الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. هذه كلمة متعلقة بأسئلة الشباب، وستكون مخالفة ربما للكثير من الكلمات التي اعتدنا عليها، فستكون هذه الكلمة فيها إجابة عن بعض الأسئلة التي تطرأ على أذهان الشباب، والتي عادةً ما يسألها الشباب. وهذا النوع من الأسئلة طبيعي جداً أن يسأله الشاب في الزمان الذي يعيش فيه؛ فهناك نوعية من الأسئلة تكثر عند القسم الأكبر من الناس بسبب الظروف التي يعيشونها. بمعنى: الشخص لما يعيش في زمان أو مكان يكثر فيه الحديث عن موضوع معين، طبيعي جداً هذا الإنسان يتأثر في هذا الطرح، ويريد إجابة على مثل هذه الأسئلة.
وهذا أمر طبيعي، ولذلك لابد أن يكون هناك هكذا جلسات فيها إجابة عن هذه الأسئلة، وكثيراً ما تكون الأسئلة متعلقة بالدين ممزوجاً بالحياة. شخص يريد أن ينصر الإسلام، لكن عنده مشكلة الجامعة، إذاً الجامعة هذه مشكلة تحتاج إلى إجابة. قضية الجامعة، مشكلة الجامعة ما كانت موجودة في الأزمنة الماضية، أو قبل جيلين أو ثلاثة، ما كانت منتشرة كثيراً، لكن الآن هناك مشكلة كبيرة في الجامعة. مشكلة الزواج؛ الزواج لم يتعقد عبر التاريخ إلا في هذا العصر، وهذه مشكلة كبيرة جداً يعاني منها أكثر الشباب. بل كثير من الشباب ممن يريد طلب العلم، والدعوة إلى الله، ونصر الإسلام، يتوقف بسبب هذه المشكلة. مشكلة العمل، الوظيفة، تحصيل المال، إلى آخره من هذه المشكلات الكبيرة التي يعاني منها الشباب، والتي ربما يستطيع الشيطان إذا ما عرف الشاب أن يسوسها أو أن يتعامل معها أن يوقعه فيها. وحقيقةً بعض المشاكل تحتاج إلى حكمة في التعامل معها، وأكثر هذه المشاكل تحتاج إلى هدوء في التعامل معها. ليس من الصواب أن الشخص يأخذ الكلام العام ثم لا يعرف كيف ينزل هذا الكلام على الواقع الخاص الذي يعيش فيه، فتقع عنده مشكلة في التعامل معه.
حتى لا يتشتت بنا الحديث إن صح التعبير، أنا بودي نأخذ بعض المشكلات التي ربما سئلت عنها أكثر من مئة مرة، وأتكلم عنها بشيء من العفوية والحقيقة. لن يكون الكلام رسمياً أو فيه ثقل بالعبارات، إنما كلام موافق للمشكلة ولطبيعتها، ثم بعد ذلك الشخص يعرف كيف يتعامل معها. عادة ما تطرح المشكلات في الكتب بطريقة فيها رمزية أو فيها مثالية، فيكون حل المشكلة ليس بالصورة الموضوعة في الكتاب. مثال ذلك مشكلة الزواج، الآن الزواج مشكلة يعاني منها أكثر الشباب. دعونا نبدأ بمشكلة الزواج، أي مجلس يجلس فيه الإنسان لمجرد أن يفتح موضوع الزواج يكون حديث كل الموجودين عن الزواج. هذه المشكلة تمس كل شاب في سن الجامعة أو بعد الجامعة بقليل، أو حتى أحياناً قبل الجامعة بقليل.
