكى قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملا، فشكى العامل منه إلى عبيد الله بن سليمان وكتب رقعه يذكر فيها احتجاجا لصحة دعواه ووضوح شكواه، فوقع فيها عبيد الله بن سليمان: هذا هذا.

فأخذها العامل وقرأها، فظن أن عبيد الله أراد هذا إثباتا لصحة دعواه وصدق قوله؛ فالعامل لما أخذ الورقة شاف أن عبيد الله كتب: هذا هذا، أنه نصره وأنه يؤكد أنه فعلا هذا العامل مظلوم ويجب أن ترد إليه مظلمته، فأخذ العامل الورقة فرحا بها مسرورا، كما يقال في إثبات الشيء هو. فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان وأراه خط عبيد الله وقال: إن عبيد الله قد صدق قولي وصحح ما ذكرت، فخفي على الكاتب ذلك، وأطيف به على كتاب الدواوين فلم يقفوا على مراد عبيد الله، فرد إليه ليسأل عن مراده؛ فشدد عبيد الله الكلمة الثانية، وكتب تحتها والله المستعان. ايش يعني لما شدد الذال الثانية؟ شو بدها تصبح؟ هذا هذ؛ يعني كلام فارغ، فاصبحت بالعكس، أنه ليس تصديقا لدعواه، وإنما نصر صاحب الديوان أنه هذه الدعوة المرفوعة هذ، والهذ هو الكلام الفارغ. وثم عبيد الله كتب تحتها والله المستعان، استعظاما منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج إلى إبانته بالشكل. فهذه حال الكتاب في استقباحهم الإعجام بالنقط والشكل، فأما غير المكاتبات من سائر العلوم فلم يروه قبيحا بل استحسنوه.

بل استحسنوه لا سيما في كتب الأدب التي يقصد بها معرفة صيغة الألفاظ وكيفية مخارجها، خاصة كتب الأدب زي مقامات الحريري وغيره، هذه كتب تعليمية هذه إذا ما وضعت النقاط والشكل ضاعت من الطلاب، مثل كتب النحو واللغة والشعر والغريب، فإن الحاجة إلى ضبطها بالشكل والإعجام أكثر، وهي فيما سواه من العلوم أيسر. وقد قال الثوري: الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة. وقال بعض البلغاء: إعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله. وقال بعض الأدباء: رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله. وكما استقبح الكتاب الشكل والإعجام في المكاتبات، وإن كان في كتب العلوم مستحسنا، فكذلك استحسنوا مشق الخط في المكاتبات، وإن كان في كتب العلوم مستقذرا. وسبب ذلك أنهم لفرط إدلالهم بالصنعة وتقدمهم في الكتابة يكتفون بالإشارة ويقتصرون على التلويح، ويرون الحاجة إلى استيفاء شروط الإبانة تقصيرا، ولفضل ما يعتقدونه من التقدم بهذه الحال رأوا ما نبه عليه سوادا.

المداد أثراً جميلاً وعلى الفضل والتخصص دليلاً، رأوا ما نبه عليه من سواد المداد أثراً جميلاً. أي رأوا أن مشق الكلام وأن الصفحة كلها سوداء بالمداد هذا هو الجميل، وليس تفصيل الكلمة عن الكلمة تماماً. رأوا وفضّلوا ما يعتقدونه من التقدم بهذا الحال، أنهم يعتقدون -كيف الأطباء يعتقدون أن مشق الكلام هو أصلاً دال على تميزهم، أنه كلامنا مش مفهوم وأننا نشخبط- فالكتاب في عرف الدولة العباسية والأموية كانوا يرون أن المشق بالعكس هو دلالة التميز، وأن تكون الصفحة كلها سوداء من أولها إلى آخرها والكلام كله متصل ببعضه، هذا يعتبرونه من الأثر الجميل وهو دليل على الفضل والتخصص دليلاً. عرفت؟ يعني هو دليل على فضلهم وعلى تقدمهم مش دليلاً على تأخرهم بالعكس.

نعم، قال حكي أن عبيد الله بن سليمان رأى على بعض ثيابه أثر صفرة من زعفران أو عطر. قال: فأخذ من مداد الدواة فطلاه به، ثم قال: فأخذ من الحبر وطلا به ثوبه مكان الصفرة، ثم قال: المداد بنا أحسن من الزعفران؛ لأن الزعفران من شأن النساء، وأما المداد فهو من شأن العلماء. فقال: إن يظهر لون حبر على ثوبه أفضل من أن يظهر لون زعفران على ثوبه. نعم، قال وأنشد: إنما الزعفران عطر العذارى، ومداد الدوي عطر الرجال. جميل. نعم، قال فهذه جملة كافية في الإبانة عن الأسباب المانعة من فهم الكلام ومعرفة معانيه لفظاً كان أو خطاً، والله ولي التوفيق لما يحبه ويرضاه. هكذا نكون انتهينا من بيان أسباب عدم الفهم لدى طلبة العلم سواء من جهة اللفظ أو من جهة الخط.

نعم، قال: فينبغي لطالب العلم أن يكشف عن الأسباب المانعة إن تعذر عليه فهم المعنى؛ ليسهل عليه الوصول إليه، ثم يكون بعد ذلك سائساً لنفسه مدبراً لها في حال تعلمه، فإن للنفس نفوراً يفضي إلى تقصير. بعد أن اكتشف الطالب ما هي أسباب عدم فهمه لكلام أهل العلم واستطاع أن يعالج الموضوع وأصبح طالباً يدرك أسباب عدم الفهم فيعالجها، انتقل الآن إلى مسألة أخرى يحتاجها طالب العلم، وهو قضية سياسة النفس. ما بين الشدة وأن يتعبها في طلب العلم، وما بين التراخي وأن يكون ملولاً سريع الفتور في طلب العلم.

فقال: لا بد يا طالب العلم أن تحسن سياسة نفسك، وأن تدرك وقت إقبالها على العلم فتستغل ذلك، ووقت إحجامها فترفق بها، ولا تحمل هذه النفس فوق طاقتها. نعم، قال: فإن للنفس نفوراً يفضي إلى تقصير، وفوراً يؤول إلى سرف، وقيادها عسر. فإن للنفس نفوراً؛ يعني تأتي عليك أيام أو ساعات تشعر أنه خلاص، أنا مش قادر أفتح كتاباً ولا أتعلم ولا شيء، هكذا محتاج أروق وأجلس وحدي وأمارس بعض الأنشطة الرياضية، أروح عن نفسي تماماً. قال: فإن للنفس نفوراً، لكن هذا النفور إذا استمر معك أصبح فتوراً، وبالتالي يؤدي إلى التقصير في طلب العلم. والعكس، أحياناً يكون هناك فوراً، وأحياناً تشعر لا أنه جاءتك حالة اندفاع وحماس، بدي أطلب وبدي كذا. هذا الاندفاع والحماس بعض طلاب العلم يرهق فيه نفسه أكثر من اللازم، فيؤدي إلى ماذا؟ إلى السرف. السرف أي في تحميل النفس فوق طاقتها، فيصبح مثلاً لا ينام ليلاً ولا نهاراً للقراءة والتحصيل، وهذا أيضاً يؤدي إلى ماذا؟ إلى بعد شهرين ستُهلك هذه النفس، لن تستطيع أن تستمر معك. ﴿المُنْبَتُّ لا أَرْضاً قَطَعَ وَلا ظَهْراً أَبْقَى﴾.

فيقول لك: وأحياناً يكون لها همة ونشاط، إذا أيضاً لم تربطه ولم تحسن شد زمامه قد يؤدي بك إلى ماذا؟ إلى سرف، والإسراف هنا غير محمود؛ لأنه تحميل للنفس فوق طاقتها. فلذلك يقول: وقيادها عسر، هذه النفس قيادها عسر، ما بين شدة غير مطلوبة وما بين تقصير يؤدي إلى ترك العلم. فسياسة النفس هي رياضة طالب العلم الذكي اللبيب، أن يعرف كيف يتوازن في لحظات الفتور وفي لحظات الاندفاع. نعم، قال: ولها أحوال ثلاث: حال عدل وإنصاف، وحال غلو وإسراف، وحال تقصير وإجحاف. هذه خلاصة الفكرة السابقة، إذاً فالنفس لها ثلاثة أحوال؛ حالة تكون فيها مقتصدة -والله طالب علم عنده برنامج يومي معتدل يحافظ عليه هادئ ينتج، جزاه الله خيراً- غير كذا طرفي، يا حال غلو وإسراف عم بيحمل نفسه فوق طاقتها في طلب العلم، أو حال تقصير وإجحاف أنه هو مهمل في طلب العلم وليس جاداً.

نعم، قال: فأما حال العدل والإنصاف فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين: طاعة مسعدة، وشفقة كافّة؛ فطاعتها تمنع من التقصير، وشفقتها تصد عن السرف. طيب الآن متى طالب العلم يصل إلى درجة الإنصاف والاعتدال في سياسة نفسه؟ إذا جمع أمرين ما هما؟ قال فهي أن تختلف قوى النفس من جهتين متقابلتين، الأول طاعة مسعدة، والثاني شفقة كافّة، يعني أن تكون قوى نفسك عندها هاتان الخصلتان، القوة النفسية عندك أن تكون فيها تختلف فيها -ما معنى أن تختلف فيها؟ المراد أن تختلف قوى النفس هنا بمعنى أن يكون فيها كلا الأمرين عندك- طاعة؛ يعني النفس تطيعك بترد عليك وهذا سيسعدك، نفسك مش جموح، لا هي تطيعك فتسعدك، ويكون عندك شفقة بهذه النفس أيضاً؛ أي كافّة، أي تكفُّك أن تطالبها بما لا تستطيع. هذه النفس، فهمت عليّ؟ حتى تصل إلى درجة الإنصاف والاعتدال في إدارة نفسك.

مش احنا قلنا سعادة طالب العلم في سياسة نفسه؟ هذه النفس كيف تسوسها؟ لا بد وأن يمر عليها أمران أو أن يحيط بها أمران، ما هما؟ طاعة مسعدة، أن تكون هذه النفس تطيعك إذا قلت له يلا يا نفس الآن عندنا برنامج علمي تقول لك يلا نروح على برنامج العلم، يلا الآن عندي مراجعة مذاكرة تطيعك طاعة مسعدة. وفي نفس الوقت أن يكون أيضاً لك شفقة على هذه النفس كافّة؛ أي تكفك أن تطالبها بما لا تستطيع، يعني يلا يا نفس ما في نوم الليلة، لا ما أنت ما شفقت بها، بتقول لك النهاية تصرخ بكاءً: أنا لا أستطيع. فسعادتك أن تكون عندك هاتان الأمتان، هذان الأمران يحيطان بهذه النفس: طاعتها لك طاعة مسعدة، وإشفاق كافٍ عن طلبها ما لا تستطيع. نعم، قال: فطاعتها تمنع من التقصير، وشفقتها تصد عن السرف، وهذه أحمد الأحوال؛ لأن ما منع من التقصير نام، وما صد عن السرف مستديم. أي شيء منع عن التقصير فإنه ينمو، والذي يصدك عن الإسراف والمبالغة وتحميلها ما لا تطيق يبقى يسير على استقامته، فهكذا النفس تحتاج إلى أن تكون لها طاعة تطيعك ولكن في نفس الوقت تشفق عليها فلا تحملها فوق طاقتها، هكذا يتحصل النمو والزيادة والاستقامة.

نعم، قال: والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل، نعم، فنمو مستدام، نعم، أخلق به يعني حري به أن يستكمل. نعم، قال: وقال بعض الحكماء: إياك ومفارقة الاعتدال؛ فإن المسرف مثل المقصر في الخروج عن الحد. نعم، يعني بعض الشباب يظن أن الإسراف منقبة، لا، ترى الإسراف مثل التقصير، يعني أن تقصر في طلب العلم هذا مذموم صحيح، طيب الإسراف؟ هسه بعض الشباب يظن أنه هذه منقبة، إني أنا الآن عم بحمل نفسي فوق طاقتها وإنه لا أنام ليلاً ولا نهاراً، ما شاء الله أخونا طلب العلم، ترى الإسراف مثل التقصير في ذمه، لأنه في النهاية أنت نفس بشرية، وإسرافك سيؤدي بك بعد سنة أو سنتين إلى أن تسقط فجأة، تسقط فجأة تقول: أنا خلاص، النفس نفرت نفوراً عجيباً. وأنا أعرف بعض طلاب العلم أصيب بأمراض بسبب هذا، كان يواصل ليلاً مع نهار فترة، أصيب بمشاكل في الأعصاب وأصبح يأخذ علاجات أعصاب وانكبت حالته.

فأحياناً أنت المراد أن تصل إلى شيء نافع، تمام؟ وهذا متى يبتلى به؟ أحياناً الإسراف قد يكون طالب العلم تأخر في بداية طلب العلم، يعني بدأ يطلب العلم على 25، 26، ويرى أقرانه قد فاقوه فيجلس في مجالس المشايخ، يرى أقرانه قد فاقوه في كذا، فيقول: خلاص لا بد أني كما كان النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر شد أزاره وأحيا ليله وأيقظ أهله، خلاص انقطع عن الدنيا وانكب على طلب العلم حتى أستطيع أن أدرك أقراني، فإذا به يحمل نفسه ليلاً ونهاراً قراءة فيضعف بصره وتضعف نفسه، ليست طاقتك، وليس شرطاً أن تصل إلى حد أقرانك، المطلوب في الحياة أن تصل إلى علم نافع يتبعه عمل صالح تلقى به ربك، هذه خلاصة العلم، حلو المنافسة مطلوبة لمرحلة لدرجة معينة لكن ما سوى ذلك، لا، ارفق بنفسك واحملها ما تطيق وجمل إليها العلم ولا تكرهها في العلم، وخليها تاخذ على قدر راحتها فهذا خير لك.

نعم، قال: وأما حال الغلو والإسراف فهي أن تختص النفس بقوة الطاعة وتعدم قوى الشفقة، فيبعثها اختصاص الطاعة على إفراغ الجهد يفضي بها إفراغ الجهد. إذاً حالة الغلو والإسراف متى تحصل؟ إذا كان عندك شيء واحد وهي طاعة مسعدة لكن ما عندك شفقة كافّة، احنا قلنا اكتمال حالك بطاعة مسعدة وشفقة. إذا كانت هناك طاعة في النفس لكن ما في شفقة هذا سيؤدي إلى الغلو والإسراف؛ أنها تطيعك بس ما في شفقة ما في رحمة بها، وأنا حملتها ما لم تطق. نعم، قال: ويفضي بها إفراغ الجهد إلى عجز الكلال، يعني إفراغ الجهد تحميلها جهداً عالياً يؤدي إلى الكلل، إلى التعب، تتعب بعد شهرين ثلاث أو خمسة ستة تتعب لأنك فرغت كل طاقتها.

نعم، قال: ويؤديها عجز الكلال إلى الترك والإهمال، وعجز الكلال يؤدي في النهاية إلى الترك، خلاص تترك طلب العلم. قال: فتصير الزيادة نقصاناً والربح خسراناً. نعم، فأنت تظن أنك في زيادة لكنك في طريق النقصان. قال: وقد قالت الحكماء: طالب العلم وعامل البر كآكل الطعام؛ إن أخذ منه قوتاً عصمه، وإن أسرف فيه أبشمه، سبحان الله، وربما كان فيه منيته، وكأخذ الأدوية. إيش يعني أبشمه؟ يعني شعر معه بالتخمة، إذا أخذت فوق الزيادة تشعر بالتخمة، والتخمة أيضاً تشعرك بالتعب والإرهاق وحب النوم. نعم، قال: وكأخذ الأدوية التي القصد فيها شفاء، ومجاوزة الحد فيها السم المميت. جميل، شوف هذا الكلام، تخيل والله الطبيب أعطاني دواء للسكري يا شيخ، باخذ جرعتين زيادة شو المشكلة؟ لا مو هي الجرعة الزيادة قد يكون فيها ماذا؟ هلاك، نفس الشيء طالب العلم الذي يحمل نفسه ما لا تطيق يريد يقول لك يا أخي آخذ جرعات زيادة في طلب العلم، مش زيادة خير، هذه الزيادة التي تظن أنها خير قد يكون فيها مماتك وهلاكك أو إصابتك بالأمراض المزمنة، الأمراض المزمنة المقعدة عن الاستمرار.

دائماً نحن نريد الاستمرارية هي مقدمة على الكمية، تمام، انظر إلى النوع، انظر إلى الاستمرار، لا تنظر أنه أنا لا بد أن كل الكتب الشرعية العمر لا يستوعبها، لكن أن أحصل علماً نافعاً أنفع به نفسي وأهلي ومجتمعي وأكون إنساناً صالحاً ومصلحاً، هذا هو المقدم حقيقة في هذا الميدان للإنسان الذكي.

نعم، قال: وأما حال التقصير والإجحاف فهي أن تختص النفس بقوة الشفقة وتعدم قوة الطاعة. العكس، متى يصبح عندك تقصير؟ إذا كان عندك الشفقة الكافّة لكن ما عندك الطاعة المسعدة، عكس الحالة السابقة، أنه دائماً لا خلاص ما بدي أحمل نفسي ما لا تطيق، لا خلاص خليها تستريح، لا يا أخي والله ملّت النفس، خلينا نعطيها راحة، وهناك يعني حتى نكون صادقين، قضية الإسراف والغلو هذه ربما نوعية خاصة جداً جداً جداً، لكن أكثر طلابنا اليوم مشكلتهم في الثالثة بالعكس، أن نفسه يريد دوماً أن يشفق عليها، وتريد منه أن لا تحملني فوق طاقتي، وهو يرضيها خلاص اليوم نخرج رحلة، خلاص اليوم نخرج على مطعم مع الشباب والإخوة، خلاص اليوم ما في دراسة مشان بدي أريحك، فيبقى يسوّف ويجلس ما بين رحلة ونزهة وخرجة وترك، وهو يظن أنه يشفق بها، وهو في الحقيقة يضيع وقته وزمانه حتى يجلس الشهر والشهرين والثلاث والأربع وهو لم يحضر دورة علمية ولم يقرأ كتاباً نافعاً ولم يشارك، هذه نتيجة أنه لا يوجد نفس طاعتها مسعدة، نفسك لا تطيعك في طلب العلم بل هي دائماً تطلب الراحة.

