دخولتسجيل الدخول

المجلس الرابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. يا رب حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك في هذه العودة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيها الدروس العلمية بعد قضاء شهر رمضان. الصوت جيد، نتاكد مشايخنا أحبابنا ممتاز الصوت.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اشغلنا بالحق وبطلب العلم النافع، واجعلنا من أهله ومن أهل العمل الصالح. ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا دوماً همة على طلب المعالي وعلى طلب ما ينفعنا.

والإنسان أيها الشباب عندما ينظر في حال الأمة اليوم يعرف أنه لا مناص من طلب العلم، لا مناص من أن يبقى الإنسان مشتغلاً بإصلاح نفسه من خلال مجالس التعلم، وأن يتفقه وأن يتبصر وأن يزداد حكمة ومعرفة؛ فإن الفتن على الأمة تشتد، والقادم صعب. القادم صعب هي ملاح تترى وفتن تتتابع وتهجم على هذه الأمة، ومن لم يسلح نفسه بالعلم النافع، ويتعلم من حكمة الكتاب والسنة ومن كلام العلماء الربانيين ما يصلح قلبه وما يبصره في خضم الفتن أين يضع قدميه، سيسقط.

أحياناً قد يظن البعض أن طلبه للعلم إنما هو من باب إشغال شيء من الوقت، وأنني أمتلك ساعات في الحياة، جيد أن أفعل فيها نوعاً من الثقافة الشرعية. لا، العلم ليس ثقافة، وخاصة في هذا الوقت، نحن لسنا فقط نعبئ ساعات فراغ كما يتوهم البعض، أو مجرد نتجمل بالعلم تجملاً من باب الازدياد المعرفي. لا، أنت هنا حقيقة لا تملك خياراً آخر، خاصة في هذه المرحلة الحساسة من حياة الأمة، لا تملك خياراً آخر غير أن تطلب العلم. لو حاول الشيطان أن يصدك، أو أن يملك، أو أن يجعلك تشعر بالسأم من طول الطريق، عليك أن تقنع نفسك ما هو البديل؟ ما هو الخيار الآخر؟ الخيار الآخر أن تهلك فعلياً.

الخيار الآخر الآن أن تضيع وأن تتيه في فتن تعرض على القلب كالحصير عوداً عوداً قادمة على هذه الأمة، وإنما ينجح الإنسان في اجتيازها بعد توفيق الله أولاً وآخراً، والاستعانه به، بما بعد ذلك من وجود العلم النافع والحصيلة المعرفية التي يكون سمعها من مشايخه ومن أهل العلم ومن الأساتذة الفضلاء، أو قراها في مصنفات العلماء عبر هذه المجالس في أي برنامج من هذه البرامج النافعه الموجودة. فانت يا أيها المسلم، ويا أيها الشاب، ويا أيتها الاخت الفاضلة، لا ينبغي خاصة اليوم أن تتكاسل. الأمة تحتاج الجميع، وتحتاج الفقهاء، وتحتاج الحكماء، وتحتاج أصحاب الخبرة وأصحاب النظر وضابط المعرفة، وأن يرتفع الوعي لدى الشباب المسلم اليوم في خطورة ما هو قادم، ويكون لديهم سلاح من العلم النافع يعينهم على، لا أقول على الاجتياز التام، على الأقل أن يفهم أين يضع قدمه في زحمات الفتن وأزماتها.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يشغلنا بهذا العلم، وأن يبصرنا، وأن يفهمنا، وأن يعيننا على أن نفهم الكتاب والسنة. وهذا أساس العلم، أساس العلم هو الكتاب والسنة، وفهم سير النبي عليه الصلاة والسلام وهدايات القرآن. ثم بعد ذلك هذه الكتب التي نجلس وننظر فيها، وناخذ منها الأفكار والنظريات وكلام الحكماء والعقلاء.

اليوم الأمة يا شباب في خضم زحمة الأفكار والفتن وما يحيط بها يقل فيها الفقهاء جداً. يعني في العادة أنظر وأتأمل في أقوال من يخرج في البودكاستات، أو يخرج في المقابلات، أو يخرج في كثير من الدعاة، أو من يمارس الدعوة أو الفكر وما شابه ذلك، حقيقة من يعرف منهم ما يقول قليل جداً جداً، من يعرف ما يقول ويوجه الشباب نحو فعلا ما نعتقده ديانة إلى الله وخير وصلاح قليل جداً. لأن الفقهاء بمعنى الفقهاء، فقيه النفس، الفقيه بمقاصد الشريعة، الفقيه بما يريد الله أن يكون الآن وما لا يريد، هذا حقيقة لا يأتي باليوم ولا باليومين، ولا يصنع بدراسات الجامعية المهترئة. هذا إنما يصنع بالسنوات وملازمه الكتب وملازمه الدروس والدرس بعد الدرس والمتابعة بعد المتابعة. هكذا بعد سنوات ينمو هذا الشخص ليصبح يفهم ما الذي يليق به في الواقع المعاصر أن يكون من مقاصد الشريعة، وما الذي لا يليق به أن يكون كذلك.

وهذه الملكة أعود فأقول إنما تنتج مع مرور الأيام والسنوات من القراءة والمجالس والتعلم والحفظ والمدارسة والمناقشة. نعم تبدأ تشعر أنني بدأت أفهم وبدأت أعقل. واليوم نحن بأمس الحاجة إلى فقهاء النفس، إلى أصحاب الملكات، إلى الصادقين الغيورين على أمتهم مع تعبهم في تحصيل العلوم النافعة.

والفكر، طبعا لما نقل من الفكر، الأمة تحتاج إلى مفكرين سياسيين واجتماعيين ونفسيين وفقهاء. والفقيه اليوم المعاصر الفقيه الذي يريد أن يتكلم بلسان الشريعة يجب أن يكون أيضاً ملمّاً بما هو واقع الأمة اليوم السياسي والاجتماعي والنفسي والواقعي وأزماتها وتحدياتها حتى يتكلم الإنسان بمعرفه وعلم وتكون كلمته في مكانه. أحياناً تشعر أن البعض أصبح يتكلم من أجل أن يتكلم، وأصبحت مع فضاء السوشيال ميديا المفتوح وسوق البودكاست وسوق الحوارات الكل يريد أن يبدي وجهة نظر، والكل يحلل والكل يقدم. لكن حقيقة النافع الصحيح الذي يسير باتجاه مبارك قليل، لماذا؟ لأنه قل هم الذين يتكلمون عن علم شرعي مؤصل. والبعض مشوه، البعض يتكلم بكلام يضل الجيل، البعض يتكلم بكلام قد يكون فيه إما إفراط أو تفريط. وكيف أرى أنا الخطوط هذه الدقيقة ما بين الإفراط والتفريط؟ من خلال العلوم النافعة، تفهم كيف كان منهج العلماء عبر تاريخ الأمة، وما هي أزمتنا الفكرية في الواقع المعاصر.

من أجل هذا نحن نعقد مثل هذه المجالس في قراءة أدب الدين والدنيا للماوردي وغيرها من الكتب التربوية والمنهجية والفكرية والتي نلتقط فيها أطايب الحكم ونعلق على درر كلام العلماء. أيضاً في البداية أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في غزة بالتحديد، فإنهم في كرب عظيم وفي أهوال يوم القيامة، كما يقولون، في أهوال يوم القيامة، فإن المصاب جلل، الأمة ما عادت تستطيع أن تتقدم أو تتاخر في هذا المجال ومن حولهم كما يقولون باع القضية. والله سبحانه وتعالى هو الذي يتولاهم بولايته، فالمصاب جلل وعظيم، والآلام والجراح وشلالات الدماء النازفة تدني القلب الله، وليس لها من دون الله كاشفة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتلطف بحالهم، وأن يبصرهم في اختياراتهم، أسأله سبحانه وتعالى أن يمزق جموع اليهود والمنافقين والصليبيين ومن حالفهم على قتل المسلمين، أن يجعل لهم من أمرهم رشداً، وأن يوفق إخواننا المرابطين والمقاتلين لاتخاذ القرارات الحكيمة في هذه الساعة وما يليق بها، وأن يتوقف هذا الجرح النازف، وأن يضمض الله سبحانه وتعالى جراحهم، وأن يتلطف بأيتامهم وأراملهم وشيوخهم.

وهذا جرح يجب على الشاب المسلم اليوم أن يكون مهتماً بقضايا المسلمين، وأن يعرف أن الجرح كبير، وأن من سكت اليوم غداً سيبتلى، وأن ما يحصل في غزة اليوم ليست دماء أهل غزة رخيصة مقابل دماء باقي المسلمين، كلا والله. والدماء التي دفعها أيضاً الشباب ليست رخيصة مقابل دماء باقي المسلمين. فليعرف كل إنسان مسلم آمن في سربه معافى في بدنه يشعر بالراحة والرغد في الحياة أن من لم يقف اليوم مع قضايا إخوانه غداً ياتيه الدور، وأن من هو اليوم آمن غداً مبتلى.

لأن بعض الناس، إحنا اللي عاشوا في هذا الجيل، خلاص هو بيعرف مناطق الصراع هي منطقتين ثلاث أربعة، والباقي مناطق خلاص آمنة مليئة بالطعام والشراب ورغد العيش، فيها إشكالات لأنه صار له ثلاثين أربعين سنة لم يرى فيها مشاكل. لا، تك, تفهم، الكون يتغير والحياة تتقلب. نسأل الله أن يقينا الفتن في جميع بلاد المسلمين، وأن يحقن دماءنا، وأن يعيننا على نصرة دينه وكتابه وشريعته.

لكن عليه الإنسان حتى إذا رآك الله سبحانه وتعالى مهموماً لإخوانك، منشغلاً بقضاياهم، حريصاً على مساعدتهم بأي شكل من أشكال المساندة، الله سبحانه وتعالى إذا بتعينهم وجد وتجد من يقف معك، أن الجزاء من جنس العمل. الجزاء من جنس العمل، من وقف مع إخوانه الله سبحانه وتعالى يعينه ويهيئ له من يقف معه. أما من كان خذولاً لإخوانه تاركاً لهم، لا يهمه إلا شبع بطنه وقضاء وطنه ومتعة حياته، وكأنها تلك الديار ديار لا يعرف أصحابها ولا يعرف أهلها، وما زال مؤمناً بهذه الفرقة التي أحدثتها حدودنا بيننا، ذاك الشخص عليه أن ينتظر وأن يترقب؛ فإن العقاب شديد، فإن العقاب شديد، والله سبحانه وتعالى لا يرضى للمؤمن أن يخذل أخاه المؤمن.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الواقفين مع إخواننا بكل ما أوتينا من قوة وسعة، من طرح قضاياهم، من التذكير بها، من تقديم سبل الدعم المالي لهم على قدر استطاعة كل شخص منا، وأن يعطيهم الرأي والفكر والعلم وكل ما يحتاجونه، وأنك حتى بالمواساة لإخوانك بالسؤال عنهم بأي طريقة ما وفقك الله عز وجل لها، يجب أن تكون جزءاً من هم الأمة.

طلب العلم لا يعني أن الإنسان يكون خارج التغطية، طلب العلم لا يعني أن الإنسان يكون منعزلاً عن الحياة والواقع، بل بالعكس، الصحابة الكرام عندما كانوا يطلبون العلم، ماذا كان طلبهم العلم؟ العمل، العلم بالعمل، يتفقهون في دين الله في المسجد وكذا، وشوي ولا غزوة بدر، وشوي بعد ذلك يعود إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويلتفون حوله في المجلس، شوي ولا دخلت غزوة أحد. يعني هو علمه عمل في نفس الوقت، يعني حتى بعض الناس يظن أنه في طلب العلم أنه لازم نأخذ كل الأمة فترة لطلب العلم ما في عمل، فش معارك في مدافعة بعدين بنرجع.

لا، هذا تصور هوهلامي، هي مش القضية يلا خلينا نقعد ستين سبعين سنة نطلب العلم لا نعمل، ثم بعد ذلك نبدا العمل. لا، هو علم وعمل؛ أنت تدرس هنا وغداً تقاتل هنا، ثم تعود تدرس هنا وغداً تقاتل هنا. ولم تأتي على الأمة مرحلة يتوهمها البعض أنه جاءت الأمة أوقفت عمليات مدافعة الأعداء مشان يلا الشباب تطلب العلم بعدين رجعوا، هذا لم يحصل، وإنما كان هناك مجلس علم هنا وهناك من يقاتل هنا، هكذا كانت الأمة، وهكذا الوضع الطبيعي مدافعة.

فيجب أن تفهموا أن في أي لحظة أنت تطلب، في أي لحظة تناديك، في أي لحظة قد ياتيك البلاء إليك، فالإنسان يعد نفسه قدر المستطاع، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا التعلم هو زاد لنا في لحظات المحن يكون عدة لنا. وبئس الإنسان يعيش في هذه الدنيا مسلماً تاتيه ساعة المحن ولا عدة له. هذا العلم يا شباب عدة ستجد تجد أنت ثمرته، قد لا تجدها الآن الآن لأنك لست ممتحناً، لكن في وقت من الأوقات ستحمد الله على انك اقتطعت من ساعتك ومن وقتك ساعات لتطلب العلم النافع، ولتفهم ولتعرف كيف هي الحياة وسنن الله سبحانه وتعالى. هذه تحمدها عندما تتزاحم الفتن على الناس وتكون أنت تعرف أين تضع قدمك، بينما ترى الناس حيارى وسكارى ولا يعرفون أين يتجهون في مسارات الحياة، أنت ببركة العلم النافع الذي تعبت في تحصيله وفقك الله سبحانه وتعالى وعرفت.

فأسأله عز وجل أن يشغلنا بالباطل، وأن لا تتقاصر الهمم وأن يأتي الفتور ليحل على قلوبنا. نسأله سبحانه وتعالى أن يبارك في أعمالنا وأقوالنا.

نبدا أيها الكرام ما انتهينا إليه من التعليق على كتاب أدب الدين والدنيا للإمام الماوردي رحمه الله عليه، وهو كتاب حقيقة نافع وجميل وقد حشي من حكم الحياة الكثيرة في مختلف دروبها في العلم، في الدين والدنيا، في كل شيء. هذا الدين والدنيا تلتقط فيه من حكم الحياة الكثير الكثير. ضمن الكلام الذي رتبه الماوردي عليه رحمه الله، قبل رمضان كان الدرس الأخير في باب في الباب الثاني، نحن وصلنا ما زلنا في بدايات الكتاب، وفي كتاب أو باب أدب العلم، ووصلنا إلى فكرة جميلة يحتاجها كل إنسان في السلك المعرفي، وهو قول بعض الحكماء: اقرأ، هذه بدانا فيها وسيستوعب الماوردي بعض الصفحات في التعليق على هذه الحكمة وبسطها وشرحها، وأي منهج على الإنسان أن يعرف منهج في التعلم؟

يقول: قال بعض الحكماء: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم صل وسلم لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين. قال بعض الحكماء: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه؛ قلب مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور. تمام، الآن كيف تتم العملية التعليمية بنجاح؟ يعني هذا هو عنوان هذه التغريدة كما يقولون. كيف تتم العملية التعليمية بنجاح؟

قال: حتى تتم العملية التعليمية بنجاح، والمعلم يوصل الفكرة بتمامها إلى الطالب المتعلم، لابد من وجود ثلاث عناصر. ما هي؟ قال: قلب مفكر، الطالب المتلقي والمعلم كلاهما يجب أن يمتلك عقلاً جيداً، القلب هنا العقل المفكر. ولسان معبر، أن يمتلك اللسان. وبيان مصور، يجب أن يمتلك المعلم قدرة على ماذا؟ على حسن بيان المسالة وتصويرها حتى تصل إلى الطالب.

إذاً نحتاج إلى قلب مفكر في طالب الآن مستعد للتفكير، وهناك لسان يعبر عن المسائل المراد إيصالها؛ لأن طريقة إيصال الأفكار وهي من نعم الله علينا هي اللسان، هي الطريقة لإيصال الأفكار من الجيل الماضي إلى الجيل الحاضر إلى الجيل المستقبلي، اللسان. لكن اللسان وحده لا يكفي إذا لم يكن يمتلك القدرة على البيان، يعني في إنسان أنت ممكن تسمع له لكنه أنت مش فاهم عليه، ممكن أستاذ تسمع له شرح كتاب كامل.

لكنه ما عنده قدرة على البيان التصويري، أن يبين المسألة ويعيها: آه والله هذا بفهم عليه، هذا ما بفهم عليه، مع أن كلاهما عنده لسان معبر.

فلا بد يكون له قدرة على ايش؟ على البيان المصور، بيان قدرة على تصوير المسائل وتبيينها وحسن ترتيبها حتى تصل إلى الطلاب. فإذا نجاح العملية التعليمية قلب اللي هو العقل واللسان والقدرة على البيان. طيب.

قال: فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه. الآن بعد أن عرفنا المحاور الثلاث سنعرف كيف نوظفها. يقول: فهذا الطالب، هذا الطالب طالب العلم، إذا عقل الكلام بسمعه -الآن هي وسيلة انتقال المعرفة بالنسبة للطالب عن طريق السمع، بيسمع كلام مشايخه- يقول لك: فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه. إذا هو أحسن الاستماع، لأنه أحيانا ممكن يكون عندك المشكلة مش في القلب، في السمع، أنه أصلا أنت ما سمعت كلام المعلم بشكل صلب؛ صوته ضعيف، أو كان بعيد، أو كان الصوت مشوش على التسجيل، فهنا المشكلة كانت في، مش في القلب، لا في السماع الأول.

فهو يقول لك: إذا عقل الكلام بسمعه، إذا الكلام فعلا دخل كاملا صحيحا من خلال وسيلة السمع وصل إلى قلبه، ففهمه، ففهم معانيه بقلبه. طيب.

وإذا قال: وإذا فهم المعاني سقط عنه كلفة استخراجها وبقي عليه معاناة حفظها. نعم. الآن إذا ربنا سبحانه وتعالى وفقك أن سمعت الكلام صحيحا وفهمته، هنا المعلم كفاك مؤنة ايش؟ استخراج هذه المعاني. أنا بعطيك إياها جاهزة، فمؤنة استخراج، ما معنى زالت عنه مؤنة استخراجها؟ أنه أنت لن تتعنت في عملية الوصول إلى هذه المعاني والبحث عنها. لماذا؟ لأنك أخذتها جاهزة من خلال معلم تعلمها، فهو يقدمها وجبة جاهزة هنيئة مريئة تأخذها. بقي فقط؟ بقي عليك ماذا؟ أن تحفظها.

بقي عليك فقط عملية الحفظ. طيب. قال: لأن المعاني شوارد تضل بالأغفال، والعلوم وحشية تنفر بالارسال. شوف الكلام الجميل، أظن هذا علقنا عليه، عبارات رشيقة جميلة بيستعملها الماوردي. يقول: لأن لماذا على الإنسان دائما أن يتعود الحفظ ولا يعتمد فقط على الفهم الأولي؟ كثير من الطلاب ينفر من الحفظ، يقول لك: خلص شيخ أنا فقط بعتمد على الفهم، الفهم خداع.

