دخولتسجيل الدخول

المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، وفي مجلس السبت، وفي بداية جديدة بإذن الله مع سفر جديد من كتب أهل العلم المحققين رحمهم الله تعالى عليهم. نبدأ إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم هيئ للخير واجعلنا من أهله، واشغلنا بالحق واجعلنا من طلبته، ونعوذ بك اللهم من الحور بعد الكور، ونعوذ بك اللهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

حياكم الله أيها الكرام أهل غراس في مجلس جديد ومع بداية جديدة بإذن الله، بعد أن أنهينا كتاب عيون الأثر للإمام ابن سيد الناس رحمه الله تعالى عليه في فنون المغازي والشمائل والسير، ننطلق اليوم مع كتاب جديد ومع موضوع جديد من المواضيع التي تهم المسلمين عامة، ألا وهو كتاب أدب الدين والدنيا للإمام الماوردي رحمه الله تعالى عليه.

وقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. كثيراً ما يحتاج طلبة العلم خصوصاً، ويحتاج المسلمون عموماً إلى الحكمة في تصرفات الحياة، فإن الإنسان إذا أعطي حكمة في أقواله وأفعاله وقراراته هدي إلى الرشاد. فلذلك الله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، لم يقل خيراً فقط ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ لأن الإنسان العاقل الذي يحسن توظيف العقل وفق قواعد الشريعة ومناهجها فيما فيه مصلحة دينه ودنياه عاش حياة طيبة في الدنيا والآخرة.

والإنسان الذي يخالف مقتضى الحكمة ومقتضى طبائع الحياة وسنن الله سبحانه وتعالى ويعاند يشقى في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك اهتم العلماء قديماً وحديثاً بالكتابة في مجال الحِكَم وفي تدوين ما وصلت إليه عقولهم وأفكارهم من تتبع سنن الأوائل وما وصلوا إليه بالتجارب وفق القواعد الشرعية؛ كونوا هذه الملاحظات وكتبوها وجمعوها.

وفي سياسة أمور الدنيا أيضاً أحببنا أن نعود إلى هذا الفن مرة أخرى لأهميته لطلبة العلم والمسلمين عموماً مع كتاب الإمام الماوردي رحمه الله تعالى عليه كتاب أدب الدين والدنيا. وهذا أيضاً من الكتب العظيمة والمهمة والأساسية التي كتبها علماؤنا الأوائل في تسجيل الملاحظات والمفاهيم التي ينبغي على المسلم أن يراعيها وأن ينتبه لها وأن يتعايش معها في حياته إذا أراد الوصول إلى الحياة المطمئنة إلى الحياة الطيبة.

وحري بطالب العلم حقيقة الذي يبحث عن الرشاد والسداد أن يهتم بهذه الكتب وأن يكون شغوفاً بها، فإن كلمة من الحكمة والله إذا أخذت بها وتمسكت بها وفهمتها قد تكون مفتاحاً للكثير من المشاكل في حياتك، قد تكون أغلقت عليك كثيراً من الخطوات والمفاهيم أو المشاكل أو التعاملات أو الأخلاقيات أو السلوكيات بسبب تصور خاطئ أو اعتقاد خاطئ أو آلية خاطئة أنت تمارسها في الحياة. في ثنايا هذه الكتب وفي بطونها تسمع كلمة سبحان الله تضيء لك الحياة، وتكتشف أنني أنا الذي كنت كبرت الموضوع بطريقة معينة أو أنا الذي لم أحسن معالجة فكرة ما، لو أنني سمعت هذه الكلمة منذ القدم لربما وفرت على نفسي الكثير من العثرات والأخطاء والسلوكيات غير الرشيدة.

لذلك تجد أهل العلم يكونون منهومين في مثل هذه المصنفات، لأنهم يبحثون في طياتها عن كلمة يكون بها صلاح دينهم ودنياهم، ولا تعرف الكلمة التي فيها صلاحك متى تأتي، لذلك كان أهل العلم على أشد مراحل الحرص في طلبه والانشغال بمجالس أهله حتى وإن كبروا في العلم، لماذا؟ كما يقول ابن المبارك: إني لا أدري الكلمة التي فيها نجاتي متى تأتي. أنت قد تطلب العلم سنوات لكن الكلمة التي فيها السعادة فعلياً قد تحصلها في سن الأربعين في سن الخمسين في سن الستين أو السبعين، لذلك يبقى الإنسان مهتماً بالقراءة والتحصيل والنظر في كتب العلماء.

لا يوجد حالة يقول فيها الإنسان إنني قد نبغت ووصلت إلى المرحلة العليا، وأنني لا أحتاج إلى أن أقرأ أكثر وأكثر أو أن أجالس أهل العلم، يبقى الإنسان طالباً للعلم إلى أن يلقى ربه سبحانه وتعالى بحثاً عن صلاح قلبه ونفسه. أنت قبل أن تهتم بصلاح غيرك عليك أن تهتم بصلاح نفسك وبنجاتها وتخليصها من هذه الدنيا بأمان وسلام.

إذاً موعدنا إن شاء الله مع هذا الكتاب، الماوردي كما سيظهر لكم إن شاء الله بعد قراءة هذا المصنف رجل عاقل، رجل أوتي حكمة، رجل أوتي فهماً ودهاءً. وحقيقة هذا ما وجدته ابتداءً بأدب الدين والدنيا، بل أول ما اكتشفت الماوردي حقيقة في حياتي في كتابه الحاوي الكبير؛ الماوردي له كتاب عظيم في الفقه الشافعي اسمه الحاوي الكبير، وحقيقة عندما تنظر في هذا الكتاب وفي تنسيقه وترتيبه وطريقة جمعه للمسائل الفقهية، طبعاً هو على مذهب الإمام الشافعي، تعرف أن هذا الرجل عقلية منظمة. الإمام الماوردي ليس رجلاً سهلاً أو إنساناً فوضوياً أو إنساناً إذا تكلم في الشيء تكلم ببعثرة، لا، هو يتكلم ويعرف كيف يتكلم ويعرف كيف يعرض المسائل وكيف يوردها وكيف يرتبها.

كتاب الحاوي عشت معه فترة في رسائل وفي أبحاث كتبت، فعرفت أن هذا الرجل رجل موفق في عقله عموماً وذهنه منسق، والإنسان سبحان الله إذا نظرت في عقله -طبعاً العقل كيف يظهر لك من كتبه؟- فوجدته عقلاً منظماً تستبشر به خيراً وتعرف أنك أمام شخصية فاهمة عاقلة تعرف كيف تتعاطى وكيف تحكم وكيف تحلل وكيف تنظر.

أحياناً بعض الكتب القديمة تجد فيها البعثرة ولو كان عالماً فاضلاً، لكن تجد عدم التنسيق في الأفكار خلينا نقول، تجد عدم وضوح فيها، بالتالي يكون بينك وبين الكتاب حاجز تشعر أنك لا ترغب بإكمال القراءة، لكن هناك كتباً فقهية تأسر، هناك مصنفات تشعر فيها أن صاحب الكتاب يحسن ترتيب الأفكار والانتقال من الأدنى إلى الأعلى. أزعم أن الماوردي من هؤلاء الكبار الذين أعطوا عقولاً راجحة وفهوماً.

والحكمة والفهم في الحياة هذا لا يعني أو لا يستلزم عدم وقوع أخطاء عقدية أو فكرية، كما قلنا الشاطبي عقل كبير وإيمان ناضج لكن في النهاية كان أشعرياً، فهذا قدر الله النافذ وله علاقات بالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان والمشايخ الذين يتعلم على أيديهم وما شابه ذلك. الماوردي رحمه الله عليه من هؤلاء المشايخ الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من شيء من البدع، وحتى هو البعض أصلاً يتهم أنه معتزلي، لذلك ابن الصلاح رحمه الله عليه يرى أن الماوردي ليس أشعرياً، يراه معتزلياً؛ لأنه في تفسيره الكبير كان ينصر بعض أقوال الاعتزال. والذي يظهر لي أن الماوردي ليس معتزلياً لا، وإنما متأثر ببعض أفكارهم، لكنه مائل في الأكثر إلى طريقة الأشاعرة، وإن كان يتأثر بالاعتزال في بعض الأمور.

وهذا يدل على تحرر شخصيته بغض النظر طبعاً حتى لو كانت النتائج أحياناً غير متطابقة بيننا وبينه، لكن في النهاية يدل على أن الرجل متحرر للبحث العلمي على الأقل دعنا نقول، ويحاول أن يصل إلى الصواب فيما يظهر له. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر له خطأه وزلله في هذه المسائل التي كثر فيها الخطأ عبر تاريخ الأمة من كثير من العلماء الأفذاذ. ولكن هذا يعني ابن الجوزي في صيد الخاطر تعرف أنه كان أشعرياً وأحياناً مفوضاً وأحياناً تتقلب به الأمور كما قال هو، لم يكن متزناً في كثير من المسائل العقدية، حتى لا تستطيع أن تحكم عليه ومع من بالضبط، لكن لا يسير على جادة أهل السنة تماماً.

لكن إذا تكلم في الحكمة والأدب والأخلاق وتجربة الحياة تجد إنساناً عاقلاً، في هذه الأمور في العادة لا تتأثر كثيراً بالمنحى العقدي، وإنما هي تجربة الحياة والحكمة التي يؤتاها الإنسان من خلال النظر والمراقبة والمشاهدة. فكذلك الماوردي رحمه الله عليه أوتي حكمة، نظراً، استيعاباً، فهماً، وهو متقدم، أنت تتكلم عن شخص توفي سنة 450هـ، حتى هو متقدم على الغزالي وهؤلاء. لذلك يعتبر كتاباً مرجعية حتى لمن جاء بعدهم ممن صنف في الحكمة والنظر والعقل والتدبر والفهم.

فلذلك كنت دائماً أنصح إخواني من طلبة العلم بقراءة هذا الكتاب والاعتناء به، والاعتناء بالنقول التي يوردها، حتى هو تستطيع أن تقول موسوعة جمع فيها أمثال سابقين وحكم متقدمين، حاول أن يدخر منها في هذا الكتاب ما يدخر. هذا الكتاب قسمه الماوردي إلى أقسام كما سيظهر معنا الآن إن شاء الله في المقدمة، وبدأ بماذا؟ بالعقل، أول شيء بدأ به في الكتاب هو العقل؛ لأن العقل هو الذي يقودك إما إلى الجنة وإما إلى النار، طريقة تفكيرك في الحياة.

نحن نتكلم عن أدب الدين والدنيا، أدب الدين والدنيا يحتاج إلى ماذا؟ إلى إنسان عاقل، فلذلك بدأ كتابه بالحديث عن العقل. عقلك، طريقة تفكيرك في الحياة إما أن تقودك إلى الجنة بحيث تجعل هذا العقل تابعاً للوحي منقاداً له، أيضاً ملتزماً بالأخلاقيات والسلوكيات العامة. عقلك إما أن يسعدك وإما أن يكون سبباً في شقائك بحيث يغلب عليه الهوى فيخرج من دائرة العقل إلى دائرة الهوى. ولذلك بدأ كتابه رحمه الله عليه بفصل في العقل وذم الهوى؛ لأنه أدب الدين والدنيا يقوم على العقلانية.

ثم بعد ذلك في أدب العلم؛ لأن العقل إذا امتلكته فإنك ستطلب العلم بعده، فإذا طلبت العلم وأخذت قواعده وتمكنت فيها تنتقل بعد ذلك إلى تعرف الآداب الدينية والآداب الدنيوية، ولذلك جاء الكتاب حتى في طريقة الترتيب، شوف عقلية الترتيب، هو يعرف من أين يبدأ الإنسان. الأدب قبل أن أعطيك تفاصيل الأدب الديني أو الدنيوي لا بد وأن أعطيك آلة التفكير، وآلة التفكير هو العقل، فإذا منحت عقلاً ورزقت نضجاً فاهتد به، وإذا لم ترزق العقل الناضج ولم تهتم بإصلاح عقلك وتقويمه فإنك ستتعب وتشقى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العقلاء الفاهمين، وأن يصرف عنا أهواء النفوس التي هي سبب الضلال في الأمور الدينية والأمور الدنيوية وفي الشبهات والشهوات. أسأله سبحانه وتعالى أن يقينا شر نفوسنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. حتى لا أطيل في المقدمات نشرع إن شاء الله في التعليق على هذا الكتاب، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا همة التمام والاستفادة مما نقرأ والعمل به؛ لأن دائماً الإنسان إنما يأسف على نفسه أنه يقرأ كثيراً لكنه يعمل قليلاً، ولو أننا نعمل بما نعلم لكان حالنا أفضل. لكن عزاؤنا أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنحنا الهمة، وأننا في هذا العلم لعلنا نقرأ شيئاً ينهض هممنا، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى من أهل العلم والعمل وليس من أهل العلم بدون عمل، أعوذ بالله سبحانه وتعالى من كثرة القول وقلة العمل، آمين.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمصنفه وللسامعين، ونج إخواننا المستضعفين من المؤمنين. آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا الشيخ قال: أخبرنا الشيخ الأديب الفاضل أبو شجاع فارس بن الحسين السهروردي رضي الله عنه بقراءة عليه بمسجد رئيس الرؤساء من دار الخلافة في أواخر سنة 486هـ، قال: قرئ هذا الكتاب على أقضى القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي رحمه الله تعالى في المسجد الجامع بواسط.

هذا أحد ألقابه، أنه "أقضى القضاة"، لقب بماذا؟ بأقضى لما عرف به الماوردي رحمه الله عليه من أحكام القضاء بين الناس. نعم.

قال: وأنا حاضر أسمع في شهور سنة 421هـ. قيل له قلت: قال رحمه الله: الحمد لله ذي الطول والآلاء، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وصحابته الأتقياء. أما بعد، فإن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظام خطره بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، وعلى قدر العناية به يكون اجتناء ثمره.

جميل، هذه قواعد؛ طبعاً هنا ستجد أن لغة الإمام الماوردي لغة عالية نوعاً ما. الجويني قرينه كان أعلى ويهتم بالتدقيق أكثر في العبارات، الجويني أن تكون بليغة جداً، ولذلك من يقرأ مثلاً "الغياثي" يجد عبارة عالية. الماوردي طبعاً هو قرين الجويني في زمنه، وبينهم مناوشات، والجويني كان في الغياثي يعلو عليه قليلاً في الكلام؛ أنك لم تحسن في السياسة، الماوردي له كتاب في السياسة الشرعية، ثم ألف بعده الجويني كتابه الغياثي، فكان الجويني يلمز الماوردي أنك لا تعرف من أين تؤتى الكتف في كثير من أحكام السياسة الشرعية، وهذه من المناوشات بين أهل العلم ولا يخلو منها زمان.

المهم يقول الماوردي عليه رحمه الله: فإن شرف المطلوب بشرف نتائجه، يعني عندما تطلب شيئاً، ما الذي يحفزك إلى طلبه يا شيخ عمر؟ النتائج التي ترجو من تحصيلها، أليس كذلك؟ ما الذي يحفزك يا ديم تقرأ كتاباً؟ النتائج التي ترغب بالوصول إليها، أليس كذلك؟ عندما أعلن عن هذا الكتاب "أدب الدين والدنيا" ما الذي حفز هؤلاء على الحضور؟ كنا نرجو لكم الثبات أيها الإخوة، نحن تعجبنا زخم الحضور في المجالس الأولى، لكن العبرة بالثبات، إنما النتائج التي يرجو أن يحصلها من الكتاب أو من العلم هي التي تدفعك إلى قراءته. لذلك يقول: فإن شرف المطلوب، قال: لاحظ يتكلم الآن عن شرف.

شرف المطلوب بشرف نتائجه، الآن أي الكتب وأي العلوم أنت تحتاج أن تهتم بطلبها وتحصيلها؟ هي العلوم التي تكون نتائجها شريفة. ولذلك مثلاً لماذا يقولون دائماً علم العقيدة أعظم العلوم وأشرفها؟ لشرف النتيجة التي تحصلها، وهي أنك تعرف ربك بأسمائه وصفاته. فلذلك يقول إن شرف الشيء الذي تطلبه بشرف النتيجة التي تحصلها. أحياناً ممكن أنت تقرأ رواية، وحصلت نتائج، لكن نتائج قد تكون رديئة، فهل هذا المطلوب الذي فعلته وطلبته هل هو شيء كان شريفاً؟ لا، لأن النتائج التي حصلتها ليست شريفة، فإذاً يقول شرف الشيء الذي تطلبه مناطه بشرف النتائج التي ستحصل، فإذا كانت النتائج التي تحصلها من طلبك للعلم أو قراءة كتاب نتائج شريفة فإن هذا المطلوب يعتبر شريفاً.

إذاً فإن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خطره كثرة منافعه. متى يكون عظيم الخطر؟ الخطر هنا الأهمية، يعني متى يكون عظيم الأهمية؟ إذا كثرت المنافع التي تجنيها منه. لماذا نقول والله هذا الكتاب أهم من هذا الكتاب؟ لأنه المنافع التي فيه أكثر من غيرها، فعظم خطر الشيء بماذا؟ بكثرة المنافع التي ستجنيها منه. ثم قال، وكان هذا قياساً من الدرجة الأولى على طريقة المناطقة، عظم خطر الشيء بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، إذا كانت المنافع كثيرة فهذا يستوجب إذاً ماذا؟ عظم العناية به.

قال: وعلى قدر العناية به يكون جني الثمار، إذا كانت هذه جمل مترابطة، متى تزداد قيمة الكتاب؟ إذا كثرت منافعه، طيب إذا كثرت منافعه الخطوة الثانية هذا يستوجب مني ماذا؟ أن أعتني وأهتم وأحتفي، أقرأ وأنا في قمة التركيز، طب إذا قرأت وأنا في قمة التركيز كثرت النتائج والثمار التي ستجنيها بإذن الله. طيب قال: وأعظم الأمور خطراً وقدراً وأعم نفعاً ورفداً، ما استقام به الدين والدنيا، وانتظم به صلاح الآخرة والأولى، لأن باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة.

قال: إذا عرفت القاعدة الأولى فماذا سينبني على هذا؟ ما هي أعظم الأمور خطراً وقدراً في حياتك أيها الإنسان، وما هي أعمها نفعاً ورفداً؟ قال: ما استقام به دينك ودنياك، هذا أنت أيها الإنسان دين ودنيا، فانتظم به واستقام به دينك صحت به عبادتك، وما استقامت به دنياك تمت به سعادتك، فإذا انتظم الدين والدنيا اكتملت حياتك يا أيها الإنسان دنيا وأخرى. وقد توخيت بهذا الكتاب الإشارة إلى آدابه، وتفصيل ما أجمل من أحواله على أعدل الأمرين من إيجاز، توخى في هذا الكتاب أن يكون كتاباً متوسطاً، لا هو بالطويل الممل ولا بالقصير المخل.

نعم، أجمع فيه بين تحقيق الفقهاء وترقيق الأدباء، فلا ينبو عن فهم ولا يدق في وهم. إذاً أجمع فيه بين كلام الفقهاء وبين كلام الأدباء، فلا ينبو عن فهم، يعني لا يبتعد عن الأفهام، بعض الكتب واعية تشعر أنك تتعب وأنت تقرأها، لا، يقول لك لا ينبو عن فهم، هو سهل المتناول. قال مستشهداً: ولا يدق في وهم، يعني لا يحتاج في العقل إلى تدقيق كبير حتى تفهم، بل كتبته بلغة واضحة في متناول عموم المسلمين في الجملة.

قال مستشهداً من كتاب الله جل اسمه بما يقتضيه، ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يضاهيه، ثم متبعاً ذلك بأمثال الحكماء وآداب البلغاء وأقوال الشعراء، لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة وتسأم الفن الواحد. جميل، يعني هو يقول لك لماذا أنا نوعت، فأتيت بالكتاب والسنة ثم أيضاً بكلام الحكماء والشعراء؛ لأن النفوس تمل وتحب التنوع، لما يكون الكتاب متنوعاً تشعر بأنك أفضل من أن يكون على جادة واحدة.

تمت، كيف يعني لا يدق في وهم؟ يعني لا تشعر أنه دقيق في العقول يعني يحتاج إلى تدقيق في وهم الإنسان وعقله، الوهم يعبر به عن العقل، فيقول لك لما تأتي تفكر لا تشعر أنك متعب ومنهك وأنت تحاول أن تستخلص منه المعاني. قال: وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام: «إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاهدوا إليها طرائف الحكمة». وكان المأمون يتنقل كثيراً في داره من مكان إلى مكان وينشد قول أبي العتاهية: لا يصلح النفس إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال.

يقول جميل ماذا يقول أبو العتاهية: لا يصلح النفس إن كانت مدبرة، طبعاً في نسخة ابن كثير وفي نسختك مدبرة بفتح الباء، أنا عندي في نسختي مكسورة، يعني إذا كانت النفس مدبرة، يقول لك في نفس مقبلة وفي نفس مدبرة، ايش يعني نفس مدبرة؟ يعني تشعر بالفتور والملل، أحياناً تجد نفسك مقبلة فتجد عندك نشاطاً وحيوية، لكن أحياناً تجد نفسك مدبرة يعني شاعر بفتور بملل، لما تشعر النفس بالملل يقول أعطوها من طرائف الحكم حتى تروح عنها، فهو استشهد بهذا البيت على ضرورة أن الإنسان مثلاً إذا صنف أو أعطى درساً أو محاضرة، أن تكون المحاضرة متنوعة في طريقة الطرح، يأتي بشيء من الكتاب من السنة، شيء من الأشعار، شيء من القصص، لأنه سبحان الله النفوس لها إقبال وإدبار، فإذا كانت النفس مدبرة فالذي يصلح لها ماذا؟ أن تنوع عليها حتى تشعر بالأريحية.

وجعلت ما تضمنه هذا الكتاب من ذلك خمسة أبواب، فالباب الأول في فضل العقل وذم الهوى، والباب الثاني في أدب العلم، والباب الثالث في أدب الدين، والباب الرابع في أدب الدنيا، والباب الخامس في أدب النفس، وأنا أستمد الله تعالى حسن توفيقه ومعونته، وأستودع حفظ موهبته بطوله ومشيئته، وهو حسبي من معين وحفيظ. إذاً أعطى لك فصول الكتاب: أولاً في فضل العقل، في أدب العلم، والباب الثالث في أدب الدين، والرابع في أدب الدنيا، وأخيراً في أدب النفس، كأنه سيعلمك كيف تتعامل مع الدين، كيف تتعامل مع الدنيا وسياستها، وكيف تسوس أخيراً نفسك لتصل بها إلى بر الأمان.

قال رحمه الله: باب فضل العقل وذم الهوى. اعلم أن لكل فضيلة أسساً ولكل أدب ينبوعاً، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، لكل فضيلة أساس ولكل أدب منبع ينبع منه، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، كما قلت، إذا رزقت عقلاً، العقل هو آلة الوصول إلى الآداب والفضائل.

قال: الذي جعله الله سبحانه للدين أصلاً وللدنيا عماداً، فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم به قسمين، قسماً وجب بالعقل فوكده الشرع، وقسماً جاز في العقل فأوجبه الشرع. هنا يعني سنجد الماوردي، لماذا قلت لكم إن الذي يظهر لي أن الماوردي متأثر نوعاً ما بالمعتزلة، ألف بيننا، العقل ونضجه هو الذي يجعلنا نتألف، فإذا فقدنا العقول الرشيدة سنتنافر، فهو يعطيك فضائل العقل لما قال الذي جعله الله تعالى للدين أصلاً، يعني باعتبار على طريقة المتكلمين أن أول ما يعرف به الله ما هو بالعقل، أن الله يعرف وجوده بالعقل، فإذا عرفت وجوده اتبعت شرعه.

وللدنيا عماداً أي هو عماد الدنيا؛ لأنه به تقوم بيعك وشرائك وتدبيرك لمنزلك ولزواجك. لسبب معين من العقل يجب التكليف، صح الذي نسميه نحن البلوغ، فأوجب التكليف بكماله، يعني إذا اكتمل العقل لمرحلة معينة وجب التكليف، وهذه المرحلة المعينة شو بنسميها نحن في أصول الفقه؟ البلوغ، البلوغ هو مظنة اكتمال العقل. وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، الدنيا إنما تدار بالعقل في السياسة والاجتماع والأمور الحياتية، وألف به بين خلقه، به نتألف ويحصل الاجتماع والالتقاء مع اختلاف هممهم ومآربهم ومشاريعهم الحياتية، فانت تريد أن تكون مهندساً، هذا يريد أن يكون مزارعاً، هذا يريد أن يكون طبيباً، هذا يريد أن يكون كذا، هذا يريد أن يحصد، وهذا يريد أن يزوج فلاناً، هذا مع اختلاف الهمم والمآرب، لكن عقولنا تجعلنا نتقارب ونتألف ونتعايش فيما بيننا.

فالناس في الدنيا ليسوا شيئاً واحداً وفكراً واحداً وطريقة واحدة، وإنما يحصل التآلف بسبب هذا العقل الذي يرشدهم كيف يتصالحون ويتعايشون. ثم قال: وجعل ما تعبدهم به قسمين، لاحظ يقول ما تعبدنا الله به على قسمين، قسماً وجب بالعقل، طبعاً هذه عبارة على طريقة المعتزلة؛ لأن المعتزلة هم الذين يقولون بأن هناك واجباً عقلياً وأن هناك جائزاً في العقل، هذه عبارات اعتزالية، الواجب في العقل والجائز في العقل. المهم لا يهمنا كثيراً الآن، مناط ما هو، كيف يفكر الماوردي، هل هو يفكر فعلياً على طريقة الاعتزال أو لا، لكن هذه العبارات على طرائقهم، أنه هناك شيء قال وجب بالعقل، أن المعتزلة ماذا ترى؟ ترى بالتحسين والتقبيح العقلي، فيقولون إذا أدرك العقل أن هناك مصلحة عظيمة في شيء فإنه يوجبه، وإذا جاء بعد ذلك النص الشرعي ليوجب هذا الشيء، فالنص الشرعي أكد ما أوجبه العقل، فالعقل عندهم يوجب، وإذا رأى العقل أن الشيء لا تصل مصلحته إلى الضرورات وإنما مصلحته ضمن الحاجيات أو التحسينيات فإنه يجوز، يجوز تشريعه، ثم بعد ذلك نأتي ننظر هل الشرع قال بتشريعه أو لا.

فالمهم يقول: فما تعبدنا الله به قسم وجب بالعقل وجاء الشرع فأكده، وقسم جاز في العقل أن يأمرنا الله به وأوجبته الشريعة، فهو لم يوجب بالعقل لا، العقل جوزه فقط، لكن الشريعة هي التي أوجبت. فبالتالي قال: وكان العقل بالتالي عليهما عياراً، ايش يعني عياراً؟ أنت عندك عياراً هنا، يعني كان العقل في النهاية هو المعيار في كليهما، سواء فيما أوجبه العقل وأكده الشرع أو ما جوزه العقل ثم ماذا أوجبه الشرع، ما معنى وكان العقل عليهما عياراً؟ هو الأصل في كليهما هكذا هو يقول الماوردي؛ لأنه هو الأشياء التي تعبدنا الله بها، لاحظ ماذا يقول الأمور التي تعبدنا الله بها أما أمور أصلاً أوجبها العقل والشرع إنما أتى مؤكداً لها، قال يعني طبعاً هنا بعض الشراح يقولون قصد مثل معرفة الله سبحانه وتعالى لا، لكن أنا أعتقد أن هنا لا هو يقصد ما هو أوسع من ذلك، يقصد على طريقة الاعتزال قليلاً، وهناك أمور جوزها العقل فمن ثم أوجبها الشرع، في كلا الأمرين أنت تحتاج للعقل في كل ما تعبدك الله به، لأن العقل إذا حكم بأن الشيء مفسد من كل الوجوه هل يجوز أن يأمر الله به؟ لا، العقل إذا حكم أن الشيء مما هو خارج عن القدرة البشرية يسمى لا طاقة لك به، هل يمكن أن يوجبه الشرع؟ لا، بالتالي العقل هو الذي يحدد الأمور التي يمكن أن يوجبها الشرع، العقل هو المعيار لذلك قال عياراً، عيار ايش يعني؟ معيار يحدد ما الذي يمكن أن يكون تكليفاً أو ما يقبل أن يكون تكليفاً وما لا يقبل أن يكون تكليفاً، فلذلك جعل العقل هو عياراً على التعبدات الشرعية.

قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى». الآن من بداية قراءتنا لهذا الكتاب أيها الكرام، الماوردي ضعيف في إيراده الأحاديث، يعني خبرته بالحديث رديئة جداً من حيث الصحيح والضعيف منها، لذلك سيورد كثيراً من الأحاديث الضعيفة والأخبار التي قد تكون موضوعة، فلا تأخذ حكماً على الأحاديث حكماً صحيحاً، يعني أكثر دعوى أقول أكثر ما أورده في هذا الكتاب من الأحاديث إما ضعيف أو موضوع أو منكر أو شيء من ذلك، فهو حاله للأسف كحال الغزالي، كما قال، بضاعتهم في الحديث لم تكن بضاعة قوية.

قال: وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن لكل شيء دعامة، ودعامة عمل المرء عقله»، مثلاً الحديث الأول ضعيف أيضاً، لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله، يعني لكل شيء عمود يستند إليه، والعمود الذي يستند إليه عمل المرء عقله، أيضاً هذا حديث ضعيف. قال: فبقدر عقله تكون عبادته لربه، أما سمعتم أخبار الله تعالى عن قول الفاجر: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خلقه"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه به يوماً ما"، وقال بعض الحكماء: ايش يعني هذا الكلام؟ لا، شوف هذه كلها كما قلت لكم، هو هكذا أسلوبه، أولاً ياتي بالكتاب والسنة كما قال في مقدمة الكتاب ثم يأتي بالأقوال والخطرات الأفكار التي قالها الحكماء، مثلاً ماذا يقول الحسن البصري: "ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه به يوماً ما"، ما معنى إلا استنقذه به يوماً ما؟ لو كان في مصيبة، يعني هو يريد أن يقول إذا ربنا أعطاك عقلاً هذا العقل سينقذك في يوم ما من مصيبة أو بلية، ما استودع الله أحداً عقلاً، هذا العقل وديعة من الله.

عندنا ما أودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذ به يوماً ما؛ يعني في يوم من الأيام ستحتاج هذا العقل لتخرج من بلية أو من مصيبة، أو لتعالج موقفاً معيناً. قال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجو، والجهل أنكى عدو. وقال بعض الأدباء: صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله. وقال بعض البلغاء: خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل.

وقال بعض الشعراء، وهو إبراهيم بن حسان: يزين الفتى في الناس صحة عقله وإن كان محظوراً عليه مكاسبه لاحظوا ماذا يقول: يزين الفتى في الناس صحة عقله، أي شيء يجعلك مميزاً عند الناس؟ صحة عقلك، وإن كان محظوراً عليه مكاسبه؛ أي وإن كان هذا العقل لم يرزقه الغنى. بعض الناس من أعقل الناس بس هو فقير، فمعنى محظور أي محجور عليه قضاء وقدراً مكاسب هذا العقل، يعني الله عز وجل أعطاك عقلاً راقياً ورائعاً، لكن سبحانه لحكمة حجر عليك مكاسب هذا العقل، يعني لم يجعلك غنياً موفور المال والسعة في دنياك، لا، وإن كان عقلك في أعلى المراحل.

يشين الفتى في الناس قلة عقله وإن كرمت أعراؤه ومناسبه والعكس بالعكس، ما الذي يشينك بين الناس؟ قلة عقلك، حتى ولو كنت ابن وزير ولا ابن فلان ولا ابن النسب الفلاني أو العشيرة الفلانية، لا يهم إذا كان عقلك رديئاً.

يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه على العقل يجري علمه وتجاربه وأفضل قسم الله للمرء عقله فليس من الأشياء شيء يقاربه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه ومآربه إذا ربنا أعطاك العقل اكتملت أخلاقك وحوائجك.

قال: واعلم أن بالعقل تُعرف حقائق الأمور، ويُفصل بين الحسنات والسيئات، وقد ينقسم قسمين: غريزي ومكتسب. بما أننا نتكلم عن العقل وأهمية هذه النعمة العظيمة في حياتنا لأن العقل هو آلة الرشاد، سيبدأ بتقسيم العقل؛ العقل ينقسم إلى عقل غريزي فطري، وإلى عقل مكتسب تكتسبه مع مرور الأيام والسنين. سنبدأ بتعريف العقل الغريزي؛ ما هو العقل الغريزي؟ هنا سيبدأ كتابه بشيء من التصورات الوجودية الفلسفية حتى يفهمك ما هي طبيعة العقل.

قال: فالعقل غريزي ومكتسب، دعونا نبدأ بالعقل الغريزي، فقال: فالغريزي هو العقل الحقيقي، وله حد يتعلق به التكليف؛ ما هو هذا الحد؟ سميناه قبل قليل البلوغ، لأن البلوغ على طريقة الأصوليين، نحن ألسنا قلنا إن الشريعة لا تعلق الأحكام إلا على الوصف الظاهري المنضبط؟ صحيح، وإن كان هذا الوصف الظاهر المنضبط هو مظنة لحكمة خفية غير ظاهرة وغير منضبطة. الآن العقل شيء خفي، صحيح؛ يعني ليس شيئاً محسوساً أنت تراه في الخارج، هذا شيء في النفوس، فلما كان خفياً الشارع لم يقل: يجب التكليف إذا نضج العقل؛ لأنه أنت هنا علقت الحكم على شيء غير منضبط وغير ظاهر؛ ما معنى "إذا نضج العقل"؟ طيب هذا ينضج عقله عند كذا، وهذا ينضج عقله عند كذا، كل واحد فينا قد ينضج عقله؛ هذا على 12، هذا على 13، هذا على 10، فالشريعة جاءت بوصف ظاهر منضبط يحكم الجميع. ماذا قال؟ إذا بلغت وجب عليك التكليف، لأن البلوغ هو مظنة وعلامة اكتمال العقل الأساسي.

قال: لا يتجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان. المعنى: لا يتجاوزه، أي أن التكليف لا يتأخر أكثر من البلوغ ولا يأتي قبل البلوغ، فهمتم؟ إذاً "لا يتجاوزه" هي بدك تركز فيها، يعني هناك حد للعقل نسميه نحن البلوغ يناط به التكليف، فلا يمكن للتكليف أن يتجاوز هذا، بأن نقول والله فلان بلغ بس لسه مش مكلف، خليه على 20، لا، على البلوغ بدك تتكلف. "ولا يقصر عنه إلى نقصان"، يعني ولا يمكن أن تكلف قبله، فهل يحق لنا أن نأتي لصغير عمره سبع سنوات ثمان سنوات نقول: والله ما شاء الله مصحصح، خليه مكلف؟ لا، أنت الموضوع ليس هكذا، هو ليس أن تزيد وتنقص فيه كما تشاء، هناك حد معين وضعه الله، حد التكليف. لذلك أي قانون وضعي يأتي يقول اليوم حد التكليف 18 سنة، نقول له هذا غير معتبر شرعاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى وضع حداً للتكليف وهو البلوغ، فليس لك أن تزيد كما أنه ليس لك أن تنقص. فلا نجعل التكليف يتأخر فوق البلوغ ولا نجعله مبكراً قبل البلوغ، البلوغ هو مناط التكليف.

قال: وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سُمي عاقلاً، وخرج به إلى حد الكمال، كما قال صالح بن عبد القدوس: إذا تم عقل المرء تمت أموره وتمت أياديه وتم ثناؤه وروي عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] أي: من كان عاقلاً. واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى. هنا لاحظ أنه جعل الضحاك فسر الحياة بالعقل، ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾، لأنه أنت أيها الإنسان حياتك الحقيقية بعقلك، هذه الحياة بالمعنى النفسي.

واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى، الآن سيدخل في تعريفات سريعة قد لا تهمك كثيراً، لكن جيد أن تكون مطلعاً عليها؛ ما تعريف العقل الغريزي؟ اختلفوا على قولين ابتداءً: هل العقل الغريزي هو عبارة عن جوهر، مادة محسوسة، أو العقل الغريزي عبارة عن صفة من الصفات؟ هذا هو بداية خلافهم، هل العقل الغريزي هو مادة، شيء مادي محسوس، أم هو صفة من الصفات؟ الآن أيها الشباب، بدك تفرق بين العقل والدماغ؛ الدماغ باتفاق الجميع هو شيء مادي عضوي في الإنسان، أما العقل شيء يختلف عن الدماغ تماماً.

إذاً اختلفوا هل العقل الذي تكلم عنه القران: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، لو كنا نسمع أو نعقل، ما هو العقل؟ فجماعة أرسطو وهؤلاء كانوا يرون أن العقل شيء مادي محسوس، وبناءً عليه تأثر الفلاسفة من الإسلاميين بنظرية الفلاسفة اليونانيين، وأصبحوا يتكلمون عن وجود العقل، وأن الله خلق العقل، والعقل أصبح تسعة عقول، والعقل الفياض، وهذه الأمور يتكلم فيها ابن سينا وما شابه ذلك؛ لأنهم أصلاً متأثرون بطريقة الفلاسفة الأقدمين أن العقل شيء محسوس، وبالتالي هناك عقل يفيض على عقل، ومر معنى قضية أن جبريل هو عقل، وأنه أفاض على النبي صلى الله عليه وسلم، وما شابه ذلك من أفكاره، وهذا قول خاطئ. العقل ليس جوهراً، يعني ليس شيئاً محسوساً، وإنما هو صفة، العقل عبارة عن ماذا؟ عن عرض، يعني صفة في الإنسان، وهذا أيضاً نصره شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين بطلان قول الفلاسفة في قوله بأن العقل جوهر ومادة محسوسة. العقل صفة في الإنسان وليس جوهراً ومادة، فالدماغ شيء والعقل شيء آخر، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، فهنا يتكلم القرآن عن العقل باعتباره صفة وليس باعتباره مادة محسوسة في الإنسان.

هنا سيبدأ الماوردي يشير سريعاً وباختصار عن تعريفات العقل الموجودة، فقال: واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى، فقال قوم: هو جوهر لطيف، قال قوم -هم الفلاسفة-: هو جوهر، يعني مادة محسوسة، لطيف، أي خفي، مش مادة جوهرية موجودة في الأسواق تباع، لا، مادة محسوسة خفية في الإنسان، يفصل به بين حقائق الأمور. ومن قال بهذا القول اختلفوا في محله؛ فقال طائفة منهم: محله الدماغ لأن الدماغ محل الحس، وقال طائفة أخرى منهم: محله القلب؛ لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس.

وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من وجهين؛ الماوردي يقول هذا كلام فاسد من وجهين: أحدهما قال إن الجواهر متماثلة فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجبه سائرها، ولو أوجب سائرها ما يوجبه بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله. الآن أنت قد تحكم على قول بأنه فاسد، صحيح، لكن لما تأتي لتستدل على فساده، تستدل بدليل فاسد، صحيح؟ نحن والماوردي نتفق على أن العقل ليس جوهراً، ليس مادة محسوسة، نحن وإياه متفقون، صحيح، لكن سنختلف في الاستدلال، هو استدل بدليل فاسد على أن العقل ليس مادة، ماذا قال؟ قال "الجواهر متماثلة"، كيف يعني الجواهر متماثلة؟ كيف أن الجوهر، حتى لو أتينا على طريقة المتكلمين لأول جوهر، لأول ذرة، قضية أن الجواهر يعني المادة، يسمونها الجوهر الفرد، وهو المادة المحسوسة الأولى التي منها تتشكل المواد، كيف النواة في علم الفيزياء، خلينا نسميها النواة مع أنها مش النواة، فالجوهر الذي هو يسمونه النواة يقول: النوى متماثلة في كل الأشياء.

فيقول ماذا؟ الجواهر متماثلة، بالتالي لا يصح أن تكون نواة توجب أشياء وطرائق ونتائج لا توجبها نواة أخرى. طيب "ولو أوجب سائرها ما يوجب بعضها"، قال: "فإن هذا سيوجب أن يستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله". والسؤال: هل العقل هو شيء زائد عن وجود الإنسان ولا العقل هو نفس الإنسان؟ لا، العقل شيء زائد، يعني شيء في الإنسان وليس هو نفس الإنسان، صحيح. العقل شيء في الإنسان وليس هو هو ذات الإنسان، فيقول الماوردي باختصار: لو كانت سائر الجواهر توجب ما يوجبه بعضها، فأنا جسدي عبارة عن جواهر كثيرة، فلو كانت سائر الجواهر توجب ما يوجبه بعضها لاكتفيت بوجود الجسد عن وجود العقل؛ لأن العقل ماذا يوجب؟ العقل يوجب الفصل بين المعلومات وإدراك حقائقها. الآن بشكل عام ما وظيفة العقل؟ خلينا نقول العقل ماذا ينفع في حياتك؟ أنه تميز به الحقائق وتحكم به بالتصورات والتصديقات بين الحق والباطل، هذا هو موجب العقل. فيقول لك: لو كان العقل جوهراً، فإن الجواهر متماثلة، فلا يوجب بعضها شيئاً لا يوجبه سائرها، بالتالي أنا جسدي مليء بالجواهر، فلو كانت الجواهر متماثلة، فإذاً جسدي بدون أصلاً وجود شيء مختص اسمه العقل هو عبارة عن جواهر، وسيستطيع هذا الجسد أن يميز الحقائق، وأن يعرف الصح من الباطل بدون وجود قدر زائد اسمه العقل.

طبعاً هذا كله كلام فاسد، هو ليش أنتم متغلبون؟ شو بحكي الماوردي؟ هو بانيها على فكرة أن الجواهر متماثلة، وأن بعضها لا يختص بإيجاب شيء لا يوجبه سائرها، ومن قال هذا الكلام؟ فهمت علي؟ ولما تقول أنت الجواهر متماثلة، فلا يصح أن يوجب بعضها، أن ينتج بعضها مثلاً أثر لا يوجبه سائرها، من قال هذا الكلام؟ ما المانع أن بعض الجواهر تنتج أشياء، وبعض المادة لا تنتجها أشياء أخرى؟ من قال إنه لا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجبه سائرها؟ فهذا هو مشكل، الماوردي لا يقرب، هو يلزمهم، بناءً على تنزله معهم على العقل جوهر، هذا اللازم لا... ما بقول بس بقولك إذا قلنا أن العقل جوهر فسيلم في النهاية أن تقولوا لا حاجة للعقل؛ لأن الجسد سيكفي عن العقل، لأن الجواهر متماثلة، فما أوجبه هذا الجوهر يوجبه هذا الجوهر، وما أنتجه هذا الجوهر ينتجه هذا الجوهر، وبالتالي أصلاً البدن عبارة عن جواهر، وبالتالي هو يستطيع أن ينتج ويحصل ما يحصله العقل، ليه؟ لقاعدة "الجواهر متماثلة في أنتاجها وما توجبه".

وهذا كلام غير صحيح، لكن هو متأثر بطريقة المتكلمين. نعم، شيخنا، يعني هذا أشبه أن يمكن أن يقال في سائر أعضاء الإنسان، الكبد، الكبد جوهر، لو قال لي الكبد ليس جوهراً، قلت له لا، لو قلت عفواً قال الكبد جوهر قلت له ليس جوهراً، لو قلت إنه جوهر لكانت الجواهر متماثلة وبقية الأعضاء تؤدي نفس المؤدى. أحسنت، فلذلك هذا الكلام، قضية أن الجواهر متماثلة هذا كلام فاسد، فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجبه سائرها، ولو أوجب سائرها ما يوجبه بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله، هذا الدليل كله دليل ركيك يقوم على طرائق من طرائق المتكلمين بتماثل الجواهر، وهذا ليس بصحيح، حتى لا نطيل، الدليل الثاني قال:

والثاني: أن الجوهر يصح قيامه بذاته، فلو كان العقل جوهرًا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل.

القضية الثانية مما يميز الأشياء المحسوسة، الجوهر خلينا نقول هو المحسوس عمومًا، ما يميز الجوهر المحسوس سواء كان أكبر من نواة ما هو أنه الأشياء المحسوسة بطبيعتها توجد وحدها في الخارج، لا تحتاج أن تكون ضمن شيء أي شيء محسوس، الأصل في هيك يقول، الأصل فيه أن يكون ماذا؟ قادر أن يقوم بنفسه في الخارج. يعني بكرة بتنزل على السوق بتقول لهم بدي عقل، في حدا عنده عقل للبيع؟ بتأخذه، ليه؟ لأنه الشيء المحسوس هو عبارة عن ماذا؟ شيء له وجود خارجي يمكن أن يشار إليه. هذا العقل هي شايفينه، وبالتالي يمكن أنك تتعامل معه كما أتعامل أنا مع هذا الكأس، وآخذه وأبيعه وأشتريه. هكذا طبيعة الجواهر أنها قائمة بنفسها ليست محتاجة أن تقوم في شيء آخر.

هل العقل هكذا أمره؟ هل العقل عبارة عن مادة محسوسة أنا أنظر إليها هكذا من الخارج وأتعامل معها وأمسكها وهكذا وبعدين أدخله بعدين أطلعه وبعدين أروح أنزل أشتريه من السوق وبعدين أبيعه لفلان؟ بدك شوية عقل، بدك كذا، لا يتعامل معه، العقل لا يوجد إلا داخل الإنسان. فهذا هو الدليل الذي أجده أصوب أن يستدل به الماوردي.

نعم، هذا كلام صحيح، أن لو كان العقل شيئًا محسوسًا لأمكن التعامل معه. يعني مثلاً الدماغ، كيف عرفت أن الدماغ شيء محسوس يا شيخ عمر؟ رأيناه، بقدر أطلعه، أشق جمجمة إنسان فأخذ الدماغ وأنظر إليه في الخارج وأتعامل معه، صحيح، فلذلك الدماغ شيء محسوس، أنا أستطيع أتعامل معه ككتلة لحمية، لكن العقل يلا أعطيني كيف سأتعامل معه وأخرجه من داخلك وأضعه في الخارج وأصبح أنظر إليه؟ لا يمكن. فهذا كلام صحيح أن الجوهر طبيعة الأشياء المحسوسة أنها تقوم بذاتها، يمكن أن تخرجها وأن تشير إليها تمامًا. فلو كان العقل جوهرًا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل، يعني لجاز أن يكون هناك شيء في الخارج اسمه عقل يباع ويشترى بدون وجود الإنسان العاقل، كما جاز أن يكون كجسم بغير عقل، مش في ناس مجانين بس أجساد موجودة؟ فهذا جسم، الجسم شيء محسوس يمكن أن يشار إليه مع أنه ما في فيه عقل. قال: فامتنع بناءً على هذين السببين أن يكون العقل جوهرًا؛ الأول نحن لا نوافق عليه لكن الثاني عمومًا أوافق عليه.

قال: وقال آخرون العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى. هذا التعريف الثاني، والثالث الذي سيطرحه هو بناءً على أن العقل صفة. الآن إذا رفضنا أن العقل مادة محسوسة، سننتقل إلى شيء صحيح وهو أن العقل صفة. هذا العقل الغريزي، نتكلم عن تعريف العقل أي الغريزة، هو عبارة عن صفة في الإنسان، كيف أنت مثلاً فيك صفة الشجاعة، صفة الكرم، صفة الحياء، فيك صفة اسمها العقل، فالعقل صفة، نحن متفقون على هذا. هذه الصفة ما معناها؟ لو قلت لك عرف الشجاعة بتقول لي والله صفة تحث صاحبها على الإقدام في المواطن المهولة وما شابه. لو قلت لك عرف الكرم بتقول لي صفة تحمل صاحبها على بذل الندى وكف الأذى. فلو قلت لك عرف العقل باعتباره صفة، ستقول صفة.. الآن هنا سيختلف، هنا ذكر تعريفًا وقال آخر: العقل هو صفة مدركة للأشياء.

العقل صفة مدركة للأشياء، يعني هي صفة تمارس الإدراك، صفة تمارس الإدراك للأشياء من حولها، فتفهم شو معنى شمس، شو معنى قمر، شو معنى طاولة، شو معنى كذا، تفهم الآيات والأحاديث والأخبار وتفهم مسائل الرياضيات، مدركة للأشياء على ما هي عليه من حقائق، ما هي حقيقتها في الخارج.

الآن ما رأي الماوردي في هذا التعريف لصفة العقل؟ قال وهذا القول اقرأ، قال: وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد من الصواب من وجه واحد، وهو أن الإدراك من صفات الحي، والعقل عرض يستحيل ذلك منه، كما يستحيل منه أن يكون ملتذًا أو ألمًا أو مشتهيًا. ما رأيكم بانتقاد الماوردي لتفسير العقل بهذه الطريقة؟ إذا الآن ما هو تفسير العقل الآن الثاني؟ أنه صفة تستطيع أن تدرك أشياء من حولها، صفة تستطيع أن تدرك. الماوردي يقول يعني هذا التعريف أكثر منطقية من تعريف الفلاسفة للعقل بأنه جوهر، بس منتقد من وجه واحد، ما هو؟ أن الإدراك أنت قلتم أن العقل هو صفة مدركة، صفة تمارس الإدراك. هو يرى الماوردي أن الإدراك من صفات الأحياء، والصفة الصفة ليست حية، فكيف تجعل تقول الصفة مدركة؟ يقول الماوردي: الإدراك من صفات الكائنات الحية، وهذه صفة، فهل يجوز أقول الصفة مدركة؟ الصفة ليست كائن حي، الصفة تقوم في الكائنات ليست هي بنفسها كائن حي، فكيف تقول الصفة مدركة للحقائق من حولها؟

هنا أنا سأنقاش، بعرفش نقاش شوي، هل الإدراك فعلًا هو من صفات الكائنات الحية؟ يعني هل يمتنع يكون هناك شيء غير حي لكن لديه قدرة على ممارسة الإدراك؟ الآن بس هيك نقاش من باب مفتوح، تفضلوا. مركبة تقوم بعملية الإدراك، يعني الإدراك مش شيء واحد، سواء كان شيء حي، أو كان شيء.. يعني عقل أو ليس له عقل، يعني عملية الإدراك مركب مش جزء واحد، مش مستقل بذاته. يعني قصدك أن العقل ليس مستقلاً، ولو كان صفة لكن ليس مستقلاً بذاته بالإدراك. لكن هل هو الآلة الأساسية في هذه المهمة؟ هل هو الجزء الأهم والأساسي؟ فهمت علة الفكرة، أنا فاهم عليك أنك تريد تقول العقل صفة، هل أقول العقل وهو صفة هل هو مدرك ولا الإدراك هو شيء مركب من عدة أمور؟ أنت تقول لا أستطيع أن آخذ العقل مدرك لأن الإدراك شيء مركب من عدة أمور. لكن أنا الآن بهمني كأصل، كأصل هل هو مدرك؟ هل هو فيه قدرة على الإدراك؟ يعني حتى اسم أنه مدرك، هذا هو النقاش.

أه عمر، شيخنا يمكن يقال إنه العقل يدرك لكن بالاستفادة من أمور أخرى، فالحواس هي التي تدخل عليه مدخلات معينة، صحيح البصر، ثم العقل هو الذي يعالج هذه الأمور فيدرك. شوف الآن، احنا شوف أنا بدي أناقش مع الماوردي لما قال أن الإدراك من صفات الحي، هنا موطن النقاش بينه وبين الماوردي. الماوردي يقول عملية الإدراك تحتاج إلى حياة، والعقل صفة هي مش حياة، يعني هي ليست ما شيء حي، بالتالي لا يمكن أن يمارس الإدراك. خلينا نناقش الماوردي هنا، الماوردي يقول أن الإدراك من صفات الأشياء الحية، الإدراك عملية تقوم بها الأشياء الحية، والعقل احنا اتفقنا أنه صفة، إذا هو مش كائن حي، فكيف تقول أن العقل مدرك؟ تمام، يعني كيف أقول لك التفكير، التفكير عملية حيوية تقوم بها ماذا؟ أو عملية ذهنية تقوم بها كائنات حية، فهل يمكن أن تقول أن الكأس، أن الشجاعة مفكرة؟ هل يمكن أن تقول أن القوة مفكرة؟ لا، لأن القوة مش كائن حي، بالتالي وصفها أنها مفكرة وصف غير دقيق، أن التفكير يحتاج إلى حياة. فهكذا يقول الماوردي: الإدراك يحتاج إلى حياة، والعقل عبارة عن صفة، الصفة ليست حية، بالتالي لا يمكن أن يمارس الإدراك. طب مثلاً الحاسب الآلي أو الجوال، لو دخلت عليه معلومات ألا يقوم بتحليلها؟ طب أليس هذا مثلاً نوع من الإدراك مع أنه هذا مش كائن حي؟

أنا نقاشي معه، هل الإدراك فعلًا يحتاج إلى حياة؟ أو هو يتكلم عن نوع.. يعني الإدراك ما هو؟ هو الوصول إلى الشيء صحيح، الوصول إلى المعنى بتمامه، يعرفه المناطقة. طب أنا ممكن أعطي معلومات للابتوب واللابتوب يقوم بتحليلها وبالتالي يعطيني نتائج، طب هو مش أدرك؟ هكذا الشمس.. خليني، الإدراك خليني أعتبر عملية تحليلية، أحكي بجوز هذك أشياء مسخرة، خلينا نقول عمليات تحليلية. اللابتوب والجوال وما شابه ذلك، ألا يقوم بعمليات تحليلية؟ أنا أدخل عليه معلومات فيقوم هو بتحليلها وبالتالي بناءً عليها بيعطيني نتائج، أليس هذا مستوى من مستويات الإدراك وإن كان هذا اللابتوب أو الجوال ليس حيًا؟ يعتبر جوهر الإشكال أن كيف العرض يكون في عرض، نفس الفكرة، أنت في النهاية نعم، هو اعتراضه أن ليست حية، هل قال لأنه ماذا قال؟ أن الإدراك من صفات الأحياء، والعقل عرض، يعني لا يوجد فيها حياة، مش لأنه يعني عفواً الجماد هو برضه ليس حيًا، هو قضية أنه شيء ليس حيًا، هذا يشترك في الجواهر التي ليست حية، وما قال لأنه والادراك من صفات الجواهر، لو قال كذا كلامك صح، لو قال والادراك من صفات الجواهر والعقل عرض تمام، مشي، بس هو لا، هو يقول الإدراك من صفات الأحياء، يعني الجوهر الحي تمام.

فبالتالي أنا اعتقادي أن هذا الكلام يحتاج إلى نظر، وأنه ما في مانع أن نقول أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الصفة قادرة على ممارسة التحليل اللي بنسميه إدراك، فهي مدركة، يعني ما المانع أن نقول أن العقل صفة، وهذه الصفة هي عبارة عن قوة في النفس ربنا أعطاها مزية التحليل للأشياء والنظر فيها، فهي مدركة من هذا الجانب، يعني مدركة أي تستطيع أن تمارس الإدراك حتى ولو كانت عرض، تستطيع أن تمارس شيء من أشكال اللي هي العمليات التحليلية الذهنية. فأنا أتعامل مع حاسوب وهو يقوم بعملية الإدراك، أتعامل مع، وكلها ليست حية، فهل هناك مانع حقيقي من القول بأن العقل صفة وهذه الصفة تمارس عملية الإدراك؟ هل هناك مانع أن نقول ذلك؟ بس هذا فقط للنقاش مش بدناش نطول الموضوع فيه ومش حفلتنا، وهذا بس ذكرنا اعتراضه سريعًا.

قال: وقال آخرون من المتكلمين العقل هو جملة العلوم الضرورية، وهذا الحد غير محصور لما تضمنه من الإجمال وتناوله من الاحتمال، والحد إنما هو بيان المحدود بما ينفي عنه الإجمال والاحتمال. ذكر تعريفًا آخر، البعض قال العقل ما هو؟ هو صفة، لكن ما هو هذه الصفة التي يعبر عنها بالعقل؟ قال بعض المتكلمين هي جملة العلوم الضرورية. تعرف في حين العلوم فيما يسموها المسائل الضرورية العقلية، الضرورات العقلية، الضرورات العقلية ما هي يا شيخ حذيفة؟ زي إيش؟ أعطيني أمثلة على ضرورات عقلية، مثلاً عدم اجتماع النقيضين في مكان واحد، أن جزء الشيء لا بد وأن يكون أصغر من كله تمام، مثلاً إيش مثلاً؟ أن السبب له مسبب، مثلاً أو المسبب ناتج عن سبب، تمام، هذه تسمى الضرورات العقلية اللي الطفل يكبر وهي معه، الآن تلاقي طفل يكبر ويصير صف أول وثاني وثالث، كنا مشتركين كبشر فيما يسمى بضرورات عقلية يتفق عليها العقلاء جميعًا، إلا من خرج عن حد العقلاء وسا زي السفسطة، هؤلاء مش محسوبين معنا، لكن الوضع الطبيعي أن العقلاء من أقصى الأرض إلى شمالها إلى جنوبها جميعًا نكبر بصير عمرنا خمس ست سنين وفي هناك ضرورات عقلية مشتركة بينا جميعًا تمام.

إيش هي؟ طبعاً هي الضرورات العقلية فيها خلاف فلسفي، هل ربنا أودعها في داخلنا قبل ما يخلقنا يعني خرجنا إلى الدنيا وهي معنا؟ ولا الطفل أول سنتين ثلاث تبدأ تتشكل لديه الضرورات العقلية مما يراه ويتلمس من العالم حوله، لما يبدأ ينظر إلى قطرات الماء ويبدأ ينظر إلى الأشياء تتشكل لديه الضرورات العقلية طبعاً بشكل أنت ما بتشاهد حسياً لكن يحصل ضمنياً، هذه مسألة فلسفية. الضرورات العقلية هل هو شيء ربنا خلقه معنا؟ البعض يقول لك لا، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]. بالتالي كلمة لا تعلمون شيئاً عامة تشمل الضرورات العقلية والمكتسبات العقلية، كل شيء، عرفت؟ ولذلك الذي يظهر أن أكثر المحققين المدققين يرون أن الضرورات العقلية تنشأ مع الإنسان في سنواته الأولى تمام.

طبعاً هي فيها خلاف، بس أنا بقول لك أكثر المحققين في هذا الباب يرون أن الضرورات العقلية تنشأ تبدأ تتشكل فيك مع سنواتك الأولى، مش بتلاقي سبحان الله الطفل لما يبدأ يراقب الأشياء من حوله، بتلاقي ابنك عمره سنتين ثلاث بحللك في شيء نص ساعة، هذا شو بسوي قاعد؟ بطلع على قطرات ماء، ماسك الكاسة بعمل فيها، بلع فيها، بينزل فيها، سبحان الله، هو ينظر ليبدأ يفهم ضرورات العقل، يعني تبدأ تتشكل، مش عالم عمره سنتين بس هو ضمنيًا يعني هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، منذ سنتين وثلاث وهو يبدأ يشكل ضرورات العقل، فبالتالي بتلاقي ابنك صار عمره ثلاث سنوات بصير يفهم أنه هي ما بتدخل في ها لأنها أكبر منها صح؟ فما بيعملها ليه؟ لأنه بلشت تتشكل، جرب مرة مرتين فهم أنه الصغير لا يدخل إلا يعني يحتاج إلى شيء أكبر منه حتى يدخل فيه، هذا يبدأ ينمو معك في سنواتك الأولى. المهم، فبعض المتكلمين قالوا في تعريف العقل، ما هو العقل الغريزي؟ نتكلم عن العقل الغريزي، قال هو صفة، ماذا تمثل هذه الصفة؟ هي تمثل العلوم الضرورية التي تتشكل معنا منذ طفولتنا، فالعلوم الضرورية التي تتشكل معنا منذ الطفولة هي التي تسمى العقل الغريزي. فالواحد نصف الاثنين هذا هو العقل الغريزي، هي هي نفسها المسائل الضرورية، أن الكل أكبر من الجزء، نعم هذا هو العقل الضروري، فعفوًا العقل الغريزي، فالعقل الغريزي إذا عند هؤلاء ما هي؟ هي نفس العلوم الضرورية الموجودة في أذهاننا، فهمتم؟ هي نفس العلوم، وهذه عبارة عن صفات مش جواهر، هي عبارة عن صفات لأن هي مسائل ذهنية، فهذه المسائل الذهنية هي صفات، هي نفسها تسمى العقل الغريزي. فهنا ماذا قال الماوردي في هذا التفسير هل؟

وافقهم على هذا التفسير. هل العقل الغريزي هو نفسه العلوم الضرورية التي تشكلت معنا منذ طفولتنا؟ قال: وهذا الحد غير محصور؛ المشكلة التي اعترض بها هي أنه غير جامع ولا مانع، فأنت في النهاية ممكن تعتبر أن هذا الشيء من العلوم الضرورية، وأنا لا أعتبره من العلوم الضرورية؛ لأن بعضها تكون نسبية، صحيح ممكن شيء أنت، كما هو يقول لك: غير محصول، فليس هناك اتفاق عام على كل المسائل التي تدخل تحت العلوم الضرورية، إذ يقع في النقاش الفلسفي خلاف: هل هذا الشيء من الضروري أم مكتسب؟

بعدين في نقاش، وهو يرى هذا الحد غير محصور لما تضمنه من الإجمال؛ أنه شو هي العلوم الضرورية التي تتشكل معنا منذ الصغر؟ أعطني يلا شو هي المسائل؟ ماشي، اتفقنا: اجتماع النقيضين لا يجوز، الكل أكبر من الجزء، طيب شو غيرها؟ بتلاقي في النقاش الفلسفي مختلفين بينهم، فهو يقول لك: هذا مجمل، هذا كلام لا يعتبر تفسيراً واضحاً، والحد لا بد وأن يكون مبيناً للمحدود بما ينفي عنه الإجمال والاحتمال، ما بصير يكون الحد فيه إجمال واحتمالات تختلف فيها الناس، لابد حينما تريد أن تعرف أي شيء أن يكون مسطرة نتفق جميعاً على فهم التعريف.

فالآن سنذهب إلى التعريف الذي اختاره الماوردي أخيراً، فقال: وقال آخرون، وهو القول الصحيح: إن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية. إذاً هو الصحيح عند الماوردي، قال: العقل هو العلم، والعلم بمعنى الإدراك تماماً، العلم بواسطة المدركات الضرورية. اه، شوف الآن هو حطك في المنتصف، طب شو الفرق بين التفسير الذي اعترضت عليه لما قال: "العقل هو المدرك"، وقال آخرون: "العقل هو جملة العلوم الضرورية"، وبين تعريفك الذي أنت قدمته لما قلت: "لا، العقل هو صفة، وماذا نعني به؟ العلم بالمدركات الضرورية". العلم هنا بمعنى الإدراك، إذاً هو جعل العقل صفة، ماذا يقصد بهذه الصفة؟ هذه الصفة هي الإدراك بواسطة المدركات الضرورية، شو هي المدركات الضرورية؟ سياتي الآن. المدركات الضرورية قسمان: إما الحواس، وإما النفس.

الآن لاحظوا هو قبل شوي اعترض على تفسير العقل بأنه المدرك، قال: لأنه لا يجوز أن نقول العقل هو مدرك؛ لأن المدرك لا بد أن يكون شيئاً حياً، فهو هنا لم يجعل العقل مدركاً، ولم يجعل العقل هو نفس المعلومات الضرورية كما جعل المتكلمون. شو جعل العقل الماوردي؟ هو إدراك، الإدراك: عملية الإدراك، الإدراك بواسطة المدركات الضرورية هو العقل، الإدراك بواسطة المدركات الضرورية. فإذاً هو ليس المدرك، هو نفس الإدراك، وهذه كلها كلام دقيق، العقل هو نفس الإدراك لكنه ليس مدركاً. طب هذا الإدراك من وين أجا؟ من أشياء أُخر، عفواً من هو المدرك؟ لنقل الإنسان الحي. الإنسان الحي خسم؛ لأنك أنت حي أنت مدرك، والعقل الذي فيك هو إدراك، تمام؟ هو نتيجة، العقل هو إدراك، إدراك بأيش؟ بالمدركات الضرورية.

قال: وما هي المدركات الضرورية؟ قال: وذلك نوعان، المدركات الضرورية يعني الآلات، أو بسموها نواقل المعرفة، اليوم بسموها نواقل المعرفة، ما هي؟ قال: وذلك نوعان: ما وقع عن طريق الحواس، والثاني ما كان مبتدأ في النفوس. لأنه ما كان مبتدأ في النفوس هو الذي ينتج معنا منذ طفولتنا، وما كان بإدراك الحواس هو أي شيء تأخذه بالحواس حتى وأنت كبير، وأنت عمرك 20؛ لأنه الحواس تعطيني معلومات ضرورية في حال كانت حواس سليمة، لما يكون بصرك سليم وشفت شيئاً أمامك، هذا ضروري إدراكي له، صح ولا لا؟ أنا ما أشك أنكم موجودون، ليه؟ لأني أدركت هذا بالبصر تماماً، ولما الشيخ يحكي جملة أنا ما أشك، أو أنا بكون ضرورةً أدركتها؛ لأن السمع جيد، مفيش مشاكل، البصر جيد، فنواقل المعرفة وأساسها البصر والسمع عندما تكون نواقل المعرفة سوية تماماً، فإنها تعطي معلومات ضرورية. هذه المعلومات التي وصلت من خلال الحواس وادركتها، إدراكها يسمى عقلاً، العلم بالمدركات الضرورية.

قال شيخنا: بس عفواً، الآن إذا حملنا الباء على الواسطة، كيف سيوجه مع أنها اسم مفعول مدركات مش مدركات؟ كيف؟ البصر مدرك، والذي دخل من خلاله مدرك، البصر هو المدرك هو الآلة، والذي دخل من خلاله ايش المسألة التي دخلت؟ أو الصورة هي ايش؟ مدركة. العلم بالمدركات الضرورية خليها بواسطتي، ممكن تخليها العلم بالمدركات الضرورية، مش ضرورة تخليها باء السببية، بواسطتي خليه العلم بالمدركات الضرورية، ما هي المدركات الضرورية؟ من أين تحصل؟ إما بواسطة الحواس وإما بواسطة النفس.

شيخنا، القول الذي قبله هو اعترض أنه اعترض على جعل العقل مدركاً، أن يكون مدركاً، طب في الحالة الأولى إذا اعترضنا عليه أين الإدراك حصل؟ إذا اعترضنا في جملة الإنسان، زي ما حكى أخونا أنه هو العقل لاصق، هو المدرك، تمام؟ هنا في هناك نواقل معرفة، قد يكون الماوردي يرى أنه حتى نواقل المعرفة فيها حياة، هذا يحتاج إلى أنك تقعد معه أكثر مع الماوردي وتفهم عليه أكثر فلسفته في الحياة، لكن هو يرى أن الأعضاء هذه التي قائمة في الإنسان هي التي فيها الحياة، أقول لك الجسم فيه حياة، فالسمع فيه حياة، والبصر فيه حياة، وما شابه ذلك، هي المدركة، والعقل هو الذي حصل على الإدراك، فالعقل هو الإدراك، نعم، والجواهر التي في داخل الإنسان الحي هي حية، بالتالي هي مدركة، فهمت؟ فلذلك قال العلم، فكان العقل هو نتيجة العقل، كأنه أصبح عند الماوردي هو الإدراك، المحصل النهائي، هذا الإدراك بمدركات ضرورية. طب كيف نحصل على مدركات ضرورية؟ قال: إما من خلال الحواس، وإما من خلال النفس.

طبعاً هنا سنحتاج أيضاً أن ننظر، هذا الماوردي هو مع من يرى أن المعلومات الضرورية الأولى أولية خُلقت معنا، ولا تشكلت للطفل بمرور سنواته الأولى؟ أنه مواقف متباينة جداً وأنا لم أقف على رأيه فيها، فالمهم قال: فإما ما كان واقعاً عن طريق الحواس فمثل المرئيات، المدركة بالنظر، إذاً فالمرئيات هي المدركات، فالمرئيات هي المدركات، الأشياء التي تراها هي مدركات، بواسطة البصر دخلت، فكأنها وصلت إلى ماذا؟ علمناها، علمي بها إدراكي بها يسمى عقلاً. إذاً هناك صورة في الخارج دخلت بواسطة البصر، لما دخلت بواسطة البصر أصبحت مدركة، هذا الإدراك الذي حصل في داخلك، أنه أنا أرى أمامي عمراً، هذا الإدراك هو الذي يسمى عقلاً، هذا الإدراك هو الذي يسمى عقلاً. فالمدرك هو الكائن الحي بواسطة نواقل، والإدراك الذي حصل بواسطة الأدوات والآلات، هذا الإدراك الذي حصل هو الذي يسمى عقلاً، فكان العقل إذاً على رأي الماوردي هو نتيجة لما حصل ودخل من خلال النواقل المعرفية، وهو السمع والبصر. أنا الآن سمعت صوتك، صحيح؟ فحصل في داخلي إدراك أنك أنت قلت كذا وكذا، هذا الإدراك الذي حصل في باطنك هو شيء صفة، وعبارة عن ليس شيئاً محسوساً، هو صفة، هذا الذي يسمى عقلاً غريزياً عنده. طيب عفواً، أن هذا يكون تعريفاً للعقل بالمعنى العام، العقل الغريزي؟ اه هو يتكلم، العقل نوعان: غريزي ومكتسب، مكتسب سيأتي.

قال: والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم، والأجسام المدركة باللمس، لذلك الحواس الخمس تسمى في نظرية المعرفة نواقل معرفة، هي نواقل تنقل إلى الداخل، والمعرفة تحصل في داخلك، طبعاً أين تحصل في داخلك؟ هذا نقاش، هل تحصل في جهة القلب ولا في الدماغ ولا القلب متصل بالدماغ؟ هذا جانب آخر. طيب قال: فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء لعلم، ثبت له هذا النوع من العلم، فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء، اللي هي المرئيات والمسموعات والمطعومات، لحصل له علم، يعني إدراك، ثبت له هذا النوع من العلم وهو العقل الغريزي، يريد أن يقول.

قال: لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بهما ويعلم، لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لأعلم، ايش يعني هذا الكلام؟ هو يريد أن يقول إن الإنسان يسمى عاقلاً عقلاً غريزياً بالقوة، حتى ولو لم يستعمل حواسه، تمام؟ هسه في إنسان بوز جالس طول عمره مغمض عينيه، مسكر أذنيه، مش مستعمل لسانه ولا فمه، وجالس في هالدار، هل نقول هذا عاقل عنده عقل غريزي؟ نعم، حتى لو مش مستعمل أعضاءه ونواقل المعرفة لديه، ليه؟ لأن العبرة أني أسميك عندك عقل غريزي ولا لا، هو لو أنك استعملتها هل ستدرك بها؟ لو قلت لك اه لو استعملت ستدرك بها، خلص، إذاً أنت تعتبر ماذا؟ عندك العقل الغريزي، ولو كنت أنت الآن غير مستعمل، لكنك عاقل من جهة لو أنك لو أردت استعمالها لأحسنت استعمالها ولا نقلت إليك، إذاً أنت عاقل بالقوة، فرق بين من يعقل بالفعل، أنه الآن الآن رأيت شيئاً فأدركت، أما الآن ممكن أنا طول عمري مغمض عيني فلم يدخل شيء إلى عقلي، بس أنا عاقل بالقوة؛ لأنني لو أردت لفعلت ولحصل لدي العلم والإدراك.

نعم قال: وأما ما كان مبتدأ في النفوس، فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم، وأن الموجود لا يخلو من حدوث، هه بسموها ايش؟ سميناها الضروريات العقلية التي تنشأ مع الإنسان منذ الطفولة، يعني مثلاً من القواعد من المعلومات الضرورية أن الشيء إما موجود أو معدوم، هذا أكيد متفق عليه بين العقلاء. طيب قال: وأن من المحال اجتماع الضدين أو النقيضين، مثلاً، نعم، وأن الواحد أقل من الاثنين، أنه مثلاً الواحد نصف الاثنين، في حدا بيشك فيها من العقلاء؟ هذا الطفل الصغير يعرف، هي تسمى هذه أنت لم تدخل من نواقل المعرفة الخارجية، على رأيه، أنا الذي أشعر به أنه يرى أن هذه كانت مع الإنسان منذ خرج إلى الدنيا، يقول: هي مسألة نقاشية، الذي يظهر لي أن الماوردي يرى أنها لا، أنها خرجت معك إلى الدنيا مع الفطرة، أنه الواحد نصف الاثنين وأنه الجزء أقل من الكل، وأنه فطرية، يعني مع النفس.

الذين لا في هناك طائفة من المحققين يقولون: حتى هذه لا، نشأت من خلال الحواس منذ الصغر بس أنت ما شعرت فيها، فما في شيء اسمه شيء نشأ مع النفس من البداية، والأمر فيها قريب عموماً، بس هذه يهتمون فيها في مناقشة الملاحدة وما شابه ذلك، الإلحاد المعاصر يهتمون بالضروريات العقلية الأولية، هل هي نشأت مع الإنسان وربنا خلقها معه ولا تشكلت منذ سنواته الأولى؟ يعني لها بعض الأبعاد النقاشية عنده.

نعم قال: وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة حاله وكمال عقله، وإذا صار عالماً بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل، وسمي بذلك تشبيهاً بعقل الناقة. اه، بالتالي هذا هو الحد الأدنى من العقل، هو سميه العقل الغريزي، اللي لو ما كان عندك ستسمى ماذا في عرف الناس؟ مجنوناً، يعني أقول لك: هذا هو الحد الأدنى من العقل الذي إذا فقدته أصبحت تسمى في عرف الناس مجنوناً، خلاص، وبالتالي يسقط عنك التكليف.

نعم قال: وسمي بذلك تشبيهاً بعقل الناقة، لأن العقل يمنع الإنسان من... خلص، الحمد لله خلصنا كل النقاش الفلسفي، نرجع للأمور السهلة يا جماعة. العقل لماذا سمي عقلاً؟ أخذ من عقال الناقة، ما هو عقل الناقة؟ ربطها، فالعقل سمي عقلاً؛ لأن وظيفته في حياته أن يربطك، العقل سمي عقلاً؛ لأنه وظيفته في حياتك أنه ايش يعمل؟ يربطك عن سفاسف الأمور وعن الأخلاق الرديئة وعن السلوكيات المشينة، فإذا كان العقل لا يربطك فأنت لا تملك عقلاً، وإنما تملك هواك. قال: لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقال الناقة من الشرود إذا نفرت، ولذلك قال عامر بن عبد قيس: "إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي، فأنت العاقل".

أحسنت، قال: وقد جاء لذلك ابن تيمية والغزالي يرون أن العقل الغريزي أن العقل يمكن يُعرف بعدة أمور، يعني الغزالي وابن تيمية ما ضيقوها زي الماوردي بهذه الطريقة، قالوا: العقل له عدة إطلاقات حقيقة بالاستقراء من معاني العقل. يقول ابن تيمية من معاني العقل -وكذلك هو الغزالي قال قبله-: العمل بالعلم، فذلك الذي يعمل بعلمه ايش يسمى؟ عاقلاً، صح، فلان عاقل يعمل بعلمه، وإنسان يعلم ولكن لا يعمل، يقول: فلان غير عاقل، مع أنه عنده عنده إدراكات التي يحكي عنها الماوردي، فيقول: من لذلك هذا أعجبني في كلام نقله عن عامر بن عبد القيس لما قال: إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي، فأنت العاقل، يعني إذا منعك عقلك عن التصرفات غير الرشيدة أنت العاقل. أما أنا بعرف الشيء غلط وبعمله، تخلى عن حالك عاقل، هيك بدي أقول لك، حتى لو عندك علم، ماشي، جزاك الله خير عندك علم، عندك علم بالمدركات على طريقة الماوردي، بس هذا العلم هل أنتج عملاً؟ هل منعك؟

عقلك من الحرام، هل منعك عقلك من السفا؟ والله ما منعني. إذا حتى لو كان عندك العلم بس أنت هذا العلم لم ينتج عملاً، إذا أنت لست عاقلاً. طبعاً المراد لست عاقلاً يعني لم يكتمل العقل. نعم، قال: وقد جاءت السنة بما يؤيد هذا القول في العقل، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العقل نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل».

قال: وكل من نفى أن يكون العقل جوهراً أثبت محله في القلب؛ لأن القلب محل العلوم كلها. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]. يعني هذا أيضاً إطلاقات، كل من نفى أن يكون العقل جوهراً فإنه أثبت وجوده في القلب. هذا الإطلاق منه غير صحيح؛ لأن البعض قال العقل صفة لكن وجوده في الدماغ، والبعض قال العقل صفة ووجوده في القلب زي ما أنت بتحكي يا الماوردي، والبعض يقول -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- أن العقل صفة وجوده في القلب وله اتصال بالدماغ، كعمليات لا نعرفها بالتفصيل، لكن له اتصال بالدماغ بشكل من الأشكال.

لذلك أنت أصلاً عادة لما تتكلم عن التفكير والتعقل أنت دائماً تشير لدماغك، هذا يدل أن العقل حتى ولو قلنا نعم صحيح كلامه وجوده في القلب، لكن له اتصال بالدماغ بشكل من الأشكال. نعم، قال لأن القلب محل العلوم كلها، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، فدلت هذه الآية على أمرين: أحدهما أن العقل علم، والثاني أن محله القلب؛ لأنه قال: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، كان "يعقلون" معناه: يعلمون بها، وهذا اللي خلى الماوردي يختار في تفسير العقل أنه ماذا؟ العلم؛ العقل هو العلم؛ لأنه رأى القرآن يستعمل العقل بمعنى العلم، العلم بالمتدبر قول الله عز وجل: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ تأويلاً، أحدهما يعلمون بها، والثاني يتدبرون بها، فهذا جملة القول في العقل الغريزي.

قال: هيك بنكون انتهينا الحمد لله من العقل الغريزي، الآن ننتقل إلى النوع الثاني من العقل وهو العقل المكتسب، اللي هو الذي تكتسبه مع الحياة شيئاً فشيئاً، ويبقى الإنسان يكتسب العقل إلى أن يموت. طيب كيف يكتسب الإنسان العقل؟ أنا الحمد لله إحنا جميعاً عندنا عقل غريزي تمام، وهو العلم بالضروري، لكن بدنا ننتقل للعقل المكتسب، واللي هي عادة ما نسميها معلومات الحياة وخبرات الحياة وتجارب الحياة وأفكار الحياة التي بها تصبح أنضج وأفهم وأكثر مرونة، وبها تعرف ما يصلحك وما لا يصلحك وما يناسبك وما لا يناسبك.

فقال: واما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو ثقابة المعرفة وصحة السياسة وإصابة الفكر، وليس لهذا حد لأنه ينمي إن استعمل؛ نتيجة العقل الغريزي يعني أن العقل الغريزي ينبني عليه العقل المكتسب، لا يمكن أن يوجد عقل مكتسب إذا ما فيش أساس، ما فيش عقل غريزي تبني عليه. المعلومات الضرورية اللي اكتسبتها في العقل الغريزي أنت هي اللي بتبني عليها الأشياء المكتسبة بعد ذلك في الحياة، فلذلك يقول: وهو نهاية المعرفة وصحة السياسة، يعني أن تصل إلى نهايات المعارف وصحة السياسة في أمور دنياك وإصابة الفكر، وهذا ليس له حد.

الآن العقل الغريزي شو حده؟ البلوغ، العقل الغريزي حده البلوغ لأنه به مناط التكليف، لكن هذا العقل المكتسب حده مثلاً 40 سنة، 50 سنة؟ ولا لا حد له، لا حد له أبداً ويتفاوت الناس فيه، فقد تجد شخصاً عمره بالعشرينات لكن عنده عقل مكتسب أعلى من شخص عمره 60 سنة، فهذا ليس له حد؛ أقول والله عند هذه السن بصير عندك عقل مكتسب لا، قال لأنه ينمي إن استعمل وينقص إن أهمل. ونماؤه يكون بأحد وجهين، لأنه هذا العقل المكتسب من وين بيجي؟ إنما ينمو فيك إذا استعملت دماغك. بعض الناس العقل زينة، مش بقول لك العقل زينة؟ لها مفهومين يا شيخ عمر، لها ذم ولها مدح؛ العقل زينة، إحنا بنحكي في واحد فعلاً عنده العقل زينة، يعني حاطه على جنب في الدار، بيستعمله، يضل ينظفه، ما يرضى يستعمله، هو زينة من زينة المنزل، هذا ذم. وفي هناك العقل زينة بمعنى المدح، هو الذي تتزين به؛ اللي هو بتستعمله ويحكم بالتالي أعمالك وأقوالك، فهذا ما يريد أن يقوله الماوردي؛ أنه هذا العقل المكتسب إنما يحصل بالاستعمال، أنك بتشغل دماغك بالدراسة، بالقراءة، بطلب العلم النافع، حتى بالاشتغال بأمور الحياة.

وفي هناك إنسان بطال كسول ملول، لا يقرأ ولا يحضر مجالس علم ولا يتعلم، فقط شغال على هالجوال، يلعب مع هالناس، يستهزئ ويتهكم في مجالس اللغو، فشيء طبيعي أن عقلك المكتسب سيبقى صغيراً. طيب، فقال لك الآن خلينا نحكي مع ناس عاقلين هدفها النجاح في الحياة، كيف ينمو عقلك؟ اليوم بتلاقيه بيعمل لك دورات كثيرة وكذا وكيف تنمي عقلك، وبيقول لك إياها باختصار الماوردي: كيف ينمو العقل في الإنسان؟ فقال: أما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هواء ولا من شهوة كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة.

أول طريقة حتى ينمو عقلك: كثرة الاستعمال، لذلك الناس الذين يقرؤون بشكل صحيح، ويجلسون مع العلماء، ويمارسون ويقرؤون القرآن بكثرة وتفسيره ويتدبرون، ويقرؤون السنة وتفسيرها ويتدبرون، ويدرسون ويتعلمون، في العادة تجد، حتى مش بس على البعد الديني، حتى الناس المتعلمة عموماً حتى في الأمور الجامعية وكذا، تجد في العادة أكثر قدرة على اختيار الأشياء الجيدة من الإنسان الجاهل اللي حياته ما تعلم ولا دخل مدرسة ولا تعلم في مكان ولا عند شيخ ولا عند أستاذ. أنت مباشرة حتى بتفرق بينهم، تقول هذا واضح أنه متعلم، ليه؟ من طريقة تعامله، تطلع واضح أنه هذا مش متعلم، ليه؟ من هوجائية تصرفاته في الحياة.

فيقول أول شيء ينمي العقل المكتسب: كثرة الاستعمال بشرط إذا لم يعارضه مانع من هواء، لأنه إذا أنت بتستعمل عقلك لكن الهوى هو الغالب ما استفدنا كثيراً، فالمراد الاستعمال المعرفي المعياري الذي لا يكون بقالب الهوى، إذا لم يوجد مانع من هواء ولا صادٍ من شهوة، مثال ذلك كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة؛ ذوو الأسنان منهم كبار السن، كبار السن الآن عندهم حنكة صح، ودائماً بقول لك خذ من تجارب جدك، خذ من تجارب المشايخ الكبار، ليه؟ لأنه في حنكة. طيب من وين اجت الحنكة للكبار؟ ولماذا دائماً علمونا آباؤنا أن خذ الحنكة من الكبار؟ من وين اجت يا حذيفة؟ كثرة الاستعمال للعقل خلتهم يعرفوا أشياء اللي عمره 15 و16 ما بيعرفها. صحيح، ولذلك لما يكون عندك طفل أو شبه مراهق، بتلاقيه بيماندك، بتقول له: "يا أبا ترى ما تعمل هيك"، يقول لك: "لا شو فيها، ترى ما راح يصير شيء"، بتقول له: "يا أبا أنا عمري 60 أو 40 أو 50، أنا عارف راح يصير هيك وهيك"، أنت عندك استعملت عقلك كثيراً فانت عارف عواقب الأمور، هو لأنه لسه ما استعمل عقله كثيراً بتلاقيه ماذا؟ مصمم أنه هذا الشيء لا ينتج هذا الشيء.

فدائماً إحنا لا بد إنسان يستعين بالكبار لأصحاب الخبرات، سواء في البيئات الدعوية أو العلمية، أو أن هؤلاء عندهم استعمال كبير وهذا الاستعمال الكبير أعطاهم عقل مكتسب. نعم، قال: بكثرة التجارب وممارسة الأمور، ولذلك حملت العرب آراء الشيوخ حتى قالوا: المشايخ أشجار الوقار ومنابع الأخبار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، إن رأوك في قبيح صدوك وإن أبصرك على جميل أمدوك. هي العبارة "المشايخ أشجار الوقار" يعني هم رأس الوقار، أشجار نعم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر وتصدت لأسماعهم آثار الغير. يعني بقول لك عليك بآراء الشيوخ كبار السن، أنه هذا الشيخ حتى ولو كان مش ذكي، لو فقدوا ذكاء الطبع، يعني حتى لو ما كان ذكي كثير في حياته، لكن على الأقل مرت عليه 100 قصة وقصة وألف حكاية وحكاية، وبيعطيك ولو لم يكن من ذكاء عقله بس من تجربة حياته وما مر عليه من الأخبار.

نعم، قال: فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير، تصدت لأسماعهم أي تعرضت لأسماعهم، "آثار الغير" هو اسم لماذا؟ لحوادث الدهر، فبالتالي سمعوا كثيراً، وتصدت لأسماعهم آثار الغير يعني سمعوا كثيراً من حوادث الدهر؛ أنه فلان صار معه كذا وفلان صار معه كذا وفلان عمل هيك وصار كذا، سمعوها كثيراً فبالتالي ينقلون لك تجربة تنمي عقلاً. فإذاً أول طريقة لتنمية العقل: كثرة الاستعمال. نعم، قال: وقيل في منثور الحكم: من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله. ليه زادت قوة عقله؟ تجارب. نعم، وقيل فيه: لا تدع الأيام جاهلاً إلا أدبت. إي والله، كثير من الشباب بيضلوا يعفرت في سن العشرين، صح يا ابن الحلال تعملش هيك، بده يعمل يا فلان، مصر. الأيام إذا ربنا كتب له عمر كفيل أن تؤدبه، لأن الأيام تجعلك تستعمل عقلك كثيراً كثيراً.

وبالتالي مع الوقت ستصبح تفهم أخطاءك اللي كانت في سن العشرين أو هذا، لكن الجيد برضه أنك يكون عندك الشيء الثاني الذي سيأتي إليه، يعني أنه ما تتعلم من كيسك كثيراً برضه. نعم، وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب مؤدباً وبتقلب الأيام عظة. وقال بعض البلغاء: التجربة مرآة العقل، والغرة ثمرة الجهل. الغرة اللي هي التصرفات اللي فيها رعونة، هي ثمرة الجهل. نعم، قال: وقال بعض الأدباء: كفى مخبراً عما بقي ما مضى، وكفى عبرة لأولي الألباب ما جرب. جميل، ما معنى هذا الكلام؟ يلا مشايخ، "كفى مخبراً عما بقي ما مضى"، شو يعني؟

ما مضى يعني الأخبار الماضية، سنن الله تتكرر، الأخبار الماضية أنت من خلالها راح تفهم تقريباً ماذا سيحصل في المستقبل. نعم أحسنت، يعني لماذا؟ لقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، لماذا الاعتبار؟ لأن الاعتبار يجعلك تفهم أنه ما سيحصل في الظالمين وما سيحصل هنا هو مشابه لما حصل في الماضي. نعم، وقال بعض الشعراء: ألم تر أن العقل زين لأهله... ولكن تمام العقل طول التجارب أحسنت، ولكن تمام العقل طول التجارب. لذلك لو فكرنا لماذا الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم على الأربعين؟ يعني بعض الناس قد يقول لماذا ما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم في عز الشباب؛ العشرين مثلاً؟ مش هذا راح يكون أدعى في قوة بدنه ومشاركته في الحروب؟ لماذا بعثه الله على الأربعين؟ احتمال النضوج العقلي، اللي هي أنه النبي عليه الصلاه والسلام مر بخبرات في الحياة وتجارب وشاف قريش وأيام العرب والقبائل وكيف تتشكل والتحالفات وكيف تنعقد و و و، حتى إذا وصل إلى مرتبة أن يُنبأ، أصبح قادراً على ممارسة قيادة الشعوب والأمم والسياسة الشرعية صحيح، بخلاف كثير من الشباب حتى ولو كان فيهم صلاح، لكن لضعف خبرتهم تجدهم قادوا جماعات إسلامية حرقوها وحرقوا أتباعهم.

ليه؟ ما عنده خبرة الحياة. لكن اللي وصل لـ 40 وكان مثل النبي عليه الصلاه والسلام، يتاجر وينظر ويدخل في حلف الفضول ويشارك، ويرى الناس في محافلهم العامة والخاصة، خبرة حياة طويلة ثم نُبئ، تجعله أكثر قدرة على ماذا؟ على التعامل مع الناس وأطباعهم، وتكون قراراته رزينة وهادئة وتفاعلاته تفاعلاً صحيحاً، بخلاف الشاب اللي لو عنده صلاح وخير وحابب يغير في الناس، بس يكون ما عنده خبرة الحياة، بيستعجل في كثير من قراراته فبيدفع هو والناس وأتباع الثمن معه.

نعم، وقال آخر: إذا طال عمر المرء في غير آفة... أفادت له الأيام في جرها عقلا

قال: وأما الوجه الثاني، فقد يكون بفرط الذكاء وحسن الفطنة وذلك.. جودة الطريقة الثانية لنمو العقل، الطريقة الأولى ايش هي لنمو العقل المكتسب؟ كثرة الاستعمال، وهذا بالتالي مع مرور الأيام عقلك بيكبر بيكبر إن شاء الله، لذلك كثير من المسائل أنت عفواً لما تكون في بداية طلبك للعلم إدراكك لها لسه برضه زي بعد العشرين والثلاثين، ولذلك المشايخ الكبار الربانيين الذين لم يغلب عليهم الهوى، ليش دائماً يقول لك يجب طاعتهم يجب أن تمسك غرز، لأنه مع مرور الأيام مساحة نظرتهم للمسائل والقضايا حياة الأمة أوسع من نظرتك أنت يا أيها الشاب المبتدئ. أنت بدك الأمور تحل بسرعة، بدك النصر يأتي بساعتين، بدك الحياة كلها تمشي، لكن ذاك الشيخ مساحة عذره مساحة فهمه مساحة نظرته للأمور واسعة، وليس كل ذلك من القراءة، بجزء كبير منها ماذا؟ تعاملات الحياة.

ولذلك العالم الرباني يجب طاعته إذا كان ربانياً، وليس لطالب علم مبتدئ أن يتسلق عليه وأن ينتقد وأن يستعلي عليه، حتى لو أنت الآن مش عاجبك رأيه، اتهم نفسك أو على الأقل اسكت، لعله ينظر لك في المستقبل كثير من الأمور اللي أنت ما كنت شايفها. طيب، الطريقة الثانية لنمو العقل، قال فرط الذكاء، وهذا ربما شيء يعني في جانب من يعني الموهبة، أن يهبك الله سبحانه وتعالى ذكاء يختلف عن ذكاء الآخرين، إذاً فقد يكون بفرط الذكاء، أنه ربنا عز وجل أعطى فلاناً منسوب ذكاء يختلف عن منسوب ذكاء فلان يختلف عن منسوب ذكاء فلان، تمام. قال وحسن الفطنة، وذلك جودة الحدث في زمان غير ممهل للحدث، ايش يعني؟ ايش يعني الآن هو عرف، عرف لك ما معنى حسن الفطنة وفرط الذكاء؟ قال وذلك هو جودة الحدس في زمان غير ممهل للحدس، شو بده يحكي؟ ايش يعني فرط الذكاء هو جودة الحدس في زمان غير ممهل للحدس؟ آه، الآن جودة الحدس يعني هي الجودة في.

التخمين وتحديد الأمور والزمان عادة لا يعطيك مجالاً لأن تتخير وتظن؛ فالحدس يمنع من التخمين الخاطئ، أو في ضيق الوقت. الإنسان الذي عنده حدس في عمر لا يسمح له عادة بالحدس، في زمان أو عمر معين، كلامك معقول نوعاً ما؛ أحد الأفهام المتوقعة. إي، بيئة عقلاء، لا زمان غير ممهل، لا حدس دون تأمل منطقي. اللي هو شو بنسميه؟ إحنا بنسميها عندنا بالعامية «على الطاير»؛ تمام. في واحد بده يأخذ فترة من المهلة حتى يصل للنتيجة بعب فيها، وفي واحد لجودة ذهنه عنده ما يسمى سرعة بديهة، بتسأله بيجاوب، لا يحتاج إلى أن يتمهل ويخمن ويفهم ويتفكر وما شابه ذلك.

فالذي يظهر لي أن الحدس حتى إن البعض يقول الحدس بالمعنى الأول يختلف عن الحدس بالمعنى الثاني؛ جودة الحدس يعني جودة البديهة في زمان غير ممهل، غير ممهل للتفكير والتحليل. يعني أنت هذه المسألة بدك تفكر فيها بشكل، وذكاؤك متوسط كم تأخذ فيها؟ خمس دقائق؛ في واحد ربنا فاتح عليه بلقطها دقيقة، فهذا هو اسمه فرط الذكاء وجودة الذهن. وهذا جزء من أجزاء العقل المكتسب؛ أنه كل ما كان عقلك أو ربنا عز وجل معطيك ذكاء أكثر من غيرك، هذا بخليك تحصل من المعلومات والأفكار ما لا يحصله غيرك؛ لأن غيرك ممكن هذا الكتاب بده سنين يقرأه صح حتى يفهمه، حتى في العلوم بعض العلوم تجد أن البعض بده كتاب الآجرومية صار له خمس سنين بيقرأ فيه ومش ضابط معه، وفي بعض الناس من قراءتين خلص يعني بلع الكتاب، بعض الناس من قراءة واحدة. هي هكذا الفهوم؛ هذا معنى ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال: فإذا امتزج هذا بالعقل الغريزي، صارت نتيجتهما نمو العقل المكتسب. امتزج هذا، يعني إذا كان مع فرط ذكاء مع عقل غريزي، النتيجة نمو عالي في العقل المكتسب. قال: كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل. الأحداث هم الشباب الصغار، مش مالك لما رأى الشافعي شو قال له؟ إني أرى الله قد ألقى في قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية. يعني شاف هذا الشافعي، واضح أنه عنده فرط ذكاء، ليس كباقي أقرانه. قال: من وفور العقل وجودة الرأي، حتى قال هرم بن قطبة حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة؛ تنافر يعني تخاصما، كان بينهم مشكلة فقالوا بدنا نتخاصم لمين؟ لهرم بن قطبة، أحد حكماء العرب، فقال لهم هرم: عليكم بحديث السن، حديد الذهن. قال: روحوا شوفوا شب غيري، حديث السن بس يكون ايش؟ حديد الذهن، يعني باللقطة الطايرة، أنا زلمة ختيرت. فماذا قالوا له؟ ولعل هرم من أراد أن يدفعهما عن نفسه، فكأنه يقول: ما بدي. لكن لم ينكر قوله إذعاناً للحق، يعني كان هذا استدلال بالإقرار؛ لما ما أنكروا عليه الاحتكام إلى حديث السن حديد الذهن، يدل هذا على أنه فعلاً في بعض الشباب بيكونوا صغار، لكن الله عز وجل أعطاهم عقلاً متقداً.

فراحوا تحاكموا إلى أبي جهل، بس ترى تفكروا أبو جهل؟ هسة انسى أنه أبو جهل وكان داهية، يعني كيف الكفار اليوم بتلاقي مثلاً عند أمريكا هذا اللي فاوض، تبعهم الشياطين هم وداهية، تمام؟ ولذلك هم يهتمون في أماكن اتخاذ القرار، سواء في استخبارات السي آي أي ولا غيرها، ولا عندكم اليهود، يهتمون بماذا؟ أنه يشوفوا الأذكياء، هم اللي بدهم يحطوا رئيس موساد ورئيس شاباك ورئيس كذا، مش رح يشوف واحد أحمق غبي هو الذي سيكون في هذه المواطن، بده شخص ذكي عنده فرط ذكاء حتى يستطيع أن يكون له قدرة على معالجة المواقف. فلذلك ذهبوا إلى أبي جهل، فأبو جهل من يعرف كيف كان يفكر؟ يعني حتى الشيطان تعجب من طريقة أبي جهل، مش لما تآمروا في دار الندوة ماذا نفعل بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ أبو جهل ماذا اقترح؟ أنه نأخذ من كل قبيلة شاباً فنقتله قتلة رجل واحد، فيتردم بين القبائل، الشيطان ما فكر فيها قال له: والله كلامك صحيح، هذا هو الحل. إذاً أبو جهل ذكي ولا مش ذكي؟ ذكي، لكن لعن الله ذكاء قاد إلى النار كما قال الذهبي رحمه الله عليه، يعني مش مستفاد من ذكائه.

قال: فصار إلى أبي جهل لحداثة سنه وحدة ذهنه، فأبى أن يحكم بينهما فرجعا إلى هرم فحكم، وفيه يقول لبيد: يا هرم بن الأكرمين منصباً، إنك قد أوتيت حكماً معجباً. وقد قالت العرب: عليكم بمشاورة أحداث، فإنهم ينتجون رأياً لم ينله طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم. يعني الآن بعض كبار السن بتيجي عليه لمشكلة واقعة في حياتك المعاصرة، بتلاقيه بعطيك الرأي اللي كان أيام الستينات، حج الأمور اختلفت، يعني مش راح نظل، يعني أحياناً مش دائماً مشاورة كبار السن بتكون منتجة، أحياناً بكون الحاج عايش على عقلية الستين والسبعين والدنيا اختلفت وتغيرت، فبقول لك أحياناً أنت تحتاج لمشاورة الشباب؛ فإنهم ينتجون رأياً لم ينله طول القدم، يعني ما بعطيك رأي من أيام الستين والسبعين قديم ما عاد يصلح لواقعك المعاصر، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، يعني كانه الهرم أنه طوبة، فكأنه هذه من الاستعارات الجميلة، جعل الرأي القديم الذي لا يصلح كأنه رأي هرم كصاحبه، يقول لك لا هذا رأي وليد الساعة يتناسب مع واقعك، وهذا تحتاج فيه بالتالي إلى شاب ذكي يولده لك.

وقال الشاعر: رأيت العقل لم يكن انتهاب، ولم يقسم على عدد السنين. ولو أن السنين تقاسمته، حوى الآباء أنصبة البنين. جميل هذا البيت؛ قال رأيت العقل لم يكن انتهاب، العقل مش شيء بتروح على السوق كل واحد يلا بياخذ شوي منه بحطه في جيبته ويروح، العقل مش انتهاب أن ينهب نهبة من السوق، قال ولم يقسم على عدد السنين، العقل أيضاً ليس شرطاً أن يقسم على عدد السنين، يعني مش الإنسان يلا من الثلاثين للأربعين في مستوى معين، من الأربعين للخمسين يلا مستوى معين، لا؛ بعض الناس ممكن يكون في العشرين وعقله يفوق صاحب الستين، إذاً هو ليس مقسوماً على السنوات، بل فيه جانب موهبة من الله، قال ولو أن السنين تقاسمته يعني لو أن العقل مقسوم على السنين حوى الآباء أنصبة البنين، لكان الآباء هم اللي عندهم العقول ودائماً أبناؤهم ما عندهم، مع أننا في كثير من الوقائع نجد أن الأبناء قد يكونون أعقل من الآباء.

حكى الأصمعي قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فأمتني بفصاحته وملاحه: أيسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله. قلت: لما؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي. والله جميل هذه الإجابة، الأصمعي بقول لهذا الشاب أنت ما شاء الله شاب ذكي، لو أعطيناك مئة ألف درهم مقابل أنك تصير أحمق؟ قال: لا ما بدي إياهم. ليه؟ قال: لأني بخاف أنه بسبب حمقي أضيع مئة ألف درهم، فخليني ذكي ومعيش مئة ألف درهم، بجيب المئة ألف درهم وبيضلوا معي حتى لو تعبت فيهم شوي. فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه، واستنبط بجودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً وأكثر تجربة، تعال ختار تقوله أعطيك مئة ألف درهم وخليك أحمق، ولك هاتهم.

وأحسن من هذا الذكاء والفطنة ما حكى ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فهربوا منه إلا عبد الله، فقال له عمر رضي الله عنه: مالك لم تهرب مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجرم فأخاف، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع لك. فالطريق واسع، وسعتي بوسعك يا عمر بن الخطاب امشي. وهذا لذلك دائماً يقول لك الصبيان تستطيع أن تتلمس مستقبلهم من خلال أجوبتهم في الصغر؛ طبعاً بفضل الله كل شيء بقدر الله، لكن من الفراسة أن تنظر جواب الصبي في الصغر، عبد الله بن الزبير شو طلع؟ أحد قادة العرب وأحد القادة الكبار وأعلن الخلافة في مكة، بغض النظر قراره صواب ولا خطأ، أعلن الخلافة في مكة ومنع الخلافة من الأمويين حتى حاصروا مكة والحجاج دك مكة دكاً حتى قتلوه، لأنه هو عقلية من الصغر، هو يعرف كيف يجيب من الصغر، بخلاف بقول لك الصبيان اللي هربوا واضح أن شخصياتهم مش قوية، هربوا، أما عبد الله بن الزبير ما هرب وهو صغير، إذاً واضح أن شخصيته قوية من الصغر، فتتلمذ إلى ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنطق وحسن البديهة، كيف نفى عنه اللوم وأثبت له الحجة.

وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية، قال: حكي أن سليمان بن عبد الملك أمر الفرزدق بضرب أعناق أسارى من الروم، فاستعصى الفرزدق فلم يفعل، وأعطاه سيفاً لا يقطع شيئاً. شوفوا هذه القصة الطريفة؛ الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أتي بأسارى من الروم، فقال للشاعر الفرزدق -بتعرف سليمان بيتسلى على الفرزدق وجرير لأنه مشاكلهم كانوا بين بعض، هم شعراء في بلاط الملك الأموي وكان بينهم مناوشات- فسليمان بن عبد الملك أمر الفرزدق بضرب أعناق أسارى من الروم، قالوا هي أسرى من الروم أمامك اضرب لي أعناقهم، الفرزدق مش شغل قتل ولا شغل معارك، الفرزدق شاعر، فاستعصى قال له: لا أنا ماليش في هذه الصنعة، فلم يفعل، سليمان قال: لا بدك تقتل، فأعطاه سيفاً لا يقطع شيئاً، واضح أن سليمان بن عبد الملك بده يستهزئ بالفرزدق وأعطاه سيفاً ضعيفاً لا يقطع لحماً.

فالفرزدق شاف السيف الضعيف فقال الفرزدق: بل أضربهم بسيف أبي رغوان مجاشع. أبو رغوان جد الفرزدق واسمه مجاشع، له سيف مميز وصل في الميراث للفرزدق، فالفرزدق بده يفتخر بسيف جده، قال: بضربهم بسيف جدي أبو رغوان ما بدي سيفك الرديء هذا، سيف نفسه ورثه من جده. فقام فاستل سيفه فضرب به عنق رومي منهم، فنبا السيف عنه، إيش المشكلة أن الفرزدق مسك سيفه مش شغل قتل ولا قتال، فضرب رومياً بده يقتله، السيف نبا أخطأ وما قتل فنبا عنه لم يستطع أن يقتله، فضحك كل من في المجلس على الفرزدق، فضحك سليمان بن عبد الملك ومن حوله على الفرزدق حيث لم يستطع أن يقتل رومياً أسيراً أمامه.

فقال الفرزدق: أيعجبك سيفهم خليفة الله يستسقى به المطر؟ لم ينب سيفي من رعب ولا دهش عن الأسير ولكن أخّر القدر، ولن يقدم نفساً قبل ميتتها جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر يعني الآن حاول أنه يخرج حاله من الورطة، الفرزدق أعطاهم شعراً، قال أيعجبك سيفهم؟ أصلاً بيصح لي إني أضحك خليفة المؤمنين؟ شو بدكم أكثر من هيك، أنا أصلاً مناي أن الخليفة يضحك، هذا الخليفة الذي به يستسقى المطر، ولا تفكروا لم ينب سيفي لأني خايف ولا دهش، كلا بس هذا الأسير ربنا ما قدر أنه يموت، القدر ما أجله الموت، يعني أنا ما أخطأت شيئاً، وهذا يدلك على جودة الذهن، ولماذا يأتي القصة الآن؟ بده يعطيك مثال على جودة الذهن، أنه الفرزدق داهية، بغض النظر عرف يضرب ولا لا بس عرف يطلع حاله من الفكرة، قال: ولن يقدم نفساً قبل ميتتها جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر؛ أي إنسان ربنا مش كاتب له يموت لو حليته مأسور وجبت سيف وحطيته على رأسه يا أخي، ربنا مش مقدر له يموت، أنتم ليش بتضحكوا؟ فهمتم هو كيف بلل حاله من الورطة.

ثم غمد سيفه وهو يقول، وضع سيفه في الغمد وهو يقول: ما إن يعاب سيد إذا صبا ولا يعاب صارم إذا نبى ولا يعاب شاعر إذا كبا قال: السيد إذا تصرف أفعال الصبيان لا يعاب، يعني هذا شيء قد يظهر له، والصارم اللي هو السيف إذا نبا ولم يقتل أيضاً لا يعاب؛ ظل يعطيهم أشعاراً ليبرر لماذا أن ما صار هو شيء طبيعي ليس شيئاً يستدعي الضحك والاستهزاء. ثم جلس وهو يقول: كأني بابن المراغة قد هجاني.

قال الله يستر؛ رح يجي جرير ويعطي في قصيدة يهجون فيها. طبعاً للأسف الفرزدق وجرير كان لسانهم على بعض مش لطيف أبداً أبداً، وهذا شيء لا يجوز. المراغة هي الأتان، أتان الحمار؛ فهو يقول والعياذ بالله الفرزدق يقول عن جرير: سيأتي ابن الأتان -يقصد جريراً- ويهجو وسيقول لي. شوف ذكاء الفرزدق، دعك من شتائمه أمرهم إلى الله، لكن أريد أن أقول لك ذكاءه؛ عرف ماذا سيقول جرير من الأبيات قبل ما يأتي جرير. قال: سيقول جرير في هذا البيت، ماذا قال؟ قد هجاني فقال: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم.

إيش يعني ابن ظالم؟ من هو؟ هو المهلب بن أبي صفرة، هذا أحد قادة الأمويين الكبار الذين قاتلوا الخوارج وكان رمزاً للقوة. فالفرزدق عم بيتخيل، بقول: هسا رح يجي جرير ويعرف أني أنا ما استطعت أن أقتل الرومي، فرح يقول لي: آه عرفت ليش ما قتلت الرومي يا فرزدق، لأنك ضربت بسيف جدك ولم تضرب بسيف المهلب بن أبي صفرة. وهذا فيه سيكون قدح لهجاء أجداده، شايف لما ضربت بسيف أجدادك شو سويت تمام؟ أنت رجل ضعيف. الفرزدق قال: الله يستر، رح يجي جرير يحكي هذا البيت. لاحظ حدة الذكاء، هو مش أنه بس متخيل الموقف العام، لا، هو حكى البيت الذي سيحكيه جرير قبل ما يأتي جرير.

وحضر جرير فخبر الخبر ولم ينشد الشعر، جاء جرير على مجلس سليمان، طبعاً هم جالسون حوالين سليمان عارفين أنه زي الديك والفرزدق وجرير. قالوا: يا جرير، ترى الفرزدق صار معه كذا والسيف نبى. ولم يقولوا له إن الفرزدق توقع بيتاً. ستقول مباشرة، جرير قال البيت نفسه، قال جرير: اقرأ. فأنشأ يقول: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم. سبحان الله نفس البيت الذي توقعه سيحكيه، طبعاً هو الفرزدق يقرأ عقلية جرير لكنه ذكي جداً لدرجة أنه عارف المفردات التي رح يستعملها. هذا قدر عالٍ وهائل من الذكاء صراحة.

قال ثم قال: يا أمير المؤمنين، كأني بابن القين قد أجابني فقال: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم. الآن نفس الشيء، فجرير حكى: شوفوا أنا حكيت هذا البيت، رح يوصل هذا البيت الفرزدق. وهو يلقب الفرزدق بابن القين، لأنه أحد أجداده كان حداداً، بيعتبروها أيش؟ قال: ابن القين ابن الحداد. رح يجي يقول في هذا البيت فيقول: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم. سيأتي يقول إنه إحنا ما بنقتل الأسرى بل بالعكس، إحنا بنفك الأسرى حتى ما يكون علينا مغارم كثيرة، حتى خلص نفسه الفرزدق من الورطة.

قال فاستحسن سليمان حدث الفرزدق على جرير، ثم أخبر الفرزدق بشعر جرير ولم يخبر بحدثه. الفرزدق قيل له: ترى جرير حكى عنك بسيف أبي رغوان، بس ما حكوا له ماذا توقع جرير أنك ستقول. فقال الفرزدق نفس الأبيات لكن مطلعها: كذاك سيوف الهند تنبو ظبات. ظبات يعني أطرافها حدودها؛ يعني ما زال يعتذر لنفسه الفرزدق. يقول: كذاك سيوف الهند تنبو أطرافها، وتقطع أحياناً مناط التمائم. يعني السيوف الهندية القوية أحياناً تنبو وأحياناً تقطع الرقاب، ترى هيك وهيك. ونقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم، الذي هو نفس البيت الذي توقع جرير أنه سيقوله. وهل ضربة الرومي جاعل لكم أباً عن كليب أو أباً مثل دارم؟ يعني هو يقول وبعدين يعني لو قتلت هذا الرومي، يعني هو راح يطلع كليب من قبره؟ ولا راح يرجع دارم أجداد العرب؟ خلص يا عمي، رومي وضربنا وشو يعني؟ بده يقول لهم: لا تكبروا هالقصة هذه.

فشاع حديث الفرزدق بهذا حتى حكي أن المهدي أُتي بأسرى من الروم فأمر بقتلهم، وكان عنده شبيب بن شيبة فقال له: اضرب عنق هذا العلج. الآن بقول لك قصة الفرزدق انتشرت في الآفاق وتوارثتها الأجيال، حتى صار نفس الموقف في مجلس مين؟ الخليفة المهدي. أُتي بأسرى من الروم فأمر بقتلهم وكان عنده شبيب بن شيبة وهذا خليفة عباسي. فقال لأحد الفصحاء البلغاء وهو شبيب بن شيبة: اضرب عنق هذا العلج. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما ابتلي به الفرزدق. قال: أنا مش ناقصني تطلع علي سمعة كما طلعت على الفرزدق قديماً، فعيره قومه إلى اليوم. هو قومه بقولوا: الفرزدق ضرب أسيراً وما عرف يقتله. فقال: إن ما أردت تشريفك. فعلاً قال: والله أنا مش قصدي لا فعلياً أورطك توريط الفرزدق، وقد أعفيته؛ خلص سامحه.

وكان أبو الهول الشاعر حاضراً فقال: جزعت من الرومي وهو مقيد، فكيف ولو لاقيته وهو مطلق؟ دعاك أمير المؤمنين لقتله، فكاد شبيب عند ذلك يفرق يخاف. فنحى شبيباً عن قراع كتيبة وأدنى شبيباً من كلام يلفق. قال: هذا شبيب أوعك تحطه في الجهاد، هذا شبيب يصلح أنك خطبة شعر بس مش شق القتال مع أعدائك. وليس العجب من خبر الفرزدق إن صح من جودة القريحتين، ولكن من اتفاق الخاطر. ولمثل ذلك قالوا: وليس العجب في قصة الفرزدق من جودة القريحتين، يعني قريحته وقريحة في الاحتمالات الرياضية صعب تكون. ولمثل ذلك قالت الحكماء: العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم. وليس لمن منح جودة القريحة وسرعة الخاطر عجز عن جواب وإن أعضل.

كما قيل لعلي عليه السلام، سيعطي نماذج على ذكاء الصحابة في الأجوبة، فمثلاً علي رضي الله عنه ماذا قال؟ كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ سئل هذا السؤال، لو واحد سألك هذا السؤال شو أول جواب لديك؟ واحد سألك كيف ربنا بده يحاسب العباد مع أنهم ملايين، مليارات منذ آدم إلى هذا؟ بجوز رقم أنا لا أصل إليه، شو الجواب بده يكون؟ كيف ربنا بده يحاسب هؤلاء؟ فهو جواب علي بن أبي طالب قال: كما رزقهم على كثرة عددهم. كما أنه رزقهم مع أنهم مليارات عبر تاريخ الإنسانية، لذلك سيحاسبهم هم مليارات، فليست مستصعباً أن الله يحاسب جميع الخلق، طب ما هو رزق جميع الخلق، هذه مثل هذه. وقيل لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أين تذهب الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ فقال: أين تذهب نار المصابيح عند فناء الأدهان؟

وهذان الجوابان جوابا إسكات تضمنا دليلي إذعان وحجتي قهر، يعني ألجما خصمه. ومن غير هذا الفن وإن كان مسكتاً ما حكي أن إبليس لعنه الله حين ظهر لعيسى بن مريم عليه السلام قال له: ألست تقول إنه لن يصيبك إلا ما كتب الله عليك؟ قال: نعم. قال: فارم بنفسك من ذروة هذا الجبل، فإنه إن يقدر لك السلامة تسلم. فقال له: يا ملعون، إن لله أن يختبر عباده، وليس للعبد أن يختبر ربه. شوف الجواب الذكي من عيسى عليه السلام، الله عز وجل يبتلينا، فالله هو الذي يبتلينا، لكن ليس لنا أن نختبر الله سبحانه وتعالى؛ يعني الله له أن يختبرك لكن أنت ليس لك أن تختبر الله، فتروح ترمي حالك بأشوف ولا ربنا قادر ينجيني ولا لا. تروح ترمي حالك وسط عمارة مثلاً، أنت لا تختبر رب العالمين، الله هو الذي يختبر وليس أنت من يختبر الله. ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله تعالى الذين أمدهم بوحيه وأيدهم بنصره، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره ويعول على بديهته.

وروى قثم بن العباس رضي الله عنهما قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة. شوف هذا الجواب، كم المسافة بين السماء والأرض؟ علي بن أبي طالب هو ما قاس بين السماء والأرض، فأعطاه جواباً دبلوماسياً، أيش قال له؟ المسافة التي تأخذها دعوة مستجابة تطلع من الأرض توصل للسماء، هذه هي. فهذا جواب إسكات، يعني هو فعلياً ما أعطاه المسافة بالأمتار بس هو ما أحب برضه يقول لا أدري، فبهذه الطريقة أعطاه جواباً يدل على الذكاء، قال: هي المسافة التي تقطعها دعوة مستجابة انطلقت من داعٍ في الأرض ووصلت إلى الله في السماء. قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس. جميل، شوف هذا الجواب، كم المسافة بين الشرق والغرب؟ برضه علي بن أبي طالب ما قاسها، فأيش قال له؟ قال: مسيرة يوم للشمس، الشمس بتطلع من المشرق بتيجي على المغرب، مسيرتها هي مسيرة ما بين المشرق والمغرب، فأعطاه تقديراً يتناسب مع الإسكات والإفحام ليس أكثر.

فكان هذا السؤال من سائله إما اختباراً وإما استبصاراً، فصدر عنه من الجواب ما أسكته. فأما إذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتسب، متى يكتمل العقل المكتسب؟ إذا اجتمع الوجهان: كثره الاستعمال مع جودة الذهن، هنا تأتي شخصية مميزة، شخص ذكي، وهذا ما اكتمل في النبي صلى الله عليه وسلم، جودة الذهن والذكاء مع كثرة الاستعمال والخبرة الحياتية، فلما وصل إلى الأربعين كان في كمال نضجه صلى الله عليه وسلم. وهو ما ينميه فرط الذكاء بجودة بالحدس وصحة القريحة بحسن البديهة، مع ما ينميه الاستعمال بطول التجارب ومرور الأيام بكثرة الاختبار، ينميه يعني يكثره، فهو العقل الكامل على الإطلاق في الرجل الفاضل بالاستحقاق.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أثني على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله، إن من عبادته، إن من خلقه، إن من فضله، إن من أدبه. فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله، نثني عليه بالعبادة وأصناف الخير وتسألون عن عقله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلفى على قدر عقولهم». واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد في الإنسان هل يكون فضيلة أم لا؟ الآن عموم الصفات مشايخنا بقول لك فيها لا ينبغي فيها الإفراط ولا التفريط، صحيح؛ يعني الشجاعة إذا بالغت فيها شو بتصير يا شيخ حذيفة؟ أحسنت، وإذا قصرت فيها شو بتصير؟ الكرم إذا كثرت منه بصير إسراف وإذا قصرت شو بصير؟ بخل.

العقل هل يخضع لقانون الوسط؟ هل إذا كثرت منه والله مش كتير منيح العقل إذا كثرت منه وإذا قصرت فيه بصير حمق؟ هل اختلفوا هل العقل يحمد فيه التوسط مثل الصفات التي يحمد فيها التوسط؟ فإذا كثر لا يمدح وإذا قل لا يمدح، هل له وسط ولا لا؟ بالعكس العقل لا نهاية لفضائله وكلما كثر فهو أفضل، لا، الشجاعة كلما كثرت لا بتصير أفضل بتصير تهور، هل العقل كلما كثر بصير أفضل؟ شو رأيك يا شيخ؟ هل أنت مع كثرة العقل ولا مش مع كثرة العقل؟ شو رأيك، أنت مع التوسط؟ ليش يعني بتشوف أن العقل الزيادة غلط؟ واحد عاقل كتير كتير زيادة، بوجعه رأسه كتير وبقول لك الأذكياء بيتعبوا وبيموتوا بدري يا شيخ عمر، تمام، قد يفكروا. وهو جانب بس الآن سيأتي يناقش القضية، وهذا الذي سيقوله؛ يعني من رأى أن العقل يحمد فيه التوسط قالوا إن الذكاء الشديد قد يجعلك أولاً تزدري من حولك ويوصلك للكبر، صح؟ وهذا حصل مع كثير، لفرط ذكائه وصل إلى الكبر، بل بعضهم وصل إلى الإلحاد حتى تكبر على الله، كثير من الفيزيائيين اليوم في الغرب، شو بتلاقي؟ أنه هو شو السبب؟ أنه بطل يؤمن بوجود الإله، شاف حاله كثير ذكي، كثير كثير ذكي وأنه أنا اخترعته وشفته وعملت ووصلت، بقول لك: ليش أنا أعبد إلهاً؟ ما أنا ذكي جداً. بقول لك الذكاء الكثير قد يجعل عندك كبر، قد يجعل عندك مكر دهاء، أنك تصير تضحك على الناس وتستعمل ذكاءك في الإيقاع بهم وتوريطهم وما شابه.

ذلك، فالبعض قال لا يُمدح كثرة العقل لأن التوسط هو المعقول، والبعض قال لا، العقل بحد ذاته ممدوح؛ فأي شيء يسمى عقلاً وإدراكاً هذه معرفة، أما أنت فستستعملها في الحق، وذلك سيستعمل في الباطل. يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه أحد كبار الأذكياء في التاريخ الإسلامي، ولكنه وظف عقله بالشكل الصحيح وربطه بالكتاب والسنة؛ بخلاف المتكلمين الأذكياء عبر التاريخ أيضاً، وهم كبار الأذكياء، لكن للأسف كما قال الخطابي عنهم: ذكاؤهم منعهم أن يعتقدوا كما يعتقد العامة، فأرادوا أن يعتقدوا في الدين على طريقة الفلاسفة فضاعوا.

فإذاً العبرة ليست في أن تكون ذكياً وأن تزداد ذكاءً، المشكلة في كيف توظف الذكاء. فأما أن نقول إن العقل الأفضل فيه أن يكون وسطاً وأنك لا تكون ذكياً كثيراً، فهذا ليس حلاً. فقال قوم: لا يكون فضيلة لأن الفضائل هيئات متوسطة بين رذيلتين؛ فالفضيلة هيئات متوسطة، والخير متوسط بين رذيلتين، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة. وقد قالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور، فإن الزيادة عيب، والنقصان عجز. هذا مع ما وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الأمور أوساطها». وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: خير الأمور النمط الأوسط، إليه يرجع العالي وبه يلحق التالي. خير الأمور النمط الأوسط، يعني الذي دائماً متوسط في الأمور، العالي يرجع له، واللي عالي عليه بتلاقيه بيرجع للاعتدال، والتالي اللي هو النازل بيحب يوصل له.

وقال الشاعر: لا تذهبن في الأمور فرطاً، لا تسألن إن سألت شططاً، وكن من الناس جميعاً وسطاً. قالوا: لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم وصاحبه ملوم. وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل زياداً عن ولايته، فقال زياد: يا أمير المؤمنين أعن موجدة أم خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكن خفت أن أحمل على الناس فضل عقلك. زياد بن أبيه هذا كان أحد دُهاة العرب، فلما أبو موسى الأشعري وضعه والياً، قالوا هذا داهية، والإنسان الداهية قد يجعل الناس يفعل أشياء تفوق قدر عقولهم فيهلكهم.

هذا جميل؛ يعني هذه الإجابة قال له: يا زياد إحنا مش شاكين فيك ولا اتهمناك عن موجدة، يعني لم نجد عليك شيئاً نتهمك فيه أو خيانة أبداً، لكن أنا عزلتك لأنك ذكي جداً، فأخاف أنه من شدة ذكائك أن تحمل الناس أشياء لا يطيقونها، وعوام الناس مستواهم في الذكاء مش مستواك. وهكذا بصير مثلاً مع بعض الأساتذة الأذكياء أو الطلاب الأذكياء أو القادة الأذكياء، أنه يحمل الناس سقفاً معيناً يريد منهم الوصول إليه فوق طاقتهم، فماذا بصير؟ بيكسرهم. فهذا هو المخوف من الذكي جداً.

ومن أجل هذا المحكي عن عمر رضي الله عنه ما قيل قديماً: إفراط العقل مضر بالجسد. ليه زي ما حكيته قبل شوي، إنه اللي عاقل كثير بيفكر كثير، بيتعب بدنه، بيتعب فعلاً؛ لأن طلب المعالي منهك للأجساد. وقال بعض الحكماء: كفاك من عقلك ما دلك على سبيل رشدك. وقال بعض البلغاء: قليل يكفي خير من كثير يطغي. وقال آخرون وهو أصح القولين: زيادة العقل فضيلة، ولا حد لها، وكلما ازداد العقل فهو أفضل.

زيادة العقل فضيلة لأن المكتسب غير محدود، كما اتفقنا. وإنما تكون زيادة الفضائل المحمودة نقصاً مذموماً لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة، كشجاع إذا زاد على حد الشجاعة، فإنما تكون زيادة الفضائل المحدودة نقصاً مذموماً. الآن الفضائل التي لها حد بداية ونهاية هي التي إذا تجاوزت فيها حد النهاية تكون نقصاً، زي الشجاعة؛ الشجاعة محدودة لها طرفين، إذا تجاوزت أعلى شيء فيها صارت تهوراً، وإذا نقصت عنها صارت جبناً. فإذاً الفضائل المحدودة التي لها بداية ونهاية هي التي إذا زدت عليها نقصت وإذا نقصت عنها نقصت. وأما العقل فهل هو محدود الطرفين؟ لا، هو له حد أدنى لكن ليس له حد أعلى، فبالتالي ما في حد أعلى إذا تجاوزته رح نقول إنك والله رجعت نقصت، فهي ليست محدودة الطرفين. العقل هو محدود من البداية ليس محدوداً من النهاية؛ من النهاية لا حد له، أما الشجاعة والكرم والحلم فهذا محدود له حد أدنى وحد أعلى، غير هيك الزيادة أو النقصان بتصير مشكلة فيه.

قال: لأن ما جاوز الحد لا يسمى فضيلة، كشجاع إذا زاد على حد الشجاعة نُسب إلى التهور، والسخي إذا زاد على حد السخاء نُسب إلى التبذير. وليس كذلك حال العقل؛ لأن الزيادة فيه زيادة علم بالأمور، وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما يكون، وذلك فضيلة لا نقص. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الناس أعقل الناس»، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العقل حيث كان ألف مألوف». وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]، أي بحسب عقله. وقال القاسم بن محمد: كانت العرب تقول: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه. سبحان الله، يعني الذي يكون عقله أغلب عليه من كل الخصال، يكون حتفه في ماذا؟ في أغلب خصال الخير عليه؛ اللي هو ماذا؟ الشجاعة بكون حتفك فيها، الكرم بكون حتفك فيه، الحلم بكون حتفك فيه؛ كأنهم يقولون: لا بد أن يكون عقلك هو أغلب الخصال دوماً.

وقيل في منثور الحكم: كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا. عجيبة هذه جميلة، الآن البضاعة إذا كثرت في السوق وصارت متوفرة في كل المحلات بترخص، كل الأشياء إذا كثرت بينزل سعرها إلا العقل، إذا كثر بينزل سعره؟ لا، بيغلى. وقال بعض البلغاء: إن العاقل من عقله في إرشاد ومن رأيه في إمداد، فقوله سديد وفعله حميد. والجاهل من جهله في إغواء ومن هواه في إغراء، فقوله سقيم وفعله ذميم. وأنشدني ابن لنكك لأبيه: من لم يكن أكثره عقله أهلكه أكثر ما فيه. من لم يكن أكثره عقله، يعني أكثر شيء فيه عقله، أهلكه أكثر ما فيه؛ هي نفس الفكرة التي حكيناها قبل شوي، أهلكته أغلب خصال الخير عليه.

فأما الدهاء والمكر فهو مذموم لأن صاحبه صرف فضل عقله إلى الشر؛ فالمشكلة أنك صرفت فضل عقلك إلى الشر، مش مشكلة زيادة العقل، مشكلة إذا مش في زيادة العقل. قال: ولو صرفه إلى الخير لكان محموداً. وقد ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: كان والله أعقل من أن يُخدع، وأعقل من أن يخدع. جميل، ايش يعني؟ يعني عمر عنده فرط ذكاء، بس هل استعمل فرط الذكاء في الخير ولا في الشر؟ في الخير. استعمل ذكاءه الحاد في أن لا يُخدع، بس ما استعمله في أن يخدع الآخرين، فممتاز أن تكون ذكياً حتى ما حدا يخدعك، لكن انتبه أنك لا تستعمل زيادة ذكائك في خداع غيرك. وقال عمر: لست بالخِب، ولكن لا يخدعني الخِب. الخب يعني أنا مش خبيث، بس ما بخلي حدا يخبث عليّ.

واختلف الناس في من صرف فضل عقله إلى الشر كزياد، هل يكون متبعاً للوحي والدين؟ قال: لأن الخير والدين من موجبات العقل، فأما الشرير فلا أسميه عاقلاً، وإنما أسميه صاحب روية وفكر. وقد قيل: العاقل من عقل عن الله عز وجل أمره ونهيه. حتى قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه في من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس: إنه يكون مصروفاً إلى الزهاد، لأنه منقاد للعقل ولم يغتر بالأمل. يعني يقول لك في المذهب الشافعي إذا شخص قبل موته قال: أوصي بثلث مالي لأعقل الناس، كيف سننفذ الوصية؟ مين هم أعقل الناس؟ قالوا الزهاد، ليه؟ لأنهم لم يغتروا بطول الأمل.

وروى لقمان بن عامر عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا عويمر، ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً». قلت: بأبي أنت وأمي، وما لي بالعقل؟ قال: «اجتنب محارم الله، وأدِّ فرائض الله، تكن عاقلاً، ثم تنفل بصالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً وتزدد...». هذه الأحاديث كما قلت، يعني خذ أفكارها العامة لكن لا تثبتها بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وأنشدني بعض أهل الأدب هذه الأبيات وذكر أنها لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إن المكارم أخلاق مطهرة، فالعقل أولها والدين ثانيها، والعلم ثالثها والحلم رابعها، والجود خامسها والعرف ساديها، والبر سابعها والصبر ثامنها، والشكر تاسعها واللين عاشيها. والنفس تعلم أني لا أصدقها، ولست أرشد إلا حين أعصيها، والعين تعرف في عيني محدثها، إن كان من حزبها أو من أعاديها. ايش يعني هذا الكلام؟ والعين تعلم... يعني أنا من عينيك بعرفك، هل أنت من جماعتي ولا من جماعة أخرى بدون ما تحكي، تمام! عيناك قد دلت عيني منك على أشياء لولاهما ما كنت تبديها؛ يعني عينيك هم اللي دلوا عيني على ما في باطنك، وإن كنت لم تصرح بذلك.

واعلم أن العقل المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي لأنه نتيجة منه، هذا أكيد اتفقنا عليه، أن العقل المكتسب هو أصلاً ثمرة من ثمار العقل الغريزي بشرط كثرة الاستعمال وحده الذكاء أحياناً. وقد ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب، شخص يكون عنده العقل الغريزي الحد الأساسي بس ما عنده عقل مكتسب من خلال الأيام، ممكن، الشخص عنده عقل غريزي وحبسته في غرفة حتى مات لم يكتسب أي شيء في الحياة، ممكن. فيكون صاحبه مسلوب الفضائل موفور الرذائل، كالأنوك؛ الأنوك هو الأحمق، والأحمق الذي قل ما يخلو من رذيلة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأحمق أبغض خلق الله إليه إذا حرمه أعز الأشياء عليه»، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأحمق كالفخار لا يرقع ولا يشعب». لا يشعب يعني لا يضب، الفخار إذا انكسرت خلص راحت، يقول لك نفس الشيء الأحمق، الفخار بتقدر ترقعه إذا انكسرت؟ لا، بتقدر تشعبه يعني ترممه تضب بها إذا صار فيها كسر؟ خلص، الفخار إذا انكسرت انكسرت. نفس الشيء الأحمق بتعرف ترجع وراه.

وقال بعض الحكماء: الحاجة إلى العقل أقبح من الحاجة إلى المال. وقال بعض البلغاء: دولة الجاهل عبرة العاقل. ما معنى دولة الجاهل عبرة العاقل؟ يعني الحالة التي أصابت الجاهل تكون عبرة لغيره، ما مر به الجاهل في الحياة تكون عبرة لغيره. جيد، وهنا الدولة يعني ما، البعض يقول الدولة بمعنى أن كانت له قوة، يعني ما يحصل له يكون عبرة للعاقل يعتبر به العقلاء. يعني كأن الجاهل هو البور والعاقل هو الذي يعتبر عليه، يعني أنت كأن الحياة مليئة بالجهال الذين لما يقعوا فيها لأنهم جهال، وأنت كعاقل بتفهم هذا التصرف، فتصرفات الجاهل يعتبر منها العاقل، تمام؟ خلال نظرك في تصرفات الجاهل، بتلاقيه هذا جاهل عمل هيك، ماذا حصل؟ هذا جاهل عمل هيك، ماذا حصل؟ فالعاقل يعتبر والجاهل بيشتغل. فهمت علي؟ كأن الجاهل هو الذي وظيفته أن يعلم العاقل الحياة، الجاهل يقع في الأخطاء والعاقل يستفيد منها.

وقال أنوشروان لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء؟ قال: عقل يعيش به، قال: فإن لم يكن؟ قال: فأخوان يسترون عيبه، قال: فإن لم يكن؟ قال: فمال يتحبب به إلى الناس، قال: فإن لم يكن؟ قال: فعي صامت، قال: فإن لم يكن؟ قال: فموت جارف. لم يكن خلاص موت أحسن لك، يعني ما ضل شيء يعني بعد العي الصامت، يعني تكون جاهل وصامت وخلاص، هذا طب ما فيش جاهل بده يصمت يموت أحسن له، موت جارف حتى يريحنا منه.

وقال سابور بن أردشير، هذه دول يعني من الفرس من فلاسفة الفرس: العقل نوعان، أحدهما مطبوع والآخر مسموع، ولا يصلح واحد منهما إلا... المطبوع اللي هو الغريزة، والمسموع هو المكتسب. فأخذ ذلك بعض الشعراء فقال: رأيت العقل نوعين.

مسموع ومطبوع فلا ينفع مطبوع إذا لم يكن مسموعاً، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع. وقد وصف بعض الأدباء العاقل بما فيه من الفضائل، والأحمق بما فيه من الرذائل، فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى ترفع عن الظلم قدره. فالعاقل إذا أحب شخصاً نصر مودته، وإذا عاداك ترفع عن ظلمك؛ فهو إن أحبك نصرك، وإن لم يحبك لا يظلمك لأنه عاقل.

فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله. لذلك كما يقولون: عدو عاقل خير من صديق جاهل؛ لأن العدو العاقل في العادة ما يظلمك، وإن كان هو لا يحبك. وإن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بالشكر، وإن أساء إليه مسيء تطلب له أسباب العذر، أو منحه الصفح والعفو؛ فهو إما يعذره بقوله: "أكيد عنده عذر"، وإذا لم يجد له عذراً يقول: "أنا مسامحه حتى لو لم يكن عنده عذر".

والأحمق ضال مضل، إن أُونِس تكبّر؛ فإذا تعاملت معه بالانس وسألته عن أحواله، أخذ عليك وتكبر. وإن أُوحِش تكدّر، وإذا أنت أعرضت عنه كدّر وضاق، وقال: "لماذا لم يحكِ معي؟"، فأنت لا تعرف كيف تأنس معه ولا كيف تبتعد عنه. وإن استنطق تخلّف، أي لا يعرف أن يتكلم، فإذا قلت له: "تفضل تكلّم"، سكت لأنه لا يحسن الكلام. وإن تُرك تكلّف وتكلم بكلام متكلف.

مجالسته مهنة، أي ازدراء لك أن تجالسه، فإنه يزدريك. ومعاتبته محنة، فإذا أردت أن تعاتبه على خطأ، يتهمك بأنك تكرهه أو أنك تقصد الإساءة إليه أو تتبع عثراته؛ فمعاتبته محنة بقلبك لأنه لا يريد أن يسمع ولا أن ينتصح. ومحاورته تغر، وموالاته تضر، ومقاربته عمى؛ فإذا صاحبت الأحمق ازددت عمىً وجهلاً، ومقارنته شقاء.

وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل؛ فهذه أصعب شيء، أن تكون في السجن ومعك واحد جاهل، فهي أكبر عقوبة لأنه يتعبك في الطعام والشراب وفي كل شيء وفي التصرفات. فيقول: من عقوبات الفرس إذا أردت أن تعاقب عاقلاً، فأتم درجات العقوبة أن تضعه في زنزانة مع أشخاص جهلة، فهذا يميت.

والأحمق يسيء إلى غيره ويظن أنه قد أحسن إليه، هذه مشكلة؛ يسيء إليك ويظن أنه خدمك فيطالبك بالشكر. وإذا أحسنت إليه يظن أنك أسأت إليه فيطالب بالوتر، أي يطالب بالثأر والقصاص، مع أنك قد أحسنت إليه، فعقله محدود جداً. فمساوئ الأحمق لا تنقضي وعيوبه لا تتناهى، ولا يقف النظر منها إلى غاية، إلا لو لاحت مما وراءها بما هو أدنى منها وأردى؛ فإذا نظرت إلى غاية الحمق ستجد أنه في هناك غاية أبعد منها للحمق تلوح بها. وأمر وأدهى، فما أكثر العبر لمن نظر، وأنفع لمن اعتبر. وقال الأحنف بن قيس: "كل شيء يحفظ الأحمق إلا نفسه"، أي لا يأتيه حتفه إلا من نفسه.

وقال بعض البلغاء: إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق، أي بالمصادفة، قد يحصل الجاهل الدنيا بالصدفة، وجرّ كنز، نصيب، قدره. وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق، وقد تدبر عن العاقل فتجده فقيراً؛ ومع أن لديه الآلة الكاملة لنيلها، لكن سبحان الله لم يُرزق.

فإن أتتك منها سهم مع جهل، أو فاتتك فيها بغية مع عقل، فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل والزهد في العقل. فدولة الجاهل من الممكنات، ودولة العاقل من الواجبات، وليس من أمكنه شيء من ذاته كمن استوجبه بآلته وأدواته. يعني أن تكون الأيام مع الجاهل، دولته له، هذا ممكن عقلاً، لكن بالمصادفة. أما العاقل، فإن تكون الأيام معه فهذا من الواجبات، أي أن الشيء الطبيعي والمجريات الطبيعية أن العاقل الذي يمتلك أدوات المعرفة هو من يحصل الظفر. فكونها تخلفت عن بعض العقلاء وظفر بعض الجهلاء، لا يعني أن تقول: "والله الجاهل أحسن من العاقل".

ودولة الجاهل كالغريب الذي يحل، فظهور الجاهل وتمكنه كغريب في بلد أجنبي عنه يحن إلى النقلة، وما أسرع ما يزول ويفقده لأنه ملكه لجر الذهب، فهو شيء غريب عليه ليس معتاداً عليه. ودولة العاقل كالنسيب الذي يحن إلى الوصال؛ فالعاقل إذا حصل شيئاً، حصل شيئاً يناسبه فلا يبدده ويعرف كيف يديمه لأطول فترة ممكنة، لأنه حصل شيئاً هو أصلاً من مناسباته وليس أجنبياً عنه.

فلا يفرح المرء بحالة جديدة نالها بغير عقل، أو منزلة رفيعة نالها بغير فضل، فإن الجهل ينزله منها، ويزيله عنها ويحطه إلى رتبته ويرده إلى قيمته. حتى ولو ظفرت بشيء مع الجهل، في آخر الأمر تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه، ويصير مادحه هاجياً له، ووليه معادياً. واعلم أنه بحسب ما يُنشر من فضائل العاقل، كذلك يظهر من رذائل الجاهل حتى يصير مثلاً في الغابرين وحديثاً في الآخرين، مع هتكته في عصره.

كالذي رواه عطاء عن جابر: كان في بني إسرائيل رجل له حمار، فقال: "يا رب، لو كان لك حمار لعرفه مع حماري"، فهم به نبي من أنبياء الله أن يقتله، فأوحى الله إلى هذا النبي: «إنما أثيبه على قدر عقله». استعمل معاوية رضي الله عنه رجلاً من قبيلة كلب، فذكر المجوس يوماً عنده فقال: "لعن الله المجوس، ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت 10 آلاف درهم ما نكحت أمي". فبلغ ذلك معاوية فقال: "قبحه الله، أترون لو زادوه فعل؟"، فعرف معاوية أن قوله يدل على عقل قائله البسيط؛ فإذا أعطوك أكثر من ذلك حط رقماً كبيراً، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ﴾ [الرعد: 18].

وعزله مباشرة، وقال: "هذا سيتعبني". وولي الربيع العامري -وكان من النوكى- بعض منابر اليمامة، فقاد كلباً بكلب للقصاص، فقال فيه الشاعر: شهدت بأن الله حقاً لقاؤه ... وأن الربيع العامري رقيع وليس لمضار الجهل غاية، ولا لمضار الحمق نهاية. وقد قال الشاعر: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها

نقف اليوم عند هذا القدر، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.