نعم، قال: فيدعوها الإشفاق إلى المعصية، وتمنعها المعصية من الإجابة، المعصية يعني ألا ترد عليك؛ لأنها دائماً تقول: أريد الراحة. نعم، قال: فلا تطلب شارداً، ولا تقبل عائداً، ولا تحفظ مستودعاً. ومن لم يطلب الشاردة، ويقبل العائدة، ويحفظ المستودع فقد الموجود ولم يجد المفقود، ومن فقد ما وجد فهو مصاب محزون، ومن لم يجد ما فقد فهو خائب مغبون. قال وقد قال بعض الحكماء: إيش يعني وتمنعها المعصية من الإجابة؟ فلا تطلب شارداً، يعني لا تذاكر العلوم، ما معنى فلا تطلب شارداً؟ يعني ما تعود تذاكر المعلومات شردت، تمام، صار لك يومين ما بدأت المعلومات تشرد، فتجدها لا تطلب شارداً لا.

تريد أن تراجع ولا تذاكر المعلومات التي درستها، ولا تقبل عائداً، إذا جاءتها معلومات جديدة تعودها، كأنك العائد للمريض؛ إذا جاءتها معلومات تعودها ما عندها رغبة في قبولها. ولا تحفظ مستودعاً، لا تريد أن تحفظ المعلومات التي عندها التي هي مستودعة في داخلها، باختصار رفضت كل أشكال العلم. ومن لم يطلب الشارد من لا يراجع ويذاكر، ولا يقبل العائد، ولا يحفظ المعلومات، فقد الموجود؛ انتهى فقد ما عنده من العلم، بعد شهر، شهرين، ثلاث، يبدأ العلم يتفلت.

وقد قال بعض الحكماء: «العجز مع الواني، والفوت مع التواني». الواني الضعيف، ضعف الواني؛ الإنسان لما يكون عنده نوع وهن يصبح هناك عجز، والفوت مع التواني؛ التواني عدم الجد والتواصل، الاسترخاء هذا يؤدي إلى فوت ما عندك من العلم.

وقد يكون للنفس مع الأحوال الثلاث حالات مشتركة بغلبة إحدى القوتين، فيكون للنفس طاعة وإشفاق، وأحدهما أغلب من الآخر، فإن كانت الطاعة أغلب كانت إلى الوفور المجاوز أميل، وإن كان الإشفاق أغلب كانت إلى التقصير المقصر به أقرب. الآن نحن قلنا الأحوال ثلاثة؛ حالة عدل وإنصاف، حالة غلو وإسراف، وحالة تقصير. نستطيع أن نضيف إليها حالتين رابعة وخامسة، ما هي هاتان الحالتان؟ قال تستطيع أن تضيف إليها رابعة وخامسة؛ أن تجتمع فيك صفتان: الطاعة المسعدة والشفقة، لكن تكون الطاعة أكثر من الشفقة، فهذا يكون عنده الإسراف أغلب. الحالة الخامسة العكس، أن يكون فيك القوتان أو الصفتان، لكن يكون جانب الشفقة مغلب فيكثر تقصيره. يعني فيك طلب علم لسه ما انقطع، لساته بيحضر أخونا مجالس العلم، بس يغلب عليه الانقطاع بس لسه بيطلب؛ حتى تعرف أنه أحياناً كيف تقول فيه مادة إيمان ومادة نفاق، فأحياناً يقول لك قد لا تكون القضية أبيض وأسود، لا، أحياناً قد يكون السواد غالباً بس فيه بياض أو العكس، فتصبح الأحوال خمسة بناءً على هذا.

فإذا عرف من نفسه قدر طاعتها، وخبر منها كنه شفقتها، راض نفسه لتثبت على أحمد حالاتها. وطالب العلم هو الذي يعرف نفسه ويقوم بتشخيصها تشخيصاً دقيقاً؛ يعرف كم حجم الطاعة عندي وكم حجم حب الشفقة عندي، فيصبح يوازن بينهما في ميزان الحياة حتى يثبت، حتى يستطيع أن يصل للتوازن التام.

وقد أشار إلى ما وصفناه من حال النفس الفرزدق في قوله: لكل امرئ نفسان نفس كريمة وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها ونفسك من نفسيك تشفع للندى إذا قل من أحرارهن شفيعها

هنا يمدح أميراً، في البيت الثاني يقول: ونفسك من نفسيك تشفع للندى؛ يعني نفسك الكريمة تشفع عند النفس اللئيمة إذا أرادت النفس اللئيمة ألا تكرم وألا يكون هناك سخاء ولا بذل، فنفسك الكريمة الجيدة تتوسط عند النفس اللئيمة: يا أيتها النفس اللئيمة اسمحي لنا بشيء من الندى والكرم. فهذا معنى قولي في البيت الثاني: ونفسك من نفسيك تشفع للندى، تتوسط للكرم أنه يحصل؛ يعني الإنسان فيه نفس تحب الشح والبخل، وفيه جانب يحب الكرم والعطاء، فإذا شح فكأن النفس الكريمة تذهب تتوسط للنفس اللئيمة أنه خليه يكون فيه هناك ندى وكرم، أنت بتعرف يمدح الملوك مشان يعطوه ماله؛ فهو يقول إن النفس الكريمة تتوسط عند النفس اللئيمة حتى يصبح هناك ندى وكرم، في الزمن وفي الوقت الذي قلت فيه النفوس الكريمة التي تشفع، هذا معنى إذا قل من أحرارهن شفيعها؛ إذا قلت النفوس الكريمة الحرة التي تشفع وتطلب الندى.

فإن أهمل سياستها وأغفل رياضتها ورام أن يأخذها بالعنف ويقهرها بالعسف استشاطت نافرة، ولجت معاندة، فلم تنقد إلى طاعة، ولم تنكف عن معصية. إذا أهمل سياسة نفسه، أي التوازن في إدارة النفس، وتعامل مع نفسه بقسوة، إذا طالب العلم تعامل مع نفسه بقسوة وأراد أن يتعسف؛ يقول لي بدك تطلبي العلم الآن بدك تطلبي وهي حقيقةً مش نفس، النفس ليست مقبلة الآن على القراءة ولا التعلم، قال ستطلبين ستطلبين، هنا النفس ستنفذ؛ يعني تخيل طالب علم يغفو والنوم أخذ منه ما أخذه، يقول لك لا بدك تأخذين، ياتي بالماء البارد يضعه على وجهه ويقرأ في كتب الآثار، اقرأ ماذا قال فلان وفلان في سير أعلام النبلاء كيف كان يضع الماء البارد بجانبه وكلما شعر بالنعاس ألقاه على وجهه، سأفعل مثله؛ يعني أحياناً لست أنت كحالك في العادة كحال الأوائل في القوة البدنية والهمة العالية، فأحياناً الذي يحصل نتيجة عكسية، أنت تتعسف في إدارتها وتكون عنيفاً عليها فماذا يحصل؟ قال استشاطت نافرة؛ في لحظة معينة تكره التعلم وتصبح تقول لك لا لا أريد أن أفتح كتاباً، لا أريد أن أنظر في شيء.

وقد قال سابق البربري: إذا زجرت لجوجاً زدته علقاً ولجت النفس منه في تماديها فعد عليه إذا ما النفس جمحت باللين منك فإن اللين يثنيها

إذا رأيت النفس جموح ارجع عليها بالرفق واللين، هذا سيساعدها على الصلاح، أما إذا زدت عليها وهي في قمة إرهاقها هذا يزيد المشكلة ولا يحلها.

فإن استصعب عليه قياد نفسه، ودام منه نفور قلبه مع سياستهما ومعاناة رياضتهما، تركهما ترك راحة ثم عاودهما بعد الاستراحة. فإذا استصعب عليه قياد نفسه ودام منه نفور قلبه، مع أنه يحاول أن يسايس ويحاول أن يروض لكن واضح إلى الآن إلى الآن النفس والقلب مش مجاوبين؛ قال اتركها، اتركها خلها شوي ترتاح، حتى لو كان يا شيخ زملائي ماشي، زملاء قد يكونوا الآن في حالة نفسية أفضل منك، أنت قد تكون عندك مشاكل حياتية، هموم تراكمت، أحوال تعرضت، قد تكون معاصيك وذنوبك، فالآن نفسك غير مهيأة؛ قال اتركها ترك راحة، ثم عاودها بعد الاستراحة، يعني اتركها يومين وأعطها نصيبها من الراحة ثم عد إليها بالترويض بعد الاستراحة.

فإن إجابة النفس والقلب تسرع، وطاعتهما ترجع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن القلب يموت ويحيا، ولو بعد حين». قال ابن مسعود رضي الله عنه: «للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار، فأتوه من قبل شهوتها، ولا تأتوها من قبل فترتها». لما تكون نفسك مقبلة على العلم ائتها عندئذ، واما إذا رأيتها الآن نافرة فيصعب عليك أن تأتيها، خلها تستريح قليلاً، لكن هي فكرة استراحة يجب أن تكون قليلة، أما إذا تركت النفس وراحتها تطول لن تعود لك، سهل الله دربها. وقد قال الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب

يتقلب إقبالاً وإدباراً.

فأما الشروط التي يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب، مع ما يلازمه من التوفيق ويمد به من المعونة، فهي تسعة شروط. انتقل إلى فائدة أخرى، وهي ما هي شروط النبوغ في الحالة العلمية؟ ما هي شروط النبوغ في طالب العلم؟ متى ينبغ طالب العلم إذا كتب الله له هذه الأمور التسعة مع توفيق الله وإعانته أولاً وآخراً؛ فإنه لا بد أن يكون توفيق الله وأن يكون عون الله حاضراً في حياته، لكن نحن نتكلم عن الأسباب الآن، من باب الأسباب هناك تسعة أمور إذا وجدت في حياة طالب العلم سعد؛ ما هي؟

واحد، قال العقل الذي يدرك به حقائق الأمور؛ أولاً عقل، ربنا من رزقه عقلاً يستطيع أن يدرك به الحقائق ويفهم ويتصور المسائل. اثنين، الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم؛ هذا قدر زائد على العقل، وهي أن يكون فطناً، الذكاء؛ يعني الذكاء هو الشرط الثاني حتى يدرك الغوامض والمسائل الخفية.

الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره، وفهم ما علمه؛ ونفرق بين الذكاء والفطنة، فجعل الفطنة هي القدرة على تصور الغوامض. أما الذكاء قصد به قوة الذاكرة؛ الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره ويستقر به فهم ما علمه.

قال الرابع الشهوه التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل؛ الصفة الرابعة التي يجب أن تكون في طالب العلم الشهوة للتعلم، كما قال ابن عباس: «منهمان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال»، لا بد يكون لديك شهوة ورغبة في هذا العلم حتى تنبغ في العلوم الشرعية، وحتى في أي علم لا بد أن يكون لك فيه شهوة. لذلك من الخطأ حقيقة أن تجد الطالب ما عنده شهوة للعلوم الشرعية وحاولت أن توجدها فيه ولم توجد، وتقول له تخصص في العلوم الشرعية، ترى هذا يصعب أن يفلح؛ ليست منقبة فيك أن تنصح طالباً أن يتخصص في العلوم الشرعية وأنت كمعلم تجد فيه هذه الشهوة، وهذه تجربة مرت بها كثير من زملائنا وأقراننا وكان يشكو لنا؛ يعني يقول لي أنا بعد ما درست معنا في المدينة النبوية، قال لي مرة: قال لي أنا أعتقد أن الذي نصحني بدراسة العلوم الشرعية قد يكون صالح رجل صالح لكنه لا يعرف النفوس، قال: هذا ما لاش أنا لدي رغبة حقيقة في التخصص في العلوم، يعني أنا ربما أميل لنواحي برمجية هندسية أو شيء من ذلك. وهذا حقيقة يجب أن يكون حاضراً في المعلم قبل أن تنصح الطالب الناشئ في طلب العلم، بمعنى التخصص؛ الآن طلب العلم بالحد الأدنى هذا يعني أقول يلزم جميع المسلمين أن يحققوا ما ليس على المسلم جهله، لكن إذا أردت أن يكون طالباً متخصصاً ينبغ ويكون له أثر في الأمة، عليك أن تتفرس قدراته، هل يمتلك شهوة؟

يعني هل هو محب للتعلم الشرعي؟ هل له ميولات أدبية؟ هل له ميولات فقهية؟ وهذا ينظر في بداية نشأته وميولاته وحبه في حضور مجالس التعلم، يا أخي خله يحضر دورة دورتين ثم بعد ذلك انظر في مدى شهوته؛ هل تجد أنه مقبل، أنه فعلاً من أسئلته ومن ذكائه ومن اهتماماته، أم تجده حاله كحال غيره لا يهتم بحضور الدرس ولا يكتب ولا يعلق ولا شيء، مثل هذا أن تنصحه للعلوم الشرعية أحياناً قد تكون أنت وضعته في مكان ليس له حقيقةً، لا، قد يكون هو ربنا فتح عليه في أمور إدارة، في أمور تنمية، في أمور برمجية، في أمور كذا ينفع الأمة فيها. فهذه قضية الشهوة مهمة إخواني، هذه قضية الشهوة سامحني بها يحصل النبوغ، لأنه العلم طريقه في التخصصية وعر، دعك من الدراسات الجامعية هذه أصلاً ما فيها إلا النتف، لكن أنا أقول العلم الحقيقي الراسخ طريقه وعر، ويحتاج إلى طول زمان، وأن تعيش في بطون الكتب، وتبقى المسألة تصور وتجول في ذهنك، وتتعنى حضور الدرس من مسافات بعيدة، وتتعنى الحفظ والمذاكرة، فلان طريقه وعر، إذا لم، ما الذي يسهل هذه الوعورة؟ وجود الشهوة والرغبة، أما إذا أنت تفقد الشهوة والرغبة فعندئذ اعرف أنك قد تكون دخولك في هذا المجال وتحميله لنفسك ما لا تطيق فدعك منه، وانظر إلى أين تجد شهوتك ورغبتك في التعلم، هذا باب عدل وإنصاف في تعامل طالب العلم مع نفسه؛ فالشهوة والرغبة في طريق التعلم أساس.

والخامس الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلف الطلب؛ أن يكون الشرط الخامس أن يكون لديه مال، المادة، المال، أن يكون لديه رزق مصدر رزق يكفيه من مؤنته؛ أن يذهب ويشتغل من الساعة الخامسة صباحاً إلى التاسعة ليلاً ويذهب طول عمره في الهم، هذا متى يطلب العلم؟

والسادس الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار؛ طيب الشرط السادس الفراغ؛ الفراغ يعني فراغ القلب وفراغ الوقت، يعني كلاهما فراغ القلب والوقت حتى يستطيع أن يجتمع قلبه على العلم ويتوفر عليه.

والسابع عدم القواطع المذهلة من هموم وأشغال وأمراض؛ عدم القواطع؛ أن يكون الله عز وجل برحمته وكرمه صرف عنه القواطع المشغلة، من مرض مزمن، بعض الناس مريض مرض مزمن خلص ما يستطيع، أو عنده هموم وأحزان، أو فقد شديد، أو مثلاً قد يكون شرف على والديه ما عنده غير؛ يعني هو الولد الوحيد ووالداه كبرا في السن ولا يوجد غيره، هذه كلها قواطع، وذلك وفي النهاية قد يكون هذا القاطع أراد الله لك فيه الخير؛ انتبه، يعني قد يكون الله سبحانه وتعالى يعلم من حال هذا الطالب أنه إذا أقبل على العلم قد يكون فيه هلاكه، أو قد يكون فتنة له، أو عجباً له، أو قد لا يستطيع أن يقوى ليقول كلمة الحق ويصبح من دعاة الفتنة، فخير له أن ينقطع ويشتغل بخدمة والديه؛ فالانقطاع ليس دائماً دلالة سوء بل.

قد يكون هو الخير لبعضهم، وأحياناً قد يكون دلالة سوء، وأن الله لم يرك أهلاً لحمل العلم بسبب معاصيك وذنوبك. يعني قد يكون دلالة سوء وقد يكون هو الخير لك من جانب آخر، لكن نحن في النهاية نتكلم عن شروط النبوغ، بدك تفهم بين شروط النبوغ عدم وجود القواطع المذهلة.

قال: والثامن طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال. الشرط الثامن أن يرزقك الله طول العمر، وهذا شيء ليس بيدك وإنما بيد الله سبحانه، يمكنك أن تكون سبباً في طول عمرك إذا فعلت الأسباب التي تؤدي إلى طول العمر كصلة الرحم وما شابه ذلك من الأمور التي قد ينسأ له في أثره، لكن عموماً هذا أمر بيد ربك، فإذا سعدت بطول العمر فطول العمر يعطيك مساحة لأن تستكثر من العلوم فتنبغ.

قال: والتاسع الظفر بعالم سمح بعلمه، متأتٍ في تعليمه. التاسع، وأنا في اعتقادي رأس الهرم هنا بعد توفيق الله أولاً وآخراً أن تظفر بعالم يسمح لك أن تتعلم، هذا شرط، لذلك لو كنت -شوف ها لاحظ- لو كنت عاقلاً فطناً ذكياً تملك شهوة في التعلم وفراغاً في الوقت ولكن ما في عالم تتعلم على يديه، في العادة ضياعك أكثر من انتفاعك، وهذا رأيناه في كثير ممن عاصرناه أنه يمتلك ذكاءً وفطنةً وفهماً وكذا وكذا لكن لم يدرس على علماء وإنما يقرأ من الكتب، فقد يريد أن يأخذ علمه ممن يسمون بالصحفيين، هؤلاء فيكون ضرره أكثر من نفعه وخطؤه أكثر من صوابه، ولا تجد عنده توازناً في الأدب ولا حسناً في المنطق ولا فهماً ولا إبانة في الكلام، حتى ولو كان ذكياً فهماً فطناً لقناً عنده فراغ ووقت وهمة وشهوة وكذا، ما في عالم تعلمت على يديه يكون شرك وضررك أكثر من خيرك ونفعك لنفسك ولأمتك.

قال: وإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة، وجدة، وقريحة، وشهوة، وتمامها في الخامسة. مدة يعني عمراً طويلاً، وجدة يعني مالاً يريحه من الكسب، وقريحة يعني ذكياً، أي القريحة تشمل العقل والفطنة والذكاء، يعني كأنه في كلمة قريحة جمع العقل والفطنة والذكاء، والشهوة هي النقطة الرابعة، وجدة هي الاكتفاء بالمادة، ومدّة أي التي هي يمكن أن تجمع الفراغ وعدم القواطع وطول العمر، ثم أضاف إليها قال: وتمامها في الخامسة، وأظن هذا من كلام الماوردي يعني إضافة الإسكندر وتمامها معلم ناصح.

قال: فصل، وسأذكر طرفاً مما يتأدب به المتعلم ويكون عليه العالم. الآن سيذكر في ختام باب العلم سيذكر آداب المتعلم وآداب العالم، سيبدأ بآداب طالب العلم. قال: اعلم أن للمتعلم في زمان تعلمه ملقاً وتذللاً، إن استعملهما غنم، وإن تركهما ندم وحرم. هذه أول قاعدة، يجب على المتعلم في زمان التعلم أن يكون عنده نوع من الملق والتذلل لمشايخه وأساتذته ومعلميه، هذا هو الذل الصحيح، التملق الذي هو يعني التقرب وإظهار الود والاحترام لمشايخه، هذا التملق وهذا التذلل هذا في مكانه الصحيح، وأما التملق والتذلل للأغنياء والرؤساء والزعماء فهذا تملق المنافقين وتذلل المنافقين، ففرق بين هذا التملق وذاك التملق.

قال: لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه، والتذلل له سبب لإدامة صبره، وبإظهار مكنونه تكون الفائدة، وباستدامة صبره يكون الإكثار. فقال: لماذا طالب العلم يحتاج أن يتملق ويتذلل لشيخه؟ قال: لأنه بالتملق للعالم يظهر مكنون علمه، العلم الذي في داخله يظهره لك، وبالتذلل له يصبر عليك، لما يراك سمحاً طالباً مؤدباً خلوقاً ذكياً، يصبر على أسئلتك وعلى مناقشاتك العلمية والفكرية، وفي النهاية بإظهار مكنون العلم تكون الفائدة، وباستدامة صبر الشيخ يكون ماذا؟ الإكثار، تستفيد منه أكثر وأكثر.

قال: وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم». طبعاً هذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالباً فعززت مطلوباً، لما أصبحت عالماً فعززت مطلوباً، يعني أصبحت عالماً وأصبح الناس يطلبونني. وقال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة، بقي في ذل الجهل أبداً.

هذا التنبيه يا شباب، بعض طلاب العلم قد يتعامل مع بعض المشايخ ويجد أن الشيخ أحياناً قد يكون فيه شيء من القسوة، أو قد يكون فيه شيء من الشدة، أو مثلاً الشيخ أجابه مرة إجابة فيها نوع من الجفاء، قد يكون الشيخ سرحان أو يكون الشيخ متعب، فالطالب يقول: خلاص ما أطلب من هذا الشيخ، هذا الشيخ عنده جفوة. شوف، في الحياة العلمية الأحاسيس الزائدة هذه ما تنفع، هذه خذها نصيحة في حياتك، أنت في النهاية تريد الفائدة وتريد الانتفاع، فأن تكون عندك حساسية زائدة، لا الشيخ جرح مشاعري! طيب الشيخ، الله يكرمك، نحن لسنا في علاقة عاطفية، يعني هذا في علاقتك مع زوجتك جزاك الله خيراً، لكن في علاقتك مع الشيخ العلاقة المشاعر العاطفية الزائدة هذه ضعها على جنب.

الشيخ قد يكون في، أتذكر أنا ربما قلت لكم قصة الأعمش لما كان شديداً، الأعمش كان يقول للطالب يعني حماره، قد يكون كان شديداً، فقيل له يا أعمش -طبعاً الأعمش أحد ممن اتفق على الرواية عنه في الكتب الستة كإمام كبير- لكن سبحان الله كان فيه قسوة في طباعه، فقال له يا أعمش، بعض الطلاب ينفرون منك لقسوتك في الكلام، يعني أنت تنهرهم، قال: يعني إذا تركني لسوء خلقي فهو الذي سيخسر، هذا مضمون كلام الأعمش، يعني سوء خلقي علي وهو يستفيد من علمه، فالفكرة أن المشايخ طباعهم مختلفة وأحوالهم متباينة ومراتبهم في الأدب أيضاً متباينة وقدرتهم على التحمل أيضاً متباينة. لا تظن لأنه شيخ أو عالم يجب أن يكون مثالياً تاماً، هذه لا تنظر نظرة المثالية التامة، نعم الشيخ يحاول أن يربي نفسه ويتعود الصبر، لكنه نفس بشرية، قد تأتيه أحوال من المصائب والهموم والغموم وصعوبة الحال وإشكالات الحياة وقلة ذات اليد وأشياء كثيرة يمر بها المشايخ تتطلب منك أنك أنت أيضاً تتحمل وتصبر، ولا تكن سريع الضجر سريع الانتقاد سريع الاستنقاص لمجرد أن الشيخ والله جرح مشاعرك بكلمة أو أنبك أو قال لك كلمة لم تعجبك. أنت لست في علاقة عاطفية تنتظر منها كثير الوصال بالكلام الجميل، تتحمل، والله إذا كان الشيخ سمح في أخلاقه أنعم به وأكرم، وهذا يزيد الشيخ جمالاً في عين طالبه، لكن في النهاية أنا أخاطبك الآن أنت كطالب، لا أخاطب الشيخ، أنت كطالب تحمل واصبر وثابر.

كثير من الطلاب تراهم، وهذه أظن من الهشاشة النفسية عند الطلاب المعاصرين، طلاب المعاصي عندهم نوع من الهشاشة النفسية حقيقة في تلقي العلم من المشايخ، قضية سرعة الغضب من الشيخ والانزعاج منه، وأنا خلاص قال لي كلمة وأنا عاد ما قعدت أحضر وقال كلمة ما أعجبتني، يا شيخ أنت الله يكرمك، ماذا تظن في شيخك وفي معلمك؟ فيه من المثالية بشر يخطئ ويصيب، فدعك من الأحاسيس والعواطف واستفرغ وسعك في الاستفادة منه وأخذ ما عنده، وقطع الشيخ عليه، خلاص جزاه الله خيراً وغفر الله للشيخ، ادعُ له في ظهر الغيب أن الله يصلح شأنه، وأما أن تتعلم فلا تنقطع عن مجالسته، ولا تكن هكذا النفسية الشرودة في هذا الباب، وهذا ليس كلامي، هذا اتفق العقلاء من العلماء على هذه القضية.

قال: وقال بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب، قعدت وأنت كبير حيث لا تحب. قال: ثم ليعرف له فضل علمه، وليشكر له جميل فعله، فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من وقر عالماً فقد وقر ربه عز وجل». ما معنى قول بعض حكماء الفرس: إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب قعدت وأنت كبير حيث لا تحب؟ اه، مش حيث تحب في المناعم والأصحاب والكذا، قعدت وأنت كبير حيث لا تحبني، إذا كبرت يقدمونك، أحسنت، يعني إذا أنت صغير كنت ما بدي أذل نفسي للعلم وأثني الركب بين يدي المشايخ، بدي أجلس في البيت أو أمام السوشيال ميديا وأظلني أتصفح كذا، ما بدي أتعب وأتذلل للمشايخ وأهل العلم، ماشي، إذا قعدت وأنت شاب صغير في ريعان شبابك حيث تحب النفس وترغب، لما تكبر غداً ستجلس في أماكن لا تحبها، ستجلس في آخر الركب، ستكون مهملاً ما أحد ينظر إليك، وإذا لقيت ما أحد يلتفت لأمرك، هي جزاء وفاقاً.

قال: وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لا يعرف فضل أهل الفضل إلا أهل الفضل. وقال بعض الشعراء: أكرم طبيبك إن أردت دواءه، وكذا المعلم إن أردت تعلّمه إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه، واصبر لجهلك إن جفوت معلّمه فاصبر لدائك إن جفوت الطبيب، إذا أنت ما تعاملت مع الطبيب بشدة بحكمة تجد الطبيب يعطيك دواء ثانياً ويخلص عليك، أو ما يعطيك الدواء أصلاً، واصبر لجهلك إن جفوت معلماً، يا سيدي لا تريد أن، إذا خلاص المعلم ما عاد تحبه لأن فيه طباعاً صعبة، خلاص اصبر، خلك جاهل، هل، طبعاً هذا الكلام عن المعلم الناجح، يعني أنت أكيد لن تتعب وتتحمل معلم وأخلاق معلم هو أصلاً المعلم ليس معلماً، يعني هو أصلاً فاشل علمياً، الكلام إذا كان هناك معلم ناجح وهؤلاء قلة، ما في عندك فرصة، يعني أنت لا تملك خيارات متعددة، أقدر الرجل كسبه ما دمت لا أملك خيارات متعددة وأنا مع رجل كسبه، بالتالي اصبر على التعلم وإلا الحل الآخر أن ترضى بجهلك.

قال: ولا يمنعه من ذلك علو منزلة إن كانت له، وإن كان العالم خاملاً. ولا يمنعك من التذلل للعالم أن تكون أنت صاحب منزلة رفيعة في المجتمع، حتى لو كنت وزيراً أو ملكاً تذلل للعلم، وحتى لو كان الشيخ المعلم خاملاً يعني مش مشهور، هل يجب الشيخ أن يكون مشهوراً وله متابعون في السوشيال ميديا؟ العلماء الأفذاذ الكبار حقيقة هم من قل متابعوهم على السوشيال ميديا، هذا خذها نصيحة لك في الحياة، الشباب الذين يسمعونني الآن، العالم الفذ الكبير ما عنده وقت أصلاً السوشيال ميديا يجمع الجمهور، ما عنده وقت ولذلك نحن نعلمهم ما لا ينشغلون بهذه القضايا التي انشغل بها ما هو، طبعاً هذا لا يعني أن كل من انشغل بمقاطع السوشيال ميديا أنه ليس فيه خير، فيهم خير وصلاح إن شاء الله بعضهم، لكن أنا أقصد يعني هي فقط للفائدة، أنه لا تظن أن بعض المشايخ ليس مشهوراً بل ما عنده صفحة أصلاً ولا يتابع السوشيال ميديا ولا يعرفها، لكن هو العلم يعني هو صاحبه وفذه، لكن بعض طلاب العلم قياسه قد يكون هو حجم المتابعين، وهذا من المقاييس الرديئة جداً ولا قيمة لها، العلماء الكبار الذين تريد منهم العلم النافع هم الذين يكون كلامهم على قدر حاجتهم وينشغلون بتعليم طلبتهم ولا يقيس الأمور في الحياة العلمية كما تقيسها السوشيال ميديا، فإياك إياك أن تضيع هؤلاء.

قال: فإن العالم بعلمه استحق التعظيم لا بالقدرة والمال. نعم أنت العالم أنت مش بماله أنت بعلمه. قال: وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد: لا تحقرا عالماً وإن خلقت أثوابه في عيون رامقه وانظر إليه بعين ذي خطر مهذب الرأي في طرائقه فالمسك بين تراه ممتهناً بفهر عطارة وساحقه حتى تراه بعارضي ملك أو موضع التاج من مفرقه جميل، المسك أنت ابتداء تراه ممتهناً، صحيح واحد بدقة، واحد بينسفه، لكنك بعد، بعد شهر شو بصير المسك؟ تراه في وجنة الملك، بعد ما كان مسفوفاً ومدقوقاً، أين يرى بعد ذلك؟ على الملوك والوزراء والأعيان وفي بيوتهم. فلا يغرنك باختصار المظاهر، انظر إلى المضمون.

قال: وليكن مقتدياً بهم في رضي أخلاقهم متشبهاً بهم في جميل أفعالهم ليصير لها ألفة وعليها ناشئة. هذه الخصلة الثانية التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم وهو أن يتعلم من مشايخه أصحاب الأدب الأخلاق الرفيعة ويتشبه بهم في جميع أفعالهم، أنت لا تأخذ من المعلم معلومة وتغادر، وأعتقد أن هذه للأسف من الآفات التي أنشأها التعليم الجامعي المعاصر، أنه أصبح التعليم الجامعي يعتمد أن الطالب يأخذ من المعلم فقط معلومات ويغادر ولا يوجد ملازمة، فما عاد طلاب العلم يلازمون المشايخ وأهل العلم وإنما على نمط الجامعة الذي يأخذ فقط دورة من هنا ودورة من هنا، وأريد منه والله فلان عنده مادة يقدمها جيدة أحضرها وأغادر، وأصبح الطالب منكفئاً على نفسه ما عنده ملازمة للمشايخ، تمام هذا والله الداء الدوي، وهذا الذي يسبب تشوهات أخلاقية وسلوكية عند كثير من شباب طلاب العلم حتى من يسمون بالأذكياء والنبهاء، أنه هو فقط هدفه أن يأخذ منك معلومة أو يحضر عندك دورة أو يسجل عندك في مادة بشكل نظام الجامعة، ثم بعد ذلك هو لا ينتظر أن يأخذ منك أخلاقك ولا سلوكياتك ولا أفعالك، هو ينتظر منك معلومة علمية فقط لا غير، وبالتالي ينشأ طالب العلم وليس له مؤدب وليس له مربٍّ، وإنما هو فقط عم يحاول أن يربي نفسه بنفسه.

ويحاول أن يصنع نفسه بنفسه، فيكون تشوهاته النفسية كبيرة، وبالتالي حتى لو أصبح في يوم من الأيام يدرس أو أصبح له وجاهة في مجتمعه أو بلده، يكون عنده كثير من الأخطاء؛ فلا يعرف متى يتكلم ولا متى يسكت، ولا كيف يتعامل مع الناس ولا كيف يحل المشاكل. لماذا؟ لأنه كان فطناً ذكياً لكنه لم يتربَّ عند المشايخ.

الملازمة إخواني مهمة، وهي دأب الصالحين ودأب الطلاب والعلماء، هكذا كانوا يتأدبون ويخرجون. وأنا أذكر حتى كان شيخنا الشيخ عبد الله البارقي -متاع الله بالصحة والعافية- كان يدرسنا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، عمره كان قرابة الـ 44 أو 45 سنة.

كنا أحياناً ندرس على يده في الحرم، وكان عندنا في الحرم النبوي الشيخ عبد الوهاب الشنقيطي، والشيخ عبد الوهاب بلغ من الكبر عتياً؛ يعني كان تقريباً لما أنا كنت في المدينة النبوية كان عمره أظنه آخر السبعين أو أول السبعين. فكان الشيخ عبد الله البارقي يقول لي: "يا إبراهيم، انظر ذاك الشيخ عبد الوهاب"، قال: "إلى الآن ما زلت ألازمه"، قال لي: "ألازمه 10 سنوات"، والشيخ عبد الله عمره 45 أو 44 وهو يكلمني، وأنا كنت في بداية بلوغي. كان يكلمني ويقول لي ذاك الشيخ -ويؤشر للشيخ عبد الوهاب الذي كان يجلس في جهة باب قبائت- "ما زلت إلى الآن ألازمه".

هو طبعاً يريد أن يعطيني فكرة ويزرع في فهمي معنى معيناً، أن الإنسان حتى لو بلغ من العمر ما بلغ لابد أن يلازم شيخاً. بعض الشباب يقول لك: "أنا خلص صرت 30، أنا ليش ألازم المشايخ؟ أنا شيخ أصلاً، أنا الذي يرضى عنك"، يبقى الإنسان محتاجاً إلى مشايخه، والله حتى لو بلغت 40 ووجدت شيخاً من أصحاب الحكمة من عمر السبعين، لازم هي فكرة الملازمة، لا تتركها في حياتك أبداً.

دائماً انظر إلى نفسك بعين الاستصغار ولا تنظر إليها بعين الاستعظام، انظر لنفسك بعين الاحتياج إلى التأدب والترقي ولا تنظر إليها بعين الاكتمال والمثالية، هكذا سبحان الله يبارك لك وتشعر ببركة العلم؛ لأن الله رآك متواضعاً حريصاً على أن ترتقي، وليس حريصاً على أن تستغني وخلص "أنا ما".

بعض الطلاب كأنه ما يصدق ينتهي من العلاقة بالمشايخ، وانتهت القضية وصرت أنا شيخ وصرت عندي صفحة على السوشيال ميديا. يا ابن الحلال طب أخطأت، ترى في كذا يصبح ماله كبيراً ولا أحد يمون عليه، وهذه حقيقة من آفات كثير من الشباب الذين وقعوا في الغلو؛ وقعوا في الغلو أنه هو ماله كبير كما يقولون. تقول له: "أنت أخي، من يتابعك على هذا الرأي في مسائلك؟ الكفر والإيمان ولا الغلو؟" لا أحد يتابعه.

أنت عمرك 35 سنة، هو خلص وصل 35 سنة، ويعتقد في نفسه أنه أنا كبير القوم لأن أنا أصلاً صار لي أطلب العلم، حتى لو تطلب علم 20 سنة أو 25 أو 30 سنة. انظر إلى كبار أهل الزمان من أهل الخير والصلاح، إياك أن ترفع رأسك ارتفاعاً تشذ به عن من هو أكبر منك من العلماء جميعاً.

الآن إذا العلماء الكبار منقسمون إلى رأيين، يسعك أن تأخذ أحد الرأيين وهو صحيح، لكن لمجرد أن عمرك 35 أو 40، أو بعض الطلاب مشكلته عمره 24 سنة، خاصة في الغلو والغلاة تجد عمره 24 أو 23 سنة، قد قرأ خمس كتب، تقول له: "ترى المشايخ يقولون كذا"، فتقول له: "هؤلاء مشايخ؟ أنا لا أؤمن بهم". طيب من شيخك؟ من شيخك؟ أنا أريد أن أفهم من شيخك. يقول: "قال الله وقال الرسول ﷺ"، كتاب الله وسنة الرسول ﷺ بين يدي، تقول لي: "من شيخك؟".

فعندئذ تعرف أن حكم الخوارج في العادة قد نزل عليه؛ لأن الخوارج كان بين أيديهم الصحابة، فماذا قال لهم الصحابة؟ قالوا: اتقوا الله عز وجل، لأنهم يريدون أن يستشهدوا بالقرآن، فقال الصحابة: "ما نحن نقرأ الآية قبل أن تولدوا أنتم"، ولكن كما قال ابن عباس: "كل آية لها إسقاطها"، وأنتم أسقطتموها في مجال ليس لها.

فهذه فكرة أن الطالب بمجرد أن يشعر بشيء من النبوغ، أو يشعر بشيء من النباهة، أو شيء من التوفيق، أو فُتح له باب، أو وجد مجموعة من الحمقى يتحلقون حوله، يشعر بشيء من الاستغناء عن المشايخ ولملازمتهم، ويرى نفسه أنه هو الشيخ، ويعجب بأن الطلاب بدأوا بملازمته.

هكذا تحصل الآفة، فمثلاً بعض الطلاب -وخاصة اليوم في مشكلة الجهل- قد تجد شاباً عمره مثلاً 24 أو 25 سنة، بدأ يقرأ بعض الكتب وعنده شيء من النباهة، فيأتي طالب عمره 16 أو 17 أو 18 سنة، ينظر إلى هذا الشاب بماذا؟ بعين الامتلاء، فيبدأ يلازمه. فهذا الذي عمره 24 أو 25، لأنه ليس لديه أدب ملازمة الكبار، يبدأ ينتفش في داخله وفي باطنه، ويبدأ يقول: "هي الطلاب أصلاً بدأوا يلاحظونني"، فيبدأ يشكل جمهوره الخاص وقطيعه الخاص، ومع الوقت يبدأ يشعر أنه مثلي مثل الشيخ الذي عمره 60 سنة.

لا، حتى لو وجدت من يتابعك ومن يلتف حولك، هذه نعمة ساقها الله إليك علمهم، لكن من حسن أدبك ومن سمتك الحسن أن يشعروا أن لك شيوخاً تعود إليهم. ترى بعضهم يصبح يأنف أنه يقول: "أنا لي شيوخ أعود إليهم، صح أنتم تتعلمون مني بس ترى أنا لي الشيخ الفلاني أرجع إليه"، يصبح يأنف. لماذا يظن أن هذا يقلل من قيمته العلمية أن يقول: "الشيخ، إن لي شيخاً أكبر ما زلت أعود إليه وأتعلم على يديه"؟

وهذا والله الداء الدوي؛ أرجع عقوداً أنه أصبح هناك حضوظ النفس غلابة اليوم على كثير من المتصدرين، حضوظ النفس غلابة. ولذلك إذا نصحت أحدهم وقلت له: "اتق الله، ترى أنت عندك غلو وعندك خطأ في مسائل كثيرة ولا تحسن إدارة الكلام"، يأنف. وإذا قلت له: "المشايخ الكبار ترى ما أحد ممن علمناهم من أهل الخير والصلاح يوافقك على هذا"، يقول: "الحق حق، وإن الحق يُتبع".

طيب، ما أنت هل عرفت الحق؟ ومن قال لك صح؟ الحق حق وإن الحق يُتبع، لكن من أنت حتى تقول إنك على الحق وخالفت أهل زمانك، أو نَدَدْتَ عنهم، أو شردت وكان لك طريقة في التعلم؟ هذه كلها دلالة عدم البركة وعدم...

التوفيق، وإن الله سبحانه وتعالى لم يبارك في هذا الرجل ولا في عقله. الإنسان العاقل إخواني يعرف ويحسن كيف يتكلم وكيف يعبر وكيف يحترم مشايخ الزمان، هذه كلها علوم فقدت اليوم للأسف عند كثير من الطلبة، خاصة عالم السوشال ميديا وصناعة المحتوى وحب الجمهور والمناوشات والمشاكل. ضاعت كثير من آداب التعلم، وهذا يؤدي إلى بركة العلم في حياة الطلاب، ثم مع الوقت زيادة المشاكل والخلافات في الساحة الإسلامية، وظهور مظاهر الغلو بأشكالها المختلفة في جميع التيارات، وعدم احترام حرمة العلم؛ أن يظن أن العلم يؤتى بالسنة والسنتين. كل هذا أفرزه عدم ملازمة العلماء، وعدم الجلوس بين أيديهم، والتواضع، وفهم حرمة العلم. ما هي؟ الله يهدينا وإياكم لما هو خير، نعم، أحسن الله إليكم.

وقال: «وليكن مقتديا بهم في رضي أخلاقهم، متشبها بهم في جميع أفعالهم، ليصير لها ألفة وعليها ناشئة، ولما خالفها مجانبا». فقد قال النبي ﷺ: «خيار شبابكم المتشبهون بشيوخكم، وشر شيوخكم المتشبهون بشبابكم». هذا حديث غريب جدا. نعم، قال: وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وهذا معروف في كتب السنن.

قال: وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد العالم العاقل: ابنِ نفسك أغناك جنس علمك عن جنسه ... كن ابن من شئت وكن مؤدبا فإنما المرء بفضل كيسه ... وليس من تكرمه لغيره مثل الذي تكرمه لنفسه

قال: وليحذر المتعلم التبسط على من يعلمه، وإن آنسه، والإدلال عليه وإن تقدمت صحبته. فقد قيل لبعض الحكماء: من أذل الناس؟ قال: عالم يجري عليه حكم جاهل. ما معنى يجري عليه حكم جاهل؟ أنه لا أحد يوقره ولا أحد يحترمه. هذا الذل، أن تجد عالما راسخا وطلابه لا يوقرونه، ماذا تريد ذلا بعد ذلك؟ هو تعب في تحصيل العلوم، ثم تجد الطالب لا يوقره.

قال: وكلمت رسول الله ﷺ جارية من السباء. قال: وليحذر المتعلم -أنا هنا بسمعون بدي أرجع لأنه هذا كلام مهم- قال: الآن من الآداب التي ينبغي أن يحضرها المتعلم: «وليحذر المتعلم التبسط على من يعلمه، وإن آنسه، والإدلال عليه وإن تقدمت صحبته». ما معنى هذا الكلام؟ انتبهوا له يا شباب. بعض المعلمين قد يقرب بعض الطلاب ويجعل لهم صحبة خاصة به، يقول لك احذر، انظر النصيحة: احذر وإن آنسك المعلم وجعلك من الحاشية المقربة له، احذر من ماذا؟ من التبسط الزائد في التعامل معه.

لأن بعض الشباب يقول لك: والله إحنا الشيخ ماخذين عليه، لا، في هذه قضية، ماخذين على الشيخ شوية. بدك تنتبه، هو صحيح رأى فيك سر، فتبسط معهم وجعلهم من خاصته، يذهب معهم ويأتي معهم، لكن حتى مع هذا يجب عليك أن تحذر من التبسط الزائد. التبسط الزائد لا يصلح، ولذلك من الحشمة في علاقة الطالب مع الشيخ -حتى ولو كان الشيخ قربك وآنسك- أن تجعل بينك وبين الشيخ حاجزا.

إذا أصبحت علاقتك مع الشيخ علاقة صديق، يفوتك كثير من علمه وأدبه. فاحذر من التبسط ولو آنسك الشيخ وقربك، وأنت حتى نفسك حاول تضع حاجزا وحرمة بينك وبينه، وهذا أدعى أيضا إلى ألا تقف على بعض عيوب الشيخ؛ لما يكون بينك وبينه حاجز، أنت لا تحاول الدخول في أموره الشخصية ومشاكل الشيخ العائلية وخلافاته الأسرية، لا، خلاص، أنا حاط حاجزا، الشيخ له مقام الحرمة والتعظيم، حتى لو هو يؤنسني ويطلب مني أجلس معه ونأكل معه، لكن في النهاية عندي خطوط عريضة لا أتجاوزها معه.

قال: «والإدلال عليه وإن تقدمت صحبته»، يعني نوع من الإدلال، يعني نوع من التحميل، يعني إيش هو التحميل؟ ممكن الإدلال أحيانا يطلق بمعنى إشعاره بالمنة، وأحيانا يطلق بمعنى المونة، يعني تتعامل معه بالمونة والمشايلة مش بالأدب والأخلاق، تقول له: أنا وإياه أصلا صحبة عمر. والشيخ حتى لو أنت صحبه عمر، ليس هناك مجال أن تتجاوز خطوط الأدب.

قال: وكلمت رسول الله ﷺ جارية من السباء فقال لها: «من أنت؟» فقالت: بنت الرجل الجواد حاتم، فقال ﷺ: «ارحموا عزيز قوم ذل، ارحموا غنيا افتقر، ارحموا عالما ضاع بين الجهال». اعتبر الحديث إشكال، لكن هي فكرة: ارحموا عالما ضاع بين أناس لا يحسنون توقيره ولا يحسنون احترامه.

قال: «ولا يظهر له الاستكفاء منه والاستغناء عنه، فإن في ذلك كفرا لنعمته واستخفافا بحقه». ومن آداب طالب العلم مع شيخه ألا يظهر للشيخ الاستكفاء منه، يعني أنا خلاص حصلت اللي عندك جزاك الله خير، ما ينفع هذا، حتى لو كنت تريد التزود من غيره ما في مشكلة، لكن دائما عندما تجلس مع الشيخ، حتى لو كان الكلام مكررا بالنسبة لك، أظهر أنك تستفيد، تقول: والله جزاك الله خير شيخنا، والله ما شاء الله هذه فائدة حقيقية، حتى لو كنت تعرفها سابقا أو سمعتها منه في مجالس كثيرة.

لا تظهر لشيخك الاستكفاء، لأنه أحيانا سبحان الله قد يشعر الشيخ أن الطالب لم يعد مهتما بالمعلومات التي يقدمها، وأن الطالب خلص، أو يكون الطالب مثلا يعبث بجواله والشيخ يتكلم، أو ينظر يمينا وشمالا، وهذا قد يشعر الشيخ مع الوقت أن الطالب يرى أن هذه الأمور أصبحت بديهية وواضحة، فبالتالي هنا يزهد المعلم في تعليم الطالب، حتى لو عنده الجديد، يصبح يرى أن هذا الطالب لا يمتلك الأدب الذي به يستحق أن يعطى له الجديد أو أن يتعب من أجله في تحصيل الجديد. بعض المشايخ قد يتعب في تحضير بعض الدروس وتقديم الجديد للطالب، لكن لما يرى الطالب لا يمتلك الأدب في هذا المقام، ويشعره بالاستكفاء وعدم الاحتياج له، كان شعوره بهذا الطالب هو نفسه يظهر الاستغناء وأنه بنفسه يفهم.

الأمور وكذا يذهب إلى خلص يستقل بنفسه، وبالتالي يحرم الطالب من ذكاء الشيخ ونبته. انتبه لا تظهر لشيخك الاستكفاء، بل أظهر له دوام الاحتياج.

قال: «وربما وجد بعض المتعلمين قوة في نفسه لجودة ذكائه، وحده خاطرة، فقصد من يعلمه بالإعنات له والاعتراض عليه ازراء به وتبكيتا له»، وهذا والله من أسوأ الأخلاق.

شوف، هذا الكلام طريق وردي يضع يده على الجروح؛ يقول بعض المتعلمين، بعض طلاب العلم، قد يجد في نفسه قوة في الذكاء قد تفوق معلمه أحيانا ببعض الزوايا، فيصبح هذا الطالب لسوء خلقه وقلة مروءته يحاول أن يعنت المعلم. ما معنى الإعنات؟ أن يوقعه في الحرج والمشقة، أن يجعله أمام الطلاب في الدرس يطلب من المعلم الإجابة عن أسئلة انتبه لها الطالب، وقد يكون المعلم لم ينتبه لها، أو الطالب يكون حضرها قبل الدرس من كتاب والمعلم مثلا ما حضرها، فيبدأ الطالب يسأل أمام الطلاب: «شيخنا إيش رأيك في هذه المسألة؟ شيخنا ترى ذكر السيبويه في حواشيه على كذا...». هو أخونا حضرها أو قرأها ويعرف أن المعلم قد يكون لم يحضر هذه الفائدة، فيوقع معلمه في الإعنات أمام زملائه.

ويريد أن يزدري أحياناً، قد يكون يريد أن يزدري بالمعلم ويظهر تفوقه على المعلم حتى يقول الطلاب: «والله ما شاء الله، زميلنا الفلاني أشطر من المعلم». يعني هذه بعض الأخلاق الرديئة التي يبتلى بها الطلاب؛ أن يريد أن يقول: «شيخنا زميلنا الفلاني قارئ أكثر من المعلم» أو «مطلع أكثر من المعلم». هم لا يعرفون زميلهم الفلاني قارئ في علم، لكن المعلم قرأ في عشرات العلوم. وهذا الطالب ما يسميه الشيخ بكر: «المتنمر»، في مسألة أو مسألتين أو ثلاث أو عشر أو عشرين ظفر بها، لكن هذا الطالب أصلاً لم يصل إلى العشرين مسألة إلا ببركة المعلم الذي علمه الأساسيات.

قد يكون هذا الطالب كان جاهلاً ضائعاً، جاء إلى المعلم فآواه وعلمه أساسيات العلوم، وهذا الطالب لفرط ذكائه قد يكون نبغ في هذا العلم وطور نفسه ففاق المعلم في هذا العلم، فينسى هذا الطالب الجحود أنه في يوم من الأيام كان جاهلاً ولم يكن لديه شيء، وهذا المعلم آواه وعلمه الآجرومية، أو علمه مثلاً متن الورقات، أو كان ما كان شيء لهذا الطالب. ثم هذا الطالب مثلاً طور نفسه في اللغة، أو طور نفسه في أصول الفقه، وطور نفسه في الأدب، وأصبح يفوق المعلم -قد المعلم يعني ما عنده همة تطوير نفسه في هذا العلم لكن عنده أساسيات وعلمها لك- فيصبح هذا الطالب يريد أن يظهر: «أنني فقت المعلم» أو «أنني أصبحت أذكى منه»، وهذا من سوء الأدب وسوء الطوية، ودلالة على أن شخصيته رديئة ولا نرى فيها خيراً لأمتها؛ لأنه هو من الآن على مجرد أمور بسيطة يرى نفسه شيئاً كبيراً ويريد أن يسقط مشايخه وأساتذته ومعلميه.

الطالب الموفق، الطالب الذي يتقي الله سبحانه وتعالى، يعرف حرمة المعلم وبركة المعلم في حياته، وأنه في يوم من الأيام علمه حروفاً كنت جاهلاً بها، والآن طورت نفسي وأصبحت متقدماً عليه، لكن أمامه لا أظهر التفوق؛ بل أكون حريصاً على إظهار الحاجة إليه وإن كنت أعلم أنني متفوق عليه، بل أظهر له دوام الحاجة حتى يبارك الله لك في علمك.

قال: «فيكون كمن تقدم فيه المثل السائر لأبي البطحاء: يا عجباً لمن ربيت طفلاً .. أقمته بأطراف البنان أعلمه الرماية كل يوم .. فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي .. فلما قال قافية هجاني أعلمه الفتوة كل يوم .. فلما طال شاربه جفاني».

سبحان الله! قال: «وهذا من مصائب العلماء وانعكاس حظوظهم أن يصيروا عند من علموه مستجهلين»، يعني هذا من مصائب العالم أن يصبح طلابك يستجهلونك ويرونك جاهلاً ولست بحجمهم. قال: «وعند من قدموه مسترذلين». وقد قال صالح بن عبد القدوس: «وإن عناءً أن تعلم جاهلاً .. فيحسب جهلاً أنه منك أفهم متى يبلغ البنيان يوماً تمامه .. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ متى ينتهي عن سيء من أتى به .. إذا لم يكن منه عليه تندم؟».

الإنسان لا يترك السيئات إذا لم يندم عليها، جميل. قال: «وقد رجح كثير من الحكماء حق العالم على حق الوالد»، حتى قال بعض الشعراء -تخيل أن كثيراً من الحكماء يقولون حق شيخك عليك أعلى من حق والدك-: «عليك كثير من الآباء إنما حقه عليك أو فضله عليك أنه أطعمك وشربك، لكنه ما أدبك وما علمك، ولم تتعلم ولم تتعرف الحشمة ولا الأخلاق ولا المروءات إلا عند مشايخك؛ فحق الوالد أعطاك دنيا، والشيخ أعطاك دنيا وآخرة».

بعض الآباء قد يكون فعلاً رزق من العلم والأدب، فأطعم وشرب وربى وعلم، فهذا جمع بين فضل المشيخة وفضل الأبوة. لكن ننظر في واقعك المعاصر؛ أكثر الآباء هو يطعم ويشرب، والمشايخ يربون، فلذلك حق الشيخ أعلى من حق الوالد. حتى قال بعض الشعراء: «يا فاخراً للسفه بالسلف .. وتاركاً للعلاء والشرف آباء أجسادنا هم سبب .. لأن جعلنا عوارض التلف من علم الناس كان خير ابن .. ذاك أبو الروح لا أبو النطف».

أبوك البيولوجي هو سبب في وجودك البيولوجي، لكن شيخك هو سبب في وجودك الحقيقي، الحياة الحقيقية؛ حياة الروح والذهن والنجاة من النار. لكن كثير من الآباء الحقيقيين هم آباء بيولوجيون، ليسوا أكثر «أبو النطف».

قال: «ولا ينبغي له أن يبعثه معرفة الحق له على قبول الشبه منه، ولا يدعوه ترك الإعنات له على التقليد فيما أخذ عنه». هذا استدراك جميل؛ هو الآن خشي الماوردي أن الخطاب بحرمة الشيخ وتعظيمه يدفع بعض الطلاب لاعتقاد قداسة الشيخ، وأنه كل ما يقوله الشيخ لا يناقش فيه. لا، الاحترام توقير وملازمته، لكن ماذا يعني؟ أن تقبل من شيخك الخطأ. فيقول: «ولا ينبغي أن يبعثه معرفتك بحق شيخك واعترافك بفضله لا تجعلك تقبل الشبهة منه»، والشبهة هي المسألة التي لا دليل عليها؛ هذا معنى الشبهة هنا، أن تقبل قوله له وهو لا يوجد عليه أي دليل. «ولا يدعوك ترك إعنات الشيخ والمشقة عليه على التقليد فيما أخذ عنه»، أي أن يصير تقليداً في كل شيء على عميا؛ هل يعني أن أقبل المسائل التي يطرحها حتى ولو كانت بدون أدلة، أو أقبل أقواله بتقليد أعمى؟ لا.

الاحترام شيء، وأن أقبل كلام الشيخ وأراه صواباً هذا شيء آخر؛ أليس كذلك؟ قال: فإنه ربما غلا بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل وإن لم يستدل. نعم، أصبح بعض الطلاب يقول: إذا شيخنا قال فلا يحتج له، شيخنا هو الدليل حتى ولو لم يأت بدليل. هذا كلام فازل؛ هذا غلو في الاتباع. نعم، قال: وإن اعتقاده حجة وإن لم يحتج، وأن اعتقاد الشيخ هو حجة، خلاص ما دام شيخنا قال فهو حجة حتى ولو لم يحتج الشيخ لقوله.

نعم، قال: فيفضي بهم الأمر إلى التسليم له فيما أخذوا عنه، ويؤول بهم ذلك إلى التقصير فيما يصدر منه؛ لأنه يجتهد بحسب اجتهاد من يأخذ عنه، فلا يبعد أن تبطل تلك المقالة إن انفردت، أو تخرج أهلها من عداد العلماء. نعم فيما شاركت؛ لأنه قد لا يرى لهم من يأخذون عنهم ما كانوا يرونه لمن أخذوا عنه، فيطالبهم بما قصروا فيه، فيضعف عن إثباته ويعجز عن نصرته، فيذهبوا ضائعين ويصيروا عجزاً مضعوفين.

ما معنى هذا الكلام؟ أنه أخذ من كلام شيخه، يطالب بالبيان، نعم، هو اقتنع به واعتقده، جاء ليعلمه مثلاً. نعم، أحسنت، وطلب منه طلابه أن يبين ولم يستطع. أحسنت، ما هي الفكرة؟ يقول لك: أنت اليوم طالب، وغداً أنت عالم؛ فإذا وأنت طالب أخذت كلام شيخك مسلماً وأنت لم تفهم أدلته، وقد يكون الشيخ قال لك كلاماً لا دليل عليه، غداً لما تصبح عالماً ويصير عندك طلاب ماذا سيصبح؟ سيصبح طلابك يقولون لك: يا شيخنا من أين هذه المعلومة وما دليلها؟ فتقول لهم: والله هذه المعلومة أخذتها من شيخي ولا أعرف لها دليلاً، وإنما تلقيتها تلقياً أعمى. هنا الطلاب سينفضون عنك، يقولون: والله هذا الشيخ يأخذ كلام مشايخه مسلماً من دون تبصرة ولا نقد ولا نظر، فكيف نقبل منه؟ فهكذا تضيع العلوم وتندثر مع مرور الأزمان من طلاب مقلد.

وهذا حصل حقيقة حتى في الأزمنة المتأخرة؛ أنه أصبح بعض كتب الفقه وبعض كذا يأخذون المسألة من مشايخهم ومن مشايخهم، ولا يصبرونها ولا ينظرون بها، ويقول لك: المذهب المذهب المذهب بإطلاق، إلى أن أصبحت مسائل كأنها قرآن يتلى ولكن لا دليل حقيقة قوياً يقوم عليها، لا دليل قوياً يقوم عليها، لبعضها قد يكون مبنياً على موضوعات أو متروكات، فتصبح راسخة وموجودة وأنت تحفظها حفظاً، بس المطلوب أنه قالها الشيخ الفلاني في القرن الخامس الهجري، حتى لو قال شيخ الشيخ على الرأس والعين، لكن هل نظر في أدلتها؟ هل فهم في مقاصدها؟ عرفت؟ يعني زي مسألة استقبال النيرين عند الحنابلة ولا غيرها، في بعض الأمور تحتاج إلى إعادة دراسة والنظر والتقييم. والتمذهب لا يعني عدم التفكير، أنا هذا الذي أنتقده.

نحن اليوم إن شاء الله نبدأ، مالك يا شيخ مستوى ثاني نقوم بحالنا إن شاء الله، لكن الفكرة أن مع التمذهب العاقل، أن مع التمذهب المبني على ماذا؟ على بصيرة وفهم؛ لا نكون سبباً في إضعاف أمتنا. التمذهب الذي يكون على بصيرة وفهم؛ أن تتمذهب على طريقة معينة، لكن حتى وأنا أتمذهب أشغل دماغي، يعني هذا التمذهب يعني عدم تعطيل الدماغ، واعتقاد الولاية التامة والإصابة التامة في كل فقيه موجود في كل مذهب، هذا غير صحيح، هذا غير صحيح، وهذا تقديس أعمى. وإنما الإنسان يشغل عقله وفكره، فيتمذهب هو وأثناء النظر يقيم المسألة وحجمها، ويعرف أنه قد يكون في بعض الأمور لم يقم عليها دليل صحيح، استدل لها صاحبها لكن دليله ضعيف أو موضوع أو اعتمد على أثر متروك أو تلوح للطالب، طبعاً هذا ليس من البداية يظهر لك، لكن مع التقدم والممارسة، حتى يقول لك أنت أصبحت مجتهد فتوى في المذهب. أنت أخي أنا مش مجتهد فتوى في المذهب، ولست واصلاً لمرتبة طبقات مجتهدي المذهب، لكن يعني مع الدربة والرياضة مرور السنوات يصبح لك شيء من العقل والمنطق أن تفهم بعض الأمور. يعني معقول بعد 20، 30 سنة من دراستك لمذهب يمنع أن تتكلم فيه حتى ولو لم تكن من، حتى لم تصل لمرتبة مجتهد الفتوى؟ لا، هذا النوع بسميه أنا من الإرهاب الفكري أحياناً، أنه ممنوع تفكر، ممنوع تخالف حتى المتأخرين، لا هذا إرهاب فكري، هذا مش قضية أنه ليس علماً، هكذا أصبحت القضية.

المتمذهب يفكر، يحافظ على حرمة المشايخ، ولكن يحاول أن يتتبع بعض الأقوال التي تجد فيها غرابة، فيها شيء لا يظهر فيه تمام المنطقية ضمن واقعك المعاصر وظروفه، فتبدأ تحاول أن تفكر وتفهم وتتتبع منشأ الأقوال ومن أول من قال به، قد تجد أول من قال بالمسألة شخص في القرن الخامس الهجري، ثم تبع بعض العلماء على قوله وأصبح يذكر قوله، لكنه يعني ليس شيئاً قاله محمد صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين. فالتمذهب الواعي يجعل العلم يزداد وينتشر ويقوى، بخلاف التمذهب الجامد الذي لا يقوم على الوعي، وأن الطالب يشغل عقله، بل يأخذ كما قال هنا، يعني كما قال الماوردي: يأخذ المسألة تقليداً بحتاً دون إعمال نظر، ما دام قالها المتأخرون خلاص هي الحق، وكل من خالف ذلك فقط يعطيك عبارات مرعبة ويشعرك كأنك خالفت الكتاب والسنة، وهي في النهاية قول عالم، في النهاية يعني جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، لكن يعني يقبل النقاش ويقبل النظر ويقبل الفكر، هكذا الحركة العلمية تنمو. ولذلك هنا تجد الماوردي ينكر على هؤلاء المقلدة تمام التقليد الذين يقبلون المسائل دون إعمال ذهن فيها.

نعم، قال: ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حفل، وقد استدل الخصم عليه بدلالة صحيحة، فكان جوابه عنها أن قال: هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره شيخي فلا خير فيه. يعني تخيل هي مناظرة، الماوردي يقول: أنا حضرت مناظرة بين اثنين، فشخص استدل بدلالة صحيحة علمية، فبماذا أجابه الخصم؟ قال له: كلامك غلط؛ ليه؟ قال: لأن شيخي ما ذكر المسألة، ولا خير في شيء لم يذكره شيخي. هل هذا دليل؟ هل هذا علم؟

نعم، قال: فأمسك عنه المستدل تعجباً، لأن شيخه كان محتشماً، وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل رأي هذا الجاهل، ثم أقبل المستدل علي وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله. نعم، طيب محتشماً أو محتشمة يعني قد تكون محتشمة، ففامسك المستدل الآن لما قال له ذاك كلام غلط لأنه شيخي ما قال هذا الكلام، أمسك المستدل متعجباً، لأن أنت هكذا رددت علي، ولم يعلق ما قال له، يعني ما قال له: لا أنت ولا شيخك، ما قدر يقول له إياه في وجهه؛ ليه؟ لأنه شيخه له حشم، يعني واضح أنه هو قال شيخي ما قال ذلك، وهذا الشيخ له أتباع، هذا له، ما معنى محتشم؟ يعني له حاشية كبيرة تتبعه، فما استطاع المستدل يقول له أنت، حتى لو شيخك ما قالها، شيخك مخطئ، ما قدر يرد بهذا الكلام، لأنه هذا شيخ له حشم وأتباع كثر، فقال لك هسا بيضربوني، حكيت له شيخك ما فهم المسألة، فقال: ولأن شيخه كان محتشماً وقد حضر طائفة يرون فيه مثل رأي هذا الجاهل، ايش يعني؟ يعني هذا الرجل اللي استدل بشيخه برضه أصحابه موجودين، فالمستدل خاف أنه يحكي شيخك ما مش عارف المسألة أو لم يذكرها حتى لا يضرب أو ما أحد يقفز عليه؛ لأنه بتعرف جاهل وحوله مجموعة من الجهال.

طيب، قال: وصار سائر الناس المبرؤون من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب ومستعيذ بالله. أما الناس الفاهمون واللي حاضرون المناظرة، قول: شو هالرد؟ قال: شيخي ما قالها، يعني هو حتى لو شيخك ما قالها هذا ليس رداً علمياً، ما بين مستهزئ بهذا الشخص أو متعجب أو مستعيذ بالله من جهل مفرط. فهل رأيت كذلك عالماً أوغل في الجهل وأدل على قلة العقل؟ شو بدك؟ هل تريد شيئاً أذل دل على جهل الإنسان من هذه الإجابة؟

نعم، قال: وإذا كان المتعلم معتدل الرأي في من يأخذ عنه، متوسط الاعتقاد في من يتعلم منه، حتى لا يحمله الإعنات على اعتراض المبكتين ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين، برئ المتعلم من المذمتين. آه، إذا هذا هو التوسط في علاقة الطالب مع شيخه. ما هو التوسط؟ أن يكون متوسط الاعتقاد، لا يقدس شيخه ويعتبر كل ما يقوله كلاماً منزلاً، وفي نفس الوقت لا يعنت شيخه ولا يقع في الحرج ولا يزري بمقامه. هكذا تتبرأ من المذمتين، فلا أنت أحرجت الشيخ وأهنته، ولا أنت قدسته وجعلت كلامه حجة بذاته، بل في النهاية احترام، توقير، استماع، عدم إظهار الاستغناء، التعلم، لكن إذا أخذت قولاً منه تحاول أن تمحصه وأن تفكر فيه وتنظر وتقلب.

نعم، قال: ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين، برئ المتعلم من المذمتين، وسلم العالم من الهجنتين. وليس كثرة السؤال فيما ألبس إعناتاً، ولا قبول ما صح في النفس تقليداً. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العلم خزائن ومفاتيحه المسألة، فاسألوا رحمكم الله، فإنما يؤجر في العلم ثلاثة: القائل، والمستمع، والآخذ». وقال صلى الله عليه وسلم: «هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما...» نعم هنا الدلالة على أهمية السؤال، وأن طالب العلم عليه أن يحرص على سؤال شيخه.

نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «فإنما شفاء العي السؤال». فأمر صلى الله عليه وسلم بالسؤال وحث عليه، ونهى آخرين عن السؤال وزجر عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». فكيف نجمع بين النصين؟ في النص الأول قال: «هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي» وهو الجهل، السؤال. وفي النص الثاني ينهى عن كثرة السؤال، وقال: «وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال». طيب، فقال وقال عليه الصلاة والسلام: «إياكم وكثرة السؤال، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم».

قال: وليس هذا مخالفاً للأول، وإنما أمر بالسؤال من قصد به علم ما جهل، ونهى عنه من قصد به إعنات ما سمع. وإذا كان السؤال في موضعه أزال الشكوك ونفى الشبه. فيجمع بين النصين أنه أمر بالسؤال إذا كان المراد بالسؤال ماذا؟ تحصيل العلم وارتفاع الجهل، ونهى عن السؤال إذا كان المراد به الإعنات والجدال والإفحام، أو السؤال في شيء لا ينفع أصلاً، هذا نعم هنا منهي عن كثرة السؤال.

نعم، وقد قيل لابن عباس رضي الله عنهما: بمن آلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسن السؤال نصف العلم». وأنشد المبرد عن أبي سليمان الغنوي: فسل الفقيه تكن فقيهاً مثله لا خير في علم بغير تدبري وإذا تعسرت الأمور فأرجها وعليك بالأمر الذي لم يعسري

قال: وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته. ما معنى فأرجها؟ وإذا تعسرت الأمور فأرجها، أخرها، أخرها، خلاص تشغلش فيها وخذ الشيء الميسر حالياً.

نعم، قال: وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته عنده من نبيه وخامل، ولا يطلب الصيت وبعد الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم. طالب العلم يبحث عن أي شيخ ينفعه، سواء كان شيخاً مشهوراً وله صيت أو كان شيخاً خاملاً لا يعرفه إلا القلة، ولا يكون همه تتبع المنازل والسفر فقط ليقال والله درست عند الشيخ الفلاني وأنا درست عند الشيخ الفلاني. ولقد يكون الشيخ الأكثر فائدة لك بجانب بيتك وأنت تضيع، والشيخ المشهور لا يعطيك وقتاً أصلاً. وأكثر من انتفعنا به حقيقة في حياتنا العلمية المشايخ غير المشهورين، هم من انتفعنا بهم؛ لأن الشيخ المشهور ما هو فارغ، ليس متفرغاً لك، تجد هذا يطلبه وأحياناً في الدولة يكون مسؤولاً وأحياناً يكون كذا وفي الجامعة ومطلوب في المحاضرات وكذا، بخلاف الشيخ الخامل ما أحد يطلبه، فيعطيك من الوقت وسماحة النفس وكذا، فتكون الانتفاع به أكثر.

نعم، قال: إلا أن يستوي النفعان، فيكون الأخذ عمن اشتهر ذكره وارتفع قدره أولى. نعم، إذا استوى النفعان، هذا عالم وهذا عالم بنفس الحجم، فنعم يطلب عندئذ علو الإسناد كما يقول. نعم، قال: لأن الانتساب إليه أجمل والأخذ عنه أشهر. وقد قال الشاعر: إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد لعلمك إنساناً من الناس يقبله وإن صانك العلم الذي قد حملته أتاك له من يجتنيه ويحمله

نعم، قال: وإذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد، وإذا تسهل عليك من وجه فلا تطلب ما صعب. نعم إذا كان العلم قريباً منك لا تبهذ إلى الأماكن البعيدة تطلبه ما دام نفسه موجوداً عندك، وإذا كان تيسر لك من وجه فلا تعقده على نفسك من وجوه أخر. نعم، قال: وإذا حمدت من خبرته فلا تطلب من لم تخبره، فإن العدول عن القريب إلى البعيد عناء، وترك الأسهل بالأصعب بلاء، والانتقال عن المخبور إلى غيره خطر. خطر يعني أن تنتقل عن شخص خبرته وعرفت علمه إلى شخص الله أعلم ما وضعه، هذا أنت على حافة الخطر، صحيح يعني في شخص وشيخ مخبور معروف طريقته، وفي واحد قيل وقال مش معروف أمره، أن تترك الشيخ الذي خبرته وعرفت أمره إلى إنسان لا تعرفه وتريد أن تجرب، هذا فيه نوع من المخاطرة. أقول خلّك على المضمون، مش قول لك ادرس على المضمون عند الشخص.

المضمون الذي هو معروف. قال علي بن أبي طالب عليه السلام عقب الإخفاق: «مضره والمتعسف لا تدوم له مسرة». وقال: «الإخفاق الجاهل الذي لا يحسن إدارة الأمور عاقبة أمره أن يضر نفسه».

وقال بعض الحكماء: «القصد أسهل من التعسف، والكف أودع من التكلف». القصد اللي هو الاعتدال. وربما تتبعت نفس الإنسان من بعد عنه استهانة بمن قربه، وطلب أغلب ما صعب احتقاراً لما سهل عليه، وانتقل إلى من لم يخبره مللاً لمن خبره، فلا يدرك محبوباً ولا يظفر بطائل.

وهذا حال شأن علماء الكلام، كما قال الخطابي: كان بإمكانهم أن يأخذوا العقيدة من المنبع الصافي من الكتاب والسنة كما تلقاها الجيل الأول ويصلوا إلى الموضوع بسهولة، لكنهم قالوا نحن نأتي إلى العقيدة من الباب السهل ونأخذ العلوم كما يأخذها العامة، فكما قال الخطابي: رأوا أنهم ينبغي أن يفوقوا العامة، فذهبوا ليطلبوا عقيدة المسلمين من خلال كتب اليونان فضاعوا وأضلوا.

نوع من الاستعلاء، أنه لماذا يأخذ العقيدة من بابها السهل من نصوص الكتاب والسنة؟ لا، أنا أريد أن آخذ العقيدة من الباب الصعب، أريد أن آخذها بالطريقة الفلسفية التي أخذ بها أرسطو وبنى عليها طريقة المتكلم، فذهبوا ليأخذوا العقيدة على تلك الشاكلة، فماذا حصل؟ ضاعوا وأضاعوا الناس معهم، ونشأت فتنة المعتزلة، ثم الكلامية والأشعرية، وفتنة الأمة، وحصل ما حصل. فهذا معنى كلام الماوردي لما تترك الشيء السهل لأنه لا، أنا بدي الشيء الصعب، ترى هذا ليس ممدوحاً، وتترك الشخص المخبور وتذهب إلى شخص مجهول تطلب منه، هذا ليس ممدوحاً بل قد تكون أنت على خطر في هذا.

قال: وقد قالت العرب في أمثالها: «العالم كالكعبة، يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء». جميل، كالكعبة. أنا عندي هنا العالم كالكعبة. وقال: وأنشدني بعضهم أبياتاً تشرحها، والبعض قال: «كالجُبّ»، وهو البئر كثير الماء.

سكان مكة المكرمة نفسهم تجدهم مع الوقت اعتادوا وجود الكعبة بينهم، فتجد ليس مشتاقاً كثيراً وعادة يزورها، بخلاف الذي جاء من أقاصي الأرض تجده في قمة اللهفة والشوق. فقول العالم كالكعبة، وفي نسخة أخرى كالجُبّ؛ الناس القريبين منها مع الوقت لأنهم ألفوها يزهدون في الذهاب إليها، لكن الشخص الذي جاء من الأردن ولا من الشام ولا من أقاصي العالم تجده في قمة لهفته، فهكذا العالم، لذلك ازهد الناس في عالم، أهله تذكر هذه الحكمة. قضية أن العالم لما ألفه زوجته وأبناؤه أو ألفه أهل مسجده مع الوقت ما عاد يحضر له حتى ولا أحد يسمع منه، وتجد الناس التي في أقاصي الأرض بس مشتاقين يجلسوا بين أيديه، نفسي أشوف الشيخ الفلاني، نفسي أشوفه، مش عارف أن الشيخ الفلاني أهل مسجده خلص، شيخ الله يجزاك الخير يلا بعده، هي هكذا فلسفة الحياة؛ أن الشيخ المألوف يزهد فيه، وإذا كان بالنسبة لآخرين غير مألوف يبقى متشوقاً إليه.

أنشدني بعض شيوخنا لمسحب بن حاتم: لا ترى عالماً يحل بقوم فيحلّوه غير دار الهوان قلما توجد السلامة والصحة مجموعتين في إنسان فإذا حلتا مكاناً سحيقاً فهما في النفوس معشوقتان هذه مكة المنيعة بيت الله يسعى لحجها الثقلان وترى أزهد البرية في الحج لها، لأهلها لقرب المكان

إذاً هذه قد تؤكد أن العبارة السابقة هي العالم كالكعبة.

قال: فصلي، فإما ما يجب أن يكون عليه العلماء من الأخلاق، لا سيذكر الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها العالم. قال: التي هي بهم أليق ولهم ألزم: التواضع ومجانبة العجب. هذا أول شيء، لابد أن يكون العالم متواضعاً بعيداً عن العجب بنفسه. لأن التواضع عطوف والعجب منفر، وهو بكل أحد قبيح، وبالعلماء أقبح.

العجب يجعل الناس تنفر منك بخلاف التواضع، فهو عطوف يجعل الناس تعطف عليك وتحب الجلوس معك. وبالعلماء أقبح لأن الناس بهم يقتدون، وكثيراً ما يتداخلهم الإعجاب لتوحدهم بفضيلة العلم، ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى ومجانبة العجب بهم أحرى؛ لأن العجب نقص ينافي الفضل، لاسيما مع قول النبي ﷺ: «إن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». فلا يفي ما أدركوا من فضيلة العلم بما لحقهم من نقص العجب.

وقد روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه». وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم».

وقال بعض السلف: «من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله به، ومن تواضع بعلمه رفعه الله تعالى». وعلة إعجابهم انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم من الجهال، وانحراف نظرهم عن من فوقهم من العلماء. الإنسان متى يعجب بعلمه إذا رأى كثرة الجهال الذين هم دونه، وانصرف نظره عن أن هناك فوق العلماء من هو أعلم منه. أصبحت تنظر إلى الجهال فترى نفسك معجباً وتنسى أن تنظر إلى من هو فوقك في العلم. في العلم انظروا إلى من هو فوقكم ولا تنظروا إلى من هو أسفل منكم.

ليس متناهياً في العلم إلا وسيجد من هو أعلم منه بشيء ما. في إنسان وصل إلى العلم نهاية قوية إلا لو تفحص في الأمة سيجد أن هناك من هو أعلى منه في هذا العلم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. قال أهل التأويل: فوق كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى. وقيل لبعض الحكماء: من يعرفك العلم؟ قال: كل الناس. كيف يعني كل الناس؟ العلم ليس موجوداً عند شخص معين كله، بل العلم إذا أردت أن تحصل عليه كله ستجده موزعاً عند جميع الناس، ما في شخص هو مستودع لكل العلم، لابد وأن يكون قصيراً في علوم.

وقال الشعبي: «ما رأيت مثلي وما أشاء أن ألقى رجلاً أعلم مني إلا لقيته». ولم يذكر الشعبي هذا القول تفضيلاً لنفسه، فيستقبح منه، وإنما ذكره تعظيماً للعلم عن أن يحيط به، فينبغي لمن علم أن ينظر...

من العلوم لم أرَ مثل كمية العلوم التي عندها، ومع ذلك لو أعرف أن رجلاً بلغ فيه من العلم ما ليس عندي، لذهبت إليه. هو أراد أن يبين أنه عندي معلومات كثيرة، ومع ذلك أرى أنه يمكن أن يأتي شخص عنده علم أكثر مني، وأذهب أطلب العلم عنده؛ عادي جداً.

قال: فينبغي لمن علم أن ينظر إلى نفسه بنقص ما قصر فيه ليسلم من عجب ما أدرك منه، فقد قيل في منثور الحكم: إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن انظر من فوقك من العلماء. وأنشدت لابن العميد: من شاء عيشاً حميداً يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا فلينظرن إلى من فوقه أدباً ... ولينظرن إلى من دونه مالا

قال: وقلَّ ما تجد بالعلم معجباً، وبما أدركه منه مفتخراً، إلا من كان فيه مقلاً ومقصراً؛ لأنه يجهل قدره. جميل؛ يعني أصلاً الإعجاب بالعلم هو دلالة على أن هذا الشخص ليس متعلماً. قل أن تجد شخصاً معجباً بعلمه إلا تعرف أنه ما زال مبتدئاً في العلوم الشرعية، بخلاف العالم الحقيقي؛ فهذا الذي يعرف حرمة العلم وبحر العلم فلا تجده معجباً بنفسه؛ لأنه وصل إلى الحقيقة أن العلم أوسع من أن يحاط به.

وهذه فكرة الذي دخل في الشبر الأول، والشبر الثاني، والشبر الثالث. قال: لأنه يجهل قدره ويحسب أنه قد نال بالدخول فيه أكثره، فأما من كان فيه متوجهاً ومنه مستكثراً، فهو يعلم بُعد غايته والعجز عن إدراك نهايته، ما يصده عن العجب به. وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار، فمن نال منه شبراً شمخ بأنفه.

العلم ثلاثة أشبار؛ اللي بيأخذ بيقرأ أول كتابين بيفكر أن كل العلوم في هذين الكتابين، بالتالي يصبح يجزم في الرأي الفقهي، وهي المسألة القول الحق فيها قول أهل السنة كذا وكذا، ويشد شوي كلمة أهل السنة يعني؛ وإذا في المسائل العقدية: من قال بخلاف هذا القول فهو كافر أو مبتدع وغير معذور.

تكون الكتاب اللي قرأته وما هي الثلاث كتب التي قرأتها، أصبحت ترى أنه في المسائل الفقهية لا يقبل إلا هذا، وفي المسائل العقدية من خالف في هذا فقد كفر. لكن من الذي كما يقولون تبدأ تتسع دائرة فكره، ويبدأ يفهم الأعذار وسعة الخلاف، يتعامل مع الناس برفق؟ من كثر علمه وتوسع كثر عذره؛ لإدراكه بسعة العلم. ومن قل علمه ودخل فقط في الشبر الأول، لا يرى العلم إلا في هذا الشبر، فيصبح يتعنت على الناس ويأخذ بالجزميات والحتميات، ويعامل الناس بما فقط وقف عليه وقرأه.

فمن دخل في الشبر الأول شمخ بأنفه؛ يعني رأى نفسه. لكن اللي تعمق دخل في الشبر الثاني؛ قال: شمخ بأنفه وظن أنه ناله، ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه. اللي بيدخل في الشبر الثاني في العلم أكثر، صغرت إليه نفسه، وأدرك أن هذا العلم كبير وأن مسالكه طويلة، فيبدأ يقول: يعني أنا ماذا أخذت من العلم اليسير؟ فيحترم إمكانياته.

قال: صغرت إليه نفسه، علم أنه ما ناله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبداً؛ يعني الشبر الثالث منطقة صعب أن تصل إليها.

قال: ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتاباً، جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اطلاعاً بعلمه، حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألاني عن بيع عقده في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لشيء منها جواباً.

قال: فلما أنهيت تصنيف هذا الكتاب، وقلت أنا أستاذ البيوع، خلاص؛ بس سبحان الله ربنا عز وجل أحضر لي أعرابيين، فسألاني عن عقد صار بينهم في البادية، وفي أربع بنود وضعوها بينهم، فسألني الأعرابيان عن هذا البيع بهذه البنود والشروط صحيح ولا باطل؟ سيدنا الشيخ قال: فلم أعرف جواباً لكل هذه البنود الأربعة التي ذكراها.

قال: فبقيت مفكراً، وبحالي وحالهما معتبراً، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ ما ورد، مش عارف جوابنا سيدنا الشيخ، وأنت عامل حالك زعيم السادة الشافعية؟ خلص، فقلت: لا. فقالا: إيهاً لك، وانصرفا. قال: ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثير من أصحابه؛ يعني راحوا على طالب علم، راحوا على طالب علم يتقدمه كثير من أصحابه في العلم؛ يعني طالب علم متوسط، فسألاه عن نفس المسألة.

قال: فأجابهما مسرعاً بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، مادحين لعلمه. فبقيت الأعرابيان انصرفا، قال: ما شاء الله، هذا الشاب أجابنا، وانصرفا مادحين لجوابه. فهنا من الذي ارتبك؟ الماوردي. انصدم هذه الصدمة الحضارية. قال لك: أنا ألفت كتاباً وتعبت، وجمعت أقوال الشافعية في البيوع، ويأتي طالب أصغر حتى من طلابي، وأجاب في هذه المسألة بكل سهولة ويسر.

قال: فبقيت مرتبكاً؛ يعني ذهلت، وبحالهما وحالي معتبراً، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي. قال: فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة، تذلل لهما قياد النفس، وانخفض بهما جناح العجب.

إيش يعني: وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي؟ يعني أنا إلى الآن جاهل في هذه المسائل؛ يعني ماشي هو جاوبهما، بس أنا مش قادر أفهمها؛ يعني كيف أنت أحياناً واحد يجاوب، بس أنت إلى الآن مش مستوعب المسألة؟ فقال: وأنا إلى هذا الوقت في تلك المسائل إلى الآن لم أستطع أن أستوعبها، وأن أخرجها. قال: فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير، هذا المشهد ربنا بيرسل لك مواقف تكون عبرة بحياتك، قال: فعرفت عندئذ أنني يجب أن أحترم نفسي، ولا أظن نفسي أنني بلغت في العلم غايته.

قال: تذلل لهما قياد النفس، وانخفض بهما جناح العجب، توفيقاً منحته ورشداً أوتيته، وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن. وكما أنك يجب أن تترك العجب فيما تحسنه، يجب على العالم أيضاً أن يدع التكلف والإجابة عن مسائل ولا يحسنها أصالة.

قال: فقديماً نهي الناس عنهما، واستعاذوا بالله منهما. ومن أوضح ذلك بياناً استعاذة الجاحظ في كتاب البيان حيث يقول: اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن. ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر كما نعوذ بك من شر العي والحصر.

قال: ونحن نستعيذ بالله مثل استعاذته، فليس لمن تكلف فيما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا حد يقف عنده، ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويُضل. من كان يتكلف تكلفاً لا محدودية له سيضل ويُضل. وكثير من الشباب اليوم المتصدرين، أو من يتعاطون للكلام في السوشيال ميديا وغيرها، هو يتكلم في فنون وأمور لا يحسنها، خاصة هؤلاء الذين يعلقون على الأمور السياسية؛ ما شاء الله تجد يفتح السوشيال ميديا ويبدأ يعلق لك: وماذا فعل فلان، وماذا فعل فلان، وكيف يضع فلان وكيف يرفع فلان، ولو أنه فعل كذا.. طب يا شيخ أنت ما شاء الله تفهم في الفقه والعقيدة والسياسة والنقد والاقتصاد؟ ما شاء الله، نتبحر العلوم، يعني نخدع عظيماً أن تعلق على كل الأحوال والأمور والمسائل! وهذا دلالة الجهل إخواني، هذا دلالة الجهل. من رأيته يعلق على كل شيء فاعلم أنه جهول، خذها من فم المشايخ ومن فهم من تعلمنا منه من تجربتنا مع الناس: من رأيته يعلق على كل شيء فاعرف أنه لا يعرف شيئاً، وإنما هو شخص وليد اللحظة، يجد مسألة سالفة يتكلم فيها الناس الآن؛ إيه والله أنا رأيي فيها كذا وكذا وكذا، طيب يلا شو عندكم سالفة جديدة؟ طيب أنا رأيي فيها كذا وكذا.

يا أخي أنت كل شيء يجب أن يكون لك فيه رأي، ويجب أن يكون لك فيه تحليل؟ هل معقول أنك سبرت السياسة وأصبحت تعرف دهاليزها، والفقه وتعرف دهاليزه، والعقيدة وتعرف كتبها، والتنظير وتعرف كتبه، وحتى أنت ما شاء الله أصبحت تعلق على كل شيء ولك نظرة في كل شيء؟ وإلا دلالة الحرمان وحب الهذر الذي يتكلم عنه الجاحظ عليه رحمة الله في التبيان؛ أن حب الكلام وحب فقط إظهار أنك تحسن في كل شيء، ولكننا نعرف أنك متكلف في كل شيء ولا تعرف شيئاً.

ودلالة أنك لا تعرف كثرة كلامك في كل شيء، دلالة الشخص الذي لا يعرف أنه يكثر الكلام في كل شيء، لكن الشخص الذي يعرف يسكت في كثير من المواطن؛ لأنه يدرك أن الأمر أعلى من أن يعلق عليه، وأن الأمور فيها خبايا. الذي يعرف حرمة العلم يكثر الصمت، والذي لا يعرف حرمة العلم يكثر الكلام في كل شيء، وهذا الذي أضاع كثير من شباب الأمة اليوم: الكل له رأيه، الكل له تحليله، الكل له نظرته، الكل يبدي اللحظات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية. فاصبح بالتالي حب شهوة الكلام وحب الحديث هو ديدن العامة والخاصة.

ولذلك أنت يا طالب العلم أنجب بنفسك؛ يعني إذا ضاع الناس أنت عليك بخاصة نفسك، أنجب بنفسك، لا تتكلم إلا فيما تحسن وتعلم أنك وقفت على تفاصيله، غير كذا الله أعلم. أسأل الله أن يوفق الجميع، ليس شرطاً أن أتكلم في كل شيء وأن أحسن كل شيء، ليس ممدحة أنك تتكلم في كل شيء. لذلك كما قالوا قديماً: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون، هكذا قالوا، من أفتى الناس في كل ما يسألون عنه فهو مجنون؛ ليش هو مجنون؟ لأنه هذا غير عاقل، الذي يظن أنه يفهم في كل شيء هذا غير عاقل.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل». وقال بعض الحكماء: من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من عقلك أن تنطق بما لا تفهم.

ولقد أحسن زيادة بن زيد حيث يقول: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أو تناهى فأقصر ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيب المرء مخبرا

وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم كل سبيل، فلا عار أن يجهل بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار لم يقبح به أن يقول: لا أعلم فيما ليس يعلم. أحسنت، هذه الكلمة التي يخطئها كثير من طلاب العلم مش العلماء اليوم، حتى طلاب العلم: أن قضية لا أعلم أو لا أدري كلمة سهلة عند النفس الشريفة التي تحترم نفسها. الإنسان الذي يحترم نفسه سهل جداً أن يقول لا أعلم؛ لأنه أنا ليس مقصدي أن أكثر الكلام والهذر، وإنما مقصدي أن أفيد الناس، فإذا مسألة ما أعرفها: لا أعلم، سهلة جداً يعني تخرج منك، لكن هذا لمن يحترم نفسه ويحترم علمه.

وقد روي أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي البقاع خير وأي البقاع شر؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل. إذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن شيء لا يعرفه قال: لا أدري. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام -وبردها على القلب- إذا سئل أحدكم عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل؛ يعني الأشياء، العالم الحقيقي هو الذي يعرف أن حجم ما يعلم في مقابل حجم ما لا يعلم قليل.

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله. وقال بعض العلماء: هلك من ترك قول لا أدري. وقال بعض الحكماء: ليس لي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست أعلم. جميل؛ يعني يقول: أنا ليس لي من فضيلة التعلم إلا أنني وصلت إلى قناعة أنني لا أعلم، تمام؛ يعني يقول لك: أنا طلبت العلم، الفضيلة التي حصلتها أني اكتشفت أنني جاهل، وهذا جيد؛ يعني أن تطلب العلم لتكتشف فقط حجم الجهل الذي عندك، وهذا جيد لأنه يخليك تسكت وتقول والله هذا العلم بحر. وأحياناً فعلاً بعض الناس تريد أن تقول: أخي بس تعال نقرأ وإياك كتاب يا بحر العلوم حتى.

أعرفك أنه أنت جاهل، بس اقرأ حتى تكتشف حجم جهلك بكثير من مسائل الشريعة، وأنك لم تقف منها على شيء. نعم، وقال آخر: لولا أن في قولي: «لا أعلم» تثبيتاً لأن أعلم لقلت: لا أعلم. نعم.

قال وقال بعض البلغاء: من قال: «لا أدري» علم فدرى، ومن انتحل ما لا يدري أهمل فهوى. ومن انتحل ما لا يدري، يعني أوهم الناس أنه يدري وهو لا يدري، أهمل فهوى فسقط. أهمل؛ أي ما حدا يعلمه أنه خلص مش أنت بتعرفها، إذا ما في داعي نعلمك إياه في هذه المسألة. فهو الذي قال: «لا أدري»، الناس تعلمه: آه أنت لا تدري؟ تعال نعلمك إياها. لكن لو قلت: لا أنا أعرفها، ما يحتاج أحد يعلمني، وأنت في الواقع لا تعرفها، أهمل؛ ما حدا سيدرسك إياها فتهلك وتبقى ضالاً. نعم.

شيخ بس عفواً الأثر الذي قبله لماذا هو لا يقول لا أعلم؟ والله أنا هذا الأثر مش عندي في النسخة، سامحني كما أستطيع، النسخة أراها استغربت أنك قرأت شيئاً ليس عندي: «وقال آخر لولا أن في قولي لا أعلم تثبيتاً لأن أعلم لقلت لا أعلم». نعم، ممكن تثبت؛ إذا لم يقل: «لا أعلم»، من يتعلم؟ صحيح. فلذلك كان لا يقولها، ولكن لأنه في حاجة لقوله قولها حتى يتعلم، فصار يكررها حتى يتعلم. هو يقول: «لا أعلم» حتى يتعلم، وهذا الواضح من السياق الأول: «لولا أن في قولي لا أعلم تثبيتاً لأن أعلم لقلت لا أعلم»؛ هو لا يقول: «لا أعلم» فيبقى ساكتاً، يبقى الناس يعلمون أو العلماء يعلمون. هو قال: لولا أن في قوله، أنت عندك لولا؟ إحنا عندنا لولا. «لولا أن في قولي لا أعلم تثبيتاً لأن أعلم لقلت لا أعلم»؛ يعني ما خطر في ذهني فكها إلى الآن، خلي أفكر فيها أو أن يكون فيها شيء يحتاج إلى أخشى أن يكون مشكلة الخط أو الطباعة. طيب هذه نفكر فيها.

قال: ولا ينبغي وإن صار في طبقة العلماء الأفاضل أن يستنكف من تعلم ما ليس عنده ليسلم من التكلف له. فقد قال عيسى بن مريم عليه السلام: «يا صاحب العلم، تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجهال ما علمت». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: «خمس خذوهن عني، فلو ركبتم فيهن الفلك ما وجدتموهن إلا عندي: ألا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخفن إلا ذنبه، ولا يستنكف أن يتعلم ما ليس عنده، وإذا سئل عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، ومنزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد». وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «لو كان أحد مكتفياً من العلم لاكتفى منه موسى عليه السلام لما قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]». وقيل للخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: بما أدركت هذا العلم؟ قال: كنت إذا لقيت علماً أخذت منه وأعطيته. وقال بزرجمهر: من العلم ألا تحقر شيئاً من العلم، ومن العلم تفضيل جميع العلم.

وقال المنصور لشريك: من أين لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده. فكان لا يرغب باستفادة القليل ولا التعليم. قال: على أن العلم يقتضي ما بقي منه، ويستدعي ما تأخر عنه، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه. ما معنى العلم؟ من علم وبدأ يسلك طريق العلم يبقى يستدعي المعلومات التي لا يعلمها، وكلما ازددت في طريق العلم كلما ازداد نهمك إلى ما تجهله، فالعلم يؤدي بعضه إلى بعض. نعم.

قال وروى عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «منهم لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا. أما طالب العلم فإنه يزداد للرحمن رضاً»، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغياناً، ثم اقرأ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. قال: وليكن مستقلاً للفضيلة منه ليزداد منها، ومستكثراً للنقيصة فيه لينتهي عنها، ولا يقنع في العلم بما أدرك منه؛ لأن القناعة فيه زهد، والزهد فيه ترك، والترك له جهل. وقد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم.

ما معنى وليكن مستقلاً للفضيلة؟ أيما حصل فضيلة، فليرَ أن هذا شيء قليل حتى يبقى يزداد في طلب الكثير؛ تمام، كلما حصلت فضيلة في العلم ما تقول: خلص. بعض الطلاب يقرأ كتابين في الفقه، يقول لك: خلاص صرت مذهبياً، عملياً لا، كلما قرأت شيئاً استقله؛ أي إنه أنا ما جئت بشيء لسه، عليك أن تنظر دوماً إلى الكتب التي تحصل أنها قليلة. ليش نحن نحضر دروس العلم ونقرأ كتاباً بعد كتاب؟ لإدراكنا ما قرأنا من الكتب ما زال قليلاً، يصبح لك شوق إلى الزيادة، أما إذا قلت: أوف خلاص، قرأنا 20 كتاباً في العلم، اكتفيت؛ ستبقى تزهد في ما هو قادم.

قال وقد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم والإكثار منه، فإن قليله أشبه شيء بقليل الخير، وكثيره أشبه شيء بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القلة، فأما كثرته فإنها أمنية. قال وقال بعض البلغاء: من فضل علمك استقلالُك لعلمك، ومن كمال عقلك استظهارك على عقلك. ولا ينبغي أن يجهل من نفسه مبلغ علمها، ولا أن يتجاوز بها قدر حقها؛ يعني لازم تعرف حجمك العلمي ولا تضع نفسك في منزلة أكثر من الواقع الحقيقي. قال: ولا أن يكون بها مقصراً فيذعن بالانقياد، أولى من أن يكون بها مجاوزاً فيكف عن الازدياد؛ يعني ولا أن ترى نفسك أقل من الواقع الحقيقي، يعني بعض الناس يقول هو واقعه الحقيقي كذا، أن ترى نفسك أقل من الواقع الحقيقي هذا أفضل من أن ترى نفسك أعلى من الواقع الحقيقي؛ لأنك إذا رأيت نفسك أقل من الواقع فهذا سيجعلك تنقاد لتتعلم أكثر، أما إذا رأيت نفسك أعلى من الواقع ستبدأ تتكبر على التعلم. قال: لأن من جهل حال نفسه كان لغيرها أجهل. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، متى يعرف الإنسان ربه؟ فقال: «إذا عرف نفسه». قال: إذا عرف نفسه وفقرها وحاجتها إلى الله، عرف ربه وحاجته إليه وكمالاته سبحانه.

قال وقد قسم الخليل بن أحمد أحوال الناس فيما علموه وجهلوه أربعة أقسام متقابلة لا يخلو حال الإنسان منها، فقال: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك مسترشد فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذاك جاهل فارفضوه.

قال وأنشد أبو القاسم الآمدي: إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي تساءل من يدري فكيف إذا تدري؟ جهلت ولم تعلم بأنك جاهل فملي بأن تدري بأنك لا تدري إذا جئت في كل الأمور بغمة فكن هكذا أرضاً يطاك الذي يدري ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري، وأنك لا تدري بأنك لا تدري.

قال وليكن من شيمته العمل بعلمه أيضاً، من أخلاق العالم أيضاً العمل بالعلم، وحث النفس على أن تأتمر بما يأمر به، ولا يكن ممن قال الله تعالى فيه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. وقد قال قتادة في قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: 68]، يعني أنه لعامل بما علم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل لأقماع القول، ويل للمصرين»؛ يريد الذين يستمعون القول ولا يعملون به. وروى عبد الله بن وهب عن سفيان أن الخضر قال لموسى عليهما السلام: «يا ابن عمران، تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك نوره ولغيرك نوره». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: «إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم».

قال ويل لأقماع القول: هذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يظهر لي، ولا عرفتم أو حسنه البعض؛ كانه في الأدب المفرد. قال: نعم وروى البخاري؛ لكنه حتى الأدب المفرد أحياناً قد المهم: «ويل لأقماع القول». القمع بتعرف القمع كيف يكون؟ يجمع لكن ما فيه في النهاية يذهب إلى غيره؛ كان هذا مثالاً على الذي يجمع الأقوال ولكنه لا يعمل بها؛ تمام. بعض الناس كالقمع، يجمع يجمع يجمع، لكن الكلام الذي عنده لا يستفيد هو منه، فيذهب إلى غيره وهو لم يستفد أي شيء، فهذا دلالة عدم التوفيق؛ الذين يستمعون القول ولا يعملون به.

قال وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله تعالى أن يقول: قد علمت، فماذا عملت؟» إذا علمت نعم. وكان يقال: «خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله». وقيل في منثور الحكم: «لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به». وقال بعض العلماء: «ثمرة العلم العمل به، وثمرة العمل به أن يؤجر عليه». وقال بعض الصلحاء: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وقال بعض الحكماء: «خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع». وقال بعض الأدباء: «ثمرة العلوم العمل بالمعلوم». وقال بعض البلغاء: «من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخلُ من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد».

وقال أبو تمام الطائي: ولم يحمدوا من عالم غير عامل ... خذوا ما رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة عثنٍ واقطع عجز عندهم عجز حازمي

ولأنه لما كان علمه حجة على من أخذه عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه، كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العمل قبل مرتبة القول، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل. نعم، وقد قال أبو العتاهية: اسمع إلى الأحكام تحملها الرواة إليك عنك، واعلم هديت بأنها حججٌ تكر عليك منك.

ولم ثم ليجتنب أن يقول ما لا يفعل، أو يأمر بما لا يأتمر، وأن يسر غير ما يظهر. ولا يجعل قول الشاعر: اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضرك تقصيري عذراً له في تقصير، يضره فإن لم يضر غيره، وإن لم يضر غيره فإن إعذار النفس تغريها وتحسن له مساويها. وإن من قال ما لا يفعل فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع، ومن أسر غير ما يظهر فقد نافق. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المكر والخديعة وصاحباهما في النار». على أن أمره بما لا يأتمر به مضطرح، وإنكاره ما لا ينكره من نفسه مستقبح، بل ربما كان ذلك سبباً لإغراء المأمور بترك ما أمر به عناداً وارتكاب ما نهي عنه قيادةً.

حكي أن أعرابياً أتى ابن أبي ذئب فسأله عن مسألة طلاق فأفتاه بطلاق زوجته، فقال: انظر حسناً، قال: قد نظرت وقد بانت منك، فولى الأعرابي وهو يقول: أتيت ابن ذئب أبتغي الفقه عنده ... فطلق حُبي البتة بتت أنامله طلق حبي فرق بيني وبين زوجتي التي أحبها، نعم، أطلق في فتوى ابن ذئب حليلتي وعند ابن ذئب أهله وحلائله؛ يعني أنا بطلق زوجتي وهو بخلي زوجته عنده.

شيخنا ايش قال؟ يعني ايش معنى انظر حسناً؟ يا رب أعطيني ده النص الكتاب، يعني انظر رأياً حسناً مثلاً. يا رب، فسأل فأفتاه بطلاق زوجته، فقال: انظر حسناً؛ يعني شوف لك شغلة غير كده، يعني بدي أنا أطلقها؟ ما تتأكد أنت؟ هذا هو نعم. السلام عليكم.

قال: فظن بجهله أنه لا يلزمه الطلاق بقول من لم يلتزم الطلاق. فما ظنك بقول يجب اشتراك الآمر والمأمور فيه، كيف يكون مقبولاً منه وهو غير عامل به ولا قابل له؟ كلا، وقد قال أحمد بن يوسف: وعامل بالفجور يأمر بالبر ... كهاذٍ يخوض في الظلم أو كطبيب قد شفه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم يا واعظ الناس غير متعظ ... ثوبك طهر أولى فلا تلمي وقال آخر: عود لسانك قلة اللفظ ... واحفظ كلامك أيما حفظ إياك أن تعظ الرجال وقد ... أصبحت محتاجاً إلى الوعظ

فأما الانقطاع عن العلم إلى العمل، أو الانقطاع عن العمل إلى العلم؟ إذا عمل بموجب العلم فقد حكي عن الزهري فيه ما يغني عن تكلف غيره؛ يعني أيهما أفضل؟ أن أنقطع إلى العلم ولا أنقطع إلى العمل بعد؟

العلم أفضل من العمل به لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم؛ فقال: العلم أفضل من العمل لمن كان جاهلاً، والعمل أفضل من العلم لمن علم. لكن الحقيقة القضية أيضاً لا تحسم بهذه الطريقة، بل هناك بعض الناس يفتح له في العلم فيبقى يتزيد منه ويعلم الناس، وبعض الناس يفتح له في العمل؛ فهذا نعم الذي قد يأخذ من العلم حاجته ثم بعد ذلك يتفرغ إلى العمل، فكل بما فتح له.

أما فضل ما بين العلم والعبادة إذا لم يخل بواجب ولم يقصر في فرض، فقد روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبعت العالم والعابد فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: اتئد حتى تشفع للناس»؛ فهذا يكون مقامه أعلى؛ يعني العالم، وإن كان الحديث فيه نظر.

ومن آداب العلماء ألا يبخل بتعليم ما يحسنون، ولا يمتنع من إفادة ما يعلمون؛ فإن البخل به لؤم وظلم، والمنع منه حسد وإثم. وكيف يسوغ لهم البخل بما منحوه جوداً من غير بخل، وأوتوه عفواً من غير بذل؟ يعني الله أعطاك العلم جوداً منه ولم يبخل به عليك، وأعطيته عفواً من غير بذل -المراد يعني من دون أن تكون فعلت شيئاً عظيماً؛ قد تكون أخذت الأسباب الأساسية لكنه سبحانه متفضل عليك في إعطائك العلم- فلماذا تبخل به؟

أم كيف يجوز لهم الشح بما إن بذلوه زاد ونمى، وإن كتموه تناقص وواه؟ ولو استنى بذلك من تقدمهم لما وصل العلم إليه؛ يعني لو أن مشايخك بخلوا مثلك لما وصل العلم إليك أصالة، ولا انقرض عنهم بانقراضهم، ولصاروا على مرور الأيام جهالاً وبتقلب الأحوال وتناقضها أرذالاً. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله، فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كتم علماً يحسنه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "ما أخذ الله تعالى العهد على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ العهد على أهل العلم أن يعلموا". فقال: كيف أهل الجهل سيتعلمون لولا أن أهل العلم لم يعلموهم؟

وقال بعض الحكماء: إذا كان من قواعد الحكمة بذل ما ينقصه البذل، فأحرى أن يكون من قواعدها بذل ما يزيده البذل، والعلم يزيده البذل ولا ينقصه. وقال بعض العلماء: كما أن الاستفادة نافلة للمتعلم، كذلك الإفادة فريضة على المعلم. وقد قيل في منثور الحكم: من كتم علماً فكأنه جاهل به. وقال خالد بن صفوان: إني لأفرح بإفادة المتعلم أكثر من فرحي باستفادة من المعلم، ثم أفرح بالتعليم أكثر من فرحي بالتعلم.

ثم له بالتعليم نفعان، أحدهما ما يرجوه من ثواب، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التعليم صدقة فقال صلى الله عليه وسلم: «فتصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده». وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعلموا وعلموا، فإن أجر العالم والمتعلم سواء». قيل: وما أجرهما؟ قال: «مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة».

والنفع الثاني زيادة العلم وإتقان الحفظ، فقد قال الخليل بن أحمد: "اجعل تعليمك دراسة لعلمك". هذه فكرة أن كثير منا، وهذا ما يفعله الإنسان، أنه يعلم حتى هو يثبت علمه؛ فدراستك للعلم اجعل تدريسك للناس دراسة لعلمك ومدارسة له حتى لا تنساه. اجعل تدريسك نوعاً من الدراسة لك، فأنت لما تدرس طالباً يقترح مسألة تبحث عنها، وهذا يناقشك في قضية يظهر لك فيها رأي آخر، فأنت لما تدرس الناس أنت عم تستفيد أصالة وتثبت معلوماتك. واجعل مناظرة المتعلم تنبيهاً على ما ليس عندك.

وقال ابن المعتز في منثور الحكم: "النار لا ينقصها ما أخذ منها ولكن يخمدها ألا تجد حطباً، كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه". فاياك والبخل بما تعلمه. وقال بعض العلماء: "علمك وتعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت".

واعلم أن المتعلمين ضربان: مستدعى وطالب. فأما المستدعى إلى العلم، فهو من استدعاه العالم إلى التعليم. الآن طلاب العلم بالنسبة للشيخ نوعان، النوع الأول مستدعى؛ من هو المستدعى؟ هو الطالب الذي استدعاه الشيخ إلى حلقته ليتعلم عنده، أنا استدعيتك تتعلم عندي. وفي هناك الطالب؛ لا هو اللي جاي وحده على حلقتي دون أن أستدعيه. فأيهما أكيد أعلى؟ الأول المستدعى يكون حاله أعلى؛ من الشيخ قال له: تفضل إلى حلقتي أو أريدك تطلب عندي.

لما ظهر له من جودة ذكائه وبان له من قوة خاطره، فإذا وافق استدعاء العالم شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك النجباء وظفر السعداء؛ لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر. العالم متى يستدعي طالباً إلى حلقته؟ إذا وجد في هذا الطالب النجابة؛ فعندئذ يطلب منه أن يحضر الحلقة، وإذا كان الطالب له شهوة في التعلم والمعلم هو استدعاك، فسيكون متوفراً عليك مهتماً بك. فالمعلم متوفر عليك مهتم بك لأنه استدعاك، وأنت لديك شهوة في التعلم، فهذا كمال عملية التعليم والاستفادة.

وأما الطالب للعلم لداع يدعوه وبعث يحدوه، فإن كان الداعي دينياً، وكان المتعلم فطناً ذكياً، وجب على العالم أن يكون عليه مقبلة واحدة، فهذا كحال ابن أم مكتوم جاء ليطلب العلم لباعث ديني وهو فطن ذكي، فيجب على العالم أن يعطي الطالب حقه من التعلم وأن يكون على تعليمه متوفراً، لا يخفي عليه مكنوناً ولا يطوي عنه محزوناً؛ أي مسألة صعبة. وإن كان بليداً بعيد الفطنة، فينبغي أن يمنع حتى من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه بالكثير فيظلم، ولا يجعل بلادته ذريعة أن المعلم يحرمه من العلم؛ فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر؛ ما دام عنده شهوة فهي باعثة على استمراره، ولعل صبره على التعلم يؤثر وينفعه.

فهذا حال الطالب الذي لم يستدعه المعلم لكنه يطلب العلم لباعث ديني، رجل فيه خير وشاب فيه صلاح، فأنت يا معلم تبذل له ولكن تنظر في استعداداته وقدرته على التحمل.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه في غير أهله فتأثموا». وقال بعض الحكماء: "لا تمنعوا العلم أحداً، فإن العلم أمنع لجانبه".

فأما إن لم يكن الداعي دينياً، نظر فيه؛ فإن كان مباحاً كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة وطلب الرئاسة، فالقول فيه يقارب القول في تعليم من قبل؛ لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني الحال، وإن لم يكن مبتدئاً به في أول حال. إذا جاءك طالب علم وأنت ترى أن هذا الطالب لم يأتِ ليطلب العلم بباعث ديني وإنما أتى طلباً للشهرة أو طلباً لوظيفة؛ بتعرف زي الجامعات، كثير من يدخلها جاي يطلب وظيفة وجاي يطلب يتعين في دائرة قاضي القضاة ولا يتعين في دائرة الإفتاء. هل أترك تعليمه لأنه واضح أن نيته ليست في كمالها؟ لا، فكم من إنسان بدأ العلم لغير الله فقاده العلم إلى الله؛ يقول لك حتى هذا علم ولو كان باعثه دنيوياً. وقد حكي عن سفيان الثوري أنه قال: "تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله". وقال عبد الله بن المبارك: "طلبنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا".

وإن كان الداعي محظوراً، لكن أما إذا هي الحالة الثالثة أن يكون الداعي محظوراً؛ يعني هو طلب العلم من أجل أن يثير الشبهات على المسلمين أو يأتي يحضر مجلسك ليأخذ أموراً يدافع بها عن باطله، لا تعلمه؛ ففرق بين الحالة الثانية والثالثة. كرجل دعاه إلى طلب العلم شر كامل ومكر باطن، يريد أن يستعملهما في شبه دينية وحيل فقهية لا يجد أهل السلامة منهما مخلصاً ولا عنهما مدفعاً. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهلك أمتي رجلان: عالم فاجر، وجاهل متعبد». وقيل يا رسول الله أي الناس شر؟ فقال: «العلماء إذا فسدوا». فينبغي للعالم إذا رأى من هذه حاله أن يمنعه من طلبته ويصرفه عن بغيته، ولا يعينه على إمضاء مكره وأعمال شره.

فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب»، هذا ضعيف طبعاً لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقال عيسى بن مريم عليه السلام: "لا تقلدوا اللؤلؤ للخنزير؛ فالعلم أفضل من اللؤلؤ، ومن لا يستحقه شر من الخنزير".

وحكي أن تلميذاً سأل عالماً عن بعض العلوم فلم يفيده، فقيل له لما منعته؟ فقال: لكل تربة غرس، ولكل بناء أساس. هذا الكلام جميل؛ يعني هذا الطالب تربته لا تساعد على أن أغرس هذه العلوم فيه ولذلك ما أعطيته إياها، ولكل بلاء أساس وهذا الطالب قد يكون ما عنده أساس حتى أعطيه هذه المعلومة. وقال بعض البلغاء: لكل ثوب لابس، ولكل علم قابس. وقال بعض الأدباء: أرثي لروضة توسطها خنزير، وأبكي لعلم حواه شرير؛ يعني أبكي على بستان توسطه خنزير لأنه يفسد في المزروعات، وأبكي على علم حواه شخص شرير.

وينبغي أن تكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم؛ وهذه من أهم صفات العالم والشيخ أن يكون عنده فراسة في الطلاب، فيعرف ما يصلح لكل طالب منهم، ليعرف به مبلغ طاقته وقدر استحقاقه؛ ليعطيه قدر ما يتحمله بذكائه، أو لا يضعف عنه ببلادته. فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم. العالم بيستريح لأنه لما أعطيك قدر طاقتك أنا بستريح كعالم أو كمدرس؛ ليه؟ لأنه إذا الطالب تعبان بضل يكثر الأسئلة والشيخ أعد عليَّ مرة ومرتين وثلاث وأربع، طب أنا هيك رح أتعب، فبالتالي أروح للعالم وأنجح للمتعلم؛ وهو نفسه برضه بيستفيد، لما أعطيه معلومة على قدر حجمه هو بيستفيد وأنا بستريح. لكن إذا أعطيته معلومة فوق حجمه أنا رح أتعب، رح أشرح له المسألة ثلاثين مرة وهو المسكين رح يتعب وما رح يستفيد؛ ففراسة المعلم ممتازة تساعده وتساعد الطالب.

وقد روى ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أرَ فلا علمت ما رأيت. فقال عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه: "لا عاش بخير من لم يرَ برأيه ما لم يرَ بعينه".

أنا لم أره، قال فلا علمت ما رأيت. كأنه يقول إنه خلاص أنا عندي نقص، عندي ضعف؛ فأنا حتى في الأشياء التي أراها سيكون عندي نقص. وكأنه يقول: ليست قضية الفراسة هي أن يكون لي قدرة أن أفهم الشيء حتى ولو لم أره، بل أن أكون فاهماً للطالب حتى ولو سماها فراسة المتعلم في المعلم، أو المعلم في الشيء. فالإنسان الذي لا يعرف الشيء حتى يراه، هذا فيه نوع من الضعف، وقد لا يعرفه على تفاصيله تماماً حتى لو رآه.

قال ابن الرومي: المعي يرى بأول رأيه آخر الأمر من وراء المغيبِ لو دعي له فؤادٌ ذكيٌ ما له في ذكائه من ضريبِ لا يروي ولا يقلب طرفاً وأكف الرجال في تقليبِ

وإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيراً، لم يضع له عناء، ولم يخب على يده صاحب. وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم، كانوا وإياه في عناء مكد، وتعب غير مجد. هذا يذكرني بحال بعض المشايخ؛ يأتي ويريد أن يشرح كتاباً لطلاب ليس مستواهم هذا الكتاب. يريد أن يشرح كتاب "الحكمة المتعالية" في الفلسفة وعلم الكلام، وطلابُه ما أخذوا "الآجرومية" أو ما زالوا يضيعون في "قطر الندى". الحكمة المتعالية للطلاب الذين بلغوا في علم الكلام والنظر والفلسفة، وهو يريد أن يعلمه للطلاب ما زالوا يخطئون في بدايات مسائل العقيدة، فهذا يتعب ويتعب الناس الذين معه.

أو شخص يريد أن يدرسهم شرح المفصل لابن يعيش، فيتعب معهم وهم في "قطر الندى" ضائعون فيه. فيأتي بكتاب ضخم والطلاب الذين معه لا يصلون إلى هذا المستوى، ماذا يحصل؟ يجلس ستة أشهر وسنة وهو يعلمهم، فهو يخيب والطلاب لا ينجحون، ويأتي يقول لك بعد مدة: يا أخي والله هؤلاء الطلاب لا ينفعون، سامحنا يا شيخ! ليس الطلاب الذين لا ينفعون، هو أنت ما عندك فراسة حتى تختار الكتاب المناسب للطلاب المناسبين. هذه قضية مهمة؛ بعض المشايخ يتعب مع بعض الطلاب فيضيعون ويبذلون الجهد والوقت سنة وسنتين وثلاثاً، وبعد ذلك يذم الطلاب والحالة العلمية ويقول: الطلاب ما ينفعون وكذا. طيب سيدنا الشيخ، تعال خطوة شوي؛ أنت ما الكتاب الذي اخترته؟ قال: كتاب كذا وكذا. طيب هل الطلاب يقدرون عليه؟ هل المستوى العلمي اليوم يتحمل هذا النوع؟ إذا أنت ما أسستهم ليصلوا إلى هذا الكتاب، فلا تلمهم.

فهذا معنى قوله: "وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه"، إذا المعلم لم يتوسم ولم يعرف طلابه وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم وما هي الكتب التي تناسبهم، كانوا وإياه في عناء مكد، يعني هو تعبان وهم تعبانون، لا هم قادرون يفهمون، ولا هو شاعر بالثمرة. لك والله الطلاب الذين عندي ما لهم ثمرة، أنت أخطأت في اختيار الكتاب! وكان في تعب غير مجد، يعني أنت تتعب بس ما راح تطلع ثمرة سيدنا الشيخ؛ لأنك تطالبهم بمستوى أعلى من مستواهم. ابدأ معهم بالكتب السهلة الميسرة، وإذا رأيتهم لم ينجحوا في الكتاب الميسر لا تنتقل بهم، لا تنتقل بهم حتى تتأكد أن مستواهم صعد إلى هذا الكتاب الأعلى الذي تريد أن تبذل جهدك فيه.

قال: لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي يحتاج إلى الزيادة، وبليد يحتاج إلى القليل، فيضجر الذكي ويعجز البليد. فبيجي يقول لك الشيخ: لا، بس في طالب طالبين ممتازين، أنا شايفهم فاهمين. أقول لك: ممتاز، الحلقة عبارة عن خمسين طالباً، اثنان منهم أذكياء، وثمانية وأربعون من الناس البليدة البسيطة، فأنت ستضيع أثناء الدرس. وأنا بدي أركز على الأذكياء فأمشي، ولا أركز على تفهيم البليد فأطول التكرار، فإذا أنت طولت التكرار، الذكي شو راح يقول لك؟ خلص يا شيخ، الشيخ أعاد المسألة خمسين مرة، ما بدي أكمل، يضجر الذكي. وإذا أنت مشيت سريعاً لمراعاة الذكي، البليد ما راح يفهم، وبالتالي يقول لك: لا، أنا مش مستوعب على الشيخ، فيضيع الشيخ بين الذكي والبليد. ومن تردد أصحابه بين ضجر وعجز، ملوه ومَلّوا.

وقد روى عبد الله بن وهب عن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الخضر لموسى عليهما السلام: «يا طالب العلم، إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم يا موسى، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ما تحشو في وعاءك». وقال بعض الحكماء: خير العلماء من لا يقل ولا يمل. وقال بعض العلماء: كل علم كثر على السمع ولم يطاوعه الفهم ازداد به القلب عماً، وإنما ينفع السمع في الآذان إذا قوي فهم القلوب في الأبدان.

وربما كان لبعض السلاطين رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعه، فلا يجعل ذلك ذريعة في الانبساط عنده والإدلال عليه، بل يعطيه ما يستحقه بسلطانه وعلو يده؛ فإن للسلطان حق الطاعة والإعظام، وللعالم حق القبول والإكرام. ثم لا ينبغي أن يتدلّى إليه بعد الاستدعاء، ولا يزيده على قدر الاكتفاء. ربما أحب بعض العلماء إظهار علمه لسلطان فأكثر، فصار ذلك ذريعة إلى ملله ومفضياً إلى بعده؛ لأن السلطان متقسم الأفكار، مستوعب الزمان، وليس له في العلم فراغ المنقطعين إليه، ولا صبر المنفردين به.

وقد حكي عن الأصمعي قال للرشيد: يا عبد الملك، أنت أعلم منا ونحن أعقل منك، لا تعلمنا في ملا، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب حسب الاستحقاق فلا تزد إلا أن نستدعي ذلك منك. يعني المعلم إذا بده يعلم ملك، ظروفه صعبة، بده يشوف أدبيات الملك. شوف هذا ماذا يقول للأصمعي: يا عبد الملك، عبد الملك هو اسمه، أصمع الملك من قريب، أنه إذا سألناك بتجاوبنا ولا تزيد، وإذا اكتفينا لا تقعد تعلم علينا. الذي بده يعلم ملك بده يتورط.

انظر إلى ما ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم، وبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم، وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة، لا مخرج التعليم والإفادة. أحسنت، لما تكون مع السلطان لا تعمل حالك معلم عليه، يعني فهمت علي؟ أخرج له: وهناك فائدة أيها السلطان في كذا وكذا، وهناك حتى ما يزعل منك. هذا يسوخ دور المعلم علينا، لأنك بدك حالك في السجن. قال: لأن تأخير التعلم خجلة تقصير يجل السلطان عنها.

صحيح، لأن السلطان لما الآن بده يتعلم سيشعر بماذا؟ خجل في التقصير، أنه أنا بس خلص! فأنت سلطان وخجلان من نفسك لأنك مقصر في التعلم، فرح تصبح صعب عليه أنه يتعلم، فإذا هو جزاه الله خيراً هذا السلطان حابب يتعلم فارفق به يا أيها العالم، لا تحمل مشاعره وأحاسيسه. شوف علمائنا كيف يصلون إلى تحرير النفوس البشرية، وكيف هذا يعلم، وكيف هذا يعلم، وأي الأسلوب الأنجح في هذا! هذا هو العلم، هذه الخبرة التي عند علمائنا الأكابر رحمهم الله عليهم.

قال: خجلة تقصير يجل السلطان عنها، فإن ظهر منه خطأ أو زلل في قول أو عمل لم يجاهره بالرد عليه، وعرّض باستدراك زلله وإصلاح خلله. حكي أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي: كم عطاؤك؟ قال: ألفان. قال: لحنت، كم عطاؤك؟ لم هي الأصل: كم عطاؤك، وقال: كم عطاك، فلحن الحاكم، فالشعبي لحن، فقال: ألفان ما قال. فقال عبد الملك للشعبي: لقد لحنت. فلاحظ ذكاء الشعبي ماذا قال، قال: لما ترك أمير المؤمنين الإعراب كرهت أن أعرب كلامي عليه. قال: لما أنت لم تعرب، صحيح أنا قلت ما بعرب صحيح حتى لا أظهر تميزي عليك.

ثم ليحذر اتباعه فيما يجانب الدين ويضل الحق موافقة لرأيه ومتابعة لهواه، فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة، فضلّوا وأضلوا. وقد روى الحسن البصري وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال هذه الأمة تحت يد الله تعالى وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها أمراءها، ولم يزكِّ صلحاؤها فجارها، وما لم يمالئ أخيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك رفع عنهم يده، ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، وضربهم بالفاقة والفقر، وملأ قلوبهم رعباً».

ومن آدابهم نزاهة النفس عن شبه المكاسب، والقناعة بالميسور عن كد المطالب، فإن شبه المكسب إثم، وكد المطلب ذل، والأجر أجدر به من الإثم، والعز أحق به من الذل. قال أنشدني بعض أهل الأدب لعلي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم

القصيدة الشهيرة طبعاً للجرجاني التي سارت بها الركبان: ومن أكرمته عزة النفس أُكْرِمَا ولم أقضِ حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سُلَّمَا وما بريق لاح لي يستفزني ولا كل من في الأرض أرضاه مُنْعِمَا إذا قيل هذا منهلٌ قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظَّمَا أُنهنهها عن بعض ما لا يشينها مخافة أقوال العِدا فيما أَقحما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم مَنْ لاقيتُ، لكن لأُخْدَمَا. أنا ما تعبت في التعلم حتى في المستقبل أصبح أخدم السلاطين وأصحاب الصنائع، بل بالعكس، لا أخدم! أنا أقول طبعاً لا يقصد أنه يريد أن يخدم، لكن على الأقل لا أريد أن أُستخدم من قبل غيري.

قال: أشقى به غرساً وأجنيه ذلةً، إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما، ولكن أهانوه فهان، ودنّسوا مُحَيَّاه بالأطماع حتى تَجَهَّمَا. لماذا كثير من الناس ينصرفون عن أهل العلم؟ لأن كثيراً من أهل العلم دنّسوا العلم ولم يلتزموا بشروطه وآدابه ومروءاته.

على أن العلم عوض من كل لذة، ومغنٍ عن كل شهوة، ومن كان صادق النية فيه لم يكن له همة فيما يجد بدّاً منه. وقد قال بعض الحكماء: من تفرد بالعلم، يعني من كان له همة في طلب العلم، لم يكن له همة فيما يجد بدّاً منه، يعني لم يكن له رغبة في أشياء يمكن أن يستعيض عنها. تمام، تجد همته في الطعام والشراب والشهوات لأنه وجد لذته في العلم. وقال بعض الحكماء: من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوى، ومن آنسته قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان. وقال بعض الحكماء: لا سميرك العلم، ولا ظهيرك الحلم.

ومن آدابهم أن يقصد وجه الله تعالى بتعليم من علمه، ويطلب ثوابه بإرشاد من أرشد، أن يكون المعلم مخلصاً، من غير أن يعتاضوا عنه عوضاً، ولا يلتمسوا عليه رزقاً. فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 41]. قال أبو العالية: لا تأخذوا عليه أجراً. وهو مكتوب عنده في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجاناً كما عُلّمت مجاناً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أجر المعلم كأجر الصائم القائم»، وحسب من كان هذا أجره أن يلتمس عليه أجراً.

ومن آدابهم نصح من علمه، والرفق بهم، وتسهيل السبيل عليهم، وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم، فإن ذلك أعظم لأجرهم، وأثنى لذكرهم، وأنشر لمعلومهم، وأرسخ لعلومهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس».

ومن آدابهم ألا يعنّفوا متعلماً، ولا يحتقروا ناشئاً، ولا يستصغروا مبتدئاً، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقّروا من تتعلمون منه، ووقّروا من تعلمونه».

ومن آدابهم ألا يمنعوا طالباً، ولا ينفّروا راغباً، ولا يؤيسوا متعلماً، يعني لا يقولون للمتعلم: ترى أنت ما أنت نافع، يشعرونه بالياس: أنت لا تصلح للعلم. لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم، والزهد فيما لديهم، واستمرار ذلك مفضٍ إلى انقراض العلم بانقراضهم. حتى لو كان الطلاب في هذا الزمن تقل هممهم، ما ينفع تقول للطلاب: ترى أنتم ما تصلحون، وضاعت همتكم قاصرة، وأنه ما جماعة أنتم لستم من أهل العلم، أينكم من همم الأوائل؟ يا أخي الله يرحم والديك، ترى الناس الأوائل أحياناً برضه في ظروف ساعدتهم من طبائع المجتمع وقلة المشغلات والملهيات. الشاب اليوم الناشئ أعانه الله، هذا شاب يأتيك من ظل مستنقع الشهوات يخرج ويأتيك ليتعلم، ما بين ذل الحياة وضعف المعيشة والسوشيال ميديا والجامعة المنهكة وكثرة الفتن حوله. أحياناً قد يكون فيها برضه التقديم من شأن العلم.

لكن أيضاً إشعاره أنك لا شيء، وأن أنت لا تفهم، ولا أفلحت، وأمورك لا تصلح، وكيف كذا؟ وانظر في سير أعلام النبلاء وسير الأوائل؛ حتى نكون أحياناً منصفين مع واقعنا، أن الأوائل كان هناك أمور ساعدت خارجة عنهم، أمور قدرية كانت محيطة بهم في أزمنتهم. ما كان في هناك حالة من الصهيونية والماسونية العالمية في القرن الرابع والخامس تحاول أن تنزع الشخص من بيته ومن كرامته وأخلاقه، وما كانت هناك الجامعات المختلطة وضيق العيش بمعنى أن هناك من يسعى ويقصد تكدير العيش. تمام، كان في فقر، كان في شيء، لكن أنا أقصد كان الأمور فيها نوع من المرونة والسهولة، وكان هناك نوع من الاستقامة في أمور الحياة، ما كان التليفون موجوداً وما كان، عرفت؟ اليوم كثير من الأمور اختلفت على الشباب المعاصر.

وبالتالي لا ينفع أنك تكون محبطاً لهم، وأن تطالبهم بسقف ابن تيمية وابن القيم وابن رجب والأئمة الأوائل، وأنكم إذا لم تكونوا مثلهم فأنتم.. أنت نفسك كعالم لست هكذا، أنت نفسك كمدرس أنت لست من سقف الأوائل، كن واقعاً مع نفسك. فالخطاب المتوازن الذي يشعر الطلاب: أنتم تستطيعون بإذن الله، أنتم تستطيعون أن تقدموا شيئاً نافعاً، استعينوا بالله، حصلوا من العلم، تستطيعون، اخدموا أمتكم؛ هذا الخطاب يجعلهم يرغبون ولا يجعلهم يشعرون بالإحباط واليأس. فالمعلم الناجح هو الذي يزرع الأمل والقدرة عند الطلاب، وأنهم إن شاء الله يقدمون شيئاً لأمتهم، وليس الإحباط والرجوع.

نعم، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئك بالفقيه كل الفقيه؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يؤيسهم من روح الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى ما سواه». ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر.

قال: فهذه جملة كافية، والله هذه جملة كافية. وهكذا انتهينا من كتاب العلم، والدرس القادم إن شاء الله نبدأ في الباب الثالث من هذا الكتاب وهو في أدب الدين. اللهم علمنا وانفع بنا وانفع الناس بما قلناه، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.