الفهم يخونك، بمعنى أنت الآن فهمتها، لكن غدا عندما تحتاجها هذا المعنى قد لا تجده مستحضرا. لبيان قيمة الحفظ قال: لأن المعاني شوارد، كالناقة الشاردة التي تهرب من صاحبها، المعنى قد يشرد فتضل بالأغفال؛ أي ناقة أنت لم تراقبها يوميا تضل تذهب وتهرب. نفس الشيء هذه المعاني، إذا لم تتعاهدها يوميا على الأقل بالمذاكرة والمراجعه ستضل بسبب أغفالك لها، يعني بتروح عنك.

كمل قال: والعلوم وحشية تنفر بالارسال. العلوم يشبه العلوم بماذا؟ بالحيوان الوحش، الحيوان الذي يعيش في الغابات ولا يألف الناس، مش الحيوانات تقسم حيوانات وحشية وحيوانات أهلية؟ يقول لك: العلوم بطبيعتها وحشية، هي أصلا بعيدة بتعيش في الأدغال. قال: والعلوم وحشية، بمجرد، بمجرد ما تتركها يوم يومين، زي الشباب اللي تركت، خلص، رمضان، في طالب علم أقول لك قرآن ماشي، فبتلاقيه في رمضان ما قرأ وما اهتم حتى بمعاني التفسير، فكثير من الشباب بعد رمضان بيحتاج فترة حتى يبلش الشحن عنده ايش؟ يزداد.

بيكون هو قبل رمضان لأنه درس بعد درس بعد درس، لا، هو همته مستمرة، بس خليه يجلس له هيك شهر بدون دروس علمية، تبط الهمة، وبالتالي بصير عملية إعادتها مرة أخرى لحضور الدروس: يعني بدي شيخ هيك صاعقة كهربائية. فيقول: والعلوم وحشية، العلوم الشرعية والعلوم بشكل عام عملية التعلم هي عملية كأنها في الأدغال تنفر بالارسال، بمجرد بس ما تترك طلب العلم فترة قصيرة يرجع إلى الأدغال، ويصبح عملية استحضاره مرة أخرى وهذا فيها نوع من المكابده.

لذلك دائما مشايخنا ينصحون أن الإنسان ما ينفع أن يترك طلب العلم حتى في الأوقات المباركة ولو بنزر يسير؛ ليه؟ لأنهم يعرفون أنك إذا تركت مجالس العلم شهرين ثلاث أصبح العلم وحشيا بالنسبة لك، لا يألفك ولا تألفه.

كنا أيام المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة واتم التسليم، عادة الطلاب لما يرجعوا من إجازة الصيف ويبدأ الفصل الأول، تجد الشباب، شباب في أول شهر جامعي مستويين تماما، بيقولوا لك: همة الحفظ تعبانة وكذا. ليه؟ لأنه جايين من الإجازة الصيفية، كانوا في بلادهم، جايين من الإجازة الصيفية. وللأسف أنه في الإجازة الصيفية أكثرهم ما كان، يعني يكون لذيذ ورد علمي ثلاثة أشهر في الصيف يكون هذه، خلص، بيقول لك هذه ما في فيها دراسه. طيب، ثلاثة أشهر في السنة راحت بدون دراسة، ترجع بعد ذلك إلى أول الفصل الدراسي بيكون الكل ما عنده همة، والشباب متململة وكذا وهيك، يعني واضع عدم الارتياح، لحتى هاي شهرين ثلاث خلص بلش، بلشت تصحصح الشباب، بلشت الهمة ترجع إليهم.

بس شو المشكلة؟ أن بعض الشباب لحتى ما هاي يرفع سقف الهمة لديه، ولا جاي عطلة نصف السنة بروح بيرجع على بلده. رجع، رجعنا لمستوى الصفر بعد ما ترجع العطلة ما بين الفصلين، يعود مرة أخرى منها، يلا، يعود متململا كالعادة، بده يشحن، يشحن، يشحن، بتطلع الهمة لديه بعد شهر ولا جالي العطلة الصيفية من جديد، فضيع العلم. لماذا؟ لأنه هو بالكاد يصعد إلى أعلى درجات استعداد النفس للتلقي إذا به يعود يكسر نفسه.

لذلك في حياة طالب العلم ما في عطلة، ما في شيء اسمه عطلة، في حياة، الحياة المعرفية الشرعية ما فيها عطل، فيها أن أخذ نفسي والله هيك يوم رحلة مع الشباب، فيها هيك جلسة طيبة مع مشايخ كذا، ويكون حذف مندي والشغلات الطيبة، يعني هيك في عندك يوم رحلة، يومين، شغلات خفيفه، لكن والله شهر، شهرين، ثلاث، بعدين إن شاء الله أطلب العلم، لا، ذهبت.

نعم، قال: فاذا حفظها بعد الفهم أنست، وإذا بها بعد الأنس رست. جميل، يعني فهذه المعلومات إذا حفظتها بعد الفهم -وهذا هو حال طالب العلم عندما يكبر، طلاب العلم الصغار اللي عمرهم خمسة، ستة، سبعة، نعم، ممكن نشغلهم بحفظ منظومات ومتون هم لا يفهمونها، صح، استغلالا لصغر عمرهم حتى من حفظهم القرآن هم قد يكونوا مش فاهمينه، لكن إذا الإنسان أصبح مثلكم في سن الشباب لا، هذا الأولى أن يكون حفظه بعد الفهم- يعني الآن في من هو في مثل عمركم أنا لا أنصحه أن يحفظ متنا هو لا يفهمه. افهم البيت، افهم النص، بعدين أحفظه، سيسهل عليك جدا، لأننا الآن لأننا نكبر نعتمد في الحفظ على صناعة التشابكات التشعبية، صح؟ يعني أن هذا البيت تكلم عن كذا كذا، هيك بحفظ. فانت لابد تفهم معنى البيت حتى تستطيع تعمل ارتباط تشعبي تحفطه من خلاله. نعم.

فلذلك قال: فإذا حفظ المعاني بعد فهمها أنست، استقرت عندك، وإذا ذاكر بها، لاحظ أهمية المذاكرة، وإذا ذاكر بها بعد الأنس، إذا أنت تحفظ لتانس، فإذا ذاكرت بها بعد الأنس بقيت تراجع، اللي هي المراجعه، الآن هو صح بيستعمل مفرداتنا بس هو يقصدها، أنت تحفظ اللي هو الحفظ الأولي استقرت، بس بعدين بدك ايش؟ تداوم على تكرارها، فإذا ذاكر بها بعد الأنس رست، وأصبحت راسخة.

لذلك دائما تعود أن تحفظ حتى لو كنت تعلم أنك في المستقبل لن تجد وجتا لمراجعة الألفيات والمتون. لإخواني، إخواني بالخبرة الشخصية بقول لك اياها وخبرة مشايخنا كلهم كما قال الماوردي، أنت في سن الشباب الآن أحفظ، أحفظ المتون، بالتاكيد لما تكبر مع مشاغل الحياة والأولاد لن تجد الوقت الكافي لمراجعة كل محصولك من المتون، لكن ما الذي يحصل في الناحية المعرفية العلمية؟ أنه أنا حفظت المعاني لما اخذت أنا فهمت المعنى من الشيخ حفظته، ايش قال لك؟ أنست. ذاكرت هذا المتن في فترة من العمر، ذاكرته مرة ومرتين (بعد الأنس ذاكرت واستشرحته وأعدته)، هذا معنى قال: فمع الوقت بعد الأنس تصل لمرحله رسو المعنى، شو يعني رسو؟ أن المعنى متخمر، يعني حتى لو أنني نسيت ألفاظ المتن، لكن المعنى موجود، خلص، رسخ.

أنت، عفوا، صاحب صنعة، ممتاز، علموك في الحياة الجامعية، أو صح حداد أو نجار، علموك أسس هاي الصنعة، فبجلست تحفظ شو بيعمل معلمك؟ حفظ، حفظ، بعدين جربتها وأصبحت تمارسها، طيب سنة، سنتين، ثلاث، خلص تصبح المعلومات، الصنعة موجودة تلقائيا، مش لا تكد في استحضارها، ماشي، ربما نسيت بعض الألفاظ اللي كنت ماخذها في الكتاب الجامعي، نسيتها، لكن أنا خلص هي هيك، هي، هي هكذا، لأن المعنى رسى.

فاذا هو أنس مع المداومة على المذاكرة يصبح رسوخ. إذا وصلت درجة الرسوخ قد لا، يعني يقول لك من الأهمية بمكان لدرجة عالية أنك مستحضر لألفاظ المتن أو لا؟ لأنك ماذا؟ أصلا المعنى رسخ. هذا مهم، لأن بعض الطلاب يصير يقول لك: طيب ليش الحفظ يا شيخ؟ طيب أنا معقول كل هذه المتون اللي بدي أحفظها الآن لما يصير عمري 40 وعندي أولاد وعيلة وكذا بدي أضلني أراجع فيها؟ وفي الواقع أنت ربما تحتاج تراجع كم بعدين، وأغلب الألفاظ قد تبدا يعني تشرد، لكن الذي يشرد اللفظ والمعنى رسخ؛ لأنك في فترة العذا، التكرار، أنست، استشرحته، أصبح راسخا، لا تقلق من ذهاب الأصل المتن بعد رسوخ معاني.

نعم، قال: وقد قال بعض الحكماء: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم. جميل. وقال الشاعر: إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ولم يستفد علما نسي ما تعلم فكم جامع للكتب في كل مذهب يزيد على الأيام في جمعه عمة

نعم، الذي، بعض الناس يجمع الكتب بس الكتب مصفطة ما لا تفتح هذه الكتب، فهذا يزداد ضيعا. نعم.

قال: وإن لم يفهم معاني ما سمع كشف عن السبب المانع منها. اه، الآن الحالة الثانية، إذا الحالة الأولى طالب العلم الذي سمع سماعا صحيحا وفهم، وهذا نصحناه بعد ما تفهم احفظ ثم ذاكر. طيب، إذا الحالة الثانية يقول لك الطالب: أنا سمعت كلام الشيخ والأستاذ لكنني لم أفهم. أمامك يكون بعض الطلاب، هذا طالب سمع ففهم، في طالب آخر بيقول لك: أنا سمعت يا شيخ المساله منك لكنني لم أفهمها. ما سبب عدم الفهم هنا؟ سيعالج الماوردي هذه القضية.

يقول: وإن لم يفهم، يعني الطالب، معاني ما سمع من استاذه، بده يحاول يكتشف عن السبب المانع منها، أي من الفهم لمعانيها، لماذا لم تصل؟ قال: ليعلم العلة في تعذر فهمها، فإن بمعرفة أسباب الأشياء، قال: فإن بمعرفة أسباب الأشياء وعللها يصل إلى تلافي ما شذ وصلاح ما فسد.

شوف هذا الكلام الجميل. أنت لما تعرف سبب عدم فهمك، يقول: أنت لما تعرف سبب أي شيء في الحياة، مش بس عدم فهمك، لما تعرف أسباب الأشياء وعللها تصل إلى تلافي ما شذ، يشذ، تصل إلى تلافي شذوذه وتحكمه، وإصلاح ما فسد. دائما الإنسان وهذه حكمة شوي في الحياة، يعني هو حتى حاول أن يخرجها الماوردي في ثوب الحكمة، أن هذا مش بس في هذا الموضوع، لا، في حتى في حياتك العملية، حاول دائما أن تكون إنسان تنظر في علل الأشياء في الأمور، في السياسة، في العلوم الاجتماعية، في الواقع، حتى مشاكلك الحياتية، مشاكلك مع أبنائك، مشاكلك مع زملائك، مشاكلك مع زوجتك، أي مشاكل، حاول دائما تكون إنسان هيك تحليلي، ما تكون إنسان يعني دق، كما يقولون، اللي خلص شاف الشغلة، لا، هي هيك وكذا.

لا، بعض الشباب تشعر أنه ما بده يسعى للتفكير والتحليل. الشخصية التحليلية تستطيع في كثير من الأمور إصلاح ما فسد كما يقول، تستطيع أن تتلافي الإشكالات في الحياة، أنه أنا بدي اعرف هذا، هذا الشيء، ما سببه؟

لأن بعض الشباب بيجي يناقشوك: والله شيخ أنا عندي مشكلة دائما مع زوجتي كذا وكذا وكذا. بتيجي بتقول له: طب أي حاول تعرف يوم من الأيام تدرس شو أسباب هاي المشاكل اللي بينك وبينها؟ لا، بس ما هو شيخ بصير يعطيك وكذا. هو ما جلس في يوم من الأيام جلس يفكر: ما هي الأسباب التي تسبب هذا النوع من المشاكل بينه وبين زوجته؟ ولو عرفها بتيجي تقول له: ليكون كذا كذا إيه. اه والله شيخ كلامك صحيح ترى المشكلة هذه. طب أنت لماذا يعني جلست ربما سنوات تتعنى في مشاكل مع الزوجه وما جلست مره تحلل أسباب المشكلة؟ لأنك ملاحظة الأسباب هو لاحظ هذا الكلام دقيق، هي حكمة الحياة يا إخواني، الذي يعرف أسباب الاشكال يستطيع أن يصلح ما فسد من علاقات زوجية، من علاقات مع إخوانه، مثلا في إخوانك، بينك وبين أخ لك مشكلة وتتكرر، طب حاول تعرف شو سبب المشكلة أن تفهمها.

نفس الشيء في الواقع، برجع بقول لك واقع الأمة الدعوي والإشكالات الدعوية عندما تحصل إشكالات و... طب حاول نعرف ما هي أسباب تكرر خطأ معين في الحياة الدعوية المعاصرة أو إشكال معين؟ هذا الكلام ما تعتبره كلام إنشائي، هذا كلام علماء كبار لما يقول لك: معرفة أسباب الأشياء وعلل الأشياء تساعدك هذا إلى...

تلافي الأشياء التي شلت وابتعدت، لا تستطيع أن تعيدها مرة أخرى إلى المكان الصحيح، وإصلاح ما فسد. أستطيع أن أصلح الأشياء التي فسدت لأنني عرفت أسباب الفساد وأسباب وقوع الخلل. فهذه حقيقة من الأمور التي قل للأسف من الطلاب أن ينشغل بها، لكنها والله هي علاج لكل شيء إن شاء الله؛ أن تعرف الأسباب فتعرف كيف تعالج.

طيب، الآن بالنسبة لقضيتنا، نرجع: أنا عندي مشكلة أنني لا أفهم على المشايخ ما يقولون. خلينا نحاول نحلل ما سبب هذه المشكلة؟ قال: وليس يخلو السبب المانع من ذلك من ثلاثة أقسام: إما أن يكون لعله في الكلام المترجم عنها، وإما أن يكون لعله في المعنى المستودع فيها، وإما أن يكون لعله في السامع المستخرج.

طيب، الآن هذا بالسبل والتقسيم الماوردي، بيقول لك: أسباب عدم فهم الطالب لكلام الشيخ يعود إلى واحد من ثلاثة أمور. السبب الأول قد يكون لعله في الكلام المترجم عنها؛ يعني الشيخ استعمل كلاما لإيصال المعلومة لديك، الكلام مش واضح. إذاً، السبب الأول ما هو من، وهذه المشكلة هنا في الشيخ؛ أنه أحياناً اختار كلمات يعبر بها عن المسألة، لكن الكلمات هي فيها خلل، فعلاً هي ليست هي أفضل كلمات يعبر بها عن المسألة. لا، كان بإمكان الشيخ أن يستعمل عبارات وكلام أوضح للتعبير عنها. إذاً، المشكلة الأولى قد تكون في نفس الكلام الذي عبر به الشيخ عن المساله.

وقد تكون المشكلة في المعنى نفسه. وسياتي معنا الآن، سيبدأ يحللها واحد واحد؛ أنه كلام الشيخ صح، بس المعنى اللي بيتكلم فيه قد يكون أعلى من مستواي الذهني. صحيح؛ يعني الشيخ، بعض الشباب لما نكون نشرح متون متقدمة هو لساته مبتدئ، يعني المسألة ما في غير هيك، يعني هي العبارات التي يعبر بها عن المسألة. طيب، إذاً المشكلة مش في الكلام، المشكلة في إيه؟ في المعنى الموجود؛ أن هذا المعنى الذي أريد أن أوصله قد يكون أعلى من مستواك التعليمي؛ يعني انسان ما زal -عفواً- ما قرأ الآجرومية بتيجي تعطيه مسائل دقيقة في ألفية ابن مالك! يعني شو ما رحت فيها وجيت، ما هو المعنى هذا مش وقته، هذا المعنى كان يسبقه خمسين ستين معنى، وهذا ما نسميه التدرج في طلب العلم وتعلم صغار العلم قبل كباره. المعنى أنا غير مؤهل الآن لأفهمه، أو قد يكون لأمور أخرى سياتي معنا. السبب الثالث: قد يكون لعله في السامع المستخرج، وهو أخونا طالب العلم؛ باقي سرحان أو مشغول بجواله أثناء الدرس أو مشتت ذهنياً مش حاضر مع الشيخ، فشيء طبيعي أنه لن يفهم تماماً.

إذاً، كأنه جعل المشكلة إما من الشيخ؛ أعطيك الخلاصة: المشكلة يا في الشيخ أنه لا يحسن استعمال الكلمات الصحيحة، يا في الطالب أنه مش مركز أو عنده تشتت ذهني، يا في المعنى الذي أوصله الشيخ إلى الطالب؛ أن هذا المعنى الشيخ أوصله بشكل صحيح والطالب مركز، بس المعنى أعلى من مستواه تماماً، المعنى أعلى من مستواه لسبب من الأسباب. الآن سنحلل أكثر وأكثر.

نعم، قال: فإن كان السبب المانع من فهمها لعله في الكلام المترجم عنها. سيبدأ يحلل: إذا كان السبب هو الأول؛ لعله في الكلام، في كلام الشيخ. نعم، قال: لم يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون تقصير اللفظ عن المعنى، فيصير تقصير اللفظ عن ذلك المعنى سبباً مانعاً من فهم ذلك المعنى، وهذا قد يكون من أحد وجهين: إما من حصر المتكلم وعيه، وإما من بلادته. طبعا عندنا الحصر -بالإسكان- وهو أن المتكلم ضعيف. حصر المتكلم؛ ما معنى وعيه؟ أنه ما عنده مفردات لغوية، المعلم عنده حصر، يعني لسانه ليس طلقاً، ليس فصيحاً، عنده مشكلة في اختيار المفردات.

نعم، قال: وأما من بلادته وقله فهمه، وقد يكون نفس المعلم، لا، هو عنده أصلاً بلادة وقله فهم. والمعلم إذا كان عنده بلاده وقله فهم فهذا لا يصلح أن يكون معلمأ، على الأقل في هي المادة التي أنا بدي أحضرها لديه.

إذاً، نحن وضعنا قد تكون في، نحن الآن في تحليل السبب الأول من أسباب عدم الفهم، أنه الكلام الذي استعمل في التعبير عن المسألة هو المشكلة. طب هذا يتفرع إلى ثلاث أحوال يقول الماوردي: إما أن يكون الألفاظ التي استعملها المعلم تقصر عن المعنى المراد إيصاله، أي المعنى كبير واستعمل ألفاظا لا تكمل في تعبيرها عن هذا المعنى. لا، هذا المعنى حتى يصل للطالب بدك تستعمل ألفاظ أكثر، أنت استعملت ألفاظا هي قاصرة عن إيصال هذا المعنى. طيب، ما هو السبب في ذلك إذاً؟ لأن المعلم أما عنده عي وحصر ما عنده مفردات قوية، أو ماذا أيها الشباب؟ أو عنده بلادة وقلة فهم.

وهذا الكلام مهم، أنه أنت بكره لما بدك تتصدى -يا شباب- لتعليم كتاب للناس، لابد يكون أولاً المعلم الناجح -يا شباب، المعلم الناجح لابد يكون لديه قاموس لغوي جيد-. يعني بعض الشباب بيقول للشيخ: أنا بحاول أكون معلم ناجح، بس بشعر أني ضعيف وانه الطلاب اللي معي ما بيتفهموا علي. إحدى المشاخ هي ما ينبه عليها الماوردي: أنت قد تكون إنسان لم تقرأ كثيراً، ما عندك ثقافة القراءة، كتب الأدب واللغة هي التي تنمي مفرداتك اللغوية وتمتلك مخزون معرفي عالي منها تستخدمه في الشروح والتدريس. أما معلم لا يقرا وغير مثقف، شيء طبيعي أن تكون ألفاظك محدودة، وبالتالي ستجد فعلاً كثير من المعاني أنت فاهمها بس أنا لا أملك ألفاظا أعبر بها، مش قادر.

كثير من الشباب ليش عندنا ضعف الخطابة وضعف في شرح الكلمات وإلقاء الدروس والمحاضرات عند كثير من الشباب؟ يعني اليوم لو بدك تستدعي شيخ يعطيك محاضرة، ربما اثنين ثلاثة أربعة خمسة في البلد ممكن تحكي معهم، الباقيين مش أنهم لا يفهمون المعاني، لكن قد لا تجد أنهم يمتلكون عبارات جميلة أخاذة يعبرون بها عن المعاني. ما هو جزء أصلاً من المحاضرة وجماليتها هو ماذا؟ هو قدرة المتكلم على استعمال مفردات جميلة. يعني أحياناً بتحضر محاضرة على اليوتيوب يا شيخ، هو نفس المعنى -يعني في النهاية الاثنين حكوا نفس المعنى- بس في واحد يحسن اختيار ألفاظ يا اخي، هيك رائقة جميلة يعبر بها عن المعنى، فنفسك تنشرح وتطيب. وشخص آخر كلامه جامد عباراته جافة أو عبارات بلدية، فتشعر أنك لا تحب أن تكمل سماعه.

فإذا هي المشكلة الأولى في القضية، أي أن تقصر الألفاظ عن المعاني، أما من جهة حصر المتكلم وعيه أنه لا يمتلك مفردات لغوية. طيب، هذه كيف بدنا نعالجها؟ المعلم بده يكون مثقف، يقرا كثيراً في اللغة والأدب حتى يمتلك مخزون لغوي عالي. قال: وأما من بلادته وقلة فهمه، والله هذه مشكلة صعبة! إذا كان المعلم هو أصلاً قليل الفهم عنده نوع من البلادة، لا، هذا بده يروح يرجع يتعلم قبل ما يصير معلم.

ثانياً، قال: والحالة الثانية أن يكون لزيادة اللفظ على المعنى، فتصير الزيادة علة مانعة من فهم المقصود منه، أه، اللي هو الحشو. الحالة الثانية عكسها الحالة الأولى؛ أن يكون المعلم لما بده يشرح فكرة، بيشرح معه خمسمائة فكرة! يعني هو ماشي، انت هو فعلياً شرح المعنى بشكل صحيح، بس شو صارت المشكلة؟ انه هو بيشرح هذا المعنى، بيستطرد كثير. بتعرف المعلم اللي بيستطرد كثير؟ بتقول ضاعت الطاسة معه. هو لو بس الله يجازيه الخير بس يبعد استطراداته ويخليني أركز على المعنى، هو قادر أن يوصله، يعني ألفاظه تؤديه، لكن كثرة استطراداته ورحت وجيت وكذا ضيعت المعنى.

طيب، فهي مشكلة برضه، فأنت بدك تكون لا ألفاظك قاصرة عن المعنى ولا في العكس أنه يكون عندك زيادة كلام حشو أو استطرادات مش وقتها. طيب، هذا الاستطراد وهذا قد يكون من أحد وجهين، ما هما؟ قال: أما من هدر المتكلم وأكثاره. الحالة الأولى أنه هو كسول، هو بحب يضل يسولف! هذا متكلم أكثاره هو بحب يسولف، ما بيعرف أنه خلص يلا شباب، معنا، وهذا.

لذلك بعض المشايخ تجلس أنه ببعض المتون صلوا فيها تسع سنوات! شيخ، هذا المتن تسع سنوات فيه؟ نحنا مع أن الشيخ قد يكون مواظب على الدرس، حرام، مش أن الشيخ يتخلف، لكن لما تدخل على الدرس وتسمعه كل درس لازم نتطرق لكل مشاكل المسلمين في الواقع الاسلامي كامل، ونرجع في الدرس الثاني الكلام الواقع المسلم، طيب ما هو شيخ المتن ما رح يخلص! أنا مش كل قضية فكرية أو شرعية بدي أتكلم فيها، بدك تستحضر كل تجاربك الدعوية وخبراتك الحياتية؟ ما بخلص المتن بهذي الطريقة، ونفس الفكرة بتضيع، يعني خلص بتكون الطالب تعب، ولا خلص أنا ما أنا قادر أركز معه لكثرة تشتيته.

إذاً، المعلم لا ينبغي أن يكون هديراً فقط يريد أن يتكلم. ثانياً، قال: وأما لسوء ظنه بفهم سامعه. هذه جميلة؛ أن السبب الثاني الذي يدعو بعض المتكلمين للإكثار أنه هو يشكك في فهم الطالب، فأحاياناً بضل يعيد وزيد ويعيد وزيد، وأنا أخوكم أحياناً مبتلى بهذا شوي تمام، أحياناً بتطلع في عين الطالب بتقول: أكيد سرحان، برجع بعيد. بتطلع مرة ثانية: لا، شكله مش فاهم، برجع بعيد ثالثة ورابعة. أحياناً كثرة الإعادة هي الطالب بيكون هو فاهم بس خلص، ما عنده قدرة على ملامح وجه تعينك على فهم أنه فاهم، فبتقول أنه مش فاهم فبتصير تعيد وتزيد وتعيد وتزيد. هو نفسه بيميل، بيقول لك: خلص، شيخ يعني عدناها مرتين ثلاث أربعة خمسة، اصبح الكلام حشو زائد. فأحياناً المعلم بده يكون متوسط، يعني لا تسئ الظن كثيراً بالطالب حتى لا يصبح كلامك حشو مع الوقت. نعم بارك الله فيك.

قال: والحالة الثالثة أن يكون لمواضعة يقصدها المتكلم بكلامه، فاذا لم يعرفها السامع لم يفهم معانيها. أه، اللي هي ايش؟ لغه العلم. ما معنى المواضعة؟ أن هذا العلم إخواني له ألفاظه الخاصة، والمعاني في هذا العلم إنما يعبر عنها بماذا؟ بهذه الألفاظ الخاصة. يعني لما نحن بنكون في علم أصول الفقه وبتكلم مع الشباب في موضوع العلة ومسالك العلة، وعندنا مسلك السبر والتقسيم، مسلك المناسبة، مسلك الدوران، مسلك الطرد. بيجي شب جاي من برا دخل قاعد معنا، أول مره بحضر أصول فقه، أول مره بيسمع فصول الفقه، بس هيك جلس، هم الجلساء، فهم جلس سامع الشيخ بيحكي مع الطلاب بمسلك المناسبة، وله اسم آخر اسمه الإقالة، وفي سبر وتقسيم وفي طرد وفي دوران وفي شبه. بجوز يسمع الدرس كله وهو مش فاهم حاجة!

هنا المعلم لا ألفاظه مش ناقصة ولا زائدة، لكن الألفاظ اللي عم يستعملها هي ألفاظ تم التواضع عليها والاتفاق عليها في هذا العلم. الطالب المختص هو يعرف، في لغة مشتركة بينه وبينه، هو فاهم أه هذا المصطلح من مصطلحات الأصوليين الذي يستعمل في مسالك العلة، ففي لغة مشتركة بيني وبينكم نحن فاهمين بعض. الأجنبي الذي سياتي من الخارج ولا يعرف هذه المواضعة ولا ألفاظ التخصص، ما راح يفهم المعنى. فهنا نعم، هي المشكلة في الألفاظ، هي المشكلة في الألفاظ، لكن الألفاظ ألفاظ طبيعية صحيحة. ذاك شخص أو الطالب الجديد، لا يعرف دلالات هذه الألفاظ، لا يعرف دلالات هذه الألفاظ! ربما لو عبر المتكلم عنها بطريقة أخرى ممكن يفهم، بس أنا أحياناً لا أمتلك وقت كثير أني كل مرة بدي أعيد الشرح، يعني أنا عارف أني أنا بتكلم معكم بلغة تخصصية، بس لو بدي أتكلم بلغة أبعد فيها عن الألفاظ التخصصية، صح، الوافد الجديد ممكن يفهم أكثر، بس أنا ما عندي وقت أني استعمل تلك الألفاظ التوسعية، أنا بدي أكون سريع، عشان هيك بستعمل ألفاظ التخصص.

عشان هيك، حتى مثلاً لما تكون أنت مع الأطباء في المستشفى، ممتاز، الطبيب بكون أنت عندك مشكلة صحية، فالطبيب لما يحكي مع الطبيب معه بيستعمل كلمات تقول أنت مش فاهم شو بيحكي، تمام كذا، وخاصة إذا استعمل كلمات إنجليزية وكذا والغدة وطلعت ونزلت، أنت تقول: أبصر شو اللي صار. هو عم مع الطبيب أو الممرض اللي معه عم بيستعمل عبارات مفتاحية هي ألفاظ التخصص، هم متواضعين عليها فهم فاهمين بعض سريعاً. هسه هذه الألفاظ هذه لو تم تقديمها للمريض بس بعبارة أخرى سطحية، سهلة، عامية سيفهم، بس أنا كطبيب الآن أنا مش مطلوب مني أفهم المريض، أنا مطلوب مني أفهم الممرض اللي معي كيف يتعامل مع هاي الحالة، رح استعمل ألفاظ التخصص كذا كذا لاني أنا بدي أحكي دقيقتين وأمشي، فانا ما عندي وقت دائماً أشرح وأبسط وكذا، فانا بيهمني هذا الذي يفهم، هذا مش بيهمني أنه يفهم.

فهذه قضية مهمة؛ السبب الثالث لعدم فهمك أنك لا تعرف المواضعة، يعني ألفاظ التخصص، أن يكون لمواضعة يقصدها المتكلم بكلامه، فإن لم يعرفها السامع، سامع ما بيعرف ألفاظ التخصص، شيء طبيعي أنه يشعر. لذلك المعلم الناجح لا يستعمل ألفاظ التخصص إلا مع من يستحقها، يعني من هو مؤهل لفهمها، أما ألفاظ التخصص استعملها مع ناس ومع شباب هم ما بيعرفوها، فعلياً هذا سيكون سبب من أسباب عدم فهمهم؛ استعمال ألفاظ التخصص في غير محلها.

نعم، قال: فأما تقصير اللفظ وزيادته فمن الأسباب الخاصة دون العامة، لأنك لست تجد ذلك عاماً في كل كلام وإنما تجده في بعضه. فان عدلت عن الكلام المقصر إلى المستوفي، وعن الزائد إلى الكافي، أرحت نفسك من تكلف ما يكد.

خاطرك وإن أقمت على استخراجه، إما لضرورة دعتك إليه عند إعواز غيره، أو لحمية دخلتك عند تعذر فهمه، فانظر في سبب الزيادة والتقصير.

إذن، نحن عرفنا هناك ثلاثة أسباب لقضية أن العلة في الكلام المترجم، إما الزيادة، أو النقصان، أو المواضعة.

قال أما السبب الأول والثاني، وهو النقصان أو الزيادة، فإما تقصير اللفظ وزيادته، فمن الأسباب الخاصة دون العامة، يعني هذا ليس شيئاً دائماً متكرراً، يعني هذه الأخطاء أن يكون الكلام أنقص أو الكلام أزيد، لأنك لست تجد ذلك عاماً في كل كلام.

ما معنى من الأسباب الخاصة دون العامة؟ أنه ليس عاماً في كل جملة، لا، هذا خاص في بعض الجمل؛ أنه أحياناً في بعض الدروس قد يكون الكلام أنقص، وفي بعضها أزيد، وفي بعضها يكون كافياً.

فالمهم، فأنت لست تجد هذه المشكلة عامة في كل كلام، وفي كل شيخ، وفي كل محاضرة تسمعها، وإنما تجدها في بعض الدروس أو عند بعض المشايخ.

صح يا نفس الشيخ؛ أحياناً يكون كلامه مضبوطاً، وأحياناً يكون كلامه أنقص، وأحياناً يكون كلامه أزيد، الشيخ أو لا؟ في شخصية دائماً كلامها أنقص، بس في شخصية دائماً كلامها كافي.

المهم هي قضية ليست موجودة في كل كلام، وإنما في بعض الكلام.

فإن عدلت عن الكلام المقصر إلى الكلام المستوفي، وعن الكلام الزائد إلى الكافي، أرحت نفسك؛ يعني بالتالي إذا في شيخ أنت بتحضر عنده دائماً كلامه قليل ومعدود وما بوصل الفكرة تامة، كلامه أنقص، شو بتعمل؟ أرح نفسك، بقول لك: روح شوف لك شيخ ثاني، انظر في شيخ ثاني أو نفس الشيخ لاحظ له محاضرات يبسط فيها، ومحاضرات بيختصر فيها جداً كلامه بيكون قاصر فيها، روح احضر المحاضرة اللي فيها بسط، واترك المحاضرة اللي فيها اختصار.

فإذن يقول لك الحل، قال: فان عدلت ابتعدت عن الكلام المقصر إلى الكلام المستوفي، وعن الكلام الزائد اللي فيه حشو إلى الكلام الكافي، أرحت نفسك من تكلف ما لا يقدر خاطرك، هيك أنت يا طالب العلم راح تستريح من أني أحيط، أحاول أفهم هذا الكلام القاصر شو قصد فيه، أو الكلام الحشو أزيل عنه الحشو وأوصل لزبدته، بتريح حالك لأنك ذهبت إلى الكلام المستوفي مباشرة.

طيب، إذا أبى بعض طلاب العلم إلا العناد، بيمسك كتاب أو بيجلس مع شيخ وبيكون فعلاً كلام الشيخ قاصر أو زائد، والطالب عنيد: لا، بدي أفهمه، ما بدي أروح للكلام المستوفي، بدي أتعب نفسي، أشوف هذا الكلام القاصر هو شو قصد فيه، بدي أوصل هذا، مع عناده بعض طلاب العلم.

يقول: وإن أقمت يا طالب العلم على استخراجه، يعني على استخراج معاني هذا الكلام القاصر أو الزائد، ما الذي يدعوه لذلك طالب العلم؟

قال: أما لضرورة دعتك إليه عند إعواز غيره؛ في بعض المواد العلمية ما بيشرحها إلا ذاك الشيخ، ما في مواد علمية، حتى في الجامعة بصير معكم هيك، وظيفة، بتلاقي هاي المادة ما بتنزل إلا عند هذا الدكتور، نصيبنا، هاي المادة ما بتنزل إلا عند دكتور معين، وكلامه دائماً قاصر، طيب شو الحل؟ بدي أتعب وما في مجال، يعني بدي أتعب حتى أستخرج مقاصد كلامه، وإن كان كلامه قاصراً أو زائداً.

إذاً قد تدعوك الضرورة إلى سماع محاضرة قاصرة أو زائده، أعوزتك؛ لأنه ما في غيرها، شوف شو بقول لك الماوردي: إنه ما في غيرها في هذه المادة، ما في غير هذا الشرح، أو لحمية دخلتك عند تعذر فهمه، شوف الكلام الجميل، إنه بعض الشباب بقول لك: معقول أنا مش قادر أفهم كلامه والجنبي فاهم؟ بدي أفهم، حمية.

إن بعض الناس عنده أنفة، وهي أنفة جيدة ترى، هذه الغيره جيدة، وأحياناً سبحان الله هذه يستفيد منها الإنسان جداً، بصير بيني وبين الكتاب تحدي؛ أن في شغلة مش مفهومة، بعض الشباب مش مفهومة خلاص بسكر الكتاب وراء، لازم أفهمها يا شيخ، في بعض الشباب لا عنده حمية إنه ليش مش مفهومة، بدها تنفهم، فبضله يروح يقرا الشروح، ويجيب، وكذا، ويسمع، وكذا، لأنه هي صراحة لذه اكتشاف معاني الألفاظ، لذه ما بعدها لذه، لما تشعر أنه صار بيني وبين الكتاب تحدي، لازم أفهم شو معنى هاي العبارة، ليش فلان فاهمها وأنا مش فاهمها؟

هي الأنف ترى تعينك على اكتساب الكثير من المعارف، لأنه حتى أنت تفهم الكلام القاصر، بقول: تحتاج تقرا عشرين شرح، بصير عندك اطلاع معرفي على الكتب، هذه الأنف هي التي صنعت العلماء، هذه الأنف هي التي صنعت العلماء.

قال: فانظر في سبب الزيادة والتقصير، فان كان التقصير لحصر، والزياده لهذر، سهل عليك استخراج المعنى منه، خلاص هذا راح، إذا عرفت السبب، لاحظ كيف بقول لك دائماً تكون شخصية تحليلية، الماوردي بعلمك أن يكون أنت طالب علم شخصية تحليلية، أي شو اسباب أن هذا المعلم كلامه في قصور دوماً هيك حلل، اقعد فكر شو السبب، آه هذا المعلم واضح أن مفرداته قليلة، ما عنده لغة، إنسان مش فصيح.

أو السبب الزيادة أنه إذا بحب يسولف، أو إما وعرفت سبب الزيادة وأن الزيادة لهذر، وأن الرجل يحب، هنا أنت اكتشفت المشكلة، إذاً المشكلة مش في المعنى نفسه، لا المشكلة أن المعلم قصرت ألفاظه، بالتالي هذا ممكن يساعدني على أن أنظر في شروح لكلام المعلم، أن أذهب إليه مرة أخرى وأقول له: استاذ، ممكن تشرح لي المسألة مرة أخرى؟ لأنه أنا عارف أن المشكلة أن ألفاظه ما ساعدته، عنده حصر، ممكن لو شرح لي اياها مرة ثانية خلاص أفهمها.

إذاً فانظر في سبب الزيادة والتقصير، فان كان التقصير لحصر عند المعلم أو حب الزيادة لهذر، سهل عليك استخراج المعنى منه.

قال: لأن ما له من الكلام محصول لا يجوز أن يكون المختل منه أكثر من الصحيح، وفي الأكثر على الأقل دليل.

إيش يعني؟ قال: لأن ما له من الكلام محصول، يعني الكلام اللي له فائدة، الكلام الذي له فائدة، لأن هسه هذا المعلم عم يعطيك محاضرة، أكيد كلامه عم بحكي أشياء مفيدة، الكلام اللي له فائدة وله وجود حقيقي، لا يجوز في الواقع، يعني لا يجوز عادة، لا شرعاً ولا عقلاً، عادة لا يجوز عادة أن يكون المختل منه أكثر من الصحيح.

صح المعلم عنده حشو كثير زيادة، أو عنده قصور، بس هو بيحكي علم في النهاية، هو بيحكي في النهاية ايش؟ كلام له محصول علم، فلو ركزت أكثر وأكثر في الجزء الصحيح من كلامه، في الجزء المفيد من كلامه، إلا أنه يدلني على المراد.

فهمتوا شو بقول لك هنا؟ يعني صح هو زاد كثير حشو، أو قصر ألفاظه كثير، لكن لو أنني ركزت في القدر المفيد الصحيح، بسنيه، سأجد أنه سياخذ بيدي رويداً رويداً إلى المعنى، بس هذا رح يتعبني، يعني بدل ما كان أني أفهمه مباشرة، بجوز محتاج أقرأ النص مرتين وثلاث وأربعة، وأعيد سماع المحاضرة مرتين وثلاث وأربع، لا فهمت ايش قصد المعلم.

فيقول لك: لأن أي كلام له محصول، لا يجوز من حيث العادة أن يكون القسم المختل من الكلام أكثر من الصحيح، لا، في كثير مفردات صحيحة استعملها المعلم، وفي الأكثر وما دام الاكثر سيكون صحيحاً، هذا الأكثر سيكون على الأقل فيه دليل، دليل على المعنى اللي أنا بدي إياه، إذاً وفي الأكثر الصحيح سيكون هناك على الأقل دليل، واحد على الأقل سيكون هناك دليل واحد على المعنى أنت ستجده مع كثافة الإعادة والتكرار لك هذا الكلام.

قال: وإن كانت زيادة اللفظ على المعنى لسوء ظن المتكلم بفهم السامع، كان استخراجه أسهل.

هي أسهل، هي أسهل وأسهل، أن أنا فاهم أنه هو ليش صار في حشو كثير عنده، لأنه هو فكرني مش فاهم، خلاص أنا بعتمد ايش؟ أول مرة شرح المسألة، والمرات الثانية بعدي عنها، لأني أنا عارفه بس ضالني أني مش فاهم.

قال: وإن كان تقصير اللفظ عن المعنى لسوء فهم المتكلم، فهذه أصعب الأمور حالاً.

لاحظ هذا الكلام كله هو الذي سبق تشريحه سابقاً، قال: واما إذا كان الآن قصور اللفظ، نحن قلنا سببه، أما أن المعلم مفرداته قليلة، أو أن المعلم بليد، هسه إذا كان عنده حصر فهمنا كيف تعالج، قال: أما إذا كان قصور ألفاظ المعلم عن توصيل المعاني ناشئاً عن سوء فهم المتكلم، اللي هو المعلم أصلاً هو مش فاهم المسألة، قال: فهذه أصعب الأمور حالاً.

لذلك كان كنا مع بعض المشايخ المسجد النبوي، كان يشرح لنا كتاب الشيخ عبد الله البارغ متع بالصحة والعافيه، فكان يقول لنا، وقالها لي وإلى الان ما زلت أتلمس بركاتها، كان يقول الشيخ إبراهيم: بعض الكتب حتى للأئمة الاقدمين، هو إمام رضي الله عنهم، لكن أحياناً أنت تشعر أن نفس هذا الإمام في كتابه عم حاول يوصل لك فكرة معينة في مد مسألة أصولية وعبارته قاصرة، السبب بقول لي: هو نفسه أحياناً قد يكون مش فاهمها تماماً.

هسه حسن الظن هذا واجب في جميع العلماء، بس هنا هم بشر، يعني ما في نظرة مثالية أن كل هؤلاء العلماء الأقدمين كل المسائل في كل الأمور بيكونوا فاهمينها، لا لا هم بشر زيك وزيك، قد تكون كفاءة أحدهم أكثر من الآخر، بالتالي بقول لي: قد يكون هذا المصنف لهذا الكتاب عم حاول يوصل المعنى لك، بس أنت شاعر أن عبارته مختصرة ومغلقه، بتكون مغلقة ومش مفهومة، فانت بتكد وبتتعب أحياناً.

قد يكون، يعني أحياناً بدك ترحم نفسك، قد تكون المشكلة مش عندك، المشكلة عنده نفسه هو، هو نفسه المصنف صاحب هذا الكتاب لما حاول يشرح هذه المسألة لم يحسن التعبير عنها، في العادة بتكون عنده مش لحصار، لا، لأنه لم يفهمها جيداً، أو بقي فيها بعض الخفايا مش مفهومة حتى لدى المصنف، فلما أراد أن يشرحها للطلاب في الكتاب لم يحسنها، لكن هذا أنت تستشفه من خلال الخبرة، من خلال الخبرة.

المهم فيقول: وإن كان تقصير اللفظ عن المعنى لسوء فهم المتكلم، فهذه أصعب الأمور حالا، وبالتالي حقيقة هنا الحل الوحيد ما هو؟ أنك تروح تشوف المسألة عند شخص آخر، يعني هذا هو الحل الصحيح، تروح تشوف المسألة في كتاب آخر أو عند شيخ آخر؛ لأنه نفس الشيخ اللي شرح لك إياه ومش فاهمها.

قال: لأن ما لم يفهمه مكلمك فانت من فهمه أبعد، إلا أن يكون لفرط ذكائك وجودة خاطرك، تتنبه بإشارته على استنباط ما عجز عنه، وهذا يحصل أحياناً، أن أحياناً بيكون الطالب أذكى من الشيخ في بعض المسائل، فالشيخ عم حاول يوصل لك معنى مسألة، ممتاز، الشيخ أحياناً بيكون بيشرح مع الطلاب وبيحاول يوصل لك مسألة، الطالب لفرط ذكائه أنه ذكي جداً عرف أن شيخه مش فاهم المسألة، وأن الشيخ بس المسألة مش هيك، المسألة كذا كذا.

هذه حالات قليلة بس بتصير، أن يكون الطالب أذكى من الشيخ ممكن في هاي المسألة، اليس كذلك؟ بل حتى، وهذا لا يقلل من مكانة الشيخ، حتى بعض المشايخ بصير عنده حالة نفسية أن الطالب صحح لي فهمه؟ لا عادي جداً، أنت قصدك كمشيخ حتى أنك تتعلم أحياناً.

مش نحن بنكون مذاكر كتاب؟ أنا ممكن أشرح لكم مسألة وأحاول أوصلها، أحدكم لنباهته ينتبه لأنه أنا أخطأت في شرحي، صح؟ فبيجي بعلق: بس والله يا شيخ أنا أظن قصد المصنف في كتابه ايش كذا وكذا، وأنا بالتالي أنتبه: آه والله كلام الطالب أصوب من كلامي، فمن كان هدفه تعليم الناس الخير لا يأنف من تصويب فهمه، فهمتم؟

فأحياناً يقول لك: إلا أن يكون، إذن الأصل أن المعلم إذا كانت الفكرة هي مش واصليته، من باب أولى أن تكون لن تصل للطالب، إلا إذا كان الطالب أذكى من الشيخ في هذه المسألة، أو ربنا فتح عليه فيها ما لم يفتح على الشيخ، فيمكن ينتبه للمسألة ويحلها، ويقول للشيخ: بس شيخنا أظن أن المسألة يقصد بها المصنف كذا وكذا، هنا ممكن الطالب يعدل لشيخه.

قال: تتنبه بإشارته على استنباط ما عجز عنه، واستخراج ما قصر فيه، فتكون فضيلة الاستيفاء لك، وحق التقدم له.

نعم جميل، شوف شوف هذا الكلام راقي إخواني، شوف الكلام الراقي، قال: فهذا الطالب، ركز، هذا الطالب إخواني انتبهوا للادب مع العلم، هذا الطالب إذا نبه شيخه على سوء فهمه للمسألة، يكون نعم في فضيلة لك أيها الطالب أنك استطعت أن تفتض بكارة هذه المسلة، أنت فهمتها بس تنساش أن هذا الشيخ فهمك آلاف المسائل.

بعض الطلاب اللي كان يسميهم الشيخ بكر أبو زيد المتنمرين، ايش هو؟ اللي هو ممكن يكون مع الشيخ في حلقة علم أو في محاضرة، وسبحان الله ربنا فتح على الطالب أن يفهم مسألة أغلقت على الشيخ، الطالب فهم مسألة أغلقت على الشيخ واستطاع هذا الطالب فعلاً أن.

ينبه الشيخ لخطأ فهمه، أنه شيخنا هذه المسألة تفهم هكذا، والشيخ انتبه: اه والله كلامك صحيح، اللي نفسيته مريضة، هذا الطالب إذا كانت نفسيته مريضة وأخلاقه غير سوية، يصبح يتكلم أمام الناس: طب أنا هذا الشيخ يعني عدلت له المسألة في المجلس. هو نفسه الشيخ ترى ما كان فاهمها! ويصبح يتكلم عن شيخه بسوء أدب. لماذا؟ لأنه استطاع أن يعدل للشيخ خطأ أو يصور له مسألة لم يفهمها، ونسي هذا الطالب غير المبارك أنه ماشي، أنت ربما هنا عديت للشيخ، لكن في النهاية كم استفدت من الشيخ أثناء كل المحاضرات والدروس والدورات؟ قد تكون استفدت منه آلاف المسائل، وبركة تعلمك الأساسي على يديه. يعني وحتى هذه شباب انتبهوا عليها في حياتكم العلمية، أحيانا الطالب قد يفوق شيخه، وهذا شيء طبيعي، وكان يحصل عند العلماء قديماً، يعني هسا ابن تيمية فاق كثيراً من شيوخه، وهذا شيء طبيعي، ابن القيم فاق كثيراً من شيوخه، وهذا يعني هي الحياة كذا، الغزالي فاق كثيراً من شيوخه، كله يعني شيء طبيعي أنه أحيانا أنه أنا أعلمك وتكون أنت أكثر نبوغاً مني، وتكون أنت أكثر إفادة للناس مني، لكن إياك ثم إياك في يوم من الأيام أن تشعر بفوقية أو نظرة دونية لشيخ علمك وأنت اصبحت تفوقه.

الذكاء رزق، ربنا يقسمه على عباده، وهذا المعلم أعطاك من الوقت والسعة وسمح لك أن تحضر وأن تجالس وأن تسمع منه، فأنت أخذت منه المفاتيح الأساسية للعلم، ثم أنت تخصصت وحلقت أكثر منه وأصبحت تدرك أمور وأبعاد في المسألة هذه أو في العلم عموماً أكثر من أبعاد المعلم نفسه. إياك في يوم من الأيام أن تنسى معروف التعليم، وإياك في يوم من الأيام أن تجحد حقه وفضله عليك، أو أن تنظر إليه بازدراء، أو أن تتكلم عنه بازدراء أمام الطلاب تقول: ما أنا أصلاً أنا أشطر منه! هذه سوء أدب، وهذه دلالة على أنك رجل غير مبارك. فانظر العبارة الراقية هنا اللي استعملها الماوردي، قال: فتكون فضيلة الاستيفاء لك وحق التقدم له. يعني أنت هي المسألة نعم، أنت أخذت فضيلة أنك فهمتها أكثر من شيخك، لكن يبقى للشيخ حق التقدم؛ أنه هو الشيخ، وهو المعلم، وهو الأستاذ هنا، وهو الذي أعطاك من الوقت والجهد، وهو الذي علمك أكثر مسائل هذا الكتاب، فشعورك بالفضلية في هذه المسألة لا يجعلك تنسف حق التقدم له، شعورك بالفضلية في هذه المسألة على الشيخ أنه أنا فهمت وهو ما فهمها لا يجعلك تنسف فضل التقدم له عليك، وأن هو أسبق منك في العلم، وهو الذي عقد الدرس والمجلس. بل قد تكون أنت أصلاً سبب فهمك لهذه المسألة أكثر من شيخك هي ببركة الشيخ وبركة معلومات هو أعطاك إياها سابقاً، أنت وظفتها الآن ففهمت المسألة وهي غابت عنه أو غابت عنه صحيح. يعني أحياناً قد تكون أنت فهمك للمسألة التي عجز الشيخ الآن عن فهمها ببركة معلومات نفس الشيخ أعطاك إياها، لكن هو الآن سهى عنها، اليس كذلك؟ هو الآن سبحان الله مغفل، أنت لقطتها وشبكتها وزبطت.

فهذا كلام عظيم في الأدب والأخلاق والقيم: فتكون فضيلة الاستيفاء لك وحق التقدم له. واحفظوها هي الجملة يا شباب في حياتكم، يعني هذه مقطع يعني هيك يسجل، يوضع منشور، يوضع كذا، في أشياء تحفر في الذاكرة لأنها مسالك في الأدب عظيمة: حق الفضيلة لك لو نبغت على شيخك، فحق الفضيلة أو الاستفادة لك، لكن يبقى حق التقدم له. تعرف حق حرمة الشيخ وعلو كعب الشيخ ونعمة الشيخ عليك وبركة الشيخ عليك، إياك أن تنساها في يوم من الأيام حتى لا تذهب بركة علمك. نعم، قال: واما المواضعة فضربان.

طيب، الآن إذا عرفنا التحليل، السبب الأول والثاني، السبب الثالث اللي هو ايش قلنا؟ لعدم فهم الكلام لخلل فيه، المواضعة؛ أنه لغة العلم مصطلحات العلم مش موجودة عندي أنا كطالب، موجودة عند الشيخ، فالشيخ عم بيستعملها فأنا مش فاهم هي المصطلحات العلمية. الآن يقول: وأما المواضعة فضربان، أما عامة في جميع، وأما خاصه في جانب معين في العلم، أما عامة وأما خاصة. قال: فأما العامة فهي مواضعة العلماء فيما جعلوه ألقاباً تواضعوها لمعاني اتفقوا عليها ولا يستغني المتعلم عنها. أي والله، في لأنه النص عندك بيختلف عني، اقرأ: فأما العامة فهي مواضعة العلماء فيما جعلوه من الألفاظ ألقاباً لمعاني لا يستغني المتعلم عنها. طيب، قال: ولا يقف على معنى كلامهم إلا بها. يعني أنت مثلاً في تخصص الطب مش رح تفهم معنى كلام الأطباء إلا إذا فهمت المصطلحات الطبية، في الهندسة لن تفهم معاني كلام المهندسين إلا إذا عرفت المصطلحات الهندسية، وفي الشريعه لن تفهم معاني كلام الشرعيين إلا إذا فهمت شو الألفاظ الشرعية. خاصة في المواد الدسمة يعني زي أصول الفقه، مقاصد الشريعة، لما نتكلم عن الضروريات الحاجيات التحسينيات وأنها تحفظ من جانب الوجود ومن جانب العدم، وهي كلها مصطلحات، والقياس والأصل والفرع والعلة والعلة أنواعها وقياس علة وقياس دلالة، ألفاظ كلها تواضعية اصطلاحية. أنت لن تفهم كل ما سيشرحه شيخ إذا أنت هذه المصطلحات مش موجودة لديك. دائماً في أول عمليات التعليم شو بقول لك؟ لازم نعرف المصطلحات الأساسية حتى يصير بيني وبينكم لغة مشتركة، لما يصير بيني وبينك لغة مشتركة بصير بعد ذلك الشرح أسهل.

نعم، قال: كما جعل المتكلمون الجواهر والأعراض والأجسام ألقاباً تواضعوها لمعاني اتفقوا عليها. مثلاً، والآن شوي دخل في العقيدة، مثلاً في علم الكلام مش رح ينفع تقرا كتاب في علم الكلام وشروحهم العقدية للمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة إذا أنت بتعرف كلمة الجوهر والعرض ماذا تعني؟ لأنه هي من الألفاظ الأساسية لديهم؛ جوهر وعرض، والعرض لا يبقى زمانين وهذه الأمور. لذلك أنت تعال افتح كتاب من كتب علم الكلام، بتحس حالك بتقرا شيء إنجليزي، يعني شو بيحكوا الجماعة؟ جوهر وعرض وحادث ومش حادث وقصص، لأنه هي عبارة عن ألفاظ اصطلحوها وتواضعوها، فهم بينهم فاهمينها، لكن أنت لأنك لا تعرف دلالاتها تصبح تجد معها ايش؟ مشكلة. طبعا حتى كانوا اصطلحوها بس كثير منها أصلاً خاطئ، بغض النظر، بس الفكرة أنه في بينهم لغة مشتركة.

نعم، قال: ولست تجد من العلوم علماً يخلو من هذا. وهذه المواضعة العامة تسمى عرفاً، تسمى ايش؟ عرف. مش في حقيقة لغوية وحقيقة شرعية وحقيقة ايش؟ عرفية، والحقيقة العرفية عامة وخاصة، هذا هو معنى المواضعة عامة وخاصة. طيب، قال: وأما الخاصة فمواضعة الواحد يقصد بباطن كلامه غير ظاهره، فإن كانت في الكلام كانت رمزاً، وإن كانت في الشعر كانت لغزاً. يعني هذه طريقته هو في التقسيم، هذا التقسيم أنه شو جعل المواضعة الخاصة؟ المواضعة الخاصة هي لغتي أنا يعني مش لغة العلم كله، يعني مش مواضعة بين كل علماء أصول الفقه، لا، هذا بيقول لك مصطلحات الكاتب. مش بيقول لك هيك في بعض الكتب في لها مصطلحات خاصة، هي مش مصطلحات لكل العلم؟ لا، مثلاً بيكون البخاري له مصطلح معين خاص فيه، هيك وضعه لنفسه، بدك تفهم مواضعته هو، مش كل العلماء متفقين معه على هذه اللغة، هو خلص حب يحط هذا المصطلح ويقصد به كذا وكذا.

لذلك هؤلاء العلماء في العادة إذا كان لهم مواضعة خاصة، يعني لغة له هو شخصياً، شو بيعمل؟ فأول كتابه بيقول لك: وإذا قلت لك في هذا الكتاب كذا، فإنما أقصده به كذا، وإذا وضعت لك (ق م) فإنما أقصد به البخاري ومسلم مثلاً، وإذا وضعت لك (غ) فأقصد به كذا، هذه سموها مواضعة خاصة، وهي لازم صاحب الكتاب أو الشيخ يتكلم بها في بداية الكتاب حتى يفهم الناس شو مقصودك، لأنه أنت عم تستعمل مواضعة خاصة فيك ما حدا من العلماء عم بيشاركك فيها، يعني مش لغة مشتركة بين علماء الفن، لا، هي لغة خاصة فيك أنت وحدك، فهمت علي؟

فأما المواضعة الخاصة (يعني اللغة الخاصة بالشيخ أو صاحب الكتاب) فمواضعة الواحد مع نفسه يعني يقصد بباطن كلامه غير ظاهره، يعني عامل كأنه لغة خاصة فيه، فإذا أطلق كلاماً قد يكون هو مثلاً إذا قال البخاري في شيخ مثلاً سكتوا عنه (حتى تعرف شو قضية المواضعة الخاصة وإن كان هي بجوز تعتبر خاصة جداً بس أنه حتى أقرّب لك اياها): في علم الجرح والتعديل مثلاً البخاري في التاريخ الكبير مش البخاري يذكر رواة الحديث ويقول: فلان ثقه، فلان ثقه، فلان ثقه ثبت. طيب إذا قال البخاري عن شخص: سكتوا عنه، شو ظاهرها؟ ظاهرها أنه لا يعني مجهول، أنه ما حدا انتقده، بس في نفس الوقت ما حدا قول لك فلان مسكوت عنه يعني ما حدا بلش. هيك الظاهر، لكن قال العلماء: لكن في الباطن هي قدح، في الباطن هي ايش؟ في عرف البخاري تعتبر شكل من أشكال تجريحه.

الآن كيف عرفنا هذه؟ من المواضعة الخاصة به أو بينه وبين بعض أهل العلم في استعمل هذا المصطلح بس مش لغة عامة، لأنه لو بدك تأتي لظاهر عبارة فلان من الرواة سكتوا عنه، ظاهرها أنه يعني لا إيجابي ولا سلبي، لكن باطنها لا، طلع باطنها معناته أنه ايش؟ سلبي. فهذه مواضعة خاصة، إما هو يصرح في بداية الكتاب أو إيه تعرف من استقراء الكتاب كامل، اه لا، إذا هو يقصد كذا. ولذلك دائماً بقول لك: خذ الفنون من أصحابها، ما يجي واحد أصول فقه يقعد يتكلم في ألفاظ الجرح والتعديل، نصيحة لك لأنك سيظهر عورك، لأنه الممارسين لكتب الجرح والتعديل هم الأقدر على فهم المواضعات حتى الخاصة لبعض العلماء. تمام، فما الأمور مضحكة أنك تجي بعض الباحثين المعاصرين اللي ما له دراية بالخبرة بكتب هذا الفن، بيجي بيعطيك آراء وكذا عن كذا الفن، وأخر شيء بتكتشف أن كل كلامه غلط، السبب أنه ما عنده خبرة في الفن ولا في المواضعات الخاصة. يعني في مواضعات عامة في الفن وفي مواضعات خاصة لبعض علماء الفن، البخاري له مصطلحاته الخاصة، يحيى بن معين له مصطلحاته، علماء الجرح والتعديل بعضه، كل واحد يضع مفردات قد يستعملها هو وحده، لا يستعملها غيره. مين بيعرف شو دلالة هذا المصطلح عند فلان؟ اللي بيعيش معه وبيدخل معه، ونفس الشيء علماء الأصول، علماء أصول الفقه لهم مصطلحاتهم، فلا ياتي شخص خارج هذا المربع ويبدا يتكلم ويخوض فيه وهو مش فاهم المصطلحات: مصطلح المعارضه، مصطلح النقد، مصطلح الكسر، مصطلح كذا، ما تتكلم في شيء أنت مش فاهمة، لأنه في مواضعات خاصة في هذه الأمور.

قال: فأما الرمز فلست تجده، المهم، فالمواضعة الخاصة بعالم معين يقصد بباطن كلامه يعني أن يكون الكلام باطنه بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره، فإن كانت هذه المواضعة الخاصة في الكلام، أي في النثر، يقصد في النثر، ماذا يسميها العلماء؟ رمزاً. وإذا كانت هذه المواضعة الخاصة في الشعر، ماذا يسموها؟ شعراء، لغزاً، والله هذا البيت فيه لغز، باطنه خلاف ظاهره. نعم قال: فأما الرمز فلست تجده في علم معنوي ولا في كلام لغوي، وإنما يختص غالباً باحد شيئين: أما بمذهب شنيع يخفيه معتقده، ويجعل الرمز به سبب لتطلع النفوس إليه، سببا لتطلع النفوس إليه، واحتمال التأويل فيه سبباً لدفع التهمة عنه. جميل، طيب الآن قال: فأما الرمز، طبعا هنا شوي هو يعني بدك يقول لك عن أهل الباطل كيف بيستعملوا الرموز، دخل الموضوع في هذه الجهة الباطنية، الباطنية أو غيرهم، حتى اليوم في الوقت المعاصر موجودة الفكرة هذه.

يقول: الأصل في الإنسان، إخواني، الأصل هيك، الأصل في الإنسان أن يبتعد عن المواضعات الخاصة، إلا لفائدة علمية، يعني إذا أنا بدي اعمل مواضعة خاصة بدي أشرحها في البداية حتى تكون مفهومة. هو الآن بيتكلم عن ايش هنا الماوردي؟ بيتكلم عن شخص يضع مواضعة خاصة ولا يشرحها فيصبح كلامه مش مفهوم. هسا إذا أنا وضعت مصطلحات الخاصة لي كإبراهيم في هذا العلم أو في هذا الكتاب، وشرحت لكم في البداية: متى ما ذكرت لك في الكتاب (ق م) فأقصد به فلان الفلاني، ومتى قصدت (م) أقصد به فلاني، وإذا قلت (س) أقصد به مسلم، هذه صح مواضعة خاصة بس أنا شرحتها لك في البداية حتى ايش؟ ما تلتبس عليك.

الماوردي الآن بيتكلم عن شخص له مواضعة خاصة ومش عم يشرحها للناس، مش راضي يشرحها، ولا يضع في بداية كتابه مفرداته ماذا يقصد بها؟ اه أنت ليش بتسوي هيك؟ الماوردي عم بيشرح لك ما الذي يدفع الإنسان أن يضع مصطلحات له خاصة ولا يشرحها في بداية الكتاب ولا يبينها؟ يقول: فأما الرمز (يعني أن يضع الإنسان مواضعة له ولا يشرحها للناس)، قال: فلست تجده، فلست تجده في علم معنوي ولا في كلام لغوي، يعني العلوم الحقيقية والكلام اللغوي الصحيح السليم الأصل لا يعتمد على الرموز التي لم تشرحها. طيب أين يوجد غالباً؟ قال: وإنما يختص غالباً بأحد شيئين، يعني عفواً، واحد جاي يشرح علم نافع، هيقول لك إنسان جاي يشرح علم نافع.

يبتعد عن المواضعة الخاصة. صح، علم معنوي علم مفيد والناس تحتاجه، أنا شو ليش أعراض مواضعة خاصة؟ هدف الناس تستفيد. فالإنسان ما يستعمل الرموز لما يكون هو يريد أن يشرح؛ لأنه هدفه أن يصل الخير للناس. واللغة العربية أيضاً ككلام لغوي طبيعي هي تبتعد، ابتعدت عن لغة الرموز اللغة العربية في شعرها، وتعتمد العرب في أشعارهم ومنثوراتهم يبتعدون عن لغة الرموز؛ لأنه هدفهم إصال المعاني بأجمل ثيابها.

طيب، إذاً ما الذي يجعل الإنسان يستعمل الرمز؟ قال: وإنما تستعمل لغة الرمز غالباً عند أحد شخصين، أو لأحد هدفين. قال: أما شخص له مذهب شنيع زي الباطنية في التاريخ الإسلامي من أصحاب المذهب الباطني، ابن سينا أو ما ذلك، أو مين؟ السحرة. السحر يقوم أصلاً على إيش؟ على الطلاسم والرموز، أنت بتقرأ بتقول شو شو بيحكي هذا الرجال؟ بيستعمل قاعد رموز خاصة فيه.

إذاً، أما شخص له مذهب شنيع يخفي داخله معتقده كالباطنية والشيعة الباطنية والروافض والسحرة وما شابه ذلك، إيه أحياناً ممكن حتى بعض الحداثيين اليوم يستعمل عبارات ملغومة أنت مش فاهم شو معناها ويقصد بها مذهبه. طيب، أما بمذهب شنيع يخفيه يخفيه، أو يخفي فيه معتقده، ويجعل استعماله للرمز سبباً لتطلع النفوس إليه، أنه هم شو بيستعملوا مثلاً؟ بيستعملوا عبارات غامضة، بتصير أنت تحاول شو قصده في هاي العبارة؟ بتصير أنت تتشوق لاكتشاف شو معنى هذا الرمز في كلام فلاني الفلاني.

فإذاً يستعمل رموزاً تتطلع النفوس إلى معرفة مرادها، ولاحظوا السبب الثاني: أما لتتطلع النفوس إليها، أو احتمال التأويل فيه سبباً لدفع التهمة عنه. أنه تعالى الحداثي اللي استعمل عبارة زيّ في خاصة في رواياتهم، أصحاب الروايات اليوم الكفرية من العلمانيين وما شابه ذلك في بلادنا، يستعمل عبارات رمزية هو يقدر بها كفراً، بس لما تيجي تقول له: تعال هذا الكلام كفر، بقول لك: لا العبارة محتملة، يعني أنت ما بتحمل كلامي دائماً إلا على أسوأ محامله، يا أخي العبارة حمالة وجوه! هذا معنى كلامه.

ويجعل احتمال التأويل فيها سبباً لدفع تهمة عنه أنه هو يريد أن يوصل الكفر، ويريد أن يوصل النفاق، ويريد أن يوصل السم عقول أبنائنا من خلال الرواية، فيستعمل عبارات رمزية، إذا بدك تفهمها على الكفر بتقدر وهو مراده، وإذا بدك نحاول تفهمها على معنى آخر ممكن وهو ليس مراده. هسه أنا كإنسان متأمل وعارف بحال هذا الكاتب وسياقه، أعرف أنه يريد أن يدس السم بالعسل، وأعرف أن هذه العبارة قصده فيها كذا، لكن حتى لا يتم رفع قضية عليه أمام القضاء ويتم استدعاؤه أمام المحكمة الشرعية ويقول لك: لا إن العبارة محتملة حمالة وجوه وأنت عم تحملها على المعنى الفاسد وإلا لها معنى صحيح.

لذلك عادة يقول موردي: يستعمل الرمز المواضعة الخاصة أنه أما صاحب مذهب شنيع يريد أن يخفي معتقده فيستعمل الرمز ليكون سبباً لتطلع النفوس، هيك بده يعمل نوع من الهيلولة حول أفكاره حتى النفوس تتطلع، أو إيش احتمال؟ يجعل هذا الرمز سبباً لأن تكون العبارة محتملة للتأويل، محتملة للتأويل حتى يدفع التهمة عنه أمام القضاء في حال يرفع قضية عليه.

كمل هذا السبب الأول إذاً: أما لمذهب شنيع ثم هو يريد أن يشوق النفوس إليه أو يجعل العبارة محتملة، أو السبب الثاني قد يكون ليس لمذهب شنيع، قد يكون لسبب ماذا؟ قال: وأما لما يدعي اربابه أنه علم معوز، وأن إدراك بديع معجز، كالصنعة التي وضعها اربابها، اسم العلم الكيميائي. آه، قد يكون الشخص لا، هو مش صاحب مذهب شنيع، بس هو حاب إيش؟ ما نسميه اليوم يتفلسف؛ يعني هو علمه جيد، لكنه يريد أن يشعرك أنه أنا العلم اللي عندي علم عظيم وعندي أنا أشياء وأفكار أنت ما بصير أعطيك إياها على المكشوف، فلازم أُشْعِرَك أن هذا العلم معوز.

شو يعني معوز؟ يعني مش سهل، هذا العلم معوز؛ يعني الوصول إليه مش سهل، معقول أنا أفكاري اللي عشت عليها سنوات وانا أطبخها أعطيها لك أحياناً بعبارات هيك سهلة؟ لا، لازم أستعمل لك عبارات صعبة متعبة حتى أنت تقول: آه واضح أن هذا العلم أنا مش مستواي عادة. لا، هو الكلام بيحكي عادي، بس هو بيتفلسفها عشان يحسسك أنه بيتكلم في علم معوز وأن إدراك بديع معجز، وأن هذا العلم أكيد صعب جداً، شوف حتى عباراته والله صعبة! لا، لا، العبا هو اللي وضع العبارات الصعبة، وإلا كان بإمكانه يسر.

وهذا حقيقة يكثر عند الفلاسفة. يكثر عند الفلاسفة واللي كان بإمكانه يستعمل عبارات، إذاً حتى بعض الفلاسفة -اللي أنا ما بحب أذكر الأسماء، أصحاب بصراحة أنا بستفيد منهم من المعاصرين، بعض الفلاسفة المعاصرين من المسلمين بستفيد منهم بس انتقد في ماذا؟- أنه بيستعمل العبارات كثير عالية، وأنا عارف أن معناها في النهاية لما شرحه، هو سمعته بشرحه يا أخي طلع معنى بسيط، أنت يعني وصلت المعنى وعقدته، وطلع في النهاية الفكرة أبسط من هيك بكثير، ليش يعني هيك استعملت عبارات كثيرة بعيدة وعملت لك مصطلح خاص فيك؟ هو البعض بيقول لك: شوف ما شاء الله شوف عباراته هذا! لا، أنا شايف أن هذا ليس ككمال العلم، أنه أنا مش هدفي أفيد المجتمع والبشرية، كان بإمكانك بدل ما تستعمل عبارات عالية جداً وإن كان معناها صحيح وجميل، لكن استعمل عبارات في متناول هذه الطبقة المثقفة اللي هي مش مختصة بالعلم عموماً، الفلسفة مختصة أيضاً بفهم مصطلحك أنت، هي المشكلة مواضعة خاصة له؛ يعني هو بعد ما شرحها هو بقول: أنا هذا مفهوم أنا جبته، يعني عرفت أن هي مواضعة خاصة له، طيب أنا أتعب أتعب وعم بحاول أفهم شو مرادك فيه وكذا، وأخيراً طيب أنت لو شرحت لنا إياه واستعملت عبارة بوضوح من العبارات المندجة إيش كان هذا أسهل وأكثر فائدة؟

لكن أنا أعرف أنه هو أحياناً لما يكون وصل لمرحلة علمية متقدمة في فلسفة معينة بيشعر أنه لازم عكسوا هذا العلم اللي عندي بالعبارات الغامضة حتى لا ينال إلا شخص تعب مثلي، ما بدي حدا يقرأ علمي إلا شخص تعب مثلي، يعني أتقد أنها هي تحتاج منه إلى إعادة دراسة: هل هذا مقصود فعلاَ أنت في ذاك؟ أنا عارف أنك تعبت على علمك ووصلت لأشياء مفيدة، لكن كان بإمكانك أن تعبر عنها بشيء سهل ميسور حتى يصبح ثقافة مجتمعية.

المهم قال: فرمزوا باوصافه، وأخفوا معانيه، ليوهموا الشح به والأسف عليه، خديعة للعقول الواهية والآراء الفاسدة. طبعا علم الكيمياء قديماً هو علم يدخله الباطل ويدخله الحق؛ لأنه كان علم الكيمياء قديماً كانت تطلق على تزييف المعادن، التلاعب بالمعادن، تحويل معدن أشياء إلى ذهب وهي في الواقع ليست ذهباً، أو إلى فضة وهي ليست فضة، فهو نوع من انواع التمويه كان يستعملونه بطرق معينة للتلاعب بالمعادن، فيحصل خداع أنه يوهمك في السوق أنه هي ذهب بس هي تم التلاعب بها لتصبح كشكل الذهب بس هي في الحقيقه يعني فاصة كما نسميها اليوم، أو أنها فضة لكن هي في الواقع مش فضة، فهي التي كانت تستعمل للغش، فلذلك تجد يقول لك: ما من العلوم المحرمة علم الكيمياء. بعض الناس اليوم علم الكيمياء محرم؟ شو نعمل يعني؟ كل درسوا كيمياء يلغوا تخصصهم؟ لا، هو علم الكيمياء قديماً هو المراد بالعلم المحرم قالوا: الذي يستعمل فيه تزييف المعادن وتغيير حقائق، يعني تصويرها على خلاف ما هي عليه، فكان للظاهر أنا ما بعرف، يعني هو بتكلم أنه كانت لهم مصطلحات خاصة في هذا العلم حتى يشعروك أن العلم تبعهم علم عالي وكذا، وأنه الموضوع مش في الصورة.

وقد قال الشاعر: منعت شيئاً فأكثرت الولوع به، وحب شيء إلى الإنسان ما منع. قال ثم ليكون؛ لأنه هي بقول لك الإنسان لما يشوف أن شيء عبر عنه بشيء غامض يصبح يريد أن يصل ويعرف الأسرار التي تقف وراءه، اللي هي قضية تطلع النفوس إليه، منعت شيئاً فأكثرت الولوع، الإنسان لما كل شو بيقول لك: كل ممنوع مرغوب، هيك القاعدة صح؟ فلذلك البعض، وهذه ترى من الدراسات النفسية، يعني هذا أمر مدروس في علم النفس، أنه أنت إذا اردت أن الناس تتشوف لشيء استعمل أولاً عبارات غامضة، لأنه إذا هو لما تستعمل عبارات غامضة يصبح أمامك أكثر تركيزاً وانتباهاً.

وهذا من أساليب اللغة العربية بس مش بطريقة الرمز، أنه مش بسموها: الإيضاح بعد الإبهام، هذه من أساليب البلاغة التي درسناها في علم البلاغة أن العرب من أساليبها إبهام، بعدين يأتي ماذا؟ بإيضاح. وإيش كان يقول السيوطي في تعليق على عقود الجمال؟ أنه لماذا يبهم العرب ثم يوضحون؟ لأنك لما تبهم شيئاً تشوق السامع ليكتشف ما وراء هذا الإبهام، فلما يأتي التوضيح بعد الإبهام يكون أرسخ في النفس من إيش؟ من التوضيح مباشرة، تمام.

مثلاً: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم، أها مين هم هذول الثلاثة؟ شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر، تمام. فانت بتشعر أنه أول شيء يعمل لك إبهام بعدين إيضاح، فانت انبسطت ركزت، بس العرب لازم إيضاح بعد الإبهام، العرب ما بتعمل إبهام وبتروح، إلا إذا كان الإبهام قصده التهويل، زيّ: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78] هي إبهام، ما غشيهم؟ ما فهمت إيش يعني ما غشيهم؟ أراد أرادها الله أن تكون تبقى مبهمة، قالوا حتى يذهب الذهن فيها إلى أقصى أنه أشياء مرعبة، شو ما حاولت تفكر لن تستطيع أن تدرك هول ما غشيهم.

فالإبهام هو من الأساليب وهو فعلا يصنع حالة تشوق في النفس، لكن الإبهام عند العرب له مقاصده وأهدافه السامية، والعرب في العادة لا تبهم إلا بعد الإ، وبعده توضح، تبهم ثم توضح، أو تبهم إذا كان الشيء المراد منه التعجب والتفضيع. أما إبهام لا معنى له، اللي هو هذا بيسموه الإبهام الذي لا معنى له فقط الفلسفة، هذا الذي يذمه الماوردي، أما الإبهام المقصود الذي يترتب عليه إيضاح بعد ذلك لا، ترى هذا قد يكون جيداً أحياناً.

طيب قال: ثم ليكونوا براء من عهدة ما قالوه إذا جرب، هذول الكيميائيين ليش بيستعملوا عبارات بلك خاصة؟ حتى ما حدا يكون فاهم عليهم، فإذا تم تجربة علمهم فاكتشف زيفه، ولك: لا، وأنا أصلاً قصدي في العبارة كذا وكذا، يعني لاقي إيش مخرج ومهرب من القضية. قال: ثم ليكونوا براء من عهدة ما قالوه إذا جرب فاكتشف أنه غلط، التجربة الكيميائية ما نجحت، بقول لك: لا وأنا قصدت فيها شيء ثاني، بضل يلعب فيك والعبارة فضفاضة تحتمل كل هذه الأمور.

نعم، قال: ولو كان ما تضمن هذين النوعين وأشباههما من الرموز معنى صحيحاً. ما تضمن هذين النوعين؛ هنا ما يقصد بهذين النوعين؟ لأنه نحن قلنا متى يستعمل الرمز غالباً؟ أما لمذهب شنيع أو فلسفة لا معنى لها، فيقول: ولو كان ما تضمن هذين النوعين اللي هو المذهب الشنيع أو اشعار الناس أنه علم معوز نعم، قال: وأشباههما من الرموز معنى صحيحاً وعلما مستفاداً، لخرج من الرمز الخفي إلى اللفظ الجلي، إلى العلم الجلي عندي أنا، نعم.

قال: لأن أغراض الناس مع اختلاف أهواءهم لا تتفق على ستر سليم وأخفاء مفيد. فقد قال زهير: الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستري. إيش يريد أن يقول لك؟ قال: ولو كان ما تضمن هذين النوعين اللي هو المذهب الشنيع والعلم الذي يراد بيان اعوازه، ولو كان ما تضمن هذين النوعين وأشباههما من الرموز معنى صحيحاً وعِلْماً مستفاداً لخرج، يعني هو يريد أن يقول: صاحب المذهب الشنيع وصاحب الفلسفة الزائدة اللي هو الثاني، نحن خلينا حتى نتواضع عليها تواضع بيننا، أن صاحب الفلسفة صاحب المذهب الشنيع وصاحب الفلسفة الزائدة لو كانت هذه الرموز التي يستعملونها تحتوي معاني صحيحة وعلوم مستفادة جميلة حقيقية، لخرجوا من استعمال الرمز إلى استعمال ماذا؟

ربما العبارة اللي في نسختكم أفضل من العبارة اللي نسختي أنا، إلى العلم الجلي، لكن ربما عبارتك إلى اللفظ الجلي أصلاً، لخرجوا من استعمال الرموز إلى استعمال شو؟ الألفاظ الجلية؛ يعني هو يريد أن يقول لك: إن الإنسان ما يستعمل الرموز إلا لأنه في حاجة، وإلا لو كان عنده علم حقيقي لترك استعمال الرموز ولا انتقل من الرمز الخفي إلى اللفظ الجلي؛ فإن أغراض الناس مع اختلاف أهواءهم لا تتفق على ستر سليم وإخفاء مفيد.

يعني بقول لك: الناس بطبائعها إذا كان في شيء سليم من العيوب ومفيد، فإنهم في العادة لا يستعملون الرموز للتعبير عنه بل يستعملون الألفاظ الجلية، فانتقالك من الألفاظ الجلية إلى الرموز الغير مفهومة هو دليل على أنه ما عندك سالفه، فهمت باللغة الأخي المختصرة! انتقالك من الألفاظ الجلية التي توضح مقصودك إلى استعمال رموز الناس لن تفهمها دلالة على ماذا؟ على أنه في الغالب، برجع بقول: في الغالب ما عندك سالفة، ما في عندك شيء حقيقي يركن إليه؛ لأنه الناس بطبائعها على اختلاف أغراضها إذا كانت تعرف أن لديها معاني صحيحة تجري بالعكس، من أشد الناس حرصاً أن يوصل أفكاره للناس فسيحرص على أن يستخدم الألفاظ الجلية ويبتعد عن الرموز الخفية.

نعم، شيخنا بس ممكن توضح للبيت كيف الشاهد؟ طيب اقرأ. وقد قال زهير، أنا ما لسه ما ما وقفتش على الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستري؛ يعني الستر متى يوضع؟ على الأمور الفاحشة، الستر يوضع بينك وبين الأمور الفاحشة، يعني هو جعل الفاحشات رمز هنا الماوردي للأشياء التي لا معنى لها، الأشياء السيئة متى يوضع ست أنت؟ إيش الأشياء اللي بتسترها؟ عيوبك صح، أنت ما بتستر إلا عيوبك، لو كان عندك منقبة.

وفضائل النفس في العادة ليش أسترها بالعكس؟ خليها تظهر قدراتي ومهارات الإنسان، إنما تستر العورات صح، إنما تستر العورات.

فكذلك متى يضع الإنسان الرموز لأفكاره ويبتعد عن الألفاظ الجلية؟ لما يكون فكرك أصلاً فاشل، لما يكون فكرك فاشل ما هو عورة، ما هو عيب، فانت تحتاج أن تستره، استر دون الفاحشات. نعم شيخنا يعني دون هنا بمعنى عن؟ نعم، يعني يوضع بينك وبين الفاحشات. نعم.

قال: وربما استعمل الرمز من الكلام فيما يراد تفخيمه من المعاني وتعظيمه من الألفاظ، اه، هذا مش مشكلة يعني استعمال الرموز فيما يراد تفخيمه من المعاني وتعظيمه من الألفاظ ليكون أقرأ سريعاً، ليكون أحلى في القلوب موقعاً وأجل في النفوس موضعاً، فيصير بالرمز سائراً وفي الصحف مخلداً، كالذي حكي عن فيثاغورس في وصاياه المرموزة أنه قال: احفظ ميزانك من الندى وأوزانك من الصد، يريد بحفظ الميزان من الندى حفظ اللسان من الخنا، وبحفظ الأوزان من الصد حفظ العقل من الهوى، فصار بهذا الرمز مستحسناً ومدوناً جيداً.

فاذاً، أحياناً قد تستعمل الرموز لكن في سياق جميل وطبيعي، إنه بدي أخلي، بدي أعطي مثل، بدي أعطي بيت تسير به الركبان ويحفظ، فاستعمال لغة الرمز في تكون أدعى لأن يحفظه الناس ويضبطونه خاصة إذا كان على شكل سجع أو إيقاع. نعم، قال: ولو قاله باللفظ الصريح والمعنى الفصيح لما سار عنه ولا استحسن منه، لذلك أكثر الأمثال العربية فيها نوع من الإيش من الألغاز والرموز، لو افتحت الكتاب مجمع الأمثال للميداني ستجد أن كثير من الأمثال مش رح تفهمها إلا إذا ايش عرفت قصتها وإلا فيها نوع من الغموض، لكن لما تعرف قصتها وتحفظ المثل بلغته الرمزية بصير فعلاً أكثر سهولة في تناقله على الألسن.

نعم، قال: وعلة ذلك أن المحجوب عن الأفهام كالمحجوب عن الأبصار فيما يحصل له في النفوس من التعظيم وفي القلوب من التفخيم، ولذلك استحلي واستحسن، وما ظهر منها ولم يحتجب هان واسترذل، وهذا إنما يصح استحلاؤه فيما... اه بس هون بدك تفهم إنه استعمالك لكمية الرموز في هذا الموطن بده يكون ايش؟ فيما قل، يعني أنت كشيخ ما يكون كلامك كله من هذا القبيل، يعني كلمة في هالشهور اه والله حلوة بتكون زي الملح على الطعام، مثل الملح على الطعام إذا كثر فسد، وهو باللفظ الصريح مستقل.

قال: فأما العلوم، قال: فأما العلوم المنتشرة التي تتطلع النفوس إليها فقد استغنت بقوة الباعث عليها وشده الداعي إليها عن الاستدعاء لها برمز مستحلى ولفظ مستغرق، فبيقول لك: أما العلوم التي يحتاجها طلاب العلم فهي أصلاً هناك همة على طلبها والإنشغال بها، فأنت لا تروح تجيب رموز، يعني أحياناً هو نحن قلنا متى يكون الرمز مفيد؟ إذا بدك تجذب انتباه السامعين، حلو انك تستعمل شو الرمز؟ فبقول لك: هذه في حكمه من حكم الحياة اللي ممكن ما ينتبه الناس لها، اه والله حلو تضعها في قالب رمزي حتى الناس تحفظها تمام، زي الأمثال الشعبية اللي نحن بنستعملها مثلاً، لكن قال: أما سائر العلوم التي يحتاجها طلاب العلم فهذه أصلاً الهمم متدافعه لطلبها، يعني الناس أصلاً في الوضع الطبيعي في طلاب بيدرسوا أصول فقه وفي طلاب بيدرسوا اللغة وفي طلاب بيدرسوا ثقافة اجتماعية، فهذه النفوس أصلاً مستعدة لطلبها، فليش أنت تروح تعقد عليهم هذه العلوم باستعمال الرموز؟ غلط، فهمت؟ غلط أن تستعمل الرمز في سياق شرح العلوم، فالنفوس أصلاً مستعدة لطلبها فلا تستدعي لها رمزا مستحلى ولا لفظا مستعذبا، بل قال: بل ذلك منفر عنها، بل ذلك منفر عنها، بالعكس أنت الطالب لما يشعر أنه كل كلام الشيخ في الدرس عبارة عن رموز بقول لك: يا اخي ما بدي هذا العلم كله، أنا مسامح الشيخ فيه، يعني كل شوي رمز رمز رمز رمز، صارت المادة يعني معقدة.

نعم، لما في التشاغل باستخراج رموزها من الإبطاء عن دركها وتصور معانيها، ف ولذلك كان مشايخنا يقول أي الكتاب في أصول الفقه؟ كان يقول في علم الأصول تجد عبارة مغلقة، اترك هذا الكتاب. أنا بذكر أحد المشايخ كان كتاب ابن أمير الحاج في أصول الفقه بعض الكلام أقرب إلى الرمز منه إلى أنه هي أصول الفقه، العبارة مغلقة مغلقة بشكل متعب، وهذا معنى كلامه، تكاد أنت تحاول تفهم ايش بيقول في كتابه الأصولي، فطبعا بعض الناس بيهتم بهي الكتب باعتبار أنا فهمت هذا الكتاب، يا اخي جزاك الله خير بس أنا مسامحك ليه؟ لانه هذا الكتاب سيستغرق مني ربما سنتين وانا اقراه حتى افهم رموزه وافك عبارته، بينما نفس الافكار الموجودة عند الغزالي في المستصفى بكل وضوح وجلاء وسهولة، فللاسف في بعض قرون الامه بسبب الترف المعرفي صار البعض يتسارع في قضيه ايش او يتنافس انه مين اكثر واحد شاطر يضع كتاب اصول فقه مختصر وتكون لغته هيك عالية، صارت الغاز فعلا صارت الغاز، واصبح بعض طلاب العلم بعد ذلك ينفر من علم اصول الفقه، ليه؟ يلا بدي اقراك هذا الكتاب الفقهي او الاصولي اللي عباره عن طلاسم مغلقه ومحتاج فكه الى تعب، بخلاف لما يكون الكتاب في متناول يد مش الجميع على الاقل لكن في يد الطبقه المتعلمه او التي تعرف مصطلحات علم، خلص الكتاب سهل.

فهل المقصود فعلا هو تعقيد العبارة؟ وهل تعقيد العبارة دلالة على سعة علم صاحبها؟ لا، تعقيد العبارة هو لا يدل على سعة علم صاحبها ننتبه، ليش انا بيعجبني الغزالي رحمه الله عليه في المستصفى مع انه من اوائل الكتب لكنه وضع الكتاب بطريقه رائقة، انه انا هو هدفي يفهم الناس اصول الفقه، انا مش هدفي اجعل هذا العلم صعب مستغرق على ذهنك وفهمك، بخلاف بعض المتاخرين الذين جاؤوا في القرن السابع والثامن الهجري لا، تشعر انه صار احد مقاصده اشعارك بالتفوق اللساني واني قادر انه العلم السهل والواضح اجعله بعباره معقده، طب هل هذا مقصد؟ هل هذا الشيء مطلوب في العلوم؟ هذا منفر، فهذا انتبه له، لا تقرا كتابا لغته مغلقة، مباشرة اذهب للكتاب المفيد.

نعم، قال: واما اللغز فهو تحدي اهل الفراغ وشغل، اللغز هذا في الاشعار، نعم، قال: وشغل ذوي البطالة ليتنافسوا في تباين قرائحهم ويتفخروا في سرعة خواطرهم، فيستكدوا خواطر قد منحوا صحتها فيما لا يجدي نفعاً ولا يد... يعني يعبد ذهنه في محاولة فك اللغز الذي في الشعر في شيء لا يفيد.

نعم، قال: فهم كاهل الصراع الذين قد صرفوا ما منحوه من صحة أجسادهم إلى صراع كدود يصرع عقولهم ويهد أجسامهم، لا يكسبهم حمداً ولا يجدي عليهم نفعاً، انظر إلى قول الشاعر: رجل مات وخلف رجلاً. مين اهل الصراع هنا؟ اظنهم اهل المصارعة اللي اصحاب بيحبوا يلعبوا مصارعة كثير يعني، نعم ربنا اعطاك جسد صحيح، أنت ليش بتضله ياكل قتل ياكل قتل في لعبة المصارعة؟ روح يا عمي اعمل لك شغلة مفيدة في حياتك.

قال: انظر إلى قول الشاعر: رجل مات وخلف رجلاً، ابن أم ابن أبي أخت أبيه، معه أم بني أولاده، وأبا أخت بني عم أخيه، بقول لك شو هالشاعر هذا؟ يعني هو بقول لك مادي، شوف مثلاً هذا اللغز تمام، وماله في الناس إلا ممكناً، هذا كما كنا نقرا، أبو أمي حي أبوه يقارن... يعني أنت بتعطيني بيت شعري ما حدا فاهمه إلا أنت، بيت شعري ما حدا فاهمه إلا أنت، ولذلك لذلك أحياناً كان العلماء قديماً ترى، بعض الناس بفكر أن الألغاز دائماً ممدوحة، كان الإمام مالك كثيراً ما يذم الألغاز الإمام مالك بن انس والمعاياة فيها، بقول لك: أنا بدي أتعب ذهني تعطيني لغز وأجلس نص ساعة وأنا أفكر فيه وكذا، وأخر شيء يطلع شغلة منهشنا معنا تمام! شيء إذا بتطلع عليه بالعكس بتعرفوا الشباب صغار يعني بتطلع عليه كذا بيعطيك كذا ولونه أخضر وشك... يا عمي أنا أنا قاعد أفكر وبيطلع ١٥ شغلة بتزبط، مش شغلة واحدة بتطلع ١٥ شغلة بتزبط بس هو خلص هو حاملها عن الشيء اللي بذهنه ومفكر حاله بيحكي علم، وهذا مش علم تمام! بقول لك: لاخليه ذهن الطفل ينشط، بقول لك: لا ترى مش رح ينشط كثير ذهن، يعني بعض الألغاز قد تكون مفيدة، لكن كثير منها يغلب عليه السماجة كما يقولون، فليست شيء ممدوح، إنما الممدوح العلم النافع والله.

نعم، قال: أخبرني عن هذين البيتين وقد روعك صعوبة ما تضمنهما من السؤال، إذا استكدك الفكر في استخراجه فعلمت أنه أراد ميتاً خلف أباً وزوجة وعماً، ما الذي أفادك من العلم؟ يعني طلع في النهاية كل البيت شو معناته؟ في واحد مات وترك وراءه أبوه وزوجته وعمه، طيب يا ابن الحلال، إذا هي القصة من أول ليش ما أعطيتني اياها بسهولة؟ يعني واحد مات وترك وراءه أبوه زوجته وعمه خ... يعني أنا أجلس نصف ساعة وأنا أحياناً أفهم هذا المعنى، وفي النهاية طلع مش معنى مهم ولا مفيد في الحياة العملية.

نعم، قال: ما الذي أفادك من العلم ونفى عنك من الجهل؟ الست بعد علمك تجهل ما كنت جاهلاً من قبله؟ نعم، قال: ولو أن السائل قلب لك السؤال، فاخر ما قدم وقدم ما آخر، لكاتنت في الجهل به قبل استخراجه كما كنت في الجهل بالأول، وقد كدت فكرك واتعبت خاطرك، ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله، فتكون فيه كما كنت ايش يعني؟ ولو أن السائل قلب لك السؤال فاخر ما قدم وقدم ما آخر، لكاتنت في الجهل به قبل استخراجه كما كنت في الجهل الأول.

إيش يعني؟ يعني شيخنا لو هذا اللغز عرضه بطريقة أخرى وبترتيب آخر لاتعبت نفسك مرة أخرى في أن تصل إلى نفس النتيجة، في أن تصل إلى نفس النتيجة يعني قريب من كلامه، يعني يقول: ولو أن السائل أعاد قالب السؤال فاخ... أيوه، صدر... الذي يسمع هذا اللغز لو غير فيه، نعم، الذي كتلا لم يبرف ما لم يفهم ماذا كتب هو الذي كتب أساساً، أصارت هو كتبه، إذا الذي سمع قلب فيه شيئاً، لا هو عن السامع، هو بيتكلم عن نفس السائل الكاتب، الذي كتب اللغز لن يفهم اللغز إذا قلب أحد الأشخاص، أو أنا أنا فهمت ايش فكرتك، إنه لو جاء الشخص قلب عليه هو اللغز لن يفهم، بس هو يتكلم لا عن نفسه، مش أنه بيتكلم عن شخص قلب عليه، لا هو هو نفسه، ولو أنه هو نفسه السائل لأنه هذا بدك تربط بالكلام السابق، هو ايش يقول؟ الست بعد علمه تجهل ما كنت ما كنت جاهلاً من قبله؟ خلينا نبلش من العبارة السابقة، هو لما قال: لو أن البيت ايش معناته طلع؟ قال: فعلمت أنه أراد أن هناك شخص مات فخلف أباً وزوجة وعماً، ما الذي أفادك من العلم ونفى عنك من الجهل؟ هو يريد أن يقول لك: انه هذا هل نفى عنك شيء من الجهل معرفتك أنه في واحد مات وترك أبوه وأمه؟ هل نفى عنك شيء من الجهل حقيقي؟ ما نفى شيء من الجهل الحقيقي.

قال: الست بعد علمك بمعنى هذا البيت تجهل ما كنت جاهلاً به من قبل أن تسمعه؟ هو ماذا يقصد بالجهل هنا؟ والله أعلم أنه ما في معلومة حق مفيدة، مفيدة استفدت، شخص مات ترك أبوه وزوجته، طب يعني في معلومة مفيده كثير بالنسبة لي؟ يعني هي مش معلومة تقصد ولا تبحث ولا ترجع، فهو باختصار صار بقول لك: إنه يرى يقول لك: بعد أن عرفت المعنى أنا لم أستفد علماً، أنا لم أستفد علماً مفيداً، يعني مش ما في معلومة مفيدة، يعني بعض الكلام بعد ما تفهم دلالته بتقول: يا ريتني ما ضيعت وقتي في، ليش؟ ليه؟ لأنه دلالته ليست علماً، فكانه يقول: الست بعد علمك بمعنى هذا البيت بقيت تجهل ما كنت جاهلاً به من قبله من قبل ما تسمعه؟ يعني ما في أي علم مفيد استزدته في حياتك.

طيب، ولو أن هذا السائل نفسه قلب لك السؤال ورجع آخر ما قدم وقدم ما آخر، لكنت في الجهل به قبل استخراجه كما كنت في الجهل الأول، نفس المشكلة بقيت أنه لن تستفيد شيئاً مفيداً وقبل أن تستخرج هذا المعنى وبعد استخراجه هو نفس الحال.

طيب وقد، المشكلة لكن شو المشكلة؟ كدت نفسك، أنك أتعبت نفسك وأنت تحاول تفهم واتعبت خاطرك، ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله، فتكون فيه كما كنت، كما كنت فيما قبله، ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله في أمور كثيرة فتكون فيه كما كنت فيما قبله، وتضلك تتعب نفسك باختصار في أمور لا تفيد شيئاً في الحياة المعرفية، لا تشعر أنها حقيقة ذات قيمة.

طيب، قال: فاصرف نفسك، تولى الله رشدك، عن علوم النُوكل، النُوكل هم الحمقى، يعني بقول لك: ابعد عن هي الألغاز وتضيعش وقتك فيها، هذه علوم حمقى.

نعم، قال: وتكلف البطالين، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، ثم اجعل ما من الله به عليك من صحة القريحة وسرعة الخاطر مصروفا إلى علم ما يكون إنفاق خاطرك، ما يكون إنفاق خاطرك فيه مذخوراً أي ذخراً لك، نعم، وكد فكرك فيه مشكوراً، فقد روى سعيد بن أبي هند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، ونحن نستعيذ بالله.

إن من أن نغبن فضل نعمته علينا، ونجهل نفع أحسنه إلينا. وقد قيل في منثور الحِكم: من الفراغ تكون الصبوة. وقال بعضهم: من الفراغ تكون الصبوة. شو الصبوة؟ يعني رعونة، ورعونة الشباب صبوة. الرعونة تأتي من إيش؟ من واحد بطال، واحد حياته كلها مشغولة بالعلم والمعرفة ما عنده وقت لهذه الحماقات والصبوات. لكن متى تأتي الصبوات ورعونات الشباب؟ الشباب بطالون قاعدون في الطرقات والشوارع أو على السوشال ميديا، تصفى بتلاقيه بدخل على الألغاز وعلى الألعاب وعلى كذا. فعلاً من الصبوة تكون من الفراغ، تكون الصبوة، وهي أسقطها على الشباب المشتركين بالسوشال ميديا؛ هذا الشاب اللي قاعد بقلب صفحات السوشال ميديا طالع نازل على الفيس والتيك توك والإنستغرام، وهذه البنت اللي قاعدة بس بتقلب صفحات الفيس، من وين أتتها هذه الصبوة؟ من الفراغ، من الفراغ تكون الصبوة.

وإلا شاب مرتب جدوله اليومي: الآن عندي درس، بعديه عندي أحفظ متن، بعدها عندي مشوار كذا باليوم، بعدين بروح أخدم أخوي اللي في الله، بعدين أقضي حقوق الناس؛ عنده فراغ، فلن تجد منه الصبوات التي هي رعونات الشباب. نعم، قال وقال بعض البلغاء: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أحرزه، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عقَّ يومه وظلم نفسه. شايف؟ يعني اليوم كله بده يكون موزع على أي شيء مفيد، سواء في خدمة نفسك أو خدمة أهلك أو خدمة مجتمعك وبلدك.

نعم، قال وقال بعض الشعراء: لقد هاج الفراغُ عليك شغلاً ... وأسباب البلاء من الفراغِ وأسباب البلاء من الفراغ؛ هذه احفظوها. وأسباب البلاء؛ البلاء يعني في إيش؟ في الشهوات والخواطر الرديئة، إنما تأتي من الفراغ. نعم، كثير من الشباب المبتلى بالنظر الحرام أو بالخطرات الرديئة دائماً شو النصيحة له؟ أشغل نفسك، أشغل نفسك، ما تخلي نفسك تجلس هيك ساعتين ثلاثة على كبة المنزل أو على الفراش وتقلب صفحات السوشال ميديا؛ لا بد وأن تملأ وقتك من الصباح إلى المساء إلى أن تنام.

نعم، قال: فهذا تعليل ما في الكلام من الأسباب المانعة من فهم معانيه، حتى خرج بنا الاستيفاء إلى الإطالة، والكشف إلى الإغماض. جميل، هو بقول لك: أنا إحنا قلنا الآن شو أسباب عدم فهم الطالب لكلام الشيخ؟ أول سبب: أن كلام الشيخ غير مفهوم، وعرفنا لماذا، متى يكون كلام الشيخ غير مفهوم؟ إما لتقصير، وإما لزيادة، وإما لمواضعة. وبيقول لك: لسنا نشرح ونعلق، حتى أنا نفسي وقعت في الخطأ نفسه، فانتقلت من الاقتصار على ما يكفي إلى المبالغة، ومن الإيضاح إلى الإبهام. يعني هو كان الماوردِي بيضحك على حاله، بقول: أنا هيني وقعت فيما أردت أن أحذرك منه.

طيب، ننتقل إلى السبب الثاني من أسباب عدم فهم الطالب، وهو ماذا؟ قال: وهو أن يكون السبب المانع من فهم السامع لعله في المعنى المستودع. اه، السبب الثاني لعدم فهمك لكلام الشيخ، قلنا ما هو؟ لا، الشيخ ما شاء الله عبارته كاملة مستوفاة والمواضعة أنا فاهمها، أو أنه في مواضعة أصلاً أمور واضحة، الكلام مكشوف. اه، وهنا السبب الثاني لعدم فهمك لكلام الشيخ إذاً سيكون ما هو؟ أنه نفس المعنى الذي يحمله هذا الكلام هو اللي عامل لي مشكلة. ليه؟ قال: فلا يخلو حال المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يكون مستقلاً بنفسه، أو يكون مقدمة لغيره، أو يكون نتيجة من غيره.

بقول لك ممتاز، الآن شوف هو تقسيمه الجميل، هذا كلام لن تجده عند غير الماوردِي بهذه الطريقة الجميلة. يقول لك الآن: هذا المعنى الذي أنت ما فهمته من كلام شيخك، إما أن يكون هذا معنى لا هو ليس مرتبطاً بكلام سابق، وليس له علاقة بكلام لاحق، لا هو معنى ابتدائي ليس مرتبطاً بأي شيء، معنى مستقل. الحالة الثانية: أن يكون هذا المعنى لا، هو مقدمة لكلام سيأتي بعده. الحالة الثالثة العكس: أن يكون هذا المعنى هو نتيجة لكلام سبقه، لازم يكون عندك. فإذاً المعاني ثلاثة: إما معنى مستقل غير مرتبط بشيء قبله أو بعده، الحالة الثانية أن يكون المعنى هو مقدمة لشيء سيأتي بعده، العكس أن يكون المعنى هو نتيجة لشيء ينبغي أن يكون قبله.

طيب، قال: فأما ما يكون مستقلاً بنفسه فضربان: جلي وخفي. طيب، نيجي الآن على الحالة الأولى، هذه كلها بدها تشجير يا شباب حتى ما تضيع كل الكلام في هذا الفصل. الحالة الأولى: المعنى المستقل الذي ليس مقدمة لغيره ولا نتيجة عن غيره، المعنى المستقل قد يكون جلياً واضحاً، وقد يكون خفياً تكد فيه الأذهان. طيب، نبدأ بالجلي، قال: فأما الجلي فهو يسبق إلى فهم متصوره من أول وهلة، وليس هو من أقسام ما يشكل على ذي تصوّر. نعم، إذا كان المعنى معنى مستقلاً، ركز، معنى مستقلاً جلياً، هذا ستفهمه بالبداهة تمام، ستفهمه ويسبق إلى ذهنك سريعاً، فهذا لا يُظن أنه يشكل على أحد، لا يُظن أنه يشكل على أحد.

نعم، قال: وأما الخفي فيحتاج في إدراكه إلى زيادة تأمل وفضل معاناة لينجلي عما أُخفي وينكشف عما أغمض، وباستعمال الفكر فيه يكون الارتياض به. شايف؟ وباستعمال الفكر فيه يكون الارتياض. الارتياض يصير عندك أنت نوع من الرياضة والممارسة لمثل هذا النوع من الكلام. وهذا هو عامة كتب العلوم الشرعية، أنه مثلاً علم النحو هو كلام ابتداءً يكون خفي عليك، لكن لما تكثر النظر بصير عندك رياضة فيه، فبصير خلاص يتضح بعد الخفاء. أصول الفقه ابتداءً لما تفتح كتاباً وأنت عمرك ما قرأت، ستشعر أنه في خفاء، لكن لما تدبّر النظر والتفكير، يصبح فيه ارتياض. ونفس الشيء كتب العقيدة وكتب مصطلح الحديث وما شابه ذلك. إذاً فهذا النوع باستعمال الفكر فيه يكون الارتياض؛ أنت تحتاج لهذه اللياقة ولهذه الرياضة في هذه الكتب.

نعم، قال: وبالارتياض به يسهل منه ما استصعب ويقرب منه ما بَعُد، فإن للرياضة جراءة وللدربة تأثيراً. نعم. طيب، وللدربة؛ لأن عندي أنا وللدربة جيد، وللدربة تأثيراً. بالله أعطيني إياها. طيب، وللدربة، الآن شوف هذا الكلام مفيد، كثير من الشباب أول ما يبدأ يقرأ في علم معين بصير عنده صدمة حضارية، شاهنا شو الصدمة الحضارية؟ أنه يقرأ الكتاب شو هذا العلم! خاصة العلوم التي فيها جانب شوي عقلي ينفر منها، وبصير مشكلته أنه ما أعطى لنفسه فترة أنه يرتاض هذا العلم ويتدرب. بصير ينزل على السوشال ميديا: هذه العلوم غير النافعة، علوم أصول الفقه التي أشغلونا بها، وهذه علوم المقاصد، دعونا نعود لعلوم السلف الكتاب والسُّنة، بصير يعطيك بروباغندا معينة أنه هي كلها علوم مش نافعة. هي المشكلة مش هيك، ومن جهل شيئاً عاداه، لا رفقاً بنفسك شوي شوي. قبل ما تحذر من بعض العلوم، عليك أن تعرف قد يكون السبب أنه أنت استوحشت منها أول ما فتحت كتبها ومصنفاتها؛ لا اهدأ شوي، بعض العلوم هي في قمة النفع، لكن أنت ما عندك رياضة ولياقة للتعامل مع مصنفاتها.

فيقول لك المعاني المستقلة الخفية التي تحتاج إلى زيادة تأمل وأن تعطي نفسك دُربة عليها، هذه إن شاء الله مع الارتياض، شوف عبارة الارتياض، يسهل بإذن الله منها ما استصعب، ويقرب منها ما بَعُد. والرياضة، فإن للرياضة جراءة، يعني أنت لما يصير عندك رياضة على شيء بصير تتجرأ عليه، بصير عندك قوة على التعامل معه. إيش يعني فإن للرياضة جراءة؟ أنه بتصير أنت لما ترتاض شيء بصير تتجرأ عليه؛ أنت ركبت الخيل أول ما تشوف الخيل بتكون هايب وخايف، لا لو بدي أركب وخلص وبتحاول أنك تضع أموراً وتعتذر، لكن إذا ارتاض ركوب الخيل بتصير خيال، بصير عندك جراءة. صح في السباحة، أول يوم يومين في شهر بتلاقي أنه في بينك وبين المسبح هيبة، لكن بصير عندك رياضة وممارسة للسباحة بصير ترمي حالك في عمق عادي 30 متر، تمام نحن في عمق مترين بخاف على واحد بصير يقول لك لا يا حبو، طيب في ناس هي بتسبح في بحر وعلى بعض الناس بتخيلوا لأنه أنا أخوكم ما مش سبيح بروح بشوف نص في البحر قاعد بقول له الشاب أنت وين رايح يا رجال أنت عارف تحتك؟ بقول لي عادي ما أنا خلص يعني بعرف أسبح، هذا معنى فيك صحيح.

فإن للرياضة جراءة، لما ترتاض شيء بصير تتجرأ، لكن لما تكون أنت مش مرتاض عليه بتضلك متهيب، ونفس الشيء الكتب الشرعية، نفس التوصيف، لما تصير أنت عندك رياضة في التعامل مع كتب أصول الفقه عادي، أي كتاب أصول فقه تعانق، شو المشكلة؟ لكن اللي ما عنده رياضة على التعامل معها بضله متهيب ومتخوف، وشو المشاكل التي رح تطلع معي في الطريق، وهكذا، فإن للرياضة جراءة وللدربة تأثيراً.

نعم، قال: وأما ما كان مقدمة لغيره فضربان، أحدهما... طيب، إذاً هيك انتهينا من أول نوع من أنواع المعاني التي هي المعاني المستقلة وقسمناها إلى جلية وخفية. طيب نروح الآن النوع الثاني من المعاني، المعاني التي هي إيش يا مشايخ وسيلة إلى غيرها، مقدمة إلى غيرها. قال: فضربان أحدهما أن تقوم المقدمة بنفسها وإن تعدت إلى غيرها فيكون الكلام كالمستقل بنفسه في تصوره وفهمه، وإن كان مستدعياً لنتيجته. طيب الآن النوع الأول، إذا كان المعنى هو مقدمة لغيره، الآن إذا كان هذه المقدمة يمكن أن تُفهم وحدها دون أن يُفهم ما يأتي بعدها، فأصبحت كأنها مستقلة فعلياً ما في فيها مشكلة، أليس كذلك؟ يعني الآن مش في القياس مش بقول لك عندك مقدمتين ونتيجة، صح في القياس المنطقي؟ الآن أنا فهمت الآن درست المقدمة الأولى، إذا المقدمة الأولى فهمها لا يحتاج إلى أن تفهم المقدمة الثانية، فأصبحت المقدمة الأولى كأنها معنى مستقل، فعادت إلى القسم الأول. يقول: أن تقوم المقدمة بنفسها، يعني أن يكون فهمها لا يحتاج إلى فهم مقدمة سابقة عليها؛ هي أول مقدمة في الاستدلال، ففي هذه الحالة صحيح هي وإن تعدت إلى غيرها أن هي توصل إلى غيرها، بس هي في نفسها لا تحتاج إلى شيء سابق. فيقول: أن تقوم المقدمة بنفسها وإن تعدت يعني فائدتها إلى غيرها وكانت سُلماً للوصول إلى غيرها، ففي هذه الحالة تكون كالكلام المستقل بنفسه في تصوره وفهمه، وإن كانت مستدعية لنتيجة، أنا عارف أنه هي مجرد مقدمة وأنه في بعديها كلام لازم يجي، بس هي الآن بنفسها ابتداءً مفهومة.

نعم، قال: والثاني أن يكون مفتقراً إلى نتيجته، فيتعذر فهم المقدمة إلا بما يتعاقبها من النتيجة؛ لأنها تكون بعضاً منه، وتبعِيض المعنى أشكل له، وبعضه لا يُغني عن كُلِّه. أحسنت، أحياناً بعض المقدمات حقيقة لا يمكنك أن تفهمها إلا إذا فهمت النتائج معها، يعني أنت رح تقول معقول أنا لازم أفهم النتيجة حتى أفهم المقدمة؟ أحياناً نعم، بدها تكون نوعاً ما النتيجة التي تريد أن تصل إليها، وأنت أصلاً متى تبحث عن المقدمات؟ إذا في نتيجة تحتاج إلى أن تثبتها صح؟ فأنا هي النتيجة التي أحتاج أن أثبتها، فآتي لها بمقدمات، بدي أكون نوعاً ما متصور شو هي النتيجة، ومتصور بالتالي المقدمات، قراءة النتيجة مع المقدمات هو الذي سهّل علي فهم المقدمات، وهذا يحصل معنا أحياناً أننا نقرأ أحياناً بعض مقدمات الأدلة لا نفهمها تماماً إلا إذا عرفنا المدلول والنتيجة التي نريد أن نصل إليها، ساعتها بفهم هو ماذا أراد بالمقدمة، فهمتم؟ فإذاً وأحياناً قد يكون فهم المقدمة مفتقراً إلى فهم النتيجة.

نعم، قال: وأما ما كان نتيجة لغيره، طيب الحالة الثالثة الآن المعاني التي هي عبارة عن نتائج لغيرها، فهذه ما مشكلتها؟ قال: فهو لا يُدرك إلا بأوله، ولا يُتصور على حقيقته إلا بمقدمته. وهذا نعم، هذا الوضع الطبيعي، وهذا هو أكثر أسباب... ركزوا، أكثر أسباب عدم فهم المعاني، أنا ذكرته قبل قليل، ما هو؟ أن يكون المعنى بدري عليك، صحيح، متقدم، أن يكون المعنى متقدم، في هذه الحالة بقول لك هذا المعنى هو نتيجة لدراستك لمعاني سابقة، هل درست المعاني السابقة؟ بتقول لي لا، بقول لك ما رح يزبط، أنه هذا المعنى الذي في ألفية ابن مالك هو ناتج عن معاني متقدمة تم دراستها في الأجرومية، أو هذا المعنى في كتاب المستصفى للغزالي هو ناتج عن معاني هذه تم دراستها في كتب سابقة، إذا أنت لم تفهم المعاني السابقة ولم تدرسها لم تفهم المعنى الختامي.

نعم، قال: فهو لا يُدرك إلا بأوله ولا يُتصور على الحقيقة إلا بمقدمته، والاشتغال به قبل المقدمة عناء وتعب. اه، جميل جميل، والاشتغال به قبل المقدمة عناء، إياك ثم إياك أن تدرس كتاباً فوق مستواك المعرفي وتضيع وقتك، الاشتغال به قبل المقدمة عناء، هذا الكتاب مستوى ثالث، لازم أنهي المستوى الأول والثاني. بعض الشباب يجي يقول لك: شيخ ليش ما أدرس ألفية ابن مالك مباشرة؟ مش لا، ما هو ما بينفع، بدك تدرس كتاب المرحلة الأولى والثانية حتى تصل لكتاب المرحلة الثالثة، ما بينفع، فالاشتغال بالكتب المتقدمة والمعاني المتقدمة قبل المعاني الأولى عناء، لا فائدة. ترجم هذا احفظها كقاعدة علمية.

نعم، قال: وإتعاب الفكر في استنباطه قبل قاعدته أذى. جميل جميل، قال وإتعاب الفكر في استنباطه قبل قاعدته أذى، يعني أنت عم تأذي نفسك، أن الشيخ عم بحكي معاني هي فوق مستواك وهي الشيخ عم بخاطب طلاب المستوى الثالث، أنت شو اللي قاعدك معهم؟ أنت خلصت المستوى الأول؟ لا، بس أنا والله يا شيخ حاب أطلب العلم، ماشي أنا عارف أنك حاب تطلب.

العلم له مسالك صحيحة وطرق؛ بدونها أنت تتعب وتكره العلم إلى نفسك، فإنك تسمع كلام شيخ يخاطب مستوى ثالثاً ورابعاً وأنت ما حضرت المستوى الأول، فأنت تؤذي نفسك. القراءة واستنباط المعاني والتعاب في استنباطه قبل قواعده، وفي استنباط المعاني المتقدمة قبل أن تعرف القواعد التي هي المعاني الأولى، هو نوع من الأذى. هذا يوضح تعليل ما في المعاني من الأسباب المانعة من فهمها. إذاً هنا عرفنا لماذا أحياناً بعض المعاني تكون مشكلة؛ إما لأنه هي نتائج وفي قبلها مقدمات، أو هي مقدمات لكن فهم المقدمات لا يمكن أو لا يصلح إلا بفهم النتائج في نفس الوقت. هذه هي خلاصة متى تكون المشكلة في نفس المعنى، مش في الشيخ ولا في الطالب. أحياناً بعض المعاني وإن كانت مقدمات، لكن اقرأ نتائجها تفهم المقدمات والنتائج، وبعض المعاني هي نتائج عن مقدمات سابقة، هذا هو الأكثر؛ ولذلك تعلم صغار العلم قبل كباره.

أما القسم الثالث فهو أن يكون سبب المانع لعله في المستمع، فذلك ضربان: أحدهما من ذاته، والثاني من طارئ طرأ عليه. فإما ما كان من ذاته فيتنوع نوعين: أحدهما ما كان مانعاً من تصور المعنى وفهمه، والثاني ما كان مانعاً من حفظه بعد تصوره وفهمه. إذاً القسم الثالث هو أن الطالب لا يستوعب المعنى بسبب يعود إليه، فذلك ضربان: أحدهما من ذات الطالب نفسه يعني في شخصيته، والثاني لأمر طرأ عليه أثناء الدرس. نبدأ بالحالة الأولى، فإما ما كان من نفس شخصية الطالب، فإنه يتنوع نوعين: أحدهما ما كان مانعاً من تصور المعنى وفهمه، والثاني ما كان مانعاً من حفظه بعد تصوره وفهمه.

فأما المانع من تصور المعنى وفهمه فهو البلادة وقلة الفطنة، وهو الداء العياء؛ العياء الذي يصعب أن يبرأ منه. إذا كان ربنا ما أعطاك قدرات ذهنية جيدة فهذا نصيبك، حاول أن تطور قدراتك، حاول أن تنميها مع الوقت، لكن في النهاية أيضاً العقول أرزاق، هذه نفهمها، العقول أرزاق، وليس بالتالي كل من شرع في طلب العلم سينبغ فيه. وقد قال بعض الحكماء: إذا فقد العالم الذهن، قل على الأضداد احتجاجه، وكثر إلى الكتب احتياجه.

من يقول لي شو معنى هذه العبارة؟ إذا فقد العالم الذهن، إذا كان العالم مش ذكي ماذا يحصل؟ شو معنى قل على الأضداد احتجاجه؟ أي لا يستطيع أن ينافس أقرانه، ولا يستطيع أن يناظر ولا يناقش. وكثر إلى الكتب احتياجه، أي لا يستطيع أن يشرح شيئاً بدون كتاب، دائماً محتاج للكتب حتى يراجع فهمه لقله ملكاته. وليس لمن بلي بهذا إلا الصبر والإقلال، لأنه على القليل أقدر، وبالصبر أحرى أن ينال ويظفر. من ابتلي يا إخواني، وهذه كل إنسان أدرى بنفسه، من يشعر بنفسه أنه لم يؤت ذكاءً، كيف يتعامل مع العلم الشرعي؟ بالصبر والإقلال. هذه قاعدة: الصبر أنك بدك تصبر شوي شوي حتى تنمو قدراتك الذهنية، وتعرف في النهاية أنه في حد معين، والإقلال يعني خذ كمية قليلة وجرعات خفيفة ولا تحمل نفسك فوق طاقتها.

وقد قال بعض الحكماء: قدم لحاجتك بعض لجاجتك. أي قدم بعض عنادك ومكافحتك حتى تستطيع أن تنال الحاجات؛ لابد وأن تقدم شيئاً من المكافحة. وهذا هو أتى بهذا المثل شاهداً على ضرورة الصبر، أنه قال بالصبر أحرى أن ينال ويظفر. وليس يقدر على الصبر من هذه حاله إلا أن يكون غالب الشهوة، بعيد الهمة. غالب الشهوة يعني من يشتهي العلم، شهوة علمية. وليس يقدر على الصبر على التعلم من لم يؤت ذكاءً إلا إذا كان لديه شهوة غالبة على العلم، يصبر ويصبر حتى يصل إليه. فيشعر قلبه الصبر لقوة شهوته، ويكلف جسده احتمال التعب لبعد همته. فإذا تلوح له المعنى بمساعدة الشهوة أعقبه ذلك إلحاح الآملين ونشاط المدركين، فقل عنده كل كثير وسهل عليه كل عسير. فكأنه يقول لك حتى لو كنت تشعر أن قدراتك المعرفية محدودة، الصبر مع الطموح مع الهمة تصنع المستحيل.

وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون». وقيل في مأثور الحكم: اتعب قدمك. وقال بعض البلغاء: إذا اشتد الكلف هانت الكلف. أي إذا اشتد عشقك للشيء هانت الضريبة التي ستدفعها من أجل تحصيله. وأنشد بعض أهل الأدب ما ذكر أنه لعلي بن أبي طالب عليه السلام قال: لا تعجزن ولا تدخلك مضجرة، فالنجح يهلك بين العجز والضجر. فالنجاح يضيع مع شعورك بالعجز ومع شعورك بالضجر، أما إذا نفيت العجز والضجر تصل للنجح بإذن الله.

أما المانع من حفظه بعد تصوره، إذاً هذه الحالة الأولى التي تعود إلى ذات الطالب أن يكون الطالب في ذاته بليداً. الحالة الثانية للطالب في ذاته أن يكون سببه أنه لا يحفظ ما يفهم. هو يفهم أولاً لكنه ينساه، بعض الطلاب يقول لك: ما في شيء بفهمه اليوم إلا غداً أنساه. طيب ما هو الحل؟ قال: وأما المانع من حفظه بعد تصوره وفهمه فهو النسيان الحادث عن غفلة التقصير والإهمال والتواني. فينبغي لمن بلي به أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس، ويوقظ غفلته بإدامة النظر. بدك تضلك تعيد وتزيد، هذه حلها إذا أنت مشكلتك ليست في الفهم الأولي، مشكلتك في الاستحضار، فلا حل إلا مداومة الدرس والمذاكرة مع الإخوان والوحدة في الدراسة. كذلك مارس كل أنواع المذاكرة، فقد قيل: لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ويكد نفسه، وكثرة الدرس كدود لا يصبر عليه إلا من يرى العلم مغنماً والجهالة مغرماً. فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وتنتفي عنه معرة الجهل، فإن العظيم بأمر عظيم، وعلى قدر الرغبة يكون الطلب، وبحسب الراحة يكون التعب. وقد قيل: علة الراحة قلة الاستراحة. وقال بعض الحكماء: أكمل الراحة ما كانت عن كد التعب، وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب.

وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ، واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها. لا تكن من طلاب العلم هكذا، اسمعوا هذا الكلام: وربما استثقل المتعلم كثرة الدرس والمراجعة والحفظ، فماذا يقول؟ يكتفي بفهمه الأول، المسألة سهلة، فهمتها، الآن لما أحتاجها أرجع للكتب، صحيح؟ كثير منا يحكي مع نفسه: ليش أحفظ؟ ليش أراجع؟ خلص المسألة فهمتها إذا احتجتها بعد ذلك أعود إلى الكتب فاستحضرها. فلا يكون إلا كمن أطلق مصاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع، فلا تعقبه الثقة إلا خجلاً، والتفريط إلا ندماً. الآن أنت فهمت، سبحان الله إذا لم تحفظ ستأتي بعد شهرين تعود إلى نفس المسألة تجد نفسك لا تفهمها مع أنك فهمتها في لحظة، فحتى الفهم يحتاج إلى حفظ. لا تظهر أنك إذا فهمت المسألة الآن أن هذا الفهم سيستمر معك.

وهذه حال قد يدعو إليها أحد ثلاثة أشياء: إما الضجر من معاناة الحفظ ومراعاته، شاب ملول سريع الملل. أو طول الأمل في التوفر عليه عند نشاطه، أنه إن شاء الله بس ينتهي الفصل برجع بعيد، التسويف. أو فساد الرأي في عزيمته، هو أصلاً إنسان ما عنده عزيمة ماضية. وليس يعلم أن الضجور خائب، وأن طويل الأمل مغرور، وأن فاسد الرأي مصاب. والعرب تقول في أمثالها: حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. النقش في العلم في الصغر كالنقش في الحجر، الشيء الذي يكون محفوظاً ليس كالشيء الذي مر مروراً عابراً وذهب. وقالوا: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي. لا خير في علم إذا أنت سافرت لا يكون معك، وإذا جلست في مجلس لا تستحضره. دائماً علمك في الكتب لا تستطيع تتكلم إلا إذا كان الكتاب بين يديك.

وأنشدت عن الربيع للشافعي رحمهم الله تعالى: علمي معي حيث ما يممت يتبعني قلبي وعاء له لا بطن صندوقي إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق

وربما عني المتعلم بالحفظ من غير تصور ولا فهم، حتى يصير حافظاً لألفاظ المعاني، قيماً بتلاوتها، وهو لا يتصورها ولا يفهم ما تضمنها. يروي بغير روية ويخبر عن غير خبرة، فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة. يعني الماوردي يقول للشباب الكبار: لا فائدة من أن تحفظ شيئاً وأنت لا تفهم، وهذا للأسف كثير في القرآن، كثير من الناس تحفظ القرآن صحيح حافظ لكنه لا يعرف معاني سورة الإخلاص، شو استفدنا؟

فأعد العبارة فهي مهمة: وربما عني المتعلم بالحفظ من غير تصور ولا فهم، بعض الطلاب يعتني بالحفظ لكنه لا يفهم، حتى يصير حافظاً لألفاظ المعاني قيماً بتلاوتها، وهو لا يتصورها، مش فاهم ماذا يقرأ، ولا يفهم ما تضمنها، يروي بغير روية، ويخبر عن غير خبرة، فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة.

وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الرعاية». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا للعلم رعاة ولا تكونوا له رواة، فقد يرعوي من لا يروي ويروي من لا يرعوي. فقد يرعوي عن الحرام والأخطاء شخص مش حافظ بس فاهم، فهذا يرعوي عن الخطأ، أما الشخص حافظ مش فاهم، هذا لأنه غير فاهم قد يقع في الأخطاء والضلال. وحدث الحسن البصري بحديث، فقال له رجل يا أبا سعيد: عم؟ فقال: ما تصنع بعم؟ أما أنت فقد نالتك عظته وقامت عليك حجته. هذا خاص للعوام؛ العالم لما يسأل عن الأسانيد تقول له يا شيخ أنت ما دام الحديث صحيح أنت لا يهمك عم، خذ الفائدة منه، اللي بيهمه عم الإسناد يعني هذا شخص متخصص.

وربما اعتمد على حفظه وتصوره وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في نفسه، وهذا خطأ منه؛ لأن الشك معترض والنسيان طارئ، فبيقول لك حتى لا تعتمد على مجرد الحفظ قيد معلوماتك بالكتابة. وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «قيدوا العلم بالكتاب». وروي أن رجلاً شكى إلى رسول الله.

النسيان. فقال: «استعمل يدك، أي اكتب حتى ترجع». إذاً هذا الحديث ضعيف، ولكن تكملته: أي اكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت. وقد قال الخليل بن أحمد: اجعل ما في الكتب رأس المال، وما في القلب النفقة. وقال مهبوذ: اجعل الأشياء التي تكتبها هي رأس مالك، ولما تيجي تدرس درسًا مما في قلبك فهي كأنك تنفق منها.

وقال مهبوذ: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين لانحل مع النسيان عقود الآخرين. وقال بعض البلغاء: كيف وصلت إلينا تاريخ الدول من خلال الكتب التي بين أيدينا؟ وقال بعض البلغاء: إن هذه الآداب نوافر تند عن عقل الأذهان. فجعلها نوافر، يعني كالحيوانات المتوحشة، قال: فاجعلوا الكتب عليها حماة والأقلام لها رعاء.

وأما طارئ النسيان فنوعان. طيب الآن عرفنا، إذاً مشكلة الطالب قد تكون في ماذا؟ إما في ذاته، وإما في أمور طارئة عليه من الخارج. في ذاته: إما أنه بليد، وإما أنه لا يحفظ. وأما الطارئ المشكلة الطارئة التي من الخارج فهي أيضًا نوعان. قال أحدهما: شبه تعترض المعنى فتمنع من تصوره.

متى يكون هناك خلل طارئ على الطالب أثناء الدرس، خلل طارئ وليس دائم؟ أنه المعنى الذي طرح في هناك شبهة اعترضت في ذهن الطالب تجاهه مما جعلته لا يفهم كلام الشيخ. الآن شبهة اعترضت في ذهن الطالب، قد لا تعترض في ذهن غيره. قال: وتدفع عن إدراك حقيقته، فينبغي أن يزيل تلك الشبهة عن نفسه بالسؤال والنظر ليصل إلى تصور المعنى وإدراك حقيقته. ولذلك قال: هذا ما حله، إذا عندك شبهة هي التي حالت دون فهمك للمعنى، عليك أن تبقى تبحث وتسأل حتى تزيل الشبهة التي عرضت لي ولم تعرض لزميلي.

قال ولذلك قال بعض العلماء: لا تخلِّ قلبك من المذاكرة فيعود عقيماً، ولا تعفِ طبعك عن المناظرة فيصير سقيماً. وقال بشار بن برد: شفاء العمى طول السؤال وإنما دوام العمى طول السكوت على الجهل فكن سائلاً عما عناك فإنما دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل.

قال: والثاني أفكار تعارض الخاطر، يعني تكون مشغولاً بالزوجة وبالأبناء والرزق، وبدي أروح اليوم، أبوي بده كذا، وهذه مش شبهة، هي أفكار أشغلتك عن التركيز أثناء المحاضرة والدرس، فيذهل الخاطر عن تصور المعنى الذي قدمه الشيخ. وهذه كثير ما تحصل مع الطلاب. قال: وهذا سبب قل ما يعرى منه أحد. صحيح، يعني كلنا أصحاب مشاغل. قال: لا سيما من نطت أعماله واتسعت أمانيه، شخص عنده استثمارات وشركات.

قال: وقد يقل فيمن لم يكن له في غير العلم أرب. أحسنت، وهذا يقل في الشخص الذي ما عنده مال؛ هذا يرتاح لأنه لا عنده شغل ولا عنده مصلحة ولا بيفكر بحاجة، ولا متزوج ولا عنده أولاد، ولا زوجته بدها منه أدوات الطبيخ اليوم، ولا عنده أي شيء، وهذه قيمة التفرغ العلمي، يسمى التفرغ العلمي.

ولا فيما سواه همة، فإن طرأت على الإنسان لم يقدر على مكابرة نفسه على الفهم وغلبة قلبه على التصور؛ لأن القلب مع الإكراه أشد نفورًا وأبعد قبولاً، وقد جاء في الأثر أن القلب إذا أُكره عمي. قال: ولكن يعمل على دفع ما طرأ عليه من همٍّ مذهل أو فكر قاطع، ليستجيب له القلب مطيعًا. فالآن المهم أنك تبعد الخواطر هذه، فأنت لا تجبر نفسك على الفهم، اجبر نفسك على دفع الخاطر؛ لأنك إذا دفعت الخاطر فهمت، فرق بين أن أجبر نفسي على الفهم وبين أسعى في دفع الخواطر. العلاج هو أن تدفع الخواطر وليس أن تكره نفسك على فهم مع بقاء الخواطر، يعني حاول تنسى الأشياء المشغلة حتى تفهم، أما لا أنا بدي أفهم والخواطر تبقى موجودة ما رح يزبط.

وقد قال الشاعر: وليس بمغنٍ في المودة شافعٌ إذا لم يكن بين الضلوع شفيعُ.

وقال بعض الحكماء: إن لهذه القلوب تنافرًا كتنافر الوحش، فألفوها بالاقتصاد في التعليم والتوسط في التقويم؛ لتحسن طاعتها ويدوم نشاطها. فهذا تعليل ما في المستمع من الأسباب المانعة من فهم المعاني.

وها هنا قسم رابع يمنع من معرفة الكلام وفهم معانيه. عرفنا أنه في ثلاث أسباب لعدم فهم المعاني: إما خلل في المتكلم، أو في نفس المعنى، أو في السامع. طب والآن سيضيف شيئاً رابعاً، قال: ولكنه قد يعرى من بعض الكلام فلذلك لم ندخله في جملة أقسامه، ولم نستجز الإخلال بذكره، وهو الخط. فإن من الكلام ما كان مسموعًا لا يحتاج في فهمه إلى تأمل، والمانع من فهمه هو على ما ذكرناه من أقسامه، ومنه ما كان مستودعًا بالخط محفوظًا بالكتابة مأخوذًا بالاستخراج، فكان الخط حافظًا له ومعبرًا عنه.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قال: يعني الخط. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] قال: الخط. والعرب تقول: الخط لسان ثانٍ، وحسنه إحدى الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط سَمْط الحكمة، وبه تفصل شذورها وينظم منثورها. وقال ابن المقفع: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والعلم بالخط على الشاهد والغائب، وهو للغابر الكائن مثله للقائم الراهن. وقال حكيم الروم: الخط هندسة روحانية وإن ظهر بآلة جسدانية. وقال جميل: الخط يدل على فكر وعقل وإن كان يؤدى باليد. وقال حكيم العرب: الخط أثر في الروح وإن ظهر بحواس الجسد.

واختلف في أول من كتب الخط، فذكر كعب الأحبار أن أول من كتب آدم عليه السلام، كتب سائر الكتب قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه، فلما غرقت الأرض في زمن نوح عليه السلام بقيت الكتابة، فأصاب كل قوم كتابهم، وبقي الكتاب العربي إلى أن خص الله تعالى به إسماعيل عليه السلام، فأصابه وتعلم. كلها إسرائيليات نحن لا نستطيع أن نثبتها. وحكى ابن قتيبة أن أول من كتب إدريس عليه السلام.

وكانت العرب تعظم قدر الخط وتعده من أجل نفع، حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر 4000 درهم، لما النبي صلى الله عليه وسلم فدى الأسرى يوم بدر، كانت 4000 درهم أو أنك تعلم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة. حتى إن الرجل ليفادى به على أن يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]، فوصف نفسه بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، واعتد بذلك في نعمه العظام ومن أياديه الجسام، حتى أقسم به في كتابه فقال تعالى: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]، فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم.

نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا المختار، لأنه الآن سيستطرد بالكلام عن الخط والأسباب المانعة لقراءة الخط واستقباح النقط والشكل فيما كتب المتقدمين وكشف الأسباب، حقيقة الكلام نافع وجميل، وهنا يقول الماوردي نوع آخر من الكتب العلمية، يعني لما تقرأ في كتب تزكية طالب العلم أو أدب العالم والمتعلم تجد أن كلها تتكلم بنوع معين أو أسلوب معين، الماوردي له خطته الخاصة وطريقته الخاصة في معالجة الحياة العلمية، وذلك يحسن الوقوف عليها بهدوء. نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.