الزواج لا شك بأنه حاجة بشرية ملحة، وهو من سنن المرسلين، وكذلك هو سنة جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. بل رد النبي عليه الصلاة والسلام على الصحابة الذين طلبوا منه التبتل، ولما قال بعض الصحابة بأنه هم باعتزال النساء وجزم بذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الفعل وغضب غضباً شديداً، وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني». طيب، هذا الزواج الذي هو بمثابة شرب الماء أصبح في هذا العصر معقداً. شخص يريد أن يتزوج، شاب يريد الزواج، أول من يعارضه أقرب الناس له: والده ووالدته. هذا الشاب في سن الشباب، في سن ثورة الشباب والحماس، ما يعرف كيف يتعامل مع هذه المشكلة ولا كيف يخرج منها، فهو ممكن يفعل فعل أو يقول قولاً يقع في العقوق، فتمحق بركة عمل هذا الإنسان إذا كان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى. وفي نفس الوقت هو غير عارف كيف يتعامل مع الوالدين والمجتمع ضده، وما يدري كيف يتعامل معه. ثم لما يبحث في وسائل التواصل يجد كلاماً عاماً ولا يعرف كيف يتعامل مع هذه المشكلة. أنا أقولها لك بهدوء: مشكلة الزواج إذا أردنا أن نحل هذه المشكلة على مستوى الأمة لا نستطيع.
لماذا تم تعقيد الزواج؟ بسبب الحالة المادية، وبسبب اعتقاد الآباء والأمهات بأن زواج الابن سيؤثر في دراسته، وبسبب اشتراط والد الزوجة كذا وكذا، فأصبح هناك عرف عام في المجتمعات بأن الشاب لا يتزوج حتى يتخرج من الجامعة وحتى يكون عنده من المال كذا وكذا. طيب هو الآن كيف سينتظر؟ كيف سيصبر حتى تذهب هذه السنوات وتمضي؟ والشهوة ملحة على الإنسان، ولا يستطيع أن يتحمل هذا البلاء الكبير النفسي الذي يقع عليه. وطبيعي جداً أن الأب والأم لا يشعرون بهذا الشعور؛ ليس لأن الأب والأم ما مروا بهذا الشعور، لكن لأنهم يتعاملون مع الابن بمثالية، وهذا أمر طبيعي جداً يقع في نفوس الآباء والأمهات. الشاب لا يعرف تركيبة الأب والأم، يعني هو لا يعرف كيف يتعامل مع والده ووالدته، لذلك لما يطلب منهم شيئاً بطريقة غير صحيحة بالنسبة لهم؛ المدخل لم يكن صحيحاً، فطبيعي جداً أن الأب والأم يعارضون الابن ويرون بأن هذا كله من التهور، ويقولون: اصبر، وإلى آخره. هذا المثال الكبير أصلاً لا يمكن أن يطبق بالواقع إلا مع مغالبة ومجاهدة شديدة جداً.
شوفوا يا إخوان، موضوع الزواج حله العام لا نستطيع عليه بكل صراحة. يعني نريد أن نحل مشكلة الزواج على مستوى الأمة الإسلامية؛ هذا يحتاج إلى جيش من الدعاة، ويحتاج إلى قوانين صارمة، ويحتاج إلى تيسير من الدولة أو الدول لموضوع الزواج من خلال المهر، ويحتاج تغيير العرف. هذا حتى نصلحه نحتاج إلى قوة إعلامية، وقوة مالية، وقوة قانونية، هذه ثقافة. ليس معنى هذا أننا لا نجتهد في كسر هذا العرف، لكن كسره يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى عمر، وقد يكون ضحية هذا الكسر جيلاً كاملاً أو جيلين. طيب ماذا نفعل؟ أقول لك هذا الأمر نتكلم عنه ونسعى جاهدين، لكن حل مشكلة الشاب الفرد سهلة جداً. لما تأتي عند شخص عمره عشرون سنة يعيش في البلد الفلاني وهو في الجامعة، حاله حال بقية الشباب، يريد أن يتزوج والعرف كله ضده؛ نعم، أنت لوحدك ممكن تخرج، وليس الأمر صعباً، سهل جداً إذا عرفت الإنسان، بعد ما تستعين بالله وتتوكل عليه وتدعوه، ولا تعيش الضعف الذي يعيشه أكثر أبناء هذا الجيل.
أكثر أبناء هذا الجيل يجعل الأوهام حقيقة، ويجعل العقبات لا يمكن اجتيازها. الذي يفكر بهذه الطريقة لا يمكن يصنع شيئاً في الحياة. أي إنسان يفكر بأن هذه عقبة وهذه عقبة، خلاص، إنا لله وإنا إليه راجعون، نستسلم ونقف هكذا مكتوفي الأيدي، أنا أقول لك من البداية أنت حكمت على نفسك بالقتل. نفسك لا بد أن تغير طريقة تفكيرك؛ هذه الطريقة بالتفكير لا يفعلها من يريد أن يجتاز العقبات. الشخص الذي يريد أن يصل إلى المطلوب إذا كان يفكر بهذه الطريقة فالمشكلة عنده؛ يعني أكبر مشكلة ليس العرف ولا الثقافة الغالبة، إنما المشكلة هو أنت أيها الشاب، سمحت لهذا العرف وللثقافة الغالبة ولهذه العقبات بأن تأسرك. فأنت استسلمت، أنت وضعت يدك في العسر. تقول: طيب ما الحل؟ أقول لك: الحل سهل، الحل ليس صعباً، الحل ميسور.
الأعراف إذا ما عرف الإنسان كيف يتمرد عليها يخسر. الآن عندنا عرف بأن الزواج لا يكون إلا بعد كذا وكذا؛ إذا تمردت عليه بفجاجة ستخسر خسارة عظيمة جداً، ومن سيحطمك هم أقرب الناس لك. ممكن تقع في مشكلة مع والدك ومع والدتك وتكون ضريبتها كبيرة جداً عليك وعلى أسرتك، وأكثر الناس يحطمون أنفسهم بأنفسهم. هذه المشكلة الأولى تقع عند الشباب؛ إذا عرف الشاب أن هذه عقبة وأن هذه العقبة هناك طريقة في حلها، هنا يبدأ التفكير يتغير. فنبدأ نعكس طريقة التفكير؛ فبدل أن يكون تفكيرنا أن هذه عقبة، يكون التفكير: كيف نجتاز هذه العقبة؟ كيف نستطيع أن نتجاوز هذه المشكلة؟ كيف نستطيع أن نتخطى هذه الحفرة؟
الزواج مثل ما ذكرت عبارة عن حفرة، عبارة عن عقبات، كأن الطريق مفروش بالمسامير والأشواك. هذه المسامير والأشواك؛ هناك خطوات إذا ما وضعت رجلك على المسمار ستنجو. نعم، هنا عقبة، هنا أشواك، لكن هناك طريق، هذا الطريق لابد أن تلبس كشاف البصيرة الذي تستطيع من خلاله أن تكتشف الطريق الذي تجتاز به هذه العقبات بإذن الله. طيب تقول لي: ما هو كشاف البصيرة؟ أقول لك: أنت تتعامل مع بشر، هؤلاء البشر لابد أن تعلم بأن قلوبهم بيد الله سبحانه وتعالى وليست بأيديهم هم. فإذا أراد الله أن يصنع شيئاً أو أن يحدث شيء يستطيع سبحانه وتعالى أن يصنعه وإن لم يرد البشر أجمعين. إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يزوجك سيزوجك، حتى لو ما كنت تملك أي مقوم من المقومات، هذه عقيدة. ثلاثة حق على الله عونهم، منهم الناكح الذي يريد العفاف. لابد أن الشخص تكون عنده هذه العقيدة جازمة، وليست اعتقاداً عاماً يقرأ الحديث وهو يرى أن الواقع أقوى في نفسه من قوة الآيات والأحاديث.
الأمر الثاني: هؤلاء البشر كلهم لهم مفاتيح؛ الأب له مفتاح، الأم لها مفتاح، الزوجة لها مفتاح، والد الزوجة له مفتاح، ووالدة الزوجة لها مفتاح. هؤلاء الخمسة لابد أن تعرف كيف تتعامل مع كل شخص منهم إذا أردت أن تتزوج. دعنا الآن من الشق الآخر المتعلق بوالد الزوجة والزوجة وأمها؛ الأب وكذلك الأم لابد أن تكون رجلاً. كلامي أنا أوجهه للشباب ليس للفتيات، الأخوات سنعقب إن شاء الله تعالى ونتكلم عن هذا الموضوع بشيء من التفصيل. الشخص يريد الزواج، شاب يريد أن يتزوج، يذهب إلى والده، والده طبيعي جداً يقول له: من أين سأزوجك؟ من سيقبل بك وأنت في هذا السن في هذا العمر؟ هذا الكلام كله غير صحيح. لماذا غير صحيح؟ لأن هناك قسماً من الآباء، وقسماً من الأمهات، غير مستسلمين للعرف؛ والعرف هذا أصلاً مبني على عدم قدرة الشاب. المشكلة الموجودة عند والد الفتاة: كيف أزوجك وأنت ما عندك وظيفة وأنت ما عندك أموال؟ فلما تكون عندك أموال أو تكون عندك وظيفة هنا طبيعي جداً أنه سيسمح ولن يعارض.
طيب تقول لي: كيف أنا الآن أحصل المال؟ كيف أنا أحصل وظيفة؟ أقول لك: أنت الآن لابد أنك تعيش رجولتك، لا تعيش طفولتك. مشكلة الواقع الذي نعيشه اليوم أنه جعل الرجال أطفالاً؛ يعني شخص عمره عشرون سنة يعيش بعمر ثلاث سنوات أو سبع سنوات، وهو في سن التكليف. الإسلام كلفك منذ سنوات، والإسلام لا يكلف إلا من يستطيع أن يتحمل هذا التكليف. فالشاب في هذا العمر يبدأ يبحث، يبدأ يسعى، يبدأ يكدح، يبدأ يجتهد في البحث، ما يقف مكتوف الأيدي. يبحث هنا، ويبحث هنا، حتى يصل إلى العمل الذي يستطيع من خلاله أن يحصل الرزق الذي يستطيع أن يكف به نفسه وعائلته، مع الاستعانة بالله سبحانه وتعالى والتوكل عليه. إذا الأب كان يملك القدرة على إعانة ابنه لابد أن ينفق عليه، وإذا كان يملك القدرة ولا يريد أن ينفق لابد أن الابن بكل صراحة يوقع والده بالمصيدة. تقول لي كيف؟ أقول لك الابن يظهر لوالده أنه يستطيع، عادي، ثم لما يتزوج أربعة أشهر أو خمسة أشهر يرجع إلى والده يقول: يا أبتي لابد أنك تعينني، والأب لابد أن يعينه. قبل الزواج الأب ما يعين، لكن بعد الزواج العاطفة تغلب، إذا كان يملك؛ إذا ما كان يملك لا، لا توقع والدك في حرج. بعض الأشخاص يسألني يقول لي: إن أبي يملك الأموال لكن أبي لا يريد مني أن أعتمد على نفسي، وهو لا يريد مني أن أخرج من الجامعة، وفي نفس الوقت يريد مني أن أعتمد على نفسي، كيف هذا الشيء؟
الآن عندنا ثلاث خيارات: خيار أني أخرج من الجامعة وأعمل، وهذا الأب لا يريده. خيار أني أتزوج وأقصر في الجامعة وأبحث عن عمل، وهذا كذلك الأب لا يريده. الخيار الثالث هو أني لا أتزوج، وهذا أنا لا أريده ولا أستطيع عليه. أي الخيارات أولى؟
الخيار الأولى هو أنك تكمل الجامعة وتتزوج وتوقع والدك بالمصيدة، وما في عارض شرعي، بالعكس هذه مصيدة محمودة. بعض الآباء يحتاج أن يتم تغافله بكل صراحة مع الحب والتعظيم والإجلال للأب، لكن كثير من الآباء لا يحسن التفكير. الآباء هؤلاء بشر، هؤلاء أناس عاديون، أبناء المجتمع، لا يستطيعون أن يديروا مملكتهم الخاصة فضلاً عن أن يديروا ما هو من ذلك؛ فهو يوقع ابنه في مشاكل وممكن يكون هو سبب فيها.
وكم رأيت والله، أنا إنسان مخالط للناس، ولست إنساناً مكتبياً أو أجلس فقط لألقي دروساً. خالطت الكثير جداً من الآباء والأمهات، والأسئلة التي تأتيني لا تنتهي؛ يومياً أكثر من 50 أو 60 سؤالاً، وأكثرها أسئلة خاصة متعلقة بابنة تعاني مشكلة، أو والد يشتكي من أبيه. هؤلاء بشر، أنا لا أدري كيف تزوجوا، ولا كيف يتعاملون مع أبنائهم بهذه الطريقة، لكنه قد لا يتعامل معهم بغضاً، إنما يتعامل معهم رحمةً لكن ما يفهم. فالذي لا يستوعب ولا يعرف يتعامل مع الإنسان طبيعي جداً أن يخطئ في حقه.
فكثير من الآباء والأمهات في هذا العصر أجرموا في حق أبنائهم، ولكن لا يجوز للابن أن يقول بأن والدي أجرم في حقي؛ لأن والدك ابن مجتمعه. هناك فرق بين الكلام الذي يقال عاماً -حتى لا تكون أنت كذلك تجرم في حق ابنك في المستقبل- وبين أن نوصف الواقع كما هو، فكثير من الآباء والأمهات لا يعرفون يربون أبناءهم. وليس معنى هذا أن الابن يجوز له أن يقول أبي ما عرف يربي؛ أبوك وأمك هم أبناء المجتمع.
لما جاء رجل في زمان الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى الإمام أحمد وقال: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، قال: لا تطلقها. فقال: إن عمر أمر ابنه بأن يطلقها. فقال: أطع أباك حتى يكون أبوك مثل عمر. آباؤنا وأمهاتنا ليسوا مثل عمر بن الخطاب، وليسوا مثل عائشة ابنة أبي بكر وخديجة بنت خويلد رضي الله عن الصحابة وعن أمهات المؤمنين أجمعين. آباؤنا وأمهاتنا أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه، وهذا طبيعي جداً أن هذا المجتمع يشكلهم بالضغوط التي وقعت عليهم؛ فطبيعي جداً أن هذا الأب عاش في هذا المجتمع فأصبح تفكيره مثل تفكير أقرانه.
الذي يخرج من هذا التفكير 2% أو 3% أو 5% من المجتمعات، أما الـ 95% من جميع المجتمعات على اختلاف العصور هم أبناء الثقافة الغالبة التي تحكمهم أيّاً كانت هذه الثقافة. اليوم الثقافة الغالبة في جميع المجتمعات الإسلامية إلا في مجتمعات يسيرة جداً، أن الابن لا يتزوج إلا بعد 25 سنة، وقبلها صعب يتزوج. هذا الكلام ما تمكن من بلداننا إلا في السنوات الأخيرة؛ فالجيل الذي قبل جيلنا كان الابن يتزوج وهو صغير. الفتاة في الأجيال الماضية، وإلى الآن الحمد لله في كثير من المجتمعات خاصة التي تعرضت لحروب، الوضع عندهم أسهل، مثل المجتمع السوري؛ فالزواج عندهم سهل نوعاً ما، والفتاة تتزوج وهي صغيرة. قبل طبعاً إذا وصلت 20 هذه تعتبر كبيرة جداً، أما الآن في المجتمعات التي حكمتها المدنية خاصة من يعيش في المدن، لا تتزوج الفتاة إلا بعد الـ 25 أو الـ 26 أو الـ 27 أو الـ 28.
هذا كله لماذا؟ لأسباب، من ضمنها الثقافة الغالبة التي حكمت الناس بهذه الطريقة. هذه الثقافة الغالبة لماذا نحن نستسلم لها؟ التمرد العام عليها صعب، لكن التمرد الخاص سهل. تأتي عند هذا الأب إذا كان يملك مالاً تضعه في المصيدة وتتغافله تغافلاً محموداً وتفوز عند الله سبحانه وتعالى برفع الإثم عن والدك. بالقوة لن تأخذ شيئاً؛ لا تأتي عند والدك وتقول: يا أبتي والله إذا ما أعطيتني سأفعل وأفعل، أقول لك تقع في العقوق وتخسر الدنيا والآخرة، والله يعجل عقوبة العاق في الدنيا قبل الآخرة.
تذهب إلى والدك وتقول: لا بد أنك تعطيني وإلا ستأثم يوم القيامة؛ لا تقل هذا الكلام أنت، اجعل غيرك يقوله، إمام المسجد إذا كان والدك يصلي في المسجد، أحد أقاربك، هو من يخاطب والدك بهذه الطريقة. أما أن تقول أنت بنفسك لوالدك هذا الكلام فلا يجوز. طيب ماذا تفعل؟ أنا أقول لك خادع والدك، وهنا الخداع محمود ما في مشكلة. كيف الخداع محمود؟ تقول أنا عندي أموال ولله الحمد -بشرط أن تتأكد من عنده مال- ثم تبدأ تتزوج تدريجياً، تقول: يا أبتي أنا انقطع بي الحال ولا بد أن تعينني. هنا لا شك أن الوالدة ستعينك مع الوالد وستضغط عليه، والوالد لا بد أن يقوم بإعانتك حتى تجتاز هذه المرحلة الحرجة، ويكون معك التوكل، ويكون معك التوكل، ثلاثة حق على الله إعانتهم، منهم الناكح يريد العفة.
يقول لي: طيب أبي ما عنده القدرة؟ أقول لك إذا والدك ما عنده القدرة هنا أنت لا بد أن تسعى، لا بد أن تكدح، لا بد أن تجتهد، وإن كنت تخاف على دينك خوفاً حقيقياً -يعني ممكن تقع في كبيرة من كبائر الذنوب- أنا أقول لك اخرج من الجامعة بكل صراحة. لا تجعل شيئاً من أمور الدنيا أقوى من أمور الآخرة؛ هذا الكلام طبعاً لا يعجب كثير من الآباء والأمهات، ولكن دين الإنسان أغلى من كل شيء، يعني إذا الإنسان أجبر على أن يتخلى عن أمر دنيوي مقابل أمر أخروي لا بد أن يتخلى عنه.
هل تبادر إلى اتخاذ القرار؟ أقول لك لا تبادر، اسعى، ضع لنفسك مدة زمنية، وعلى فكرة المدة الزمنية هذه التي يتحرك فيها الإنسان تشغله عن حاجاته الخاصة. فرق كبير بين شخص يريد أن يتزوج ويجلس متلوماً، ويبث همومه عند كل شخص يمر عليه، والشيخ الفلاني عنده بوت خاص يرسل له قصة طويلة وسؤالاً ويكرر هذه الأسئلة، هذه الأسئلة لن تخرجك من دائرتك؛ أنت المسؤول عن إخراج نفسك من هذه الدائرة، ليس الشخص البعيد عنك، البعيد عنك يوصيك ويرشدك إرشاداً عاماً، لكن نفس الخروج لا بد أنك أنت تتخذ قراراً شجاعاً، وأن تخرج نفسك من الحفرة التي أوقعت نفسك فيها أو التي هي أمامك.
وإذا استسلمت وقلت: لا والله وجدت عملاً بس عمل 10 ساعات في اليوم والـ 10 ساعات هذه ستمنعني من شغلي الإصلاحي، طيب ماذا أفعل؟ أقول لك قدر بكل صراحة بين حاجتك الخاصة وبين عملك في الإسلام. بمعنى إذا كنت تخاف على نفسك حقيقةً من الفتنة، أنا أقول لك خفف عملك الدعوي وأخرج من الإثم، لا تقع بالذنب وأنت تريد عمل الإسلام، هذا كله من الشيطان. ليس معنى هذا أن الواحد يترك الثغور الإصلاحية، لا، لكن معنى هذا أن الشخص لا يقع في الذنوب والمعاصي، هو إنسان وبشر.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لما أصبح الخليفة، أول يوم نزل إلى السوق، وكان بزازاً يبيع الثياب. فقال له عمر بن الخطاب: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ فقال له: إلى السوق حتى أعيل أهلي. فقالوا له: يا أمير المؤمنين كيف ستترك الحكم وتوجيه الناس إلى آخره؟ فقال: طيب وكيف أعيل أهلي؟ فقالوا: اجلس فنفرض لك من بيت المال، ففرضوا له، ليس من أعلى قريش ولا من أدناهم، إنما من أوسط قريش؛ يعني كم يأخذ المتوسط في قريش؟ هو يأخذ مثله، ثم لما مات أرجع المال الزائد إلى بيت المال.
فطبيعي جداً أن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى يريد أن يتزوج، أنا أقول لك إذا كان الزواج وصل معك إلى درجة الوجوب -ومتى يكون الزواج واجباً؟ لما الشخص يخاف على نفسه الإثم- إذا كان الشخص يخاف على نفسه الإثم ويرى بأنه إذا ما تزوج سيقع في الإثم وهو ميسر له، أنا أقول لك الآن لا يكن همك في الحياة إلا أن تتزوج مع عبادتك الخاصة، والدعوة تستمر فيها بالقدر الذي تستطيع. تقول: لا أنا لست في هذه الدرجة، أقول لك إذا كنت لم تصل إلى هذه الدرجة فالأمر معك سهل، يعني إذا كان الشخص يستطيع أن يمتنع عن الزواج أو أن الزواج ليس مؤثراً عليه -هو يريد لكن ليس تأثيراً كبيراً وضغطاً عظيماً على نفسه- فالأمر سهل وميسور، خلاص يستمر في دعوته ويستمر في طلبه للعلم ولا يتركه؛ هذا ثغر.
هل معنى هذا أن الشخص يقول: بنيت عملاً وأتركه؟ أنا أقول لك لا تتركه، لكن وازن. لا تكن حدياً في التعامل في مثل هذه المسائل، إنما وازن، وازن يعني مع طلبك للعلم ودعوتك إلى الله حاول أن تسعى أن تعف نفسك، والله سيعينك. والله لا يريد منا إلا أن نقابل أقدارنا بشرعه، والشرع شق منه متعلق بالقدر وشق ثابت لا يتغير. الشق المتعلق بالقدر أن الله يريدني الآن أن أتزوج، خلاص، هذا سعيي بالزواج أصلاً أجر، يعني نفس تحركي من أجل الزواج هو أجر عند الله سبحانه وتعالى. نريد أن نعف نفسي، والله إذا علم الإنسان الصدق أعانه ويسر له وجمع له بين الزواج وبين نصرة الإسلام والعمل له.
إذاً يا إخوان مثل هذه القضايا وهذه الأسئلة التي يعاني منها اليوم أكثر شباب الجيل، لا بد أن يتعاملوا معها بهذه الصورة وبهذه الطريقة، ولا يقفوا عند حدود المشكلة. لا تجعل أي موقف من مواقف الحياة يكسرك؛ مهما كان الموقف عظيماً، مهما كان ثقيلاً، مهما كان شاقاً، لا تجعله يكسرك، لا تجعله يتمكن منك، كن أنت أقوى من الموقف بالله سبحانه وتعالى. لما يأتيك موقف ترى غيرك يسقط فيه لا تسقط؛ ليكن همك كيف تتجاوزه، لا تفكر بأن هذه الآن عقبة، لا تفكر بهذه الطريقة. إذا فهمت كلامي واستحضرته وطبقته لن توقفك مشاكل الحياة، وستمر عليك العقبات، أسأل الله ألا تمر، لكن هي لا بد أن تمر على بعض البشر، خاصة الذين صفاهم الله سبحانه وتعالى، العقبات الكبرى يتجاوزونها وكأنها غير موجودة في حياتهم، وتجد الناس تمر عليهم عقبات صغرى صغيرة جداً ويسقطون بها.
أما هذا القسم من الناس ما يسقطون، عقبات كبرى لا يراها شيئاً، يراها بسيطة وعادية، لماذا؟ لأنه يعلم بأن كل ما يجري في قدر الله هو متعلق بالله سبحانه وتعالى، ليس هو خارجاً عن اسم الله القدير. هو يؤمن بأن الله هو القدير، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]. فالله إذا كان كاتب له الزواج سيتزوج، وإذا كان كاتب له أن يقوم بكذا سيقوم بكذا، هو لا يبالي ولا يتأثر التأثر الذي يتأثر فيه أكثر شباب اليوم؛ يتعلق بشيء معين أو يقف عند شيء معين وكأن الدنيا كلها محصورة في هذا الشيء. هذا الشيء أصلاً غير حقيقي، هذا وهم، فماذا هذا التعلق الكبير؟
طبعاً هذا كله يا إخوان دليل كبير على عدم تعرف العبد على الله، هو إلى الآن ما وصل أن يعرف من هو الله، من لم يعرف من هو الرحمن، ومن هو القدير، ومن هو الرحيم، فلذلك يعسر الواقع؛ فعسر الواقع سببه هو عدم تعرف العبد على الله سبحانه وتعالى. إذاً يا إخوان مشكلة الزواج العامة صعبة، أما الخاصة فسهلة. كيف سهلة؟ تأتي عند والدك، عند والدتك، إذا شفت الوالد مقفل الموضوع، الوالدة تضغط عليها، الوالد والوالدة يأتيان ويفكران.
الأب والأم يشعران بشعورين تجاه أبنائهما؛ الشعور الأول شعور العزة والكرامة، والشعور الثاني شعور الرحمة والمحبة. الشعور الأول لا يحتمل الأب أن يخدش كرامة ابنه، لذلك هو ممكن يضر ابنه لما يخدش كرامته من غير أن يقصد. والشعور الثاني شعور الرحمة والمحبة، هذا يغلب الأب والأم، لا يستطيع الأب مهما كان قوياً -إلا الشواذ، شخص مريض أو شخص ليس طبيعياً- وكذلك الأم، أن يقاوموا كثيراً هذا الشعور. لما يكون الابن حزيناً أو يدخل البيت وهو يريد الزواج، ويصر على والدته مع الدعاء والاستعانة بالله، ويعلم أن قلب والدته بيد الله وليس العكس -أقصد أن الوالدة لا تملك قلبها، إنما الله هو الذي يملك قلبها سبحانه وتعالى- هنا بعد مدة ستجد الوالدة تتأثر تأثراً كبيراً جداً، وستجد الوالدة تقبل وتكون معك، لكن أنت كذلك لا بد أن تسعى.
كذلك الوالد سيقول لك أنا معك، بس ماذا أفعل؟ أنت الآن لا بد أن تأتي بإجابة سؤال: ماذا أفعل؟ بهذه الطريقة يكون خروج الشخص بإذن الله من هذه المشكلة العويصة التي يعاني منها اليوم عامة الشعب. أما إذا كان شاب، وإذا شاب ما كان موضوع الزواج كبير بالنسبة له، هو أنا أقول لك لا تؤخر الزواج حتى تعمل الإسلام بغاية ما تستطيع.
هذا موضوع آخر؛ لعله يكون إن شاء الله في مجلس آخر نتكلم متى يتزوج الشاب إذا كان يستطيع عدم الزواج. أما بالنسبة للفتيات، كثير من الفتيات كذلك يسألن كيف نتزوج إذا كنا نحن نجلس في البيت مثلاً، أو ما هي الطريقة التي من خلالها نحصن أنفسنا؟
أنا أقول بأن الزواج رزق، والزواج من الشخص المناسب رزق. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». وكذلك بالنسبة للفتاة، الزواج حاجة، ولكن لما تتزوج الفتاة من شخص غير مناسب ستتمنى أنها لم تتزوج. لذلك حتى يمن الله عليها بأن يطرق بابها الرجل المناسب، لا بد أن تكون من القانتات. والله رأيت كثير في حياتي من الأشخاص ممن تزوج من نساء صالحات يبعدن عنه مسافات طويلة جداً ولا يمكن أن يصل إليها أصلاً، فبعد الزواج يكتشف بأن هذه الفتاة كانت تستغفر الله استغفاراً عجيباً.
حتى قبل مدة يسيرة جداً كان يحدثني أحد الأشخاص ويقول بأن سبب زواجه هو أن والدة الزوجة كانت تدعو الله سبحانه وتعالى بأن تتزوج بنتها من هذا الشخص، وهذا الشخص وين وهذا وين؟ مسافات طويلة بينهم، كيف وصل هذا الشخص إليها؟ بالدعاء، وهنا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. فلما تتعامل الفتاة بهذه الطريقة مع الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه هو الذي يبعث، ويأتيها فوق ما تظن، ويأتيها فوق ما تظن.
لكن لا بد أن يكون هناك ابتلاء وهناك اختبار، مع بذل الأسباب. الأسباب لا بد أن تُبذل، لكن الأسباب في الزواج ليست كبيرة؛ موضوع الزواج من النساء الصالحات أو من الرجال الصالحين هذا موضوع الأسباب فيه ضعيفة جداً، أسباب هكذا فقط تحريك اليد، لكن نفس الإصابة هذه تكون بالله سبحانه وتعالى. فكثرة الدعاء مع الاستغفار مع تمني أن يمن الله على العبد وعلى الفتاة بالزواج ممن يصلح لها، هذا ما يتعلق في موضوع الزواج، وإن كان الكلام عنه أكثر من هذا بكثير، لكن فقط أحببت أن ننبه ونبين طريقة التعامل مع مثل هذا الموضوع الذي يكثر السؤال عنه.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري