حياكم الله ايها الاكارم في مجلس يتجدد بنا في يوم السبت، هذا المجلس الذي نعقد في كتب الفكر والادب والحديث والسيره نجول في كتب الائمه الكبار ونقطف من تلك الازهار اليانعه كما يقولون، ونحاول ان نغوص في افكارهم وعقولهم، فان الانسان انما ينضج عقله وينضج فكره كلما قلب النظر في كلام الكبار من اهل العلم المحققين رضوان الله تعالى عليهم.
وان مجلس علم تجلسه تستفيد منه كلمه تقودك الى الله سبحانه وتعالى له خير من الدنيا وما فيها، فالانسان ربما يسعى كثيرا في هذه الحياه ويكابد ويصول ويجول لحل معضلات ومشكلات، وقد لا تحل معه الا بكلمه يسمعها في مجلس علم يرى انه قد اضاع كثيرا من الاعمار، وربما اختصرت عليه كثيرا من المسافات، فحكمه ضاله المؤمن اينما وجدها فهو احق بها.
فنسال الله سبحانه وتعالى ان يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا، وان يصوب نياتنا وان يجعلنا من عباده المخلصين، نعيش ايها الكرام في هذه المدارس مع كتاب ادب الدين والدنيا للامام الماوردي رحمه الله تعالى عليه، وهذا هو المجلس الثاني الذي نعقد في هذا الكتاب.
بدا الماوردي كتابه بالحديث عن العقل، لانه قبل الحديث عن تفاصيل ادب الدين أو الدنيا لابد أن نعرف الآلة التي توصل إلى تحقيق هذا الادب، تمام، قبل أن تعرف تفاصيل ادب الدين وادب الدنيا لابد وان تعرف الآلة التي توصلك إلى هذا الادب.
فان الانسان مهما اخذ من القواعد النظريه والافكار الجميله والخطوات الناجحه، لكنه ما كان يملك عقلا راجحا يقوده إلى الانتفاع بها والعمل بها والسير عليها، كل ما تعطاه من قواعد ونظريات سيكون مجرد افكار عامه لا تنعكس على حياتك.
وأما إذا وفق إلى العقل الذي يمنعه عن فعل القبائح ويقوده إلى فعل ما يصلحه، عند ذلك يصبح هناك فائده من دراسة الآداب وقواعدها ونظرياتها، فلذلك رأى الماوردي رحمه الله تعالى عليه أن الكلام عن الأدب لابد وأن يبدأ بالكلام عن العقل وعن أهميته وعن قواعده وعن توظيفه وعن ذم الهوى وعن تحذير الانسان منه، فإن الانسان إذا رزق الآلة بعد ذلك يستطيع أن يسير.
في المجلس الماضي تكلمنا ابتداء عن تعريف العقل، سواء العقل الغريزي أو العقل الكسبي، وعن تفاصيل القواعد العامه للعقل، واليوم باذن الله ان شاء الله سنشرع في الكلام عن الهوى، والهوى هو عدو العقل، فان الانسان اما متبع لعقله واما متبع لهواه، ودائما ما نقول ان العقل يبقى عقلا ما دام مرتبطا بالوحي، فاذا خرج عن سكه الوحي اصبح يسمى ماذا؟ هواى، اصبح يسمى هوى، نسال الله سبحانه وتعالى ان يجنبنا اهواء نفوسنا انه ولي ذلك والقادر عليه، اقرأ يا شيخ عمر وصلنا إلى فصل العقل والهوى.
فأما الهوى فهو عن الخير صاد وللعقل مضاد، لانه ينتج من الاخلاق قبائح ويظهر من الافعال فضائحها، ويجعل ستر المروءه مهتوكا ومدخل الشر مسلوكا.
يعني هذه استعاره جميله في قوله ويجعل ستر المروءه مهتوك، جعل المروءه كأنها ستر يجمل الانسان ويستر عوراته، فاذا أنت اتبعْت هواك أن الهوى يهتك ستر المروءه، كأنه يزيل هذا الستار الذي أنت تتجمل به وتتزين به وتستر به العورات، الهوى يكشف فضائح، فلا بد للانسان أن يجتنب هواه.
نعم، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43].
وقال عكرمه في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ يعني بالشهوات، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ يعني بالتوبه، ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ يعني في امر الله، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ يعني بالتسويف، ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني الموت، ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: 14] يعني الشيطان.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «داء الشهوه طاعه شهوه داء وعصيانها دواء»، وقال عمر، طب هذا الحديث فيه نظر.
نعم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اقدع هذه النفوس عن شهواتها فإنها طلاعه تنزع إلى شر غاية، طبعا قال عمر بن الخطاب اقدع هذه النفوس عن شهواتها، هنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول مقولة جميلة عليك أن تمنع هذه النفس عن نزواتها، فقال فإنها طلاعه، في نسختنا نسخة دار ابن كثير فإنها طلاعه يعني النفس الاماره بالسسوء هي دائما تتشوف إلى شهواتها وملذاتها، فعليك أن تكبح وأن تربيها على المنع، طبعا المنع التام شوف المنع التام أيضا قد يجعل النفس تنفر، وإنما تعطي هذه النفس من الشهوات ما يبيحه الله سبحانه وتعالى على قدر الاعتدال.
تعطي النفس من شهواتها ما يبيحه الله سبحانه وتعالى على قدر الاعتدال، فمثلا في النسبة لشهوة النكاح لابد من الزواج، إن منع النفس من الشهوه تماما ليس هذه الطريقه الصحيحه في معالجتها، الطعام شهوه، الشراب شهوه، المال شهوه، عليك أن تأخذ من هذه الشهوات ما يبيحه الله على قدر الاعتدال، فاذا تطلعت النفس إلى ما هو أعلى من قدر الاعتدال أو تطلعت النفس إلى الوصول إلى هذه الشهوات بالحرام نعم عند إذ نطبق كلام عمر اقدع أي امنعوه عن هذا.
نعم، قال إن هذا الحق ثقيل مري، وإن الباطل خفيف وبي، هذا ما زال عمر رضي الله يقول إن الحق ثقيل مري، طبعا مري يعني هنا المحشي يقول إن المري هو نوع من انواع الأدوية، المري ما هو نوع من انواع الأدوية اكتشفه الكلدانيون وهو يعالج منه كثير من الأمراض، فيقول عمر إن الحق ثقيل على النفس لكنه دواء شبهه بالمري وهو نوع من انواع الأدوية، إن الحق ثقيل على النفس لكنه دواء، والباطل خفيف مرغوب محبوب لكنه ماذا وبي، والوباء كأنه من الوباء فهو ايه مرض.
يعني احيانا أنت تجد شيئا خفيفا فتطلبه النفس لكنه في الحقيقه فيه ايش داء، هذا ليس علاج أنت تهلك نفسك، وأحيانا قد يكون الشيء ثقيل ومتعب لكنك تعرف على المدى البعيد أنه هو الدواء، فيقول عمر رضي الله عنه إن الحق ثقيل على النفس لكنه مري أي دواء وعلاج في عاقبته، والباطل خفيف على النفس لذلك تحبه وتطلبه وتتشوف إليه، لكنه وبي، لكنه ايش داء مرض، وأنت دائما لابد وأن تنظر إلى عواقب الأمور لا تنظر إلى اللحظة الراهنة.
نعم، في اللحظة الراهنة الحق ثقيل والباطل خفيف، لكن عندما تنظر إلى عواقب الأمور فإن هذا الثقل فيه دواء لهذه النفس وفيه صالحها، والخفة التي في الباطل فيها مرض لهذه النفس وفيه هلاكها.
نعم، قال: وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة، ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا، وقال علي شوف رب نظرة زرعت شهوة، ولا تمدن عينك، النظر هو الآلة الابرز للهوى، آلة الهوى النظر، سواء النظر إلى النساء أو النظر إلى الترف وما عند الناس من الترف، التوسع في النظر إلى المباحات، النظر هو آلة الهوى، فكلما كنت تسير على قاعدة ولا تمدن عينيك سواء إلى ما عند الناس من الأموال أو الشهوات أو النساء أو أو كلما خفت هذه النفس، لكن إذا أطلقت العنان لبصرك ثارت هذه النفس وأصبحت تطالبك بما عند الآخرين.
لذلك يقول ورب نظرة زرعت شهوة وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا، وما خطا واحدة نظرة أطيتها لنفسك زرعت شقاء الأبد، وكما يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر رب نظرة أيضا أحدثت في قلب صاحبها البلابل، شوف كلام العلماء كيف يتفق على خطورة إطلاق النظر، ورب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا، وابن الجوزي يقول رب نظرة القت في قلب صاحبها البلابل والعياذ بالله.
نعم، قال: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخاف عليكم اثنتين؛ اتباع الهوى وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة، وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه، يعني هذه من المناسبات التي يلاحظها العلماء في الأسماء، هذه من المناسبات اللطيفة التي يلاحظها العلماء في الأسماء، يقول الهوى لماذا سمي هى؟ قال لأنه يهوي بصاحبه إلى قاع جهنم، طبعا هذا ليس هو اصل التسميه لكنها مناسبته وجدت.
نعم، وقال أعرابي: الهوى هوان ولكن غلط باسمه مثلا، هذا راي اخر عربي يقول الهوى اصله من الهوان بس غلطوا في اسمه تمام، وهو اصله مش هوا هو هوان وذله، نعم قال فاخذه الشاعر فقال: إن الهوان هو الهوى قلب اسمه، فإذا هويت فقد لقيت هوانا، قلب اسمه يعني غير اسمه، هنا القلب يقصد به والله أعلم مطلق التغيير.
نعم، قال: وقيل في منثور الحكم: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه، سبحان الله، إذا أنت اتبعت هواك أعطيت عدوك مناه، عدوك يتربص بك أن تتبع هواك حتى يدخل في عرضك ويشير الناس إليك ويقولون انظروا فلان كيف يفعل، فإذا اردت أن تكبح عدوك، سواء عدوك الانسي أو عدوك الشيطاني، فعليك أن تكافح الهوى.
نعم، وقال لقمان الحكيم: العقل صديق مقطوع، والهوى عدو متبوع، نعم، العقل صديق لكن للاسف أكثر الناس يقطعون هذه الصداقة، والهوى عدو لكنه عدو متبوع.
نعم، وقال بعض البلغاء: أفضل الناس من عصى هواه، وأفضل منه من رفض دنياه، وقال هشام بن عبد الملك بن مروان: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى كل ما فيه عليك مقال، قالوا قال ابن المعتز: لم يك إلى كل ما فيه عليك مقال هو مشابه للحكمة السابقة، من أطاع هواه أعطى عدوه مناه، إذا أنت اتبعت هواك ملكت الناس من انتقادك.
سبحان الله تجد طالب علم أو انسان متزن وأموره طيبة، فخصومه يصعب عليهم أن ينتقدوه أو يجدوا عليه ممسكا، فإذا سقط في بحار الهوى أصبح محلا للقدح، يعني خصومه ينتظرون هذه اللحظة، لحظة سقوطك في الهوى حتى يبدءوا في نهش لحمك.
نعم، قال ابن المعتز: لم يقل هشام بن عبد الملك غير هذا، وهشام بن عبد الملك هو الخليفه الأموي المشهور، وقال الشاعر: إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى فقد ثكلته عند ذاك ثواه، وقد أشمت الثواكل، هما المراة التي فقدت ابنها، نعم، وقد أشمت الأعداء جهلا بنفسه وقد وجدت فيه مقالا عواذل، وما يزع عواذل اللي هم من اللوام لاحظ نفس الفكرة، وقد وجدت فيه مقالا عواذل الناس التي تنتظر أن تلومك وتنتقدك، شوفوا دائما لما تروا معنى العقلاء يشتركون في ذكره اعلموا أنه معنى شريف، عندما تجد العقلاء في أشعارهم ومنثورهم وحكمهم يتفقون على ذكر قضية معينة اعلم أنها قضية شريفة، لذلك اهتم العلماء والحكماء والمثقفون من أهل العلم بذكرها.
نعم، وما يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا حازم الرأي كامله، نعم قال يعني وما يزع النفس اللجوج عن الهوى ما الذي يزع نفسك اللجوج؟ النفس اللجوج ملحة، ما الذي يزع هذه النفس اللجوج عن الهوى إلا حازم الرأي كامله، تمام وما يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا حازم الرأي، الإنسان الحازم العاقل القوي هو الذي يكبح جماح هذه النفس اللجوج.
فلما كان الهوى غالبا وإلى سبيل المهالك موردا جعل العقل عليه رقيبا مجاهدا يلاحظ عثرة غفلته ويدفع سطوة بادرته ويوضح خداعه، هنا يقول الماوردي كان العقل جعل مراقبا للهوى، تمام، وان كنت أنا قبل قليل قلت إن العقل هو اصلا يصبح هى، وكأن الماوردي يجعلها علاقة منفصلة، كأن العقل وظيفته أن يراقب تصرفاتك وسلوكياتك، متى بدأ الهوى يسيطر عليك العقل ينذر يدق ناقوس الخطر.
نعم، قال: لأن سلطان الهوى قوي ومدخل مكره خفي، ومن هذين الوجهين يؤتى العاقل حتى تنفذ أحكام الهوى عليه، أعني بأحد الوجهين قوة سلطانه وبالآخر خفاء مكره، الآن هذه فائدة جميلة يقول الماوردي رحمه الله عليه كيف يستطيع الهوى أن يتسرب إلى الإنسان من جهتين؟ أما من أنت انسان عاقل كيف يمكن الهوى يدخل عليك في الحياة؟ أنت كطالب علم أو انسان متعلم أو انسان سالك إلى الله سبحانه وتعالى كيف يمكن للهوى أن يجد إليك مدخلا؟ قال من أمرين، قال: أما أن سلطان الهوى تم تقويته فبالتالي غلب العقل، الجانب الثاني يمكن أن يدخل عليك من خفاء جهته.
فقال أعني بأحد الوجهين إما قوة سلطان الهوى أنت كبرت كبرت كبرت الهوى حتى غلب عقلك، أو من الجهة الأخرى وهي ماذا؟ خفاء مكره، أن الشيطان له أساليب مخادعة خفية يدخل فيها الهوى عليك وقد ألبسه ثوب الحق، فأنت في الظاهر تظن أنه حق لكنه مبطن بماذا؟ ببطانة الهوى، طيب الآن سيفصل الماوردي أكثر وأكثر في هذا لأنه مهم، كيف يدخل الهوى إلى الإنسان؟ قال: فأما الوجه الأول وهو قوة سلطانه فقال: فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثره دواعيه حتى تستولي عليه مغالبه الشهوات فيكل العقل عن دفعها ويضعف عن منعها مع وضوح قبحها فيقل المقهور بها، هذه القضية الأولى وهذا كلام مهم.
الله وسيطرت على تفكيرك؟ قال: ما هو؟ قال: قوة سلطانه. طيب، السؤال الآن: كيف يقوى سلطان الهوى؟ قال: بكثرة دواعيه، يعني كثرة معاينتك لأسباب الهوى تجعل الهوى يكبر يكبر يكبر حتى يضعف -كما قال- ويكل العقل عن مقاومته.
أعطيك مثالاً صغيراً أنت يعني مثل من الحياة العملية، كثير منا الإنسان قد يتعامل مع السوشيال ميديا، اليس كذلك؟ فينظر نظرة انسان عاقل وأموره طيبة وعقله حازم، فينظر نظرة إلى شيء لا يرضي الله سبحانه وتعالى، تمام! بعقله ونظر هذه النظرة، ثم بعد ذلك استغفر الله سبحانه وتعالى وقال: هذا لا يصح ولا يجوز، ولا نعيد مرة أخرى.
اليوم الثاني فتح السوشيال ميديا مرة أخرى ونظر نظرة ثانية، هو فعليا ماذا يحصل معك الآن؟ ترى دواعي الهوى عم بتزيد ماشي، أنت عقلك قاوم أول مرة مرت دعاية سريعة، عقلك ثاني مرة أيضا استطاع أن يكبح مرة الدعاية، ثالثة رابعة أنت تعرض نفسك يوميا لدواعي الهوى بتقليب السوشيال ميديا، أنت تعرض نفسك يوميا لدواعي الهوى لفضول النظر، ماشي؟ أنت إلى الآن عقلك سوي، لكن عقلك الآن عم بدا يضعف رويدا رويدا عن مقاومة المغريات.
أول مرة قاوم، ثاني مرة قاوم، ثالث مرة قاوم، رابع مرة قاوم، لكن الذي يحصل الآن أن الهوى عم يزداد والعقل عم يضعف، في مرحلة من المراحل ستشعر أنك ماذا سقطت، وأصبحت تأتي الصورة أمامك من الحرام وأصبحت تنظر إليها، فتغضب تقول: طب أنا قبل خمسة أشهر كانت إذا مرت دعاية أو صورة لا ترضي الله كنت أقاوم، كان عن نوع من ماذا؟ من المقاومة، كانت تاتي فأشعر أنني لا أستطيع أن أتجاوزها، لماذا الآن بعد خمس ست أشهر أشعر أن دواعي المقاومة عندي ضعفت وأصبحت أشعر أنني لا يمكن أنظر؟
كذلك الجلوس مثلا في مجالس الفاسدين، ربما أنت أول مجلس تجلس معهم يذكروا كلمة لا ترضي الله أو فيها غيبة ونميمة، يا فلان اتق الله! لكن لكثره مجالستك معهم -سواء جلسات عائلية أو اصدقاء أو شيء- أول مرة أنكرت، ثاني مرة أنكرت، ثالث مرة رابع مرة، لكن مع استمرارك للمجالس معهم ستصبح أنت ربما تقلدهم، تصبح تتكلم بالغيبة والنميمة والكلام الذي لا يرضي الله، تستغرب من نفسك تقول: طب أنا قبل فترة كنت قوي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا الآن نزلت بل أصبحت أقول المنكر؟ لأنك قويت داعي الهوى.
قال: فاما الوجه الاول وهو قوة سلطان الهوى، فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه، كلما عرضت نفسك للفتن كلما عرضت نفسك للفتن سيقوى داعي الهوى بلا شك، قال: حتى تستولي عليه مغالبه الشهوات -يعني يصبح يشعر أن الشهوة هي التي عم تغلبه مش هو اللي عم يغلبها- حتى تستولي عليه مغالبه الشهوات فيكل العقل عن دفعها، يعني يضعف العقل عن مدافعه سلطان الهوى.
ابتداءً كان عقلك أقوى، الآن صار عقلك أضعف، ما هو السبب؟ هو كثرة معالجة الحرام أو كثرة إطلاق النظر، لا تقول لا أنا قوي! بعض الناس يعني يعتمد على ماذا؟ على عقله وقوه نفسه فيسقط، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الححديد: 14]. بعض الناس مثلا في الجامعة أو كذا بيجلس مكان معين، هسه هو عارف أن هذا المكان المعين هو ممر للنساء، بقول لك: لا أنا قوي! أنا عقلي حازم ونفسي قويه صعب أني انهزم.
يدخل نفسه في بيئة عمل مختلطة ويعتمد على ماذا؟ على رجاحة عقله، أنه أنا مستحيل أعمل علاقة مع نساء، لا أنا لا، الآن هو وضع نفسه في المكان الخطأ، في المكان الذي سيتعرض فيه للشهوات بكمية هائلة، في أول يوم عقله نعم جعله يغض البصر عن زميلات العمل، ثاني يوم ثالث يوم رابع يوم، والذي يحصل وهذا اللي عليك أن تنتبه له، والذي يحصل أنه صحيح أنت أول يوم ثاني يوم ثالث يوم عم بتقاوم، بس الذي يحصل حقيقه أن داعي الهوى عم يكبر، أنت أنت بتقاوم بس داعي الهوى عم يكبر، بيكبر بيكبر، في لحظة معينة داعي الهوى سيقالب عليك وعقلك سينهزم.
فبالتالي لا تختبر إيمانك، لا تختبر عقلك من البداية، اجعل داعي الهوى صغيرا ولا تجعله يكبر، لأن داعي الهوى إذا كبر سيحطمك مهما كنت قويا عاقلا طالب علم، تعتقد نفسك من الأولياء الصالحين، دواعي الهوى أقوى منك، فدائما ربنا يعلمنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: 131]، يعني خليه داعي الهوى صغير، لانه داعي الهوى إذا كبر وضع طبيعي أن يغلب ويصبح العقل هو مستضعفا تجاهه.
قال: وهذا يكون في الأحداث أكثر وعلى الشباب أغلب، لاحظ ماذا يقول: وهذا قوة سلطان الهوى يكون في الأحداث -الأحداث اللي هم الشباب في عنفوان شبابهم يعني تسعة عشر وعشرين وواحد وعشرين- هؤلاء داعي الهوى يسيطر عليهم كثيرا فيغلب عقلهم، لماذا؟ قال: لقوه شهواتهم وكثرة دواعي الهوى المتسلط عليهم، وأنهم ربما جعلوا الشباب عذرا لهم، كما يعني حتى بعضهم يعتذر بالشباب عن زلاته، صحيح تقول له: والله يا شيخ شاب يعني خلص نزوة يا شيخ نزوة شاب تمام! بقول لك الشباب كأنه عذر نعم.
كما قال محمد بن بشير: كل يرى أن الشباب له في كل مبلغ لذه عذره.
كل يرى أن الشباب له في كل مبلغ لذة عذر، الجميع يرى أن الشباب هو عذره في وقوعه في الشهوات، بقول لك: لساتنا شباب يا شيخ يعني بدكم تسامحوني إن الشباب فيه نزوات، وأنما الشهوات يعني تقبح من الشيخ، أما الشاب فإننا نعتذر له! طيب هذا كله خطأ، والأصل سواء كنت شابا أو شيخا أنك محاسب عند الله على أعمالك وتصرفاتك. ولذلك قال بعض الحكماء: الهوى ملك غشوم ومتسلط ظلوم. وقال بعض الأدباء: الهوى عسوف والعدل مألوف.
وقال بعض الشعراء: يا عاقلا أردى الهوى عقله مالك قد سدت عليك الأمور
ما معنى الهوى عسوف؟ من التعسف، يعني الهوى ظالم، الهوى ظالم يتجاوز بك الحق، وأما العدل فالعدل ليس ظلوما، العدل مألوف، يعني العدل حق. وقال بعض الشعراء: يا عاقلا أردى الهوى عقله مالك قد سدت عليك الأمور اتجعل العقل أسير الهوى وإنما العقل عليه أمير
وحسم ذلك أن يستعين بالعقل على النفس النفور، فيشعر ما في عواقب الهوى من شدة الضرر وقبح الأثر وكثرة الإجرام وتراكم الآثام. يعني كيف أعالج دواعي الهوى إذا كثرت؟ قال: أن تجعل عقلك يستبشر العواقب، أن تنظر دائما إلى مآلات الأمور، فالعقل يخاطب النفس الأمارة بالسوء، فيشعر ما في عواقب الهوى أنه إلى أين ستاخذه في هذه العلاقات المحرمة أو هذا الإدمان في النظر للحرام أو الإدمان في التصرفات الرديئة، ينظرها ما فيه من شدة الضرر وقبح الأثر وكثرة الإجرام وتراكم الآثام. ويخبرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». أخبر صلى الله عليه وسلم أن الطريق إلى الجنة لابد فيه من احتمال مكاره، وأن الطريق إلى النار محفوف بماذا؟ باتباع شهوات النفوس.
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم فإن عاجلها ذميم وأجلها وخيم، فإن لم ترها تنقاد بالتخويف والارهاب فسوف بالتأمين والإرغام، فإن الرغبة والرهبة إذا اجتمعت على النفس ذلت لهما وانقادت. نعم علي بن أبي طالب يقول: إياكم وأن تحكموا الشهوات على أنفسكم فإن عاجلها ذميم، يعني في الدنيا وأنت تتناول الشهوات المحرمة أنت مذموم، لأن الله سبحانه وتعالى جعل تناول الإنسان للشهوات المحرمة ممزوج بالقبح، فانت تشعر أنك قبيح وأنت تعمل الحرام والناس تستقبحه أيضا، فإذن حتى في العاجل أنت مذموم وفي الآخرة أيضا عاقبتها وخيمة.
الكثير من الناس الذي أدمن العادات المحرمة ويشعر فعلا في عواقب حياته بماذا؟ بالفشل، أصبحت الشهوات المحرمة تحكم حياته لدرجه أنه يفشل حتى في النجاح على المستوى الدنيوي ثم ما بعد ذلك الفشل على المستوى الأخروي. طيب، فكيف تسوس النفس في هذا الباب؟ يقول: إذا رايت النفس كلما خوفتها خوفتها من الشهوات وعواقبها لا ينجع معها التخويف -يقول علي بن أبي طالب- حاول أيضا أن ترغبها. قال: فإن لم ترها تنقاد بالتخويف والإرهاب -أحيانا ممكن الواحد يخاطب نفسه أنه دير بالك هذه الشهوات هي سبب فشل في الدنيا وفشل في الآخرة ونار جهنم- بس بعض الناس التخويف ما ينجع مع نفسه، قال: حاول أن تعطيها مرغب، ولذلك الله سبحانه وتعالى عندما خاطبنا في القرآن خاطبنا أيضا بالمرغبات وما فيها من النعيم، فيصبح الإنسان يتشوق إلى تلك الديار وما فيها من الجمال والراحة، فلعل ذلك يكون سببا في ماذا في تقليل دواعي الهوى. فإذا الإنسان عليه أن يقود نفسه بالترغيب تارة وبالتخويف أخرى.
وقد قال ابن السماك: كل لهواك مسوفا وعقلك مسعفا، وانظر ما تسوء عاقبته فوطن نفسك على مجانبه. ما معنى كل هواك مسوفا؟ يقول ابن السماك: كل هواك مسوفا، التسويف هو ماذا؟ التأجيل، صحيح. التسويف هو التأجيل. طيب، ما معنى كل هواك مسوفا؟ هي من أساليب مخادعة الهوى، أنه إذا شعرت أن النفس تريد الآن شهوة عاجلة، سوف معها، قل: طب لبكره إن شاء الله! تمام، إذا جاء الغد قلها لبعد بكره، التسويف يجعل هذا الهوى يموت مع الوقت، تمام، وهذا حقيقة من الأساليب الجيدة.
نحن دائما نسوف في الأشياء النافعة، بكره بقرا الكتاب، لا لا بعد بكره بحضر الدرس إن شاء الله، السنة الجاية بشارك في البرنامج. ابن السماك بقول لك لا بالعكس، خلي التسويف مش في الأشياء النافعة، في الأشياء الضارة! إذا رأيت داعي الهوى وسلطان الهوى قوي عليك، من أساليب تفتيته وتفكيكه هو أنه ماذا؟ أن تخاطب نفسك كأسلوب مخادعة معها أنه: طب بكره أعطيك مناكي، طب بعد بكره بشوف هاي اللقطة اللي أنا ما بدي أشوفها، تمام. إذا نفسك مثلا تريد لقطة معينة أو مشهد معين أنت مدمن عليه، حتى اليوم الذين يعالجون في هذه الأبواب معالجات الإدمان، ممكن من أساليب هو تعويض النفس على التأجيل في هذا، لأنه كلما أجلت كلما ضعف حضور الهوى في عقلك. يقولون: كلما أجلت التفكير في الحرام هذا يجعل حضوره في عقلك يبدأ يضعف.
الآن كثير من الشباب هو أربع وعشرين ساعة بفكر في الحرام، وحتى هو في بيصلي، حتى وهو في الصلاة يفكر بالشهوات! فلا بد أن تعطيه آلة ووسيلة للتخفيف من التفكير في الشهوات، فقالوا: أسلوب التسويف الذي ذكره ابن السماك أنه النفس أنك تقول لها مباشرة: لن أفكر بهذا أبدا، وهو يعاني من إدمان شديد، قد لا ينجح هذا الاسلوب معها، لأنه الشهوة أو الهوى غلبه كما قال قوة دواعيه، فمن مخادعة النفس أنك تطالبها بس بالتاجيل الآن، إذا طالبت بالتأجيل تصبح خطورة السوء بدل ما أنت بتذكرها كل دقيقة أصبحت تتذكرها كل ساعتين، إذا استمررت على منهج التسويف يمكن تصبح تتذكر هذا الداعي كل يوم، بعد ذلك كل يومين، فهذا من أساليب مخادعة النفس إلى أن تموت الفكرة وتعود نفسك إلى اتزانها، وهذا شيء مجرب، جربه العقلاء في مداواة داعي الهوى عندما يكبر في النفس.
نعم، قال: وانظر ما تسوء عاقبته فوطن نفسك على مجانبتها، فإن ترك النفس وما تهوى دواؤها، وترك ما تهوى دواؤها، فاصبر على الدواء لما تخاف من الداء. وقال الشاعر: صبرت على الأيام حتى تولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
قال: فإذا قادت النفس للعقل بما قد أشعرت من عواقب الهوى، لم يلبث الهوى أن يصير بالعقل مسجونا، وبالنفس مقهورا، ثم له الحظ الاوفر في ثواب الخالق وثناء المخلوقين.
نعم، فإذا قادت النفس للعقل بسبب أنها أشعرت بالعواقب الوخيمة للهوى، خلص لم يلبث الهوى أن يصير بسبب العقل مدحورا نعم، وبالنفس مقهورا، حتى يعني أصبحت كأن نفسك تعين عقلك على الهوى، كأنك انتقلت من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، فأصبحت نفسك بدلا من أن تكون عليك أصبحت لك، وأصبحت تعين العقل على مقاومة الهوى.
نعم، قال: ثم له الحظ الأوفر في ثواب الخالق وثناء المخلوقين، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]. وقال الحسن البصري: أفضل الجهاد جهاد الهوى. وقال بعض الحكماء: أعز العز الامتناع عن تملك الهوى. وقال بعض البلغاء: خير الناس من أخرج الشهوة من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه. وقال بعض الأدباء: من أمات شهوته أحيا مروءته. وقال بعض العلماء: ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم.
نعم، الله عز وجل خلق الملائكة عقل لكن لا يوجد شهوة ونزوات، وخلق البهائم بالعكس نزوات وشهوات بس ما في عقل، أما أنت أيها الإنسان خلقك الله فيك العقل وفيك الشهوات، فإذا غلب العقل على الشهوات فانت افضل من الملائكة، وهذا حتى يقررون في العقائد أن الولي الصالح أفضل من الملك، وإذا غلبت الشهوات على العقل...
العقل فأنت شر من البهائم لماذا؟ لأنه البهائم ربنا عز وجل أصلاً مش معطيها عقل، فقضية أنه عند الشهوات هذا وضعها الطبيعي. أما أنت ربنا معطيك عقل يغلب شهوتك ومع ذلك آثرت أن يغلب الشهوة العقل، فأنت شر من البهائم.
نعم، قال: وقيل لبعض الحكماء: من أشجع الناس وأحرى بالظفر في مجاهدته؟ قال: من جاهد الهوى طاعة لربه، واحترس من ورود خواطر الهوى على قلبه. جيد، إذا هذا كلام جيد يقول: من أشجع الناس؟ قال: أشجع الناس هو من جاهد هواه طاعة لربه، واحترس من ورود خواطر الهوى على قلبه. لأنه هو شوف، الهوى ابتداؤه من الخواطر، فاذا أنت احترست من ورود الخواطر بإذن الله نجوت منه. الهوى إخواني أساسه أن الخواطر هي التي تتملكك، فتصبح أنت ليلاً ونهاراً أسيراً لخواطر الرديئة. الخواطر إذا أنت سمحت لها أن تعشعش في قلبك وفكرك ودماغك وحياتك ودائماً تفكر بها، هذه الخواطر ستنقلب في يوم من الأيام إلى أفعال وتصرفات.
فالشجاع الحقيقي هو الذي يحترس من ورود الخواطر ابتداءً، مش اللي بيعالج ما بعد ذلك من الأفعال، لأنه إذا الخواطر الرديئة مستولية على دماغك ستهلكك. فحسم مادة الهوى وتقنينه يكون بماذا؟ تقنين الخواطر التي تسمح لعقلك أن يفكر بها، وهذه حقيقة أكون صادق معكم تحتاج لجهاد؛ يعني مش سهل. لأنه كثيراً ما نبرر لأنفسنا الخواطر الرديئة، نحن كثيراً ما نبرر لأنفسنا الخواطر الرديئة ونبقى نقول: هو يا شيخ مجرد خاطر تفكير! يا شيخ أنا الحرام مش قادر أصل له خليني أفكر فيه على الأقل، هيك بعض الناس معادلته تماماً! أنه الحرام أنا مش قادر أصل له وعارف أنه جهنم وكذا، فأقل ما فيها خليني ماذا أتخيله تمام؟ فأقضي شهوتي بالخيال.
حقيقة الخيال ما هو بوابة الفعل؟ الخيال هو بوابة الفعل. أنت الآن بتقول: أنا أعلم من نفسي أنني لا أزني، أعلم من نفسي أنني لا أقع في الحرام، فأقل ما فيها أني ماذا أتحيل؟ فتتخيله. لا، ما هو أنت الآن تعلم من نفسك أنك لا تزني، لكن إذا فتحت بوابة الخيال ممكن بعد سنتين ثلاث تجد نفسك تزني وتبرر لنفسك حتى الزنا والوقوع في المحرمات. فلذلك حسم مادة الخواطر هو أساس صلاح القلب.
وهذا يعني عفواً من باب التنبيه، أنه حسم مادة الخواطر أساسه عند أهل العلم هو تبديل الخواطر السيئة بالخواطر الجيدة. يعني لن تستطيع أن تقاوم الخواطر الرديئة إلا إذا أشغلت عقلك بالخواطر النافعة. إنه بعض الناس يسألني: طيب كيف يا شيخ بدي أمنع نفسي من الخواطر الرديئة، طب ما أنا بجلس على السرير وحدي وتهجم علي الخواطر؟ أنا بجلس في البيت وحدي أو في الخلوات، فتهجم علي الخواطر. ماشي، حاولت دافعت مرة مرتين بس ضعفت؛ أساس مدافعة الخواطر الرديئة أن تستبدلها بالخواطر الجيدة. والخواطر الجيدة كيف تأتي في حياتك؟ من العلم النافع.
لذلك نحن نثبت أنفسنا على الخير بطلب العلم؛ يعني طلب العلم والجلوس في مجالس العلم، وأنه لا تجعل في حياتك ساعة فراغ. ساعات الفراغ هي القاتلة، هي التي تقتلك وتجعل الخواطر الرديئة تحكم حياتك. أنت ممكن تمنع الخواطر الرديئة يوم يومين ثلاث أربعة، لكن في النهاية العقل يريد أن يطحن، يقول لي: طيب أنت أبعدت الخواطر الرديئة طب بماذا سنفكر؟ هنا دور أن تقتل الفراغ من خلال العلم النافع. فالعلم النافع وقراءة الكتب والمصنفات والجلوس في مجالس العلم هي نعمة وإن كنت لن أصبحت عالماً وأريد أن ينفع الناس، لكن في جوانب أخرى جميلة ممكن ما أصير عالم، ممكن ما أصير أنا المعلم للناس، لكن مدارس الخير شغلت عقلي بماذا؟ بخواطر نافعة.
يعني بعض الناس يقول: يا شيخ أنا ما أوقع أني سأصبح عالماً بالتالي ما في فائدة أحضر مجالس العلم؟ كلا والله إن أكثر ما تنتفع به في مجالس العلم والقراءة وطلب العلم والانشغال هو ماذا؟ هو أنك تشغل عقلك بالخواطر النافعة. تخيل أنك في مجلس علم مدته أربع خمس ساعات ومشغول بالكتاب ومع الشيخ ومع كذا، أنت خمس ساعات ما فكرت بالحرام. وأنت متخيل هذه الفائدة؟ خمس ساعات أنت بعيد عن الحرام، لو هذه الخمس ساعات أنت ما كنت جالسها في مجلس علم أو قراءة كتاب أو قراءة القرآن أو ذكر، لكان قضيتها في الخواطر الرديئة وبتفكر وتنظر إلى السماء وتقلب ذات اليمين وذات الشمال وفاتح السوشيال ميديا وعم تطلع وبتنزل. خمس ساعات كانت ممتازة بعيداً عن الخواطر الرديئة، وهذا نوع من إماتة الهوى.
مش نحن حكينا من إماتة الهوى التسويف؟ وهذا التسويف أنت لن تستطيع تجاوزه إلا إذا كنت تملا وقتك بشيء نافع. فلا بد من أن تمتلك العادات الجيده في القراءة والتحصيل والعلم النافع حتى تميت داعي الهوى وخطرات الهوى.
نعم، قال وقال بعض الشعراء: قد يدرك الحازم ذو الرأي المنى بطاعة الحزم وعصيان الهوى
قال: وأاما الوجه الثاني فهو، أما الوجه الثاني للهوى ما هو؟ المكر الخفي. قلنا أول شيء قوة سلطانه؛ كيف يدخل الهوى على الإنسان؟ إما من حيث قوة سلطان الهوى، أو من حيث خفائه؛ أنه أحياناً يدخل علينا الهوى بثوب النصيحة: بثوب والله أنا أريد مصلحة الدين يا جماعة عشان هيك عم بنتقد وعم بشتغل في السوشيال ميديا بنقد الأفكار والجماعات وما شابه ذلك. كثيراً ما يكون الهوى مرتدياً لباس الحق أو لباس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو لباس النصيحة للمسلمين، وتكون نفسك منغمسة في الهوى تماماً وفي حظها، فهنا أيضاً باب خطير، وهذا كثير ما يدخل فيه الهوى على طلبة العلم.
هذا الباب الثاني أو السبب الثاني؛ كثير ما يكون الهوى أو مدخل الهوى من هذه الجهة، من جهة خفائه ودقة مسلكه؛ أنه ياتيك في ثوب النصيحة أو بالخير ولكنك في النهاية لا، أنت لك شهوة في النفس تماماً. لذلك كما كانوا يقولون: لا تخلو بامراه ولو لتعلمها القرآن! لماذا؟ لأنه أحياناً ياتيك الشيطان من جانب أنه: يا اخي لو جلست مع هذه الفتاة فعلمت ها القرآن، تمام مش هذا خير يا شيخ؟ خير تمام! لكنه خير أتاك الشيطان به ليستر به الهوى المبطن في داخله.
نعم، قال: فهو أن يخفي الهوى مكره حتى يتموه. كان العقل بده يصير يقيم هذا خير ولا شر؟ فالهوى يلبسه الشيطان كما قلنا لباس الخير، حتى العقل يتردد: أقدم على هذا الفعل أو لا؟ والله في خير من هذا الجانب، بس والله هو مخوف من هذا الجانب. فقد يرجح العقل جانباً معيناً على جانب آخر.
نعم، قال: فيتصور القبيح حسناً والضرر نفعاً. وهذا يدعو إليه أحد شيئين: أما أن يكون للنفس ميل إلى ذلك الشيء فيخف عنها القبيح بحسن ظنها. وهنا أين أنت تقرأ؟ طب كيف يمكن للهوى أن يتخفى عليك؟ هذا كلام دقيق وملاحظة دقيقة من الماوردي. طيب، قد يكون شخص يغلب عليه الميل إلى النساء، أصلاً هو عنده بطبيعته ميل إلى النساء، فلما يأتيه الهوى في باب النصح للمسلمين أو في باب تعليم القرآن، فهو لأنه أصلاً هو عنده ميل وطبيعة يريد هذا الأمر، يلبس هواه ثوب ماذا؟ ثوب النصح، ثوب تعليم القرآن، ثوب خير من الخيرات وما شابه ذلك.
فيقول: وأما الوجه الثاني فهو أن يخفي الهوى مكره حتى تموه أفعاله على العقل، فيتصور هذا العقل الشيء القبيح حسناً، ويتصور الشيء الضار نفعاً. وهذا كيف يكون؟ باحد شيئين: أنه نفسك أصلاً تميل إلى شيء من الهوى. عندك ميلان أنت لسة مش واقع فيه، تميل إلى شهوة معينة، فلما تاتيك هذه الشهوة في قالب خير مباشرة عم تقتنصها، لأنه نفسك لها ميلان مسبق إلى هذه الشهوة. فكيف إذا أنت صورت هذه الشهوة في قالب جميل، وأن من باب أني أنصح هذه الاخت أو أعلمها؟
بعض الشباب بقول لي: يا شيخ احنا في اخت في عندي في التخصص بدي أدرسها مادة يعني في مادة الرياضيات ولا كذا، هي عندها مشكلة فيها فأريد أن أدرسها المادة. أنا ما عندي... لا لا! هو أنت عندك الميل إلى الهوى وعندك رغبة مسبقة بالعلاقات المحرمة، لكن أنت عم بتحاول تفلسف لنفسك أنه أنا اعمل علاقة محرمة بصورة مباشرة ثقيلة على نفسي، قيمي وأخلاقي تمنع ذلك. بس إذا نفسها هذه العلاقة جاءت في ثوب خير لا، ببقبلها!
وهذه من مخادعات الشيطان الدقيقة، أنه الشيطان يعرف الناس؛ في ناس عادي يقول له: اعمل حرام، بعمل حرام ما عنده مشكلة أصلاً. في ناس لا، هو يستصعب أن يعمل الحرام بصورته الحرام الواضح، فالشيطان بقول له: لا، أنت مش رح أعطيك الحرام بصورة حرام واضح، فلأنني ساغلق له الحرام بصورة جميلة بكج جميل، فأعطيه بصورة أنه درس زميلتك في الجامعة المادة التي هي لا تتقنها من باب أنه عمل إنساني مثلاً.
البعض ممكن بعض الكثير الشاب يسالني أحياناً عن مجموعات العمل التطوعي الإغاثي، وتكون كل الجروب اللي هو فيه كله نساء، فبقول له الشيطان لا: ادخل في هذا لأنه أنت يعني لو كان في نساء أنت في النهاية ايش هدفك؟ بدك أحسن من أنك تقدم إغاثة لإخواننا في المخيمات والنازحين واللاجئين؟ وبدخل في جروبات العمل التطوع المليئة بالنساء، وتجد حياته ابتدات بالعلاقات المحرمة. هذا ملحظ دقيق، ملحظ دقيق يدخل فيه الشيطان على بعض الشباب الصالحين، أنه يغلف لك الشيء الذي تهواه حتى يذيقك طعمه بطريقة ملتوية. فاحذر من هذا المدخل، الحرام حرام سواء فعلته مباشرة أو فعلته بطريقة التفاف سيبقى حراماً.
نعم، قال: وهذا يدعو إليه أحد شيئين: أما أن يكون للنفس ميل إلى ذلك الشيء، فيخفى عنها القبيح بحسن ظنها وتصوره حسناً لشدة ميلها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: حبك الشيء يعمي ويصم. طبعا هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه كلام صحيح من كلام السلف: حبك للشيء يعميك ويصمك. فلا تصبح ترى حقيقة الأمر كما هو؛ إذا أنت أحببت شيئاً فإنك تعمى عن النظر إلى مساوبه وما فيه من المخادعات، وتسكر أذنك عن سماع أي انتقاد عن سيرك معه.
إذا أحببت فتاة أو أحببت عمل أو أحببت شيئاً وكنت تشتهيه، فإنك ستعمى عن النظر إلى عيوبه وتسكر أذنك عن سماع أي انتقاد متعلق به؛ خلص لأني أنا أريده وأحبه. حبك للشيء فعلاً يعمي ويصم، فلا تصبح ترى إلا هذا الشيء دون أن تشاهد عيوبه أو تسمع ما فيه من الأخطاء.
نعم، قال: أن يعمي عن الرشد ويصم عن قبول الموعظة. لاحظ: يعمي عن الرشد ويصم عن قبول الموعظة. في تحذيرك من هذا الشيء: يا فلان ترى هذا الطريق غلط، لأنك أنت تحبه: لا لا لا مش خطا! ترى لا فيه كذا؛ يا فلان ترى لا تجلس مع الفتيات في الجامعة ترى ما فيش لا دراسة ولا ما دراسة هذه شهوات: لا يا شيخ هذا مجرد عمل! فتصبح لا تحب أن تسمع الناصحين، ولا ترى عيوب الشيء الذي أنت فيه. هذا معنى حبك للشيء يعميك عن النظر في مساويه، ويجعلك كالأصم الذي لا يريد أن يسمع أي نصيحة متعلقة بخطئه.
نعم، وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: الهوى عمى. وقال الشاعر: حسن في كل عين من تود
وقال عبد الله بن معاويه: حسن في كل عين من تود؛ يعني الذي توده العين ستراه حسناً، حتى لو كان من أقذر الأشياء. نعم وقال عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين: ولست برائي عيب ذي الود كله ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً
ولست برائي عيب ذي الود كله يعني عيب الشيء الذي أوده لن أرى كل عيبه بل ولا حتى بعض عيبه.
نعم: فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
عين الرضا تريك الشيء كاملاً بالعكس، وعين السخط تريك الشيء ناقصاً دائماً وإن كان فيه كمال صحيح. فإذا رضيت عن شيء أحببته كله وغضضت النظر عما فيه من العيوب، وإذا سخطت الشيء للأسف تسخط كله ولا تنظر ما فيه من ماذا من الأشياء الجميلة. والمسلم متوازن في تقييمه للمواقف، لا ينظر إليها بعين السخط تماماً ولا بعين الرضا تماماً، يحاول دائماً أن يستبشر أي فعل من الأفعال ماذا فيه من الجوانب السيئة وماذا فيه من الجوانب الجيدة.
نعم، قال: وأما السبب الثاني فهو استثقال الفكر في زما اشتبه وطلب الراحة في اتباع ما يسهل. آه شوف، هذا السبب الثاني أيضاً؛ احنا قلنا ما زلنا نتكلم في الطريقة الثانية لدخول الهوى في الإنسان وهو خفائه، وهذا حقيقة يحتاج منك إلى تركيز، خاصة الملتزمون أو المتدينون. المتدينون أكثر ما يدخل عليهم الشيطان في هذا الباب في باب الهوى من باب إخفاء الهوى؛ ما أسميه تغليف الهوى بثوب جميل.
الطريقة الأولى في تغليف الهوى بشيء جميل، السبب الأول لتغليف الهوى بشيء جميل لإخفائه في شيء تحبه وتريده، فيلف لك الشيطان في صورة نوعاً ما مقبولة. السبب الثاني في إخفائه قال: وأما الثاني فهو استثقال الفكر في تمييز ما اشتبه. يعني أن الشيطان يقدم لك الهوى في ثوب جميل، وتشعر أن عقلك لا يريد أن يتعب في تحليل الموضوع تحليلاً تاماً هل هو صحيح أو خاطئ؟ بل العقل يريد ماذا؟ اتخاذ القرار بسرعة، لا يريد أن يتأنى ويتريث ليكتشف الشيء على حقيقته. فيقول: استثقال الفكر في تمييز ما اشتبه، كثير ما...
يققدم لنا الشيطان أشياء فيها حق وفيها باطل، فيها أشياء جيدة من باب وفيها هوى من باب آخر. الإنسان العاقل بطبيعته يتروى إذا جاءه شيء مشتبه فيه الهوى بغيره، يتروى حتى ينظر ويفكك الصورة أمامه: هي حق لا، هي هوى لا، هذه جيدة لا، هذه فيها ضرر؟ العاقل يتروى في تحليل المشاهد، وأما الإنسان الضعيف المنى فهو الذي يقتحم الشيء اقتحامًا من باب الاستسهال، يقول لك: أنا بدي أجلس وأفكر وأحلل؟ والله هذه قصة، خلاص يا شيخ خذها كلها بما فيها تمام. فأحيانًا فعلًا وقوعنا في الزلل يكون من باب ماذا؟ الاستسهال تمام.
وهذه كثير ما تحصل مع الإنسان، أنه يدخل في مكان ترى هذا المكان فيه أشياء شبهات وفي أشياء كذا، بقول: أنا لسه بدي أقعد أفكر وأحلل؟ خلص، إن شاء الله بأخذها وربنا بيستر تمام. بدخل على جامعة، على تخصص، على مول، على سوق، على أشياء كثيرة، بتقول: لا أخي، شوي شوي، لا تتهور، لا تستعجل، حاول تفكك المشهد حتى تعرف يعني ممَّا بُني هذا المشهد، ما فيه من الصواب وما فيه من الشر حتى تأخذ ما ينفع وتترك ما يضر. أكثرنا لا، بحب خلص يخلص الموضوع كاملًا وبصورة سريعة، فيتهور في اتخاذ القرار، فيتسرع في اتخاذ القرار فيقول، فهو استثقال الفكر في تمييز ما اشتبه، وطلب راحة في اتباع ما يسهل، حتى يظن أن ذلك أوفق أمريه وأحمد حاليه، اغترارًا بأنه ماذا؟ الأسهل، أو اغترارًا بأن الأسهل هو المحمود والأعسار هو المذموم.
بعض الناس بيجي بقول لك: يا أخي لا تشددها، يعني مش شايفين يا مشايخ أنكم تعقدوا بعض الأمور؟ مثلاً ما يخطر في ذهن كثير من الناس في الجلسات العائلية، بتقوله: يا أخي لا، لا تجلس مع بنات عمك وبنات خالك في جلسات مختلطة في الأعياد وفي المناسبات، حاولوا الرجال يجلسوا في جهة، النساء يجلسوا في جهة. بقول: يا شيخ والله نجيب كراسي ونحط الشباب هون، وجيب كراسي خاصة بالنساء ونعزل؟ يعني فيها ثقل وصعوبة، خلص شيخ يعني نجلس مع بعض يعني، والله الدين يسر، والله الدين يسر، هي دائمًا تسمعها، يعني ما فيش داعي للتشديد والتثقيل في هذه المسائل. فهو يظن في داخله أنه ماذا؟ أنه دائمًا التيسير هو المحمود، وأنه أي شيء أنت بتصعب فيه المهمة هذا تعسير على الناس، والدين فيش فيه حرج، بحاول يستحضر ه المفردات: أن الدين يسر، الدين فيش فيه حرج، أنتم بتعقدوا الأمور، أنتم بتصعبوا الأمور، هكذا دائمًا تصور.
حتى مثلاً لما يجلسوا الطلاب في الجامعة، بتقول: مثلاً النساء في الخلف، الرجال في الأمام. أي والله مشغلة، بيعقدوها، هو أنا جاي أدرس، ولا أنا جاي والله أفكر في البنت اللي جنبك؟ آه والله جاي أساكر جنبك، أضحك علي ولا أضحك عليك؟ يعني تمام، لا تحاول دومًا تضحك على نفسك بقضية ماذا؟ أنه دائمًا التيسير هو المحمود. فيقول لك هنا الماوردي: حتى يظن أن ذلك أوفق أمريه وأحمد حاليه. هو الآن يستثقل تحليل الأمور والصورة، ويريد دائمًا الأسهل، والشيطان يخادع ونفسه تخادع أنه الأسهل هو الأحسن، الأسهل هو أحمد حاليك وهو أوفق أمريك، ليه؟ لأنه دائمًا الدين يسر، شوف المخ: الدين يسر، بأن الأسهل هو المحمود والشيء الصعب مذموم. الدين ما بدك إياك تثقل على نفسك، وأن الأعسر مذموم.
فلن يعدم هذا الشخص أن يتورط بخدع الهوى، هذا الشخص اللي ماشي على قضية أنه الدين يسر، وأنه احنا لازم ما نشدد على الناس ولازم نعطي مساحة للشباب والبنات، ولازم كذا كذا، تمام، هذا لن يعدم أن يقع في فخ من أفاخ الهواء. مثلاً لشاب أحيانًا ذكرت به القضية بعض الإخوة في العمل الإسلامي، بيجي بيقول لي: شيخ، أنا بدي أعيط هيك في وظيفة كذا، بدي أسلِمها لأختي اللي بتعمل معي في العمل الإسلامي. وبقول له: أخي، بترروح بتحطها في مث خزانة في الجامعة متفق عليها، بدون ما تراسلها على الواتساب والتليجرام أو تحكي معها تلفون، خلص بتحط المهمة المطلوبة في مكان هي تاخذها من هذا المكان بدون ايش تواصل. بقول: والله يا شيخ صعبتها، لو أنا بعثت لها أنه أختي الكريمة في هي حطيت لك ورقة كذا وكذا في هذا المكان، وهي قالت لك: آه خلص، جزاك الله خيرا وبورك فيك، شو صار يعني؟ تمام، يعني لازم أنه أنا أحكي لها حتى أختي الكريمة؟ وحتى بقول: مع الوقت، لو ناديتُها باسمها شو في يعني؟ والله يا مشايخ أنتم معقدين الأمور، لازم أقول أختي؟ لا، أنا ما بقول لك اص اقولها أختي، حطها في الخزانه في المكان معين بدون ما تراسلها ولا تتكلم معها.
بعض الناس لما تجي تتكلم معه بهذا شو بقول لك: أنتم عندكم شوية تشديد. يعني هو الإنسان مسلوب على مبدأ كذا أسهل، هذا ما يقول الماوردي: أنها خدعة، الخادع نفسك، أنت بدك الأسهل ماشي. أنا بعرف ممكن حكيت معها تلفون هذا أسهل طريق، وأبعرف أنه أنا النصيحة التي أوجّهها لك راح تكون أطول طريق، لكن هذا الطول الذي أنا أوجّهك إليه هو الأسلم لك، لأنه أنت إذا اتخذت الأسهل والايسر أنك سلام عليكم، ترى فلانة هي وضعت كذا، ماشي، أنت معتبر هذا راح ياخذ معك وقت قصير، والمهمه ستنجز بشكل سريع، لكنني أقول لك: لن تعدم وجود الهوى في نفسك، الهوى سيكون حاضرًا والشيطان دائمًا في التفاصيل، حتى تستمرئ الكلام، وحتى بعد ذلك تصبح مقابلات، وبعد ذلك تطور العلاقة إلى شيء.
فدائمًا لما نقول لا، شوية ممكن ناخذ أنفسنا بالشدة وبالأحوال، العلماء بذلك أغلاق بوابة الهوى على نفسك وليس التشديد عليك. مثلاً أيضًا من النماذج على ذلك: كثير من الأخوات هي بتدرس في بلد آخر، فبتطلب يا شيخ، أنا محتاج أُسافر بدون محرم، والبلد آمن ووسائل النقل آمنة وما شابه ذلك، يعني أنتم لا تشددها يا مشايخ، لازم دائمًا محرم، دائمًا محرم، دائمًا محرم؟ فيصبح الناس تستسهل الشيء السهل، خلص، يعني بطلع في طيارة وبنزل وبتجح وبوصل لسكنى، وانتهت القضية، ما فيش داعي فكرة المحرم ما دام هناك أمان وما شابه ذلك.
أصبح كثير من الناس اليوم يرى أن الالتزام بالأحكام الشرعية فيه صعوبة وعسر على النفس، لكن هي الفتاة طب بقول: أختي الكريمة، أنت لما تعودي أنك تتكلمي مع تعون ريسبشن الطيارة، وتتكلمي في وضع الأمتعة والأثاث، وتتكلمي أنه أي شخص في الطائره مثلاً جلس مكانك: لا، فلان قوم ترى هذا مكاني، أنت عم تقطعي كثير من الحواجز في نفسك، أنت مش شايفة فيها مشكلة، بس الإسلام يرى فيها إشكالًا، أنه أصبح قضية تعاملك مع جنس الرجال واقتحامك لهذه الأبواب، أنت محتاجة أنك تكوني قوية في الطائرة، صح ولا لا؟ محتاجة تكوني قوية وأنت عم تقطعي تكت الطائرة، محتاجة تكوني قوية وأنت عم تاخذي أمتعتك، لأنه ستذهب، فهذه القوة هي تققطع كثير من حواجز الحياة، تقطع كثيرًا من حواجز الحياة.
الآن لو كان في حالة إنسانية ضرورية، في مساحة، في مساحات في الحالات الاستثنائية، لكن يصبح طبيعة هذه الفتاة أنها تسافر بدون محرم وبصورة طبيعية، أنا مش البعد الوحيد عندي هو بعد الأمان، أنا عارف أن اليوم نعم في هناك أمان لمساحة كبيرة، لكن في هناك بعد آخر، كما يقول ابن العربي المالكي في قضية المحرم وهو بعد الوقار، بعد ايش؟ الوقار. أنا ما بدي إياك تاخذي أريحتك في التعامل مع جنس الرجال وتكسري كل الحواجز في حياتي، أنا أريدك مصونة في وقارك وكمالِك. فإنه تعودي المعك والخلطة مع الرجال في الأماكن بدها قوة شخصية كبيرة، هذا سيجعلك تفقدين كثير من جمال الأنوثة فيك.
نعم قال: فلن يعدم أن يتورط بخدع الهوى، وزينة المكر في كل مخوف حذر ومكروه عسر. ولذلك قال عامر بن الظرب: الهوى يقظان والعقل راقد، فمن ثم غرب. جيد، لاحظ ماذا يقول عامر بن الضرب: الهوى يقظان، هواك مستيقظ وعقلك نايم، فشيء طبيعي أنه من سيغلب؟ المستيقظ، وهو الهوى. نعم، وقال سليمان بن وهب: الهوى أمتع والرأي أنفع. وقيل في المثل: العقل وزير ناصح والهوى وكيل فاضح. وقال الشاعر: إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوة عاجل
قال: وحسم السبب الأول أن يجعل فكر قلبه حكماً على نظر عينه، فإن العين رائد الشهوة، والشهوة من دواعي. وحسم السبب الأول، احنا قلنا الآن الوجه الثاني هو المكر الخفي، الهوى الخفي، والهوى الخفي له سببان: السبب الأول ميل النفس إلى الشيء، السبب الثاني استسهال النفس للشيء. لاحظ، إذاً كيف يكون الهوى خفيًّا من أمرين صح؟ نعم، الأمر الأول هو ميل النفس إلى هذا الشيء، ثانيًا: استسهال النفس للشيء وخفته، تريد الأسهل.
فيقول لك: أما بالنسبة للسبب الأول وهو ميل النفس إلى ذلك الشيء فكيف تحسم مادته؟ وحسم مادة السبب الأول وهو ميل النفس إلى تلك الشهوة أن يجعل فكر قلبه حكمًا على نظر عينه، فإن العين هي الرائد، والرائد لا يكذب أهله. مش أقول لك العين هي رائد الشهوة؟ هي كأنها المسؤولة عنه، والشهوة من دواعي الهوى، والقلب هو رائد الحق. إذاً العين هي رائد الشهوات، والقلب هو رائد الحق، فاجعل رائد الحق يحكم على رائد الشهوة، ولا تجعل رائد الشهوة العين هي التي تحكم على رائد الحق وهو القلب.
نعم قال: والشهوة من دواعي الهوى، والقلب رائد الحق، والحق من دواعي العقل. وقد قال بعض الحكماء: نظر الجاهل بعينه وناظره، ونظر العاقل بقلبه وخاطره. يعني الجاهل ينظر فقط بالعين والبصر، والعاقل ينظر بالقلب والفكر. نعم، قال: ثم يتهم نفسه في صواب ما أحبت وتحسين ما اشتهت. نعم، دائمًا حتى تحسم السبب الأول، وهو كما قلنا ميل النفس إلى الشيء، دائمًا لابد تراجع نفسك إذا نفسك أحبت تصرف معين ورايت أن نفسك أصبحت تشتهيه، لابد دائمًا يكون لك نقطة نظام، نقطة نظام تحاسب فيها نفسك أنه هذا الشيء اللي أنا أحببته هو صح ولا خطا؟
خاصة لما يكون في شبهة، يعني أنت الآن ما اقتنعت بكلامي وكنت مصرًّا على أن تعلِّم تلك الفتاة في الرياضيات أو الفيزياء أو أو، مصر أن تجلس في مكان معين فيه لك شهوة ورغبة، بقول لك الماوردي: حاول دائمًا أنك تعيد النظر وتتكلم مع نفسك: هل أنا فعلًا أريد هذا الشيء لما فيه من الحق، أم أريده لأن نفسي تميل إليه؟ هل أنا أريد هذا الشيء لما فيه من الحق، أم أريده لأن نفسي هي فعلًا تطلبه وتميل إليه؟ فيقول: ثم عليه أن يتهم نفسه في صواب ما أحبت، يعني هذا الشيء الذي أحببته وعشقته واشتهيتُه هل هو صواب؟ وعليك أن تتهم نفسك في تحسين ما اجتهد، هل نفسي لما حسنت هذا الشيء هل هي فعلًا تتكلم بكامل عقلها ومصداقيتها أم لي حظ فيه؟
حتى ليصح له الصواب وليستبين له الحق، فإن الحق أثقل، طبيعة الحق ثقيل، أثقل محملاً وأصعب مركباً. فإن أشكل عليه أمران اجتنب أحبهما إليه وترك أسْهلهما عليه، يقول لك: طيب في النهاية ما قدرت أميز هل هذا الشيء له حق لي فيه حظ أو ليس لي فيه حظ؟ قال: إذا أشكل عليك أمران، وجهة نظر الما وردي، خذ نفسك بالاش. قال: فان أشكل عليه أمران اجتنب أحبهما إليه، الأحَب ابعد عنه لأنه عادة يكون الحق في غير ما تشتهيه النفس.
قال: فإن أشكل عليه أمران عليه أن يجتنب أحبهما إليه، لأن هذا أسلم أحوط، ويترك أسْهلهما عليه، لأن هذا في العادة هو الأحوط، فإن نفسها هي تنفر عن ماذا؟ عن الحق، فإذا أحملها على الشيء الذي لا تحبه لأنه عادة يكون هو الحق. نعم، قال: فإن النفس عن الحق أنفر، وللهوى أثر أي تؤثر الهوى. وقد قال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: إذا اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك وخذ أثقلهما عليك. وعِلّة هذا القول هو أن الثقيل تبطئ النفس عن التسرع إليه، فيتضح في ضح مع الإبطاء وتطاول زمن صواب ما استعجم، وظهر ما استبه.
وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام: من تفكر أبصر. والمحبوب السهل تسع النفس إليه وتعجل بالإقدام عليه، فيقصر الزمان عن تصفحه ويفوت استدراكه لتقضي فعله، فلا ينفع التصفح بعد العمل ولا الاستبانة بعد الفوت. جيد، الآن هذه الفكرة التي قلناها وهي من كلام العباس بن عبد المطلب، أنه إذا اشتبه عليك أمران تمام، فخذ أثقلهما عليك ودع لهما فيها وجهة نظر معينة.
أن الشيء إذا أنت اخترت الأثقل لأنه ثقيل أنت ما راح تهجم عليه هجوم، ستدخل فيه برويّة لأنه هو أصلاً ثقيل، فستجد نفسك أنك عم تعطي نفس أريحيّة في المعالجة والنظر والتفكير، لأنه هو أصلاً ثقيل، بخلاف الشيء لما يكون محبوب اليك ولك فيه شهوة فإنك للأسف ستهجم عليه هجومًا ولن تعطي نفسك تروي ولا تفكير فيه. يعني الآن اشتبه علي أمران ممتاز، فأنا أخذت الأصعب، أخذك للأصعب سيعطيك فرصة للتفكير والتروي والهدوء، ممكن ترجع تختار الخيار الثاني بس ما رح ترجع تختار الخيار الثاني وهو الأسهل بعد أن أعطيت نفسك فرصة للتفكير والتروي وتحليل الأمور، لأنه أنا الآن ماشي في الطريق الأصعب وعم بخوض غمارة شوي شوي، فمطلبها وهي تخوض الأصعب، آه، ممكن بعدين يظهر لها صواب الأسهل، ممكن، فتكون ذهبت إلى الأسهل بعد أن توثقت مئة في المئة أنه هو الحق، لكن لو أنت
ابتداءً، اشتبه عليك أمران ومباشرة رحت على الأسهل؛ ستجد نفسك تهجم عليه هجوماً بدون تروٍ، بدون تفكير، لأنه هو الأسهل، فممكن بعد ما تخلص الطريق تكتشف طلع الصواب إيش هو؟ الاصعب. هذا كلام مليء بالحكمة، أعيده مرة أخرى.
أنا في شيء مشتبه علي، أين الصواب فيه؟ بس في واحد سهل واضح أن نفسي مائلة له، وفي خيار آخر صعب نفسي مستثقلة منه. فالخطوات الإجرائية ماذا يقول لك؟ اتجه ابتداء نحو الأثقل واختار الخيار الأصعب، لأنك ستكون متروياً في الدخول فيه، لأنه أنت أصلاً من البداية متخوف منه فرح تمشي فيه حبة حبة، وأنت تسير فيه حبة حبة قد يظهر لك فعلاً مئة بالمئة أن هذا الأصعب لا خطأ، ومئتا بالمئة أن الصواب في الأسهل، فتذهب حينئذ للأسهل وأنت تأكد أنه صواب وليس لشهوة نفس فيه.
وأما إذا ابتداءً اخترت الأسهل –هم الاثنين مشتبهين، اخترت الأسهل لأنه أسهل– أنت رح تكون دابئاً بيديك ورجليك، فإذا اكتشفت بعدين أنه هو الخطأ ستكتشف بعد فوات الأوان، فستذهب تحاول تذهب للأصعب ستجد أنك ما عدت تستطيع الوصول إليه. فهذه نوع من الحكمة في معالجة الأمور.
نعم، قال: وقد قال بعض الحكماء: ما كان عنك معرضاً فلا تكن به متعرضاً. وقال الشاعر: أليس طلاب ما قد فات جهلاً؟ وذكر المرء ما لا يستطيع.
قال: ولقد وصف بعض البلغاء حال الهوى وما يقارنه من محن الدنيا فقال: الهوى الفتنة، ودار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، واعرض عن الدنيا تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفتنن بحسن العواري، فمدة اللهو تنقطع، وعارية الدهر ترتجع.
قال إذاً: فيقول ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، إياك أن يخادعك هواك بأن الملاهي التي هي الملهيات طيبة، وإياك أن تفتنك الدنيا بحسن العواري، والعواري جمع عارية، فكل ما تعطيك إياه الدنيا هو إيش ترى؟ عارية، في يوم من الأيام سيسترد منك، فاياك أن تفتنك الدنيا بحسن ما أعارت إياه. إيش أعارت؟ زوجة جميلة، مال، أثاث، سيارات، هذه مجرد عواري، في يوم من الأيام ستغادر الدنيا وتعيِد إلى الحياة الدنيا كل ما أعارتك إياه.
السيارات، البيوت، الأموال، كل ما أعارتك إياه الدنيا فمدة اللهو تنقطع، وعارية الدهر ترتجع. كل ما أعارك إياه الزمان سيرتجِع، ما ترتكبه من المحارم وما تكتسبه من المآثم وستدخل قبرك. هذه العواري أنت بماذا استعملتها؟ بالشهوات، بالمحرمات، في يوم من الأيام الزمان سيسترد العواري، وتدخل قبرك بمعصيتك وإثمك. يعني أنت حتى هذه الفتاة التي عملت معها علاقات محرمة أو هذا المال الذي فعلت به الحرام سيسترد منك، ويبقى عليك في قبرك ماذا؟ معصيتك التي فعلتها به.
نعم، البيت الشعري قبل: وذكر المرء ما لا يستطيع كذلك جهل، هيك المقصود يعني؟ نعم. أن تذكر شيئاً وأنت لا تستطيع أن تفعله هذا جهل، وذكر المرء ما لا يستطيع المتشبع بما لم يُعطَ. نعم.
قال: وقال علي بن عبد الله الجعفري: سمعتني امرأة بالطواف وأنا أنشد: أهوى هوى الدين واللذات تعجبني، فكيف لي بهوى اللذات والدينِ؟ علي الجعفري كان يطوف بالكعبة، فهو يعني إنسان صادق مع نفسه، فهو يطوف بالكعبة، قال هذا البيت، قال: أهوى هوى الدين، أنا أحب الذي يحبه ربي، بس في نفس الوقت والله بحب اللذات والشهوات. أهوى الدين وبرضه اللذات المحرمة تعجبني، قال: فكيف لي بها واللذات والدين؟ كيف استطيع أن اجمع بين فعل ما يريده الله وفعل ما تريده نفسي من اللذات المحرمة؟
فهناك امرأة سمعته في الطواف فماذا قالت له؟ قالت: هما ضرتان -تعرفوا ضرات؟- قال: هما ضرتان فذَر أيتهما شئت وخذ الأخرى، يعني يستحيل أن يجتمع هذا، إما أن تجعل هواك تَبَعاً للدين، أو تجعل هواك تَبَعاً للشهوة، لا يجتمعان تماماً.
قال: فأما الفرق ما بين الهوى والشهوة مع اجتماعهما في العلة والمعلول واتفاقهما في الدلالة والمدلول؛ فهو أن الهوى مختص بالآراء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل المستلذات.
ما معنى أن الهوى والشهوة يجتمعان في العلة والمعلول؟ العلة يعني ما يدعو إليهما، يعني الهوى والشهوة يشتركان في ماذا؟ في الأسباب المفضيَة إليهما، ويشتركان في ماذا؟ في الآثار المرجوة منهما. الهوى والشهوة يشتركان في العلة والمعلول، ما معنى في العلة والمعلول؟ يعني يشتركان في الدواعي التي توصل إليه، مثلاً نقول: اطلاق النظر، إطلاق النظر يسبب هوى ويسبب شهوات تمام، إطلاق النظر يسبب هوى يسبب شهوات، إطلاق السمع يسبب هوى ويسبب كذا، فالعلة النظر هي نفسها علة للشهوات، والعلة التي توصل للهوى وهي السمع هي علة أيضاً تكون للشهوة.
قال: والمعلول، المعلول هو الأثر، يعني الأثر الذي ينتجه الهوى وهو حرمان التوفيق والبعد عن الله وضيق القلب، أيضاً ينتجه الشهوات وهو حرمان التوفيق والبعد عن الله سبحانه وتعالى، فهذا معنى اتفاقهما في العلة المفضية إليهما، وفي الآثار المتحصلة منهما، وكذلك اتفاقهما في الدلالة والمدلول، يعني البعض يقول: الدلالة والمدلول أي دلالة الكلمة، فالهوى يدل على ميلان النفس والشهوة أيضاً تدل على ماذا؟ على ميلان النفس، فحتى هما في دلالتهما في البنية اللغوية الهوى ميلان والشهوة أيضاً، ما اشتهى الشيء مال إليه، فقالوا: وحتى في الدلالة والمدلول اللغوي هما مشتركان، فكلاهما ميل إلى رغبات النفس.
فإذا اتفقا في العلة والمعلول وفي الدلالة والمدلول، ولكن الهوى يطلق غالباً على الأفكار والمعتقدات، والشهوة تطلق عادة على النزوات والمستلذات، فهذا الفرق في الاستعمال العرفي، فصارت الشهوة من ماذا؟ من نواتج الهوى، لأنه الشهوات إيش هي؟ مستلذات أمور حسية، والهوى هي أمور عقلية وذهنية، والانسان إنما يبادر إلى المستلذات الحسية بناءً على الأمر العقلي والخاطر الذهني الذي جاء على عقله ابتداءً، فأصبحت الشهوة إذن هي نتاج الفكر، والفكر هوى، إذن الهوى هو فكر والشهوة ممارسه، خلينا نحكي: الهوى ما هو؟ خواطر وأفكار، والشهوات هي ممارسات وأفعال، والممارسات والأفعال إنما هي نواتج الخواطر والأفكار، فأنت أولاً خطرة، أورثت فكرة، فكرة أورثت عزيمة، العزيمة أورثت عمل، العمل هو الشهوة والفكرة هي ماذا؟ هي الهوى، فيقول الماوردي: فصارت الشهوة من نتائج الهوى بهذا المنظور.
نعم، قال: والهوى أصل وهو أعم، ونحن نسأل الله تعالى أن يكفينا دواعي الهوى ويصرف عنا سبل الردى، ويجعل التوفيق لنا قائداً والعقل لنا مرشداً. فقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: عظ نفسكَ فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
قال هنا جميلة هذه العبارة: عظ نفسك أولاً قبل ما تبدا تعلم الناس وتسوِّق عليهم النصيحة على السوشيال ميديا، وتعرفوا ما شاء الله كل الشعب العربي يعني له خواطر على السوشيال ميديا وأفكار ونصائح والكل ينصح والكل يتكلم، فيقول لك: قبل أن تبدأ تعلم الناس وتكتب نصائح: افعل كذا ولا تفعل كذا –بتعرف الناس كيف تتفلسف على السوشيال ميديا– يقول لك: أولاً عظ نفسك، إذا شعرت أن نفسك تقبل الخير والحق ماشي، إذاً منطقي أن تبدأ تعظ الناس، وأما إذا شعرت أنك أنت تعظ نفسك ونفسك لا تتعظ ولا تريد الخير أخي فاستحي مني ولا تبدأ تتكلم على الناس بأنك منظِّر ومرشد وكذا وأنت لو خلوت في غرفتك بمحارم الله انتهكتها.
فأولاً ابدا بإصلاح نفسك، إذا وجدت نفسك تقبل النصيحة وتقبل التوجيه منطقي أن تبدأ تعلم الناس الخير، لكن إذا وجدت نفسك لا تقبل النصيحة أنت مع نفسك لا تقبل نصيحة نفسك، إذن استحي من الله عز وجل ولا تبدأ تسوِّق الدروس التعليمية على الناس ونفسك تأبى عليك.
نعم، قال وقال محمد بن كناسة: ما من روى أدباً لم يعمل به ويكف عن زيغ الهوى بأديبِ، حتى يكون بما تعلم عاملاً من صالح فيكون غير معيبِ، ولقل ما تغني إصابة قائلٍ أفعاله أفعال غير مصيبِ. جميلة هذه الأبيات حقيقة: ما من روى أدباً لم يعمل به ويكف عن زيغ الهوى بأديبِ. من هو المؤدب؟ من هو معلم الناس الخير؟ من هو الأديب؟ يقول: ليس من روى أدباً –أو حط موعظة على السوشيال ميديا أو أعطى درس في أدب معين– ليس من روى أدبا ولكنه لا يعمل به، ليس هذا هو الأديب. ما من روى أدباً لم يعمل به ويكف عن زيغ الهوى بأديبِ، ليس هذا هو الأديب، ليس الواعظ ومعلم الناس الخير هو الذي يروي الأدب للناس ولكن هو في باطنه لا يعمل به، حتى يكون بما تعلم عاملاً. لن تعتبر أديباً ومعلم للخير حتى تكون أنت أيها الواعظ أول من يعمل بعلمه، تمام؟ حتى يكون بما تعلم عاملاً من صالح فيكون غير معيب، ولقل ما تغني إصابة قائل أفعاله أفعال غير مصيبِ.
إيش يعني ولقل ما تغني إصابة قائل أفعاله أفعال غير مصيب؟ يقولون: الواعظ إذا وعظ الناس بما لا يعمل، زلت موعظته عن القلوب –من كلام السلف: الواعظ إذا وعظ الناس بما لا يعمل به– طبعا المراد بما لا يجاهد نفسه على العمل به، الواعظ إذا وعظ الناس بما لا يجاهد نفسه عن العمل به زلت موعظته عن القلوب، يعني لا تشعر لوعظه أثر في نفوس الناس من حوله، الله عز وجل يسحب بركتها، لذلك يقول: ولقل ما تغني إصابة قائل، لو أنت انسان واعظ وكلامك صواب، لكن الكلام الصواب الذي أنت تكلمت به لن يغني –يعني لن يؤثر في نفوس الناس– إذا كانت أفعالك ليست صائبة ولا تسير على وفق ما تنصح به الناس.
نعم، قال وقال آخر: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمِ تصف الدواء لذي السقام وذي الردى كيمَا يصح به وأنت سقيمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يُعذَر أن وعظت ويُقتدى بالقول منك ويُقبل التعليمُ لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيمُ
نعم، قال: حكى أبو فروة أن طارقا صاحب شرطة خالد بن عبد الله القسري –خالد بن عبد الله القسري أحد الأمراء الكبار وهو الذي ذبح الجعد بن درهم، نعم، الجعد بن درهم، وهناك من قتل الجهم بن صفوان ظننت، نعم، هو الذي ضحى بالجعد بن درهم، نعم خالد القسري هو الذي ضحى بالجعد بن درهم، لأن الجعد بن درهم قال: كان زنديقاً كافراً– ففي رجل اسمه طارق هذا صاحب الشرطة تاعته، يعني مسؤول الشرطة، المسؤول الأمني: أن طارقا صاحب شرطة خالد بن عبد الله القسري مر بابن شبرمة، وابن شبرمة أحد الفقهاء في العراق، أحد فقهاء الرأي في العراق، طيب.
قال: مر بابن شبرمة وطارق في موكبه، فقال ابن شبرمة: أراها وإن كانت تحب كأنها سحابة صيف عن قليل تقشعُ. فالمهم يعني هذا مسؤول الشرطة ماشي في موكب في العراق، ماشي في موكب فابن شبرمة نظر إلى هذا الموكب وقال يعني بمعنى الكلام: إنه هذه سحابة صيف وبكرة بتزول عنك، تمام؟ يعني أنت مفكر هذه ممارسة تدوم لك؟ فكانه يعني رأى طارق في أبهته وفي عسكره شايف نفسه شوي، فقال له: أراها وإن كانت تحب كأنها سحابة صيف عن قريب تقشع، أنت مجرد سحابة صيف بكرة يستغنوا عنك يا طارق. اه، لكن لاحظ ماذا حصل لابن شبرمة بعد ذلك.
نعم، قال: اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرم– فأكمل ابن شبرمة فقال: اللهم لي ديني ولهم دنياهم، يا رب أنا حصلت الدين والدنيا لهم أنا ما بدي ياها. وبده يقول لك كيف الانسان أحياناً ما بيكونش مكتشف نفسه، وبيكون بعض الناس لأنه ما تولى منصب بصير يسوق عليك سياقة الدين والوعد والنصيحة أنه أنا لا ما بدي هاي المناصب، أنا الحمد لله، الحمد لله أني بعيد عن هاي المناصب والدنيا، طبعا هو لأنه ما حُط في منصب، فبحاول يلبس نفسه حتى يرضيها أنه ايش؟ الحمد لله أنه ما عينوني، الحمد لله والله الدنيا لفلان وفلان أنا بدي الدين ودنيا رب العالمين.
طيب، شو صار بشبرمة بعدين؟ نعم. قال: فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء. نعم، بعد فترة الأمير عين ابن شبرمة مسؤول القضاء، عين ابن شبرمة مسؤولاً على القضاء، طيب. فقال له ابنه: أتذكر قولك يوم كذا إذ مر بك طارق في موكبه؟ اه، فابن ابن شبرمة كان الظاهر أنه كان مع والده لما والده أعطى البيت في أمير الشرطة، فابنه ماذا قال؟ يا أبتِ، أتذكر لما مر طارق بجيشه أو بشرطته قلت: اللهم لي ديني ولهم دنياهم، وزهدت في المناصب يا أبتِ، لماذا توليت المنصب؟ أنا شعرت في تلك اللحظة أنك زاهد في المناصب، فلماذا يا أبتِ توليت منصب القضاء؟
فماذا قال له أبوه ابن شبرمة؟ قال: يا بني، إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد أبوك مثلهم. قال: يا بني، يعني هذه فرصة وسَنَحت، هم ممكن يجدوا أمثالي من يتولى منصب القضاء، لكن أنا إذا ما توليت المنصب راحت علي، أنا لا أجد مثله، مثل هؤلاء الأمراء يعطوني راتب ومبلغ وجاهة، هم ممكن يلاقوا زيي وزيي، لكن أنا لن أجد مثلهم، فخليني ألطشها قبل ما يفوت الأوان، اجاني منصب ووزارة أقفظ إليها، طه.
قال: ولا يجد أبوك مثلهم، إن أباك أكل من حلوام فحط في أهواءهم. نعم، قال: أما ترى هذا الدين الفاضل كيف عوجل بالتقريع وقوبل بالتوبيخ من أخص ذويه ولعل...
فهنا الماوردي بيعلق على هذه القصة يقول: شايف هذا العالم لما كان ينصح نفسه والناس من حوله أنه اعطوهم الدنيا وأنتم خذوا الدين، بمجرد ما أُعطي منصب اختلفت النفسية شوي، صار هو...
أيضا يريد يأكل من حلواه، ويريد أن يسقط في أهواء الملوك؛ فلاحظ من الذي قرعه؟ ابنه أقرب الناس إليه. قالوا: يا أبا أنت ما كنت تحكي هيك؟ أنت كنت تحكي لنا: ابعدوا عن الوزارات والمناصب، وأول ما فتح لك منصب رايناك حاضرا فيه. فيقول الماوردي: أما ترى هذا الدين -طبعا ابن شرما رجل دين فاضل، وهو من الفقهاء الذين تذكر أقوالهم في كتب الفقه، يعني ابن شرما تذكر أقواله، لكن إن صحت القصة فهو نوع يعني ضعف بشري إنساني، نسأل الله أن يغفر له- فيقول: أما ترى هذا الدين الفاضل كيف عوجل بالتقريع، وقوبل بالتوبيخ من أخص ذويه من ابنه، ولعله من أبر بنيه؟ ثم يقول الماوردي يعود إلى نفسه فيقول: فكيف بنا؟ -طبعا الماوردي شو كان منصبه؟ ضي القضاة- كان هنا الماوردي خائفا على نفسه، فيقول: فكيف بنا ونحن أطلق منه عنانا، وأقلق منه جنانا؛ إذ رمقت أعين المتتبعين، وتناولت ألسن المتعنتين؟ هل نجد غير توفيق الله ملاذا، وسوى عصمته معاذة؟ يعني يقول: ماذا أقول عن نفسي وأنا الماوردي الملقب بقاضي القضاة؟ كيف والناس يعني تنتظر أخطائي، وترتقب هفواتي؟ فأسأل الله أن يعصمني من الزلل.
هكذا انتهى الباب الأول، وهو باب العقل. سينتقل الآن إلى ثمرة العقل، ثمرة العقل ما هو؟ أن يرثك علما، العقل النافع هو الذي يقودك إلى العلم النافع، فأخذ الآن في عقد باب في فضل العلم؛ العلم عموما ثم العلم الشرعي خصوصا حقيقة، وهذا الفصل فصل ماتع ومفيد، في بعض زواياه تكلم بكلام لن تجده في كتاب آخر في فضيله العلم وأسباب فتور الانسان عن طلب العلم، تكلم بكلام نافع أنا لم أجده عند غيره. نقرا:
قال الباب الثاني في أدب العلم: قال اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلبه وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه ينمو على صاحبه، وفضله ينمي على طالبه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. فمنع من المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم. ومعنى أن فضله ينمي عند طالبه، ينمي يعني يزداد، وفضله ينمي يعني يزداد، أنه ينمي وينمو، يجوز أن تقول: ينمي وينمو، والأشهر أنها ينمي، ترى يعني الأشer أننا نقول: ينمو، والأشهر أنها ينمي، وكلاهما جائز، نعم.
قال: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرا، أو يفهم عنه زجرا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام: إني عليم أحب كل عليم». الحديث فيه إشكال، نعم، طبعا سبحان الله يعني ما في كتاب إلا عليك أن تأخذ خيره وتتجنب إشكالاته، خلص، من إشكالات الماوردي ضعفه في الحديث؛ الماوردي على طريقة الغزالي وغيرهم ممن يحسن التفكير والتأصيل للأفكار، لكن بضاعته في الحديث ضعيفة رديئة، نعم.
قال: وروى أبو أمامة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين: أحدهما عالم، والآخر عابد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وقال علي: فضل العالم -يعني المسافة التي بين العالم والعابد كالساحة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى الصحابه، المسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وأدنى الصحابة مسافة كبيرة جدا، فكذلك المسافة بين العالم والعابد؛ لماذا؟ لان العالم نفعه متعد، واما العابد فنفعه قاصر عليه، ومن كان نفعه متعديا للناس فهو اعظم بكثير ممن يفعل اعمالا صالحة لكنها قاصرة عليه لا ينتفع بها الناس؛ يعني صلاتك أنت بتنتفع فيها، صيامك جزاك الله خيرا أنت عابد، بس الناس مش عم تنتفع بعبادتك، لكن معلم الناس الخير لا، نفعه متعد، فلذلك جعل الفرق بينه وبين العابد كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى رجل، نعم.
وقال علي بن ابي طالب عليه السلام: الناس أبناء ما يحسنون. وقال مصعب: الناس أبناء ما يحسنون؛ يعني الناس تنسب إلى ما تحسن؛ قيمة كل امرئ، قيمة كل امرئ ما يحسنه، فإذا أنت تحسن العلم فانت عالم، وإذا أنت تحسن الحرام فأنت تنسب إلى الحرام، إذا أنت تحسن البطالة فأنت تنسب إليها، فأنت تحسب وتنسب إلى الشيء الذي تتقنه، فاختر لنفسك شيئا شريفا تحسب إليه وتنسب إليه، نعم.
وقال مصعب بن زبير لابنه: تعلم العلم، فإن يكن لك مال كان لك جمالا، وإن لم يكن لك مال كان لك مالا. ما معنى هذا الكلام؟ يقول له يا بني: تعلم العلم، فإذا كنت أنت غنيا العلم يزيدك جمالا، وإذا كنت فقيرا تتكسب بالععلم وياتي لك بالمال؛ يعني العلم وظيفه من الوظائف في النهايه في حال ما كان عندك مال تستطيع أن تعلم وتأخذ مالا مقابل تعليمك.
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني، تعلموا العلم، فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم، جميل. تعلموا العلم، فإن كنتم أنتم أصلا أسياد فقتم غيركم في السيادة بسبب العلم، وإن كنتم وسطا -يعني وضعكم المعيشي وسط- ماذا؟ العلم ينقلكم إلى الأعلى سدتم؛ يعني إذا كنتم سادة فختم الأسياد، وإذا كنتم وسط في المنزلة العلم ينقلكم إلى السيادة، وإذا كنتم سوقة -يعني من عوام الناس- العلم تتعيش فيه وتجد لك بكرة في وظيفة توظف به، نعم.
وقال بعض الحكماء: العلم شرف لا قديم له، والادب مال لا خوف عليه، نعم، وبالتالي العلم مفيد على كل الجهات. وقال بعض الأدباء: نعم، لا قديم اقرأ العبارة: العلم شرف لا قديم له، أنا عندي في نسختي وقال بعض الحكماء: العلم شرف من لا قدر له، والادب مال لا خوف عليه. وقال بعض الأدباء: العلم افضل خلف، والعمل به اكمل شرف، نعم.
وقال بعض البلغاء: تعلم العلم فانه يقومك ويسددك صغيرا، ويقدمك ويسودك كبيرا، ويصلح زيغك وفاسدك، ويرغم عدوك وحاسدك، ويقيم عوجك وميلك، ويصحح همتك وأملك، جميل. تعلم العلم فانه يقومك ويسددك صغيرا -لما تكون في الشباب العلم يزيدك بصيرة فلا تتخذ خطوات فيها تهور أو فيها ابتعاد عن جادة الصواب- والعلم يقدمك ويسودك كبيرا -لما تكبر تمام العلم يقدمك بين الناس ويسودك بينهم- والعلم يصلح زيغك وفاسدك -يصلح ما فسد من أحوالك- ويرغم -أن يذل- عدوك وحاسدك، ويقيم عوجاجك وميلانك، ويصحح همتك وأملك -يعني يجعل حتى ما تطلب من الهمم تطلب الهمم العالية والأمور الشريفة- كل هذا بسبب العلم، نعم.
وقال علي بن ابي طالب عليه السلام قيمة كل امرئ ما يحسن، وهذا نفس كلام السابق لما قال: الناس أبناء ما يحسنون، نعم، فاخذه الخليل فنظمه شعرا فقال: لا يكون العلي مثل الدني، ولا ولا ذو الذكاء مثل الغبي، قيمة المرء قدر ما يحسن، المرء وقضاء من الامام علي -يعني هذا حكم من الامام علي بن ابي طالب-: قيمة المرء قدر ما يحسن.
قال: وليس يجهل فضل العلم إلا أهل الجهل؛ لأن فضل العلم إنما يعرف بالعلم؛ يعني من الذي يجهل فضل العلم؟ الجاهل؛ لأنه فضل العلم لا يدرك إلا بالعلم؛ يعني أنت لما تطلب العلم تصبح تدرك فضل العلم، وأما وأنت جاهل مش عم تتعلم عمرك ما رح تعرف فضل العلم؛ ففضل العلم لا يدرك إلا أثناء التعلم، نعم.
قال: وهذا أبلغ في فضله؛ لأن فضله لا يعلم إلا به، فلما عدم الجهال العلم الذي به يتوصلون إلى فضل العلم، جهلوا فضله واستدلوا أهله، وتوهموا أن ما تميل إليه نفوسهم من الأموال المغناة والطرف المشتهى أولى أن يكون إقبالهم عليها، وأحرى أن يكون اشتغالهم بها. وقد قال ابن المعتز في منثور الحكم: العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما، جميل.
نعم، قال: وهذا صحيح، ولاجله انصرفوا عن العلم وأهله انصراف الزاهدين، وانحرفوا عنه وعنهم انحراف المعاندين؛ لأن من جهل شيئا عاداه. قال وانشد ابن لنكك لأبي بكر بن دريد قال: جهلت فعادي العلوم وأهله، كذاك يعادي العلم من هو جاهله، ومن كان يهوى أن يرى متصدرا ويكره لا أدري اصيبت مقاتله.
قال: وقيل لبزرجمهر -هذا أحد يعني ملوك الفرس- قال: العلم أفضل أم المال؟ فقال: بل العلم. قيل: فما بالنا نرى العلماء على أبواب الاغنياء ولا نكاد نرى الاغنياء على أبواب العلماء؟ فقيل له: إذا العلم أفضل من المال، لماذا نرى العلماء على أبواب الأغنياء لكننا لا نرى الاغنياء يطلبون العلم على أبواب العلماء؟ فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعه المال، وجهل الاغنياء بفضل العلم.
نعم، قال: إن العلماء يعرفون فضل المال ومنفعته يبحثون عنه عند الاغنياء -طبعا هذا ليس المراد أنه العالم يتسول، لكن هي الفكرة- وأما الاغنياء الجهال فإنهم يجهلون فضل العلم، لم يقفوا على أبواب العلماء طلبا للعلم، نعم.
وقيل لبعض الحكماء: لما لا يجتمع العلم والمال؟ فقال: لعز الكمال، سبحان الله. عز الكمال -يعني هم يقولون: لماذا في العادة العالم يكون وضعه المادي محدود، والجاهل في كثير من الأحيان تجده مرزوق؟- قال: لأن الله عز وجل -يعني سبحانه وتعالى- لم يجعل الدنيا مبنية على الكمال؛ فإذا رزقك كمال العلم قلل من كمال المال، وإذا رزقك كمال المال قلل من كمال العلم، نعم.
قال: وأنشد بعض أهل العصر: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله، فأجسامهم قبل القبور قبور، وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت، فليس له حتى النشور نشور.
ووقف بعض المتعلمين بباب عالم، ثم نادى: تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا، ولا يسقم نفسا. هذا الرجل وقف على باب عالم فقال له: تصدق علي بما لا يعب ضرسا -يعني شيء ما بتعب أسنانك- ولا يسقم نفسا -ولا يمرضك- فهذا العالم ظن أنه يريد ماذا؟ نفقة وطعاما، فأخرج له طعاما ونفقة. فقال هذا الطالب: فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم؛ قال: أنا ما قصدت أنني اريد منك نفقة ولا طعاما، فأنا محتاج إلى كلامك وإلى تدريسك أكثر من احتياجي إلى طعامي وإلى نفقتي؛ فأعجب الشيخ بهذه الإجابة، قال: إني طالب هدى لا سائل ندى، يعني هذا الطالب ايش يقول؟ أنا طالب هدى، أنا جاي أسال عن علمك لا طالب ندى -يعني لا أنتظر منك معروفا- فأذن له العالم، وأفاده من كل ما سأل عنه، فخرج هذا الشاب جذلان فرحا وهو يقول: علم أوضح لبسا خير من مال أغنى نفسا؛ علم أزال اللبس عنك ورزقك بصيرة خير من مال هو مجرد فائدته الطعام والشراب وقضايا حوائج الدنيا.
نعم، قال: واعلم أن كل العلوم شريفه، ولكل علم منها فضيلة، والإحاطة بجميعها محال. الآن هو سيتكلم بشكل عام؛ بشكل عام العلوم كلها مطلوبة ما دامت علوم نافعة، سواء علم الدين ولا علم الطب ولا علم الهندسة ولا العلوم عموما، كلل ها مطلوبة وإن كانت تتفاوت في شرفها.
قال: قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ فقال: كل الناس. ما معنى هذه الإجابة؟ أحسنت، إذا لبعض الحكماء: من الذي يعرف كل العلوم؟ هل يمكن إخواني شخص يكون يعرف كل العلوم، ويكون بحر العلوم؟ ما في، وإن كان بعض العلماء يلقب بحر العلوم، بس ما فيش واحد جمع كل العلوم. فقيل له: من الذي يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس؛ يعني أن العلوم كلها هي مبثوثة في الناس، فإذا جمعت علم كل الناس أنت تكون جمعت كل العلوم، وإلا ما في شخص عنده كل العلوم؛ طب وفيزياء ودين وشريعه لا يمكن.
قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه، ووضعه في غير منزلته التي وضعه الله بها، حيث يقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا». وقال: هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، نعم.
وقال بعض الحكماء: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بالنقيصة. قال بعض العلماء: لو كنا نطلب العلم من أجل أن نصل إلى غايته، إلى نهايته، قال: لا ابتدأنا العلم بماذا؟ بالنقيصة؛ بدانا علمنا بشيء هو نقيصة وعيب؛ تمام، يعني الذي يطلب العلم وهو يظن أنه سيصل إلى النهاية خلاص، ولن سيجمع كل العلم، ولن يفوته شيء، فهذا بدأ العلم بالنقيصة؛ فلو كان ظنك في طلب العلم أنك ستصل إلى غايته وإلى كل المعلومات التي فيه، أنت بدات العلم بعيب، بدات طلب العلم ومشوارك العلمي بنقيصة، وهو أنك لم تتصور العلم حقيقة، وإلا فالعلم لا يمكن أن تدرك غايته، وإنما قصارى الإنسان إذا تعلم علما أن يزداد في كل يوم معرفة بشيء منه، وينقص جهله بشيء منه، أما أن تصل إلى غاية العلم فهذا لا يمكن.
نعم، وقال بعض العلماء: المتعمق في العلم كالبحر، ليس يرى أرضا، ولا يعرف طولا، ولا عرضا، سبحان الله. فقيل لحماد الراوية: أما تشبع من هذه العلوم؟ فقال: استفرغ فيها المجهود، فلم نبلغ منها المحدود، فنحن كما قال الشاعر: إذا قطعنا علما بدا علم؛ يعني إذا قطعنا العلم بمعنى الجبل، الإنسان في العلم كلما قطع مشوارا بدا له مشوار آخر، وكلما قطع مفازة في العلم بدات له مفازه أخرى، فالعلم لا نهاية له، نعم.
قال: وأنشد الرشيد عن المهدي بيتين، وقال رآهما له: يا نفس خوضي بحور العلم أو غوصي، فالناس ما بين معمو ومخصوص، لا شيء في هذه الدنيا نحيط به إلا إحاطة منقوص بمنقوص. فالانسان لا يستطيع أن يصل إلى الكمال، وإنما قصارى
جهدنا أن نأخذ شيئاً من هذا البحر الخضم. قال: وإذا لم يكن إلى معرفة جميع العلوم سبيل، وجب صرف الاهتمام إلى معرفة أهمها والعناية بأولاها وأفضلها. وأولى العلوم وأفضلها علم الدين. بالتالي، ما دامت الإحاطة بكل العلوم مستحيلة، فأولى ما ينشغل به الإنسان هو علم الدين. طبعا هذا لا يعني أن الإنسان لا يتخصص في علوم أخرى، لكن المراد بيان حقيقة الواقع أن أشرف العلوم على وجه الأرض هو العلم الذي يقودك إلى الله سبحانه وتعالى، وهو علم الدين.
نعم قال: لأن الناس بمعرفته يرشدون وبجهله يضلون، إذ لا يصح أداء عبادة جهل فاعلها أداؤها ولم يعلم شروط أجزائها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل العلم خير من فضل العبادة». النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذا الحكم؛ قال: لأن الزيادة في العلم أصلاً هي التي تقودك إلى الزيادة في العبادة، فتزود من العلم وتلقائياً ستتزود من العبادة إذا كنت طبعا ممن يهتم بالعلم النافع. قال: والعبادة مع خلو فاعلها من العلم بها قد لا تكون عبادة بل تكون بدعة.
فلزم علم الدين كل مكلف، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وفيه تأويلاً؛ هذا الحديث له شرح. ما معنى: طلب العلم فريضة على كل مسلم؟ المعنى الأول: علم ما لا يسع المكلف جهله من العبادات. إذاً ما هو العلم الذي يجب على كل مسلم فرض أن يتعلمه؟ القول الأول هو ما لا يسع المسلم جهله، فهذا فرض على كل مسلم، فرض عين أن يتعلمه.
والثاني: جملة العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية. نعم، المعنى الثاني للحديث أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، أنه فرض كفاية ليس فرض عين الآن. وكلاهما صحيح. يعني الآن من العلم ما هو فرض عين، ومن العلم ما هو فرض كفاية. فإذا حملنا الحديث على فرض العين، فإن المراد طلب ما لا يسع المسلم جهله فرض عين على كل مسلم. وإذا حملنا الفرض في الحديث على فرض الكفاية، فالمعنى أن طلب العلم في الجملة، كما قال الماوردي: في الجملة هو فرض كفاية، فاذا لم يقم به من يكفي اصبح واجباً علي أن أقوم بسده وإلا أثمنا جميعاً.
وإذا كان علم الدين قد أوجب الله تعالى فرض بعضه على الأعيان وفرض جميعه على الكافة، كان أولى مما لم يجب فرضه على الأعيان ولا على الكافة، اللي هي السنن. نعم قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا هو بمجلسين؛ أحدهما يذكرون الله تعالى، والآخر يتفقهون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا المجلسين على خير، وأحدهما أحب إلي من صاحبه؛ أما هؤلاء فيذكرون الله تعالى ويسألون، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم. وأما المجلس الآخر فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلماً». فجلس إلى أصحاب الفقه. وروى... نعم، هذا الحديث طبعا فيه ضعف، وإن لم يكن يعني موضوعاً أو منكراً، لكن فيه ضعف.
نعم قال: وروى مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيار أمتي علماؤها وخيار علمائها فقهائها». وروى معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». هذا الحديث حسنه ابن القيم رحمه الله عليه في مفتاح دار السعادة. يحمل هذا العلم العدول؛ يحمل هذا العلم من كل خلف، يعني من كل جيل، من كل خلف عدوله. ما وظيفة هؤلاء العلماء؟ ينفون عن هذا العلم تحريف الغالين، الغلاة المتشددين المتنطعين، وكذلك انتحال المبطلين، أي ما ينسبه أهل الباطل إلى الدين وما ينحل إلى الدين. العدول ينفون ذلك ويبينون براءة الدين منه. وتأويل الجاهلين، أي تفسيرات الجاهلين لنصوص الكتاب والسنة؛ من الذي يبين خطأ هذه التفسيرات؟ العدول أيضاً من العلماء.
نعم قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام... عليكم بخلف. قال: ومن خلفاؤه؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله». وروى حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفقه في الدين حق على كل مسلم، ألا فتعلموا وعلموا وتفقهوا ولا تموتوا جهالاً». وروى سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولا فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه».
وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية، يقصد العلوم الفلسفية. البعض يقول؛ هو يتكلم عن زمنه الماوردي، أن كثيراً من أهل زمانه من أهل البدع كانوا يميلون إلى علوم الفلسفة ويزهدون في علم الدين والشريعة. فقال: وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية ورأوها أحق بالفضيله وأولى بالتقديم، استثقالاً لما تضمنه الدين من التكليف، واسترسالاً لما جاء به الشرع من التعبد والتوقيف. لماذا قال استثقالاً؟ لأن الدين الإسلامي فيه تكاليف وأوامر ونواه وأحكام بيوع وأحكام مناكحة، فيستثقل... يعني استثقالاً لما جاء به الشرع من ماذا؟ من التعبد والتوقيف، خاصة إذا كان الإنسان له عشق للعلوم الفلسفية والعقلية، يصعب عليه أنه بدك تؤمن بشيء وبدون ما تسأل عن علته. يقول: أنا ما بحب هاي الأشياء اللي فيها ايش؟ أن الظهر أربع والعصر أربع، وليس لك أن تسال عن علتي! هذا لا، أنا بدي أعرف كل شيء. إيش بتعرف؟ بعض الناس بقول لك: أنا إذا ما اقتنعت بالشيء أنا ما بعملُه. فهذا بعض الناس الذي ابتلي بذكاء مفرط تجده يحاول أن يفلسف كل شيء، فإذا وجد شيئاً ما له فلسفة بقول لك: شو هذا الدين أني أطوف حوالين الكعبة سبعة وأسعى بين الصفا والمروة سبعة وأرمي الجمار؟ شو هذا التخلف والرجعية اللي أنتم فيها؟ ومفكر أنه هو ذكائه يعني أنه شيء مبهر، وأن الدين اللي فيه أشياء تعبدية توقيفية أنت مطلوب أن تتعبد بها بهذا الرقم وليس لك أن تسال، يرى أن هذا نوع من التخلف. لاحظ حتى في زمن الماوردي هؤلاء موجودون. فيستثقلون هذا لما جاء به الدين من التعبد والتوقيفية، التي ليس للعقل فيها مجال للتفكير، وإنما قصاره أن يقول: سمعنا وأطعنا.
نعم قال: والكلام مع مثل هذا في أصل لا يتسع له هذا الفصل. ولن ترى ذلك في من سلمت فطرته وصحت رويته، لأن العقل يمنع من أن يكون الناس هملاً أو سدًى يعتمدون على آرائهم المختلفة وينقادون لأهوائهم المتشعبة لا... طبعا الماوردي يقول: أنا ما راح أناقش هذا الإنسان الذي يسترد الدين ويستهين بالمسائل الشرعية، ولكن بشكل عام يقول الماوردي: لن ترى هذه النظرة والتهاون في الدين عند إنسان فطرته سليمة وصحت رويته وصح فكره، فكره صحيح، لماذا؟ لأن العقل أصلاً... الآن الماوردي بده يفكر من الجانب العقلي؛ يقول العقل أصلاً يمنع أن يكون الناس سدًى وهملاً.
يقول العقل: لو فكر الإنسان في خلق هذا الكون وفي خلق البشر، بس لو فكرت معقول هؤلاء البشر على هذا الكوكب خلقوا فقط لقضاء أوطار وشهواتهم؟ هذا الخلق المتقن للانسان بكل ما فيه، وهذه الشعوب والحضارات معقول خلقت فقط لقضاء شهواتها ونزواتها؟ لو فكرت من ناحية منطقية، فان العقل يمنع أن يكون الناس وجدوا على هذا الكوكب هملاً أو سدًى، لا لتكليف يعتمدون على آرائهم المختلفة وينقادون لأهوائهم المتشعبة، دون وجود شريعة يحتكمون إليها. يعني قال: وينقادون لأهوائهم المتشعبة لما تؤول إليه أمورهم من الاختلاف والتنازع، لأن هاي الأهواء المتشعبة إلى أين ستقوده؟ إلى الاختلاف والتنازع وتفضي إليه أحوالهم من التباين والتقاطع. فلم يستغنوا عن دين يتألف به... أو يتألف به... نعم، يأتلفون عندك، يأتلف، أنا عندي مختلف. طيب يأتلف به، يعني تجتمع به كلمتهم ويتفقون عليه، ثم العقل موجب له أو ماذا قال عندك في نسختك؟ أو متابع عليه أو متابع، أو متابع له. وفي بعض النسخ حتى أو مانع منه تمام، لكن هذه تحتاج إلى شرح مختلف.
طيب قال: ولو تصور هذا المختل التصور أن الدين ضرورة في العقل، وأن العقل للدين أصل، لقصر عن التقصير وأذعن... طبعا ما معنى أن العقل للدين أصل؟ احنا عادة يعني ابن تيمية ألف كتاب: درء تعارض العقل والنقل، وأن نثبت أن العقل تابع للدين. هل كلام الماوردي هنا، وأن العقل للدين أصل، صحيح؟ أيهما أصل للآخر؟ هل العقل أصل للدين، أو الدين أصل للعقل؟ نعم، ربما هذا بتحرير المصطلح، تحرير المصطلح وتحديد الجهة، أحسنت لابد من تحديد الجهة. نعم، فان فهم أن العقل هو مناط... مناط الدين فهو حقيقي، لان الانسان لو لم يكن عاقلاً لن يصل إلى الدين، سيزول عنه التكليف جيد. وهو بداية بعقله؛ عقله قاده إلى الشرع ثم سلم القياد له. أحسنت، هذه أفضل عبارة: أن العقل هو الذي قادك إلى الشرع، ثم بعد ذلك سيسلم القيادة إلى الشرع تمام، العقل يقودك إلى الدين، ثم بعد ذلك بعد أن قادك عقلك إلى معرفة الله والتدين سيسلم الراية للدين، ويقول للدين: يلا أنت أحكم مني لأنك وحي من الله. فقوله أن العقل أصل للدين من هذه الجهة لا إشكال فيه تمام.
قال: ولو تصور هذا المختل تصور أن الدين ضرورة في العقل وأن العقل للدين أصل، لقصر عن التقصير وأذعن للحق، ولكن أهمل نفسه فضل وأضل. فهذا الذي يفضل العلوم الفلسفية على العلوم الشرعية الدينية لو فهم أن العقل هو الذي يقود إلى التدين لقصر عن التقصير. إذا هو يريد أن يقول الماوردي: إن التدين هو ليس للأغفياء والحمقى والمغفلين كما يظن البعض، قال: التدين هو موجب العقل. فالإنسان في قمة عقله، نضوجه العقلي، يعرف أنني لابد لي من دين وإلا فيستحيل أولاً أن يكون الناس خلقوا سدًى وهملاً، ويستحيل أيضاً أن يأتلف الناس ويجتمعوا بدون شريعة تضبط الحقوق والواجبات وتفصل في الأمور. فبدون العقل لا قيمة... عفواً، فبدون الدين يحكم العقل أنه لا قيمة للحياة.
نعم قال: وقد يتعلق بالدين علوم قد بين الشافعي رحمه الله تعالى فضيلة كل واحد منها، فقال: علم القرآن عظمت قيمته... الآن لما نقول ممتاز، الآن سيبدا يفصل فيقول: لما نقول علم الدين، علم الدين هل هو علم واحد أم في داخله علوم شتى؟ حقيقة في داخله علوم شتى. هناك علوم وسائل وعلوم مقاصد، هناك علم التفسير وعلم الفقه وعلم العقيدة وعلم القراءات وعلوم أصول الفقه وما شابه ذلك. فيقول الشافعي اختصاراً: من تعلم القرآن، يعني علم التفسير وما يتعلق بالقران، عظمت قيمته لاتصاله بهذا الكلام العظيم، فإن الله يرفع بكلامه أقواماً. ومن تعلم الفقه نبل مقداره؛ لماذا تكون نبيلاً؟ لأن الناس كلها تحتاج إليك، فيرتفع قدره بين الناس، الفقيه ينبل مقداره عند الناس لأن كل الناس تحتاج إليه، فلان طلق مرته، فلان بده يبيع، فلان بده يشتري، في معاملة بنكية، في قضاء، في كذا، فالناس كلها تحتاج إليه، فالفقيه دائماً يرتفع قدره بين الناس.
نعم قال: ومن كتب الحديث قويت حجته، طبعا لأنه من كتب الحديث وعرف الصحيح من السقيم، عرف كيف يحتج وما هي الأدلة. ومن تعلم الحساب جزل رأيه؛ جزل رأيه، قوي، الذي يتعلم الحساب يصبح رأيه قوياً، وإن كان هذا ليس أساساً من علوم الدين، وإنما هو مفيد في الدين. نعم قال: ومن تعلم العربية رق طبعه؛ نعم، الذي يتعلم العربية، يعني الأدب العربي، يصبح هيك عنده رقة هو أحساس مرهف. ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
آه جميل هذه الخلاصة وفي النهاية لو تعلمت العربية والحساب والفقه والتفسير، ولكنك لم تصن نفسك عن خوارم المروءات وعن المعاصي والزلات، كل علمك ما راح ينفعك، فعليك مع العلم صيانة النفس عن المعاصي وخوارم المروءة. قال: ولعمري أن صيانة النفس أصل الفضائل، لان من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه العلم من فضيلته وتوكلاً على ما يلزم... على ما يلزم الناس من صيانته سلبوه فضيلة علمه وسموه بقبيح تبذله.
آه مهم هذا الكلام. الآن الماوردي انطلق من الكلمة الأخيرة، ماذا قال؟ صيانة النفس عن الرذائل هذا أهم شيء تعتني به من البدايات، أنه بعض الناس لا يصون نفسه ويقع في خوارم المروءات وفي رذائل الأفعال، اتكالا على أن الناس لن تقع فيه لأنه عالم، فيقول لك الماوردي: أنت ما بتعرف الناس، لا، بعض الناس يهمل صيانة نفسه ثقة بما منح من العلم، وتوكلاً على أنه الناس رح تضلها تحترمني أكيد لأني أنا عالم حتى لو فعلت حراماً، حتى لو فعلت خوارم مروءات! فتجده يدخل في مجالس العامة والخاصة ويكثر الضحك ويكثر التصرفات التي تسقط من الهيبة، وفي وجهة نظره ماذا؟ لا، لا، راح ستبقى الناس تحترمني اتكالا على ما معي... عندي من العلم. بقول لك الماوردي: أنت تتصور الأمور على غير ما هي عليه؛ إن صيانة النفس أصل الفضائل، لأن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه العلم من الفضيلة واتكالاً على ما يلزم...
الناس أنه الناس لازم تصون؛ لأنه أنا عالم. قال: سلبوه فضيلة علمه، ترى الناس ستستهد سترك، في النهاية يعني إذا لم تصن نفسك، سموه بقبيح تبذله، فلم يف بما أعطاه العلم بما سلبه التبذل. ما أعطاك إياه العلم، ما أعطاك إياك، ما أعطاك العلم لك، يعني دخلت الضمائر، ما أعطاك إياه العلم سيسلب منك عدم صيانة النفس. العلم أعطاك فضيلة، لكن عدم صيانة نفسك ستسلب عنك هذه الفضيلة التي منحك إياها العلم. نعم.
قال: لأن القبيح أنم من الجميل، والرذيلة أشهر من الفضيلة. شوف هذه حكمة بدك تفهمها، سواء كنت طالب علم أو من عووام المسلمين أو مثقف أو في أي مكان كنت، بدك تعرف طبيعة المجتمعات. يقول الماوردي: القبيح أكثر، الناس تتذكره أكثر من الجميل، قبائح الناس تتذكرها أكثر من الأشياء الجميلة التي أنت تفعلها، والرذيلة تشتهر على الألسنة وتتناقلها الناس أكثر من انتقال الفضيلة.
يعني سبحان الله، تجد عالم سبحان الله، طول عمره بيدرس الناس الخير وطول عمره يبذل لهم، يا أخي أخطأ في موقف، بتجد كل المجتمع بيغرز فيه! شفت الشيخ الفلاني شو حكى؟ شوف طب أنت الشيخ الفلاني عمري ما سمعت اسمه على لسانك في الخير، عمري ما سمعت انك حضرت له مجلس علم، أو قرأت له كتاب، أو انتفعت من علمه، بس لأنه أخطأ، هذا الخطأ ما شاء الله أصبح مذكوراً على لسانك. بدك تعرف هكذا للاسف الناس، ومن عرف الناس، اصطلح الناس للاسف تنشر الرذائل وتنسى الفضائل، تنشر القبيح وتنميه وتتناسى الجميل وتدس، فعليك أن تفهم هذه الفكرة حتى تصون نفسك عن الأخطاء قدر المستطاع، لأنك لو بذلت للناس مهجة عمرك وساعات حياتك وليلاً ونهاراً تقضي حوائجهم، وأخطأت خطأً واحداً لن ترحمك الناس، وستجد أن العامة على السوشيال ميديا: أنظروا ماذا فعل فلان، شوفوا كيف تصرف فلان!
غفر الله، أحسنهم الذي ايش بوق بدب، غفر الله للشيخ الفلاني ما كان ينبغي أن يصدر منه كذا. طيب جزاك الله خيراً، لكن هذا الشيخ الفلاني لما كان يعلمك الخير، هل استفدت منه؟ هل ذكرته بخير ووجهت الناس إليه؟ لا، أنت فقط تشتغل عند الفضائح وتستر الفضائل! فالماوردي لمعرفته بالناس يقول لك: عليك انك تفهم الناس حتى تعرف كيف تتعامل معهم، الناس تنمي القبيح والرذيلة أشهر على ألسنتهم من الفضيلة. طب ليش هيك الناس يا شيخ؟ لماذا الناس هكذا؟ لماذا؟
طبعاً الناس مراد بالعوام والطغاة، لماذا الناس هكذا؟ قال: إذ الناس، لما في طباعهم من بغضة الحسد ونزاع المنافسة، تنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساوئ. إنه الجهال والعامة في عندهم حسد ومنازعة إلى المنافسة، فلما يرونك تفوقت عليهم، سثبتهم الحسد الذي في قلوبهم والمنافسة على المجد والشرف، تجعلهم يقتنصون أي سلبية فيك حتى ينزلوا قدرك لتصبح مثلهم! هكذا للاسف النفوس التي لم تتربى على موائد الدين.
الحسد موجود في طباع الناس، والمنافسة موجودة في طباع الناس، فإذا أنت فقت الناس بعلم أو أدب أو شيء، فإن الناس تنتظر الهفوة، تنتظر الزلة حتى ترجعك إلى مقامها. الناس مش هي تحترمك لأنك ستتهم بالعلم، لكن فيهم طبع الحسد الذي ينمو ويخرج إذا وجدوا فيك النقيصة أو وجدوا منك تصرفاً غير لبق. فلأن الناس في طباعهم من بغضة الحسد ونزاع المنافسة، تنصرف عيونهم عن محاسنك مباشرة إلى مساوئك. الآن إذا ما لم يجدوا فيك سيئة، ستبقى وجلاً في قلوبهم، يعني عظيماً، لكن في هذا البعبع الصغير الذي يسمى الحسد، في اللحظة التي ستخطئ سيكبر وسيستغل الفرصة للإسقاط، لأنهم يريدونك أن تعود إلى مثل أحوالهم. قال: فلا ينصفون محسناً ولا يحابي، خلاص أسأت إسقاط مباشرة، لاسيما من كان بالعلم موسوماً واليه منسوباً، فإن زلته لا تقال.
إيش يعني لا تقال؟ انتبه، لا تقال مش يعني لا تذكر، لا تقال أي لا يقيلون عثراتك. أي إنسان متصدر للعلم خطؤه واحدة الناس تسقطه للاسف، فإن زلته لا تقال عند العامة، أما عند العقلاء الذين يعرفون طبائع النفوس، وأننا وإن كان الإنسان على خير وصلاح نفوس بشرية ضعيفة، نخطئ، نقصر، يصدر منا ما يصدر من عوام الناس، لكن الناس لا تقيل عثرات الكبار. هو هذا العامي الذي يسقط العالم، هو ممكن يكون واقع في شر القباح، يعني فاعل السبع وذمته كما يقولون، لكن ما حدا مدقق عليه، لكن لاك العالم؟ آه ما ينفعش ويبدأ ينتقده!
فبدك تنتبه على فلسفة الحياة. ولا تبدأ بعض الناس، بعض المشايخ الله يهديهم بيكون مش فاهم الحياة صح، يعني بعض المشايخ يكون أُعطي قدراً من العلم، لكن لم يُعط حكمة الحياة، فإذا بدأ الناس ينتقيدونه على خطأ صدر منه، تضيق نفسه ذرعاً، ويصبح عنده حالة من الاعتزال والاكتئاب النفسي، لأنه يرى أن له فضل على الناس كبيراً، ولكن الناس لم ترحموه في لحظة هفوة صدرت منه، فيدخل في حالة من الانطوائية، هذه ناتجة أنه عدم خبرتك بالحياة سيدنا الشيخ، لا. أنت من البداية قبل أن تتصدر جيد أن تكون تفهم طبيعة المجتمعات. لماذا أنا أنصح بقراءة مثل هذه الكتب إخواني، زي أدب الدنيا والدين؟ وهذه الكتب ترزق طالب العلم فهماً لطبيعة الحياة وخبرة الحياة، لأن الحياة العلمية ليست فقط معلومات نظرية، الحياة العلمية أيضاً خبرة، وهؤلاء العلماء يتكلمون عن خبرة.
فقبل أن تتصدر بدك تفهم: إذا تصدرت الناس لا ترحم، فبدك تكون كابح جماح نفسك ومستيقظاً لكلماتك، لأن الخطأ الواحد كفيلة أن تسقطك. وإذا دخلت الناس فيك، إذا دخلت الناس فيك، بدك تحسن معالجة الموقف سريعاً، ولا تدخل في اكتئاب نفسي والشعور ليش الناس كذا؟
ترا بدي أقول لك شغلة: أحمد بن حنبل الله يرضى عنه لما أُسر في فتنة خلق القرآن، الناس ما فزعت له صح ولا لا؟ يعني أحمد بن حنبل في قمة جهاده، أنت بعض الناس بترقب أنه دائماً الناس راح تفزع. أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة يؤسر ويحمل مكبلاً، وأهل بغداد وأهل العراق ما قفزوا من أجل نصرته، مع أنه له جماهير بالملايين صحيح! أحمد بن حنبل له طلاب بالآلاف، والناس من أصقاع الأرض كانت تاتيه، بس شوف: الناس ما بتفزع لك، والناس إذا أخطأت ما بترحم. بدك تفهم هذا: الناس بتحبك وبتحترمك، لكن شغلتين لا تنتظرهم من الناس.
شغلتين لا تنتظرهم: لا تنتظر الفزعة إذا قبض عليك أو وقعت في محنة، الفزعة بتكون يعني أكثر الناس ممكن يرفعوا مظاهرة ويحطوا اسمك: أطلق سراح شيخنا، يعني هذا أكثر شيء يعني، وتدعي لك في ظهر الغيب لتنجو. الفزعة يعني، حتى بعض الناس معتمد على ثقله الجماهيري: إنه أنا عندي ثقة الجماهير، ما راح يقدروا يحبسوني، خذها! والله إذا حبسك ما حدا يفزع لك إلا أبوك وأمك تمام! حتى شك استغني عنك. طيب، وإذا أسأت، الناس ما راح ترحمك، فبالتالي عود نفسك، اغسل قلبك من التعلق بالبشر، وعلق قلبك بالله، قلبك بمن؟ بفاطر السماوات والأرض.
إنه حتى نكون منصفين أيضاً، إنه ذله العالم أيضاً ليست كذلة الجاهل، حتى نكون منصفين أنه ما نحس أنه يعني أنه هذا العالم مظلوم لأنه زل بس ما هو برضه زلة العالم فيها خطورة، لأنها لا أعامل ذلة العالم كذلة الجاهل. ذلة الجاهل ما حدا يتبعه عليها، هم الناس عارفين أنه جاهل، لكن المشكلة في ذلة العالم أنه قد يتابع عليها، يعني بوها خطأ الشاطر بعشرة مش بقولك المثل؟ الإنسان الذكي الفطن العالم خطؤه ليست كخطأ غيره.
وأما لأن أهل الجهل بذمه أغرى، واما لأن الجهال بذمه أغرى وعلى تنقصه أحرى، اللي هي الفكرة ذكرناها قبل شوي. يعني لماذا زلة العالم تضخم؟ هسه في جانب صحيح وفي جانب خاطئ. الجانب الصحيح أن زلة العالم تضخم لأن خطأ الذكي الفطن ليست كخطأ غيره، ولأن المفترض أن يكون العالم فعلا مراقباً لنفسه. ومن جهة أخرى لأن الجهال بذمه أغرى، وهناك ما يغريهم لذم العالم وهو محاولة الإسقاط اللي ذكرناها قبل شوي، وعلى تنقصه أحرى، ليسلب فضيلة التقدم، شايف؟ ليسلب فضيلة التقدم، وليمنعوه من مبايعة التخصص.
الآن ايش يعني التخصص؟ هو اختص عنهم بمنزلة ليست لهم، فكونه باينهم بهذا التخصص الناس مش عجبها، بدك تنزل تصير زينا! عناداً لما جهلوه، ومقتاً لما باينوه، عناداً معاندين لما جهلوه من العلم، فهذه كله معانده من العامة للعلم، ومقتاً للشيء الذي انفصل عنهم وهي مرتبة العلم الذي حازها العالم. قال: لأن الجاهل أصلاً قد يرى العلم تكلفاً ولوماً، كما أن العالم يرى الجهل تخلفاً وذماً. وإن أنشدت الربيع بن سليمان المرادي أنشد عن الشافعي قوله: ومنزلة السفيه من الفقيه كمنزلة الفقيه من السفيه؛ فالفقيه ينظر إلى السفيه كما ينظر السفيه إلى الفقيه، فهذا زاهد في قرب هذا، وهذا فيه أزهد منه فيه، العالم زاهد في السفيه والسفية زاهد في العالم.
إذا غلب الشقاء على سفيه، تقطع في مخالفة الفقيه، يجده يتقطع في ماذا؟ في معاندة الفقهاء، فجهل العوام هم الذين ما معنى يتقطع؟ يعني يبالغون في مخالفة أهل العلم. وقال يحيى بن خالد لابنه: في نسختنا تنطع، تنطع، بس برضه تقطع جيدة نعم. قال: وقال يحيى بن خالد لابنه: عليك بكل نوع من العلم فخذ منه، فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره أن تكون شيء من العلم، هذه جيدة للابن العلم الشرعي، وهو أن الإنسان إذا طلب العلم عليه، أو أن أخذ من زهره تم حاوياً موسوعياً تخليفه. آفات الجامعات المعاصرة: أن الطالب من البداية تخصص، فلا بد أن تشارك في العلم لا حاجة تتخصص، وخذ شهادة وشيئاً من التفسير، وشيئاً من الفقه، وشيئاً من العقيدة، وشيئاً من الحديث، وشارك، ثم بعد ذلك تنظر إلى أين يميل قلبك من هذه العلوم، فتعطيها زهرة العمر والحياة. نعم.
قال ثم أنشد: تفنن وخذ من كل علم، فإنما يفوق امرؤ في كل فن له علم. فانت عدو للذي أنت جاهل به، ولعلم أنت تتقنه سلم أحسنت! الناس والإنسان عموماً إذا جهل علماً زهد فيه، تجي مثلاً بعض الناس يزهد في علم القراءات، يقول لك: هذا يعني ليس علماً، ليه هو أصلاً؟ لأنه ليس متخصصة في القراءات، يزهد ويزهد في العلم الذي ليس من صنعته. بعض الناس يزهد في أصول الفقه لأنه ما فهمه، فبقول لك: ايش يا أخ إصول الفقه أغلب شغل متكلمين وشاعرة ومعتزلة، احنا يكفينا إن شاء الله بندرس الأصول من أصول الشيخ العثيمين وانتهت القضية! هو الواقع ليس كذا، الواقع أن استصعب هذا العلم ووجده يحتاج إلى جهد فزهد نفسه وزهد الناس، وهم ينهون عنه وينأون عنه نعم.
قال: وإذا صان ذو العلم نفسه حق صيانتها، ولازم فعل ما يلزمها، أمن تعيير الموالي وتنقص المعادي، وجمع إلى فضيلة العلم جمال الصيانه وعز النزاهة، فصار بالمنزلة التي يستحقها بفضائله. إذاً لاحظ أن الماوردي يركز أنك يا طالب العلم يا معلم الناس الخير، رجلاً أو امرأة، عليك أن تهتم بصيانه نفسك حتى تصون علمك، وإلا أن تظن العلم وحده يصونك هذا خطأ. نعم.
قال: وروي أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم». وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة». وقال بعض البلغاء: إن من (يعني يصد في جنات النعيم وإن كان الحديث فيه نظر). نعم.
قال: وقال بعض البلغاء: أن من الشريعة أن تجل أهل الشريعة، وأن ومن الصنيع أن ترب حسن الصنيع. قال: فينبغي لمن استدل بفطرته على استحسان الفضائل واستقباح الرذائل أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم، وغفلة الإهمال باستيقاظ المعاناة، ويرغب في العلم رغبته. جميل هذا الكلام!
إذاً من الشريعة أن تجل أهل الشريعة، يعني من التدين أن تحترم أهل العلم من شريعة الله احترام أهل العلم، ومن الصنيعة أن ترب حسن الصنيع، إيش يعني؟ يعني ومن حسن الصنيع اللي هي المعروف، الصنيعة اللي هي المعروف، ومن المعروف أن ترب حسن الصنيع، أن إذا شخص يصنع المعروف مع الناس ومعك من المعروف أنك تعامله وتحسن إليه وتخفظ له معروفه. ثم قال: فينبغي لمن استدل بفطرته على استحسان الفضائل واستقباح الرذائل، أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم وغفلة الإهمال باستيقاظ المعاناة، يعني أن تعاني في طلب العلم وتبذل وتكد، وأن لا تهمل نفسك وتتركها للجهل، وأن يرغب في العلم رغبة متحقق لفضائل، متحقق يعني متأكد أن للعلم فضائل واثق بمنافعه، ولا يلهيه عن طلب العلم كثرة مال وجده، يعني كثرة المال والغنى، الجدة هي الغنى، لا يلهيك عن طلب العلم كثرة المال والجدة وهي الغنى، ولا نفوذ أمر وعلو منزلة، انك والله شايف نفسك مسؤول أو سلطان فيحول ذلك بينك وبين العلم، فإن من نفذ أمره فهو إلى العلم أحوج، بالعكس أصلاً، إذا كنت سلطاناً أو مسؤولاً أنت محتاج للعلم أكثر من غيرك. فإن من نفذ أمره على الناس هو للعلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق. للاسف بعض الناس يظن أن الغنى والمنزلة تغنيه عن العلم، هنا الماوردي يقول: بالعكس، إذا كنت صاحب منزلة اجتماعية فانت أحوج منك إلى العلم من غيرك، أنت أحوج إلى العلم من.
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع العبد المملوك حتى».
تجلسه مجالس الملوك، وقال بعض -وهذا فيه نظر- عن النبي عليه الصلاة والسلام... نعم، وقال بعض الأدباء: كل عز لا يوطد علم فهو مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل فهو مذلة أو مَظَنّة. نعم، وقال بعض علماء السلف: إذا أراد الله تعالى بالناس خيراً جعل العلم في ملوكهم والملك في علمائهم، سبحان الله. نعم، وقال بعض البلغاء: العلم عصمة الملوك؛ لأنه يمنعهم من الظلم، ويردهم إلى الحكمة، ويصدهم عن الأذية، ويعطف على الرعية، فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويستبطنوا أهله -يعني يجعل اهل العلم بطانة لهم وزراء ومستشارين-.
نعم، قال: فأما المال فظل زائل، وعارية مسترجعة، وليس في كثرته فضيلة، ولو كانت فيه فضيلة لخص الله تعالى به من اصطفاه لرسالته واجتباه لنبوته. وقد كان أكثر أنبياء الله تعالى -مع ما خصهم الله به من كرامته وفضلهم على سائر خلقه- فقراء لا يجدون بلغة ولا يقدرون على شيء، حتى صاروا في الفقر مثلاً، فقال البحتري: فقر كفقر الأنبياء وغربة وصبابة، ليس البلاء بواحدِ.
ولعدم الفضيلة في المال؛ منحه الله الكافر وحرمه المؤمن في كثير من الأحيان. طبعا يعني مش قاعدة عامة، كثير من المؤمنين أغنياء أيضاً. قال: كم كافر بالله أمواله تزداد أضعافاً على كفره، ومؤمن ليس له درهم يزداد إيماناً على فقره. يا لائم الدهر وأفعاله، مشتغلا يزري على الدهر، مأمور له أمر ينصرف، الدهر على أمره على أمره.
قال: وقد بين علي بن أبي طالب عليه السلام فضل ما بين العلم والمال، فقال: العلم خير من المال. العلم دائماً في كتب البناء العلمي عند أهل العلم، ولا سيما في الكتب التي هي نسميها مداخل للعلم الشرعي أو تحث على العلم الشرعي، دائماً ما تجد مقارنة بين العلم والمال؛ لأنه المال يعني بشكل عام يعتبرونه عدواً للعلم؛ انشغال الانسان بالمال تكسب للدنيا، والحرص على المال يضعف العلم، والاشتغال بالعلم -كما يقول الشافعي- في العادة ما يقلل من المال، فيصبح طالب العلم بين معادلتين صعبتين: يا بدي اشتغل بمشاريع واستثمارات وبدي أجيب مال وكذا وأعيش، يا بنشغل بالعلم وتعليم الناس، مع أنه هذا راح يكون في ايش على حساب تزايدي من المال. فدائما تجد مقارنات في كتب أهل العلم بين العلم والمال، حتى أنت تختار بعدين ايش مشروع حياتك، هل أنت تفضل الانشغال بالعلم على حساب المال أم تفضل الانشغال بالمال على حساب العلم؟ فدائماً كما قلت في زي هيك زي جامع بيان العلم وفضله، تذكرة السامع والمتكلم، كل من يتكلم بالعلم وفضائله لا بد في العادة أن يعقد مقارنة بينه وبين المال؛ لأنهما في الذهن البشري كأنهما ضدان.
فقال علي بن أبي طالب مثلاً قال: العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال. العلم حاكم والمال محكوم عليه؛ العلم حميك، بس المال اللي في البيت أنت اللي بتحميه تمام. العلم حاكم هو الذي يحكم حياتك، وأما المال محكوم عليه أنت الذي تحكم عليه أين سيرتفع. متى خزان الأموال الأغنياء والمليار التي عبر التاريخ الإسلامي ماتوا ولم تبقَ لهم مآثر، لكن خزان العلم أئمة الإسلام؛ الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة وغيرهم، ماتوا وما زالوا أحياء بيننا، ما زالوا أحياء تذكر مآثر وأقوالهم. نعم، قال: أعيانهم مفقودة، وأشخاصهم في القلوب موجودة. نعم أشخاص يعني ذكرى أحمد بن حنبل والأئمة الكبار في قلوبنا موجودة بعلومهم وأفكارهم.
قال: وسئل بعض الحكماء: الناس موتى وأهل العلم أحياء. نعم، قال: وسئل بعض الحكماء: أيما أفضل المال أم العلم؟ فقال الجواب عن هذا: أيهما أفضل المال أم العقل؟ يعني قال: السؤال الحقيقي يجب أن يكون هكذا: أيهما أفضل المال أم العقل؟ ولا يوجد عاقل يقول إن المال أفضل من العقل.
نعم، وقال صالح بن عبد القدوس: لا خير في من كان خير ثنائه في الناس قولهم غني واجد. قال: لا خير في شخص أحسن صفة عند الناس يذكر فيها ما هو فلان مع مصاري، شو الخيرية هذه؟ قال: لا خير في من كان خير ثنائه شخص لو بدك تحاول تبحث عن شيء تثني عليه ما راح تثني عليه إلا أنه ايش معه مصاري، هذا لا خير فيه، ايش يعني معه مصاري؟
نعم، قال: وربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبره وعلو سنه، واستحيا من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره، فرضي بالجهل أن يكون مرسوماً به، وآثره على العلم أن يصير مبتدئاً به. وهذا يعني بعض الناس تفوت فرصة تعلم العلم الشرعي في الصغار، ويستحي من تعلمه في الكبار، فيقول الماوردي: هذا خطأ، إياك أن تجعل تقدم سنك سبباً في عدم تعلمك العلم. إذا فاتك التعلم وأنت صغير، فيقول: وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم إذا كان فضيلة، فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى، بالعكس إذا صار عمرك في الأربعين والخراب وأنت لم تتعلم وأنت شاب، الآن يجب أن تتعلم؛ لأنه كلما ازددت في العمر لابد وأن تعرف قيمة العلم، والابتداء بالفضيلة فضيلة حتى ولو مع تقدم السن، ولا أن يكون شيخاً متعلماً أولى من أن يكون شيخاً جاهلا. يعني حتى لو لم تكن شيخاً عالماً، أن تكون شيخاً متعلماً على مجالس التعلم أفضل من أن توصف بين الناس بأنك شيخ جاهل.
نعم، قال: حكي أن بعض الحكماء راى شيخاً يحب النظر في العلم ويستحي، فقال له: يا هذا، أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ يعني هذا شيء لا يوجب الحياء. وقال، وذكر أن ابراهيم ابن المهدي دخل على المامون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر، فقال: لما لا تتعلمه اليوم؟ فقال: أو يحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم والله، لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل. قال: والى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة. يعني هذه منقبة المامون؛ المامون على ما صدر منه من أخطاء، لكنه كان محباً للعلم.
نعم، قال: ولأن الصغير أعذب وإن لم يكن في الجهل عذر أيضا. يعني مما يحفز العاقل الكبير على طلب العلم أنه الإنسان الصغير لو أخطأ الناس تعذره، بس أنت شيخ كبير لو أخطأت الناس لا تعذرك، فأيهما ينبغي أن يكون أحرص على العلم الكبير؟ يعني هذا بما يحفز فيه الرد الكبار على تعلم العلم؛ الصغير يعذره الناس إذا أخطأ بقولك لسه صغير، أما أنت إذا أخطأت في مسائل دين الناس لا تعذر وتقع فيك، فيجب أن يكون الكبير على طلب العلم حريصاً.
نعم، قال: لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الاهمال؛ لأن الصغير لم تطل به مدة التفريط، لساته عمره خمسة عشر، ستة عشر، سبعة عشر، ولا استمرت عليه أيام الإهمال، أما أنت عمرك خمسين، ستين سنة، إذا وقعت في خطأ سيقولون هذا عايش له ستين سنة ما بيعرف يمسح الخف، ستين سنة ما بيعرف يتوضا، مش هيك الناس تقول؟ ستين سنة ما بعرف إنه الصلاة بعد العصر من... الصغير الناس بتمشيها بتقولك لسه صغير، أما أنت ستين سنة ما تعلمت أمر دينك؟ العلم لا حياء في تعلمه.
نعم، قال: وقد قيل في منثور الحكم: جهل الشباب معذور وعلمه محكور. قال: فأما الكبير... نعم دائما جهل الصغير معذور، الصغير يعذر في جهله وعلمه محقور، وكذلك الناس تستصغر ما عنده من العلم، تستصغر ما عنده من العلم يقول لك لسه صغير، معقول هذا يتقن هذا العلم؟ لا لساته واضح أن لساته صغير، مش مشكلة، بكره بيكبر يتعلم أكثر، ممكن يكون أفضل من بعض مشايخه.
نعم، قال: فأما الكبير فالجهل به أقبح، ونقصه عليه أفضح؛ لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلاً ولم يفده علماً وكانت أيامه في الجهل ماضية ومن الفضل خالية، كان الصغير أفضل منه؛ لأن الرجاء له أكثر والأمل فيه أظهر، وحسبك نقصاً في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه. سبحان الله، قال: وإن شئت لبعض أهل الأدب: إذا لم يكن مر السنين مترجماً عن الفضل في الإنسان سميته طفلاً. وما تنفع الأعوام حين تعدها ولم تستفد فيهن علماً ولا فضلا. أرى الدهر من سوء التصرف مائلاً إلى كل ذي جهل كأن به جهلاً.
طبعا هذا كلام بدك في خطا. طبعا هو يقول: أرى الدهر من سوء التصرف مائلاً إلى كل ذي جهل كأن به جهلاً. هذا كلام من يرى أنه الدهر يظلم عندما ترى الجهال أغنياء. قال: أرى الدهر يصفو بجانب الجهال ويسوده ويعطيهم ويترك العلماء، وكأن الدهر به جهل فلذلك يقف في جانب الجهال. طبعا هذا كلام شرعاً لا يجوز أن تقول الدهر جاهل؛ لأنه يقف في صف الجهال فيجعلهم أثرياء ويترك العلماء فقراء، لكن غفر الله لهم. لكن الكلام الأول هو الصحيح؛ يعني البيت الأول: إذا لم يكن مر السنين مترجماً عن الفضل في الإنسان سميته طفلاً. لو عمرك ستين سنة وأنت ما زلت جاهلا فانت طفل، إذا كانت مرور الحياة لم يزدك فضيلة في العلم فأنت طفل ولو بلغت ما بلغت.
وربما امتنع قال: وربما امتنع من طلب العلم لتعذر الكفاية. قال وشغله وشغله اكتسابها عن التماس العلم. كثير من الناس والشباب والأخوات ما الذي يمنعه عن طلب العلم في العشرين والثلاثين؟ اشتغاله بطلب الرزق المادة يعني المال، ما معنى المادة؟ المال. فيقول: وربما امتنع كثير من الناس عن طلب العلم لتعذر المادة، يعني لقله الرزق، فبقول لك: أنا والله مضطر يا شيخ أشتغل ما بقدر أطلب العلم لتعذر المادة وشغله اكتساب الرزق عن التماس العلم والبحث عنه عند أهله، وهذا وإن كان أعذر من غيره، يعني لسه هذا أحكي عنده مبرر أن الحياة قاسية ومش ملاقي شغل، وهذا وإن كان أعذر من غيره، مع أنه قل ما يكون ذلك إلا عند ذي شرة وعيب وشهوة مستعبدة له.
فينبغي لهذا الشخص الذي يصرف حياته في العمل والشغل أن يصرف إلى العلم حظاً من زمانه، وهذا دائماً ما ننصح به أنفسنا وإخواننا، حتى لو كنت تشتغل من الصباح للمساء، ساعة واحدة لطلب العلم ممتازه في حال أنك منشغل بكسب الرزق، اعمل في برنامجك وجدولك اليومي ولو ساعة واحدة تسمع فيه درساً أو تحضر فيه مجلساً، لا تغرقك الحياة المادية تماماً، لا يصلح هذا بالإنسان العاقل. إياك أن تقول أنا لأنني بشتغل خلص أنا ما بحضر العلم أبدا، معقول لا تجد من نهارك إلى ليلك ولو ساعة ساعتين تحضر مجلساً علمياً؟ يا اخي ساعة في الاسبوع، مجلس أسبوعي واحد تحضره تسمع فيه الكلام.
فهنا الماوردي يقول: لا بد ولو مجلس واحد تتعلم فيه على الأقل ما لا يسع المسلم جهله على الأقل. نعم قال: فليس كل الزمان زمان اكتساب، ولاد يعني الحياة مش كلها مصاري، يعني ليس كل الزمان زمان اكتساب، يعني الحياة ليست كلها مال، أربعة وعشرين ساعة بس بتفكر بالبزنس وتطوير الأعمال والأسواق وكيف أجيب كيف كذا. بعضهم حتى لو فكر يحضر مجلس العلم هو في مجلس العلم يفكر في الورشة وشو صار مع فلان أو الحسابات المالية. هنا يقول الماوردي: الحياة مش مادة، الحياة ليست فقط مال، المال مطلوب وسيلة، لكن ليست الحياة كلها لهذا. ولا بد للمكتسبات استراحة وأيام عطلة، ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغاً إلى غيره فهو عبد دنيا، اللي بيشتغل أربعة وعشرين ساعة كالماكينة هذا عبد دنيا وأسراء الحرص. جميل هذا التركيب، هؤلاء أسراء الحرص عبيد الدنيا.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل شيء فترة، فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا» -يعني لكل شيء فترة يعني راحة، فمن كانت راحته إلى العلم فقد نجا-. طيب، قال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كونوا علماء صالحين، فإن لم تكونوا علماء فجالسوا العلماء واسمعوا علماً يدلكم على الهدى أو يردكم عن الردا». وقال بعض العلماء: من أحب العلم أحاطت به فضائله. وقال بعض الحكماء: من صاحب العلماء وقر، ومن جالس السفهاء حقر.
وربما منعهم من طلب العلم ما يظنه من صعوبته وبعد غايته، ويخشى من قله ذهنه وبعد فطنته، وهذا الظن... طيب إذن لاحظ أنه يتكلم عن موانع التعلم؛ أول مانع تكلم عنه الكبر، أن الإنسان إذا كبر قد يستحي من التعلم، المانع الثاني الذي يتكلم عن مما يمنع الناس من التعلم ما هو؟ الانشغال بالرزق والحياة المادية، المانع الثالث الذي يتكلم عنه قال: وربما منعه من طلب العلم ما يظنه من صعوبته، الشيطان قد يصور لك أن العلم صعب، والله جلست مع الشيخ والله ما فهمت عليه كلمة، فصير يشعر أنه ايش؟ أن كل العلم صعب، لا ماهو بجوز ذاك الشيخ هو اسلوبه صعب، ربما أنت جلست مجلس مش تخصصك، يعني مجلس متقدم عنك شوي، فالعلم ليس صعباً، لكن عليك أن تعرف ممن تأخذه، درس الذي يناسب مستواك، فمن موانع العلم ومن تلبيس الشيطان في منع الإنسان من العلم ما يظنه من صعوبة العلم.
وبعد غايته، ويخشى من قلة ذنه بقوله: "أنا قدراتي العقلية بسيطة يا شيخ، ما أظن أنني أصلح للعلم". وبعد فطنته، وهذا الظن اعتذار ذوي النقص. هذا ليس اعتذار الإنسان العاقل، ما يصير تعتذر عن التعلم بحجة أن عقلك ضعيف، تعلم على قدر عقلك، وإن شاء الله عقلك ينمو.
قال: وهذا الظن هو اعتذار للنقص وخيفة للعجز؛ لأن الإخبار قبل الاختبار جهل. السؤال: أنت طلبت العلم وجلست فيه سنة أو سنتين، بعدين حكمت عليه أنه صعب؟ ولا أنت حكمت عليه أنه صعب قبل ما تدخل وترج فيه؟ فيقول: إن تخبر عن العلم أنه صعب قبل أن تختبره وترج فيه، هذا حكم جهل. الأصل تدخل في الشغلة، تمارسها، بعدين قيمها: صعبة ولا سهلة؟
قال: والخشية قبل الابتلاء عجز. أن تكون متخوفًا من أشياء وأنت ما عندك تجارب مسبقة فيها، هذا عجز. بالعكس، الإنسان متى يبدأ يكون عنده تخوفات؟ لما يخوض معارك الحياة وجولاتها، يصير عنده تخوف من بعض الأمور. أما تتخوف من أشياء وأنت أصلاً ما جربتها ولا اختبرتها، فهذا عجز. وقد قال الشاعر: لا تكونن للأمور هيوب ... أي خائفًا، فإلى خيبة يصير الهيوب. خلي عندك شوية جسارة واقتحام، طبعًا اقتحام عقلاني.
وقال رجل لأبي هريرة: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أن ضيع، فقال: «كفى بترك العلم طاعة». خايف أنك تضيعه وتقصر فيه؟ أصلًا أكبر تقصير في حياتك أنك لست طالب علم، عدم طلبك للعلم هو إضاعة له أصلاً.
«وإن تفاضلت الأذهان وتفاوتت الفطن، ينبغي لمن قل منها حظه أن يئس من نيل القليل». يعني يقول لك: حتى وإن كانت الأذهان متفاضلة، وحتى وإن كان الله قد قسم الذكاء، لكن لا تيأس وعليك أن تنال منه ولو قليلًا. خلاصة العبارة: ليس لمن قل عقله أن ييأس من نيل القليل، إن شاء الله ولو حصلت على 20%، ممتاز، أو 10%، ممتاز. وإدراك اليسير الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصص على الأقل.
فإن الماء معلينه يؤثر في صم الصخور. ما معنى هذا الكلام؟ بدي أعتبر عقلك صخرة، بدي أعتبر عقلك صخرة صماء، لا تأخذ ولا تعطي. الصخرة الصماء أدر عليها الماء سنة، سنتين، ثلاثة، أربعة، ست تجل مع الوقت، وتبدأ تتأثر بالماء ولو كانت صخرة صماء. كذلك عقلك، اعتبر عقلك صخرة لا تستقبل، ومع مرور العلم عليه وكثرة سماعه له يؤثر.
فهذا تشبيه جميل، يقول: فإن الماء معلينه ولو كان لينًا خفيفًا، والصخرة الصماء صعبة وصلبة، لكن كثرة نزول المطر على صخرة ما يلينها مع مرور الوقت، فكيف لا يؤثر العلم الذكي في نفس راغب شهي؟ فلا أظنك وصلت في عقلك وقلبك إلى أنك صخرة صماء، لا أظنك وصلت، يا أخي 10% من العقل، فحري بك أن تستفيد وأن تتعلم وأن تكبر مع العلم. فكيف لا يؤثر العلم الذكي في نفس راغب شهي وطالب علم؟ خلى بين نفسه وبين العلم، أو أعطى نفسه فرصة لطلب العلم.
وطالب العلم معانٍ، كما جاء في الحديث: «طالب العلم معانٍ»، يعني الله يعينه على فهم المسائل وإن صعبت بعضها في البدايات، لكن الله يسهلها في النهايات. قال النبي ﷺ: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». وهذا نهاية مجلس اليوم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل