دخولتسجيل الدخول

أسئلة الشباب 02 | سؤال الثغر

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الموضوع الثاني الذي يريد أن يتكلم عنه المتعلق بأسئلة الشباب التي لا تنتهي والكثيرة جداً؛ فتقريباً كل يوم يسأل الشخص هذا السؤال: كيف أنصر الإسلام؟ أو ما هو الثغر الذي أنصر من خلاله الإسلام؟ مع أننا سبحان الله معنا محاضرات كثيرة ومقاطع كثيرة جداً، وكذلك كتب مؤلفة، ومع ذلك أكثر الشباب يسألون كيف ننصر الإسلام؟ أريد أن أعمل للدين، ما هي الطريقة التي من خلالها أستطيع أن أنصر ديني؟ أنا أقول لك: لن تجد أحداً من البشر يستطيع أن يحدد لك ثغرك على وجه التفصيل، إنما هو يحدد لك ثغرك على وجه الإجمال، أما التفصيل فلا بد أن تكون حسن العبادة مع الله.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. الشخص لما يدعو الله في ثلث الليل الأخير، وقبل ذلك الشخص الذي لا يدعو هذا لا يسأل هذا السؤال؛ يعني الشخص إذا عنده مشكلة في الصلاة أو عنده مشكلة في الدعاء، أنا أقول لك سؤالك خطأ أصلاً. هذا السؤال لن تبلغ له، ولن تُهدى له؛ فهنا الهداية لا بد أن تكون بالله وليست بالبشر، يعني لا يوجد شيخ على وجه الأرض ولا داعية ولا عالم يستطيع أن يحملك على القيام بهذا الثغر، لأن نفس البصيرة غير موجودة.

سؤال الشيخ أو سؤال الداعية هذا كله يأتي بعد التضرع لله سبحانه وتعالى وتملق الله، يعني بعد ما يدعو العبد دعاء الذي لا يريد من دنياه أن ينصر الإسلام، لا يريد إلا أن يفوز برضا الله سبحانه وتعالى؛ هذا هو الذي يُهدى، أما غير هذا فما يُهدى. بالنسبة للعمل الإسلامي، كان من ضمن الأعمال الدنيوية التي يحصل من خلالها رزق أعظم من العمل مع الله، أنا أقول لك أنت عندك مشكلة كبيرة أصلاً في المحبة، عندك مشكلة كبيرة في التوحيد، عندك مشكلة كبيرة في الإيمان، تحتاج أن تعيد علاقتك مع الله بطريقة صحيحة، أن تصحح العلاقة. لا تسأل الشيخ فلاناً وتضيع وقته، وتشغل سؤالك هذا الذي يأخذ من وقته وهو مشغول بشيء ربما يكون أفضل من هذا السؤال فلا تسأله، متى تسأله؟ تسأله بعد ما تدعو الله كثيراً، وبعد ما تثبت لله بأنك عبد لا تريد من الدنيا إلا هو، وأن العمل للإسلام ونصرة الدين أغلى عندك من كل شيء في الحياة، وتكون صادقاً في هذه الدعوات، وتكون صاحب صلاة، وعندك علاقة مع القرآن الكريم. هذه الأنوار الإلهية إذا كانت موجودة عندك أنا أقول لك بعد ذلك اسأل، والله سيجري على لسان المسؤول الموافق لك، أما غير هذا فما تستطيع؛ لن يستطيع شخص أن يصيب مراد الله إلا بالله، لن يستطيع شخص أن يدعو إلى الله إلا بالله، لن يستطيع شخص أن يفوز بالدرجات العالية بالجنة إلا بالله سبحانه وتعالى.

الهداية من الله، والذي وضع الطريق هو الله، والذي يعين الشخص على الاستمرار في هذا الطريق هو الله، والذي يُصيب بالعبد هو الله. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: 39]، صنعتك لنفسي، أنا اخترتك فاستمع لما يوحى، نُصيب برحمتنا من نشاء؛ هو الذي يُصيب، هو الذي اختار، هو الذي يصنع، وهو نفسه سبحانه وتعالى الذي وضع الطريق: ﴿إِنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153]، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾ [الليل: 12]، وكذلك هو الذي يعين الشخص: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فاعبده وتوكل عليه. فالتوكل على الله واتخاذ الله سبحانه وتعالى وكيلاً مع استحضار أن الله هو الذي وضع هذا الطريق وأن الأنوار كلها تأتي من الله، هذا الإنسان هو الذي يُهدى، هو الذي يوفق، هو الذي يرشد بإذن الله إلى إصابة الطريق الذي يريد الله به. لا يستطيع الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة والاطلاع والذكاء والاتصال بالشيوخ إلى آخره أن يصيب الحق، لا يصيب الحق إلا بالله؛ فإذاً هذا الشق هو الأكبر، هو الأعظم، هو الأصل، بعد ذلك يأتي البحث، تقرأ في كتاب فلاني، تستمع لمحاضرة فلانية، تسأل سؤالاً، هذا السؤال وهذا البحث هذا يدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾، يعني من ضمن أبواب المجاهدة هو أنك تسأل، لكن لا بد أن ترتبها؛ يعني السؤال لا يكون مثل ما ذكرت إلا بعد حسن العبادة، أما قبل حسن العبادة فالسؤال هذا لن يزيدك فائدة، إنما ستضيع وتتشتت، وأكثر الناس لا يتعاملون مع هذه الأسئلة بالطريقة الصحيحة.

بعض الناس يريد خطة هكذا من أن يولد إلى أن يموت في العمل الإسلامي، هذا لا وجود له. إذا الله أراد أن يحيي إنساناً وأن يفتح على إنسان، الله سبحانه وتعالى يسلط أقداره عليه؛ يعني كيف؟ هو الآن يعمل عملاً معيناً، ثم هو ليس في خطته أن العمل الذي يلي هذا العمل هو هذا، الله يسلط عليه قدراً يمنعه من العمل الثاني، فينتقل بالله سبحانه وتعالى بقدر الله إلى عمل آخر، ثم بعد ذلك في هذا العمل يستمر في سنة أو سنتين، هو الآن يريد أن الله يسلط عليه قدراً فينتقل، هذا إذا أراد الله أن يحميه لعمل. إذا أراد الله أن يحمي عمله يوكل الإنسان على نفسه، يقول له أنت خلاص، يجعله يضع الخطة لنفسه ويبدأ يضع خطة من رقم واحد إلى ألف وهو يعيش وقته كله بوضع الخطط، وهذا الإنسان ما يوفق، حتى لو وفق في إتقان خطته هو لن يوفق بإصابة القدر أو الشرع الإلهي الذي يريده الله سبحانه وتعالى منه على اختلاف القدر الذي يعيش فيه. إذاً إخواني، هذا السؤال المتعلق بالثغر يكون بهذا الترتيب: دعاء، استعانة بالله، كثرة ذكر، تتملق الله سبحانه وتعالى؛ بهذه العبوديات يوفق الإنسان، بهذه العبوديات يُهدى الإنسان بإذن الله سبحانه وتعالى. إذا ما كان بهذه الطريقة أنا أقول لك كيف تصيب؟ ما تستطيع، ما تستطيع أن تصيب.

كذلك من ضمن الأسباب أن الشخص يبحث عن الأعمال التي بها بركة، مما رأيت في حياتي ممن وُفق في الاستمرار في العمل الإسلامي، وكنت أتعجب من بعضهم، سبحان الله؛ الشخص إخواني لما يكبر في السن ويعيش تجربة معينة بالحياة هو خلاص اعتاد على أشياء كثيرة، يعني اعتاد على ترك الناس؛ طبيعي جداً أنك الآن تفتح مشروعاً يسجل معك مئة، مئتين، ألف، إلى آخره، بعد فترة ما يبقى إلا اثنان ثلاثة خمسة، هذا طبيعي جداً في مشاريع الإسلام في كل مكان وفي كل زمان؛ فهو خلاص متعود على هذا الشيء، لأن هذا الطريق صعب، هذا الطريق مليء بالفتن، والشيطان موجود. العجيب أن لماذا هذا استمر؟ تأتي عند شخص تجده من ضمن المجموعات الكبيرة هذه بقي، لماذا؟ لما تدخل معه وتجلس معه تجد أنه يقرأ سورة البقرة كل يوم، وهذه أنا أعرف تقريباً يمكن خمسة من الأشخاص ممن هم مستمرون يومياً يقرأون سورة البقرة، يومياً؛ ما تشرق عليه الشمس وتأتي اليوم الذي يليه إلا وقد قرأ سورة البقرة، يومياً، ما يتخلى عنها، هذه البقرة عظيمة جداً في البركة، عظيمة جداً في البركة، ولا تستطيع الشياطين عليها، والشيطان مترصد لسالك الطريق، ويعلم الشيطان بأنه قادر إن أذن الله سبحانه وتعالى بأن يغوي الإنسان، لكن الله قال له عن ذريته إلا قليلاً؛ فالشيطان يعرف بأنه يستطيع على هذا الإنسان، هذا الإنسان ضعيف، لا يستطيع على الشيطان إلا بالله سبحانه وتعالى. وهذا الإنسان لما يغفل عن الله ويبدأ يتصارع مع الشيطان بقدرته هو وبذكائه وبقراءته للكتب وبمعرفته، أنا أقول لك الشيطان فاز 100%، وهو أيقن بأنه عنده قدرة على إسقاطك بكل سهولة ويسر.

تقول طيب الإنسان إلى الآن لا يوجد في معارفه أو في علاقاته من يستطيع أن يهديه، أقول لك الله سيأتيك به، لست أنت؛ من قال لك بأن الإمام أحمد لما جلس عند الشافعي، ليس أحمد هو الذي قصد دروساً عند الشافعي، إنما أحمد نزلت عليه هداية إلهية، طيب لماذا نزلت هذه الهداية الإلهية؟ لأن الإمام أحمد كان بينه وبين الله علاقة خاصة عظيمة قوية، هذا الرجل يصلي باليوم 300 ركعة، يا إخوان رجل بلغ هذا العلم وهذه المعرفة ومع هذا العلم يصلي 300 ركعة؛ يعني كم النور الموجود مع الإمام أحمد؟ يعني الإمام أحمد هذا الرجل يتحرك لما يفتي ولما يتكلم ومعه كل يوم 300 ركعة، هذا كم النور الذي كشف الله سبحانه وتعالى بصيرته به؟ عظيم جداً، هل هذا الرجل يساوى بشخص يصلي باليوم 20 ركعة مثلاً أو 10 ركعات؟ مستحيل. شخص كل يوم يقرأ البقرة، كل يوم، كل يوم يومياً ما تذهب 24 ساعة إلا ويقول: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ إلى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآيات؛ هذه يومياً يقرأ البقرة، هذا كيف الشيطان يستطيع عليه؟

هذا الشيطان كل يوم متربص وجالس له، والبقرة لا تستطيع عليها البطلة، يعني البطلة هم السحرة، ومنهم من يقول سحرة الجن، لا يستطيعون على هذا الإنسان. «خذوها بركة» يقول النبي عليه الصلاة والسلام؛ هذه البركة العظيمة يومية، يعني هذا الإنسان ملتحم بالبركة كل يوم، بركة الله تتنزل عليه كل يوم، هذا الإنسان كيف الشيطان يستطيع عليه؟ متى الشيطان يستطيع أن يغوي هذا الإنسان الذي يقرأ البقرة كل يوم؟ مستحيل. إذاً يا إخوان ترى هذه الأعمال التي فيها بركة يُوفق الإنسان بها توفيقاً عظيماً، وأنا كل شخص أشوف فيه فتحاً عليه أسأله عن أعماله، ماذا تفعل؟ كيف؟ تجد أن عنده عملاً خاصاً، تجد أن العمل فيه بركة، تجد أن هذا الإنسان عنده نية صالحة؛ وهذا قسم ثانٍ من الأعمال.

تصور يا إخوان شخصاً ممن أعرفه وممن فُتح عليه وأحسبه من الصالحين جداً، ما عنده وسيلة للتأثير إلا حالة الواتساب، فقط، يعني لا يستطيع أن يؤثر على الناس، مو مثلنا الآن عندك 20 قناة ومجموعة وفي كل مشروع فيه مجموعة أشخاص، وسائل التأثير جداً مفتوحة وكبيرة، هذا الإنسان ما عنده؛ أنا لما أدخل أحياناً بالتليجرام على أشخاص يتابع 20 شخصاً بس أو 30 شخصاً، هذا الشخص 20-30 كيف يؤثر؟ لا، هو يؤثر ويمكن تأثيره يكون أعظم ممن يتابعه الناس ويعرفونه ويكون هو من أعلام الزمان الذي يعيش فيه، كيف؟ بنية صالحة، بنية حسنة؛ هذا الإنسان ماذا يفعل؟ قبل أن ينشر في حالة الواتساب يدعو الله ربع ساعة، حالة الواتساب كم سيشاهدك بها؟ ومن الذي سيشاهدك؟ لكن قبل ذلك يدعو الله يتملق الله، يدعو دعاء مخيفاً، يدعو دعاء عبد يريد أن ينصر الإسلام، يقول: يا رب بلغني، يا رب أعني، اللهم افتح علي، وكنت عنده جالس، فيدعو الله دعاء رجل عنده حسن ظن بالله أن الله سيبلغ. طيب هو ماذا سينشر؟ ينشر مثلاً حالة فيها ما ينشره أكثر الناس، مثلاً الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، يقول: أنا ظني بالله أن هذا المقطع أو هذه الكلمة أو هذا الحديث الذي أنشره سيصل إلى 100 ألف، كيف 100 ألف؟

يتابعونك مجموعة قليلة! يقول: لا، الله سيوصلها سبحانه وتعالى، طيب كيف؟ ما أدري ويقول لا أعرف، بس الله سيبلغ عني، عنده يقين بالله عظيم، هذا الإنسان يا إخواني يكون حسن النية مع الله، هذا هو الذي يُفتح عليه؛ يتعامل مع الله سبحانه وتعالى أنه عبد، لا يستطيع إخواني البشر طمس أناس، طمس شخص الله يريد أن يرفعه، شخص يريد الله أن يرفع له، ما يملك أي وسيلة، ولو هو بعيد غاية البعد عن القدرة على التأثير بالخير، الله سبحانه وتعالى سيفتح له الطريق ويذلل له الطريق وسيوصله إلى تحقيق مراده، كيف؟ لا ندري، وهو لا يدري، ولا يستطيع البشر أصلاً أن يعرفوا. النبي عليه الصلاة والسلام ما كان في ذهنه أن سيسلم سعد بن معاذ، إنما تفكير النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف، في بني شيبان، مع بحيرة بن فراس، قبائل نجد، لكن الله لا يريد هؤلاء كلهم إنما يريد هذا القسم من الناس، هذا النفر الطيب الذي يعلم الله بأنه سيحمل هذه الرسالة.

إذاً إخواني، هذا القسم الثاني من الأعمال، الأول سورة البقرة، الثاني أن يكون العبد حسن النية حسن القصد، يعني هو فقط يريد الله، والله سيختبره وسيفنته حتى ينظر إلى صدقه؛ هل هو إنسان صادق؟ هل هو يريد ما عند الله حقيقة؟ ولا لما يقع عليك البلاء تترك العمل وتترك الدعوة إلى الله وتقدم الدنيا إلى آخره، إذا كنت تتعامل بهذه الطريقة ما تستحق أن تفوز، لكن لما تتعامل مع الله كعبد وأنك تريد أن تحقق المراد هنا الله يفتح على هذا الإنسان. فالقصد يا إخوان، كل من رأيتهم ممن استمر إلى الآن، وهو عدد قليل.

مقارنة بمن ترك أو من انشغل بالدنيا. سبب هذا سر بينه وبين الله سبحانه وتعالى. مرة من المرات كنت أتعجب من شخص ممن هو مستمر، وكنت أتعجب؛ ما يملك شيئًا من العلم كبيرًا، ولا عنده أعمال تستطيع أن تقول هذا الشخص لماذا ما استمر؟ لماذا ما سقط مثل أصحابه؟ طبيعي يسقطون، لكن ليس معنى السقوط أنه يترك الدين لا، بل معناه أن الدعوة لا تكون سن شباب فقط؛ يعني عمره 20 أو 25 سنة، لكن في سن 40 أو 45 سنة العادة أن الإنسان ما يفكر بهذه الطريقة، بل يفكر بزوجته وأبنائه وبيته وكيف يحصل المال، وهذا هو الطبيعي عند أكثر الناس. حتى من كان يعمل يقول: زمان لما كنا نعمل للإسلام، زمان لما كنا ننشر، زمان كله زمان. طيب الآن لماذا توقفت؟ خلاص الدنيا شغلت الإنسان، والشيطان فاهم هذا الشيء، وهذا طبيعي يقع عند الإنسان.

لكن لماذا هذا يستمر؟ تجد أن هذا الإنسان يتعامل مع الله بطريقة ما يتعامل بها أكثر الناس. يعني كنا مرة خارجين من المسجد وكان في شخص يبيع خارج المسجد فواكه وخضروات. عادة الناس ما يلتفتون لهذا الشيء، خرج وجلس في السيارة وينتظر صاحب الخضروات أن يخرج من المسجد. فقلت له: لماذا؟ قال: أنا ما أشتري إلا من هؤلاء. فقلت: لماذا؟ فقال: إن هؤلاء لما وضعوا بضاعتهم أمام المساجد هم يحسنون الظن بالله سبحانه وتعالى وبمن يأتي إلى المسجد. فالقصد يا إخوان أن هذا الإنسان لما خرج هو يستحضر بأن هذا الإنسان الواقف أمام المسجد يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. يا إخوان هذه النوايا، أو هذا الاحتساب، أو هذه الطريقة في التعامل مع الله يغفل عنها أكثر البشر. أكثر البشر ما يتعاملون مع الله بهذه الطريقة، إنما يخرج هكذا لا يبالي، لكن هذه النية الحسنة الله يرفع الإنسان بها ويحمل الإنسان بها. وهذا الإنسان يكون بينه وبين الله علاقة خاصة؛ يعني هذا لما يذكر عند الله، يذكر على أنه عبد أحسن عبادة الله سبحانه وتعالى. العبد الذي يحسن عبادة الله، الله سبحانه وتعالى ما يسمح للشيطان قدرًا بأن يضله، ولن يغويه؛ لماذا؟ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.

فيكون حرص الإنسان إن أراد أن يصيب الحق في كل لحظة وفي كل حين، أو يكون غالب عليه الإصابة، أن يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. الشيطان يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]، هؤلاء ما أستطيع عليهم. هؤلاء محميون من قبل الله سبحانه وتعالى، ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. فيوسف عليه السلام، ومن كان على منوال وشاكلة يوسف عليه السلام، هؤلاء محميون، ما يستطيع الشيطان عليهم. لذلك يا إخوان، بالنسبة لهذا السؤال، سؤال الثغر: كيف أحدد ثغري؟ كيف أنصر الإسلام؟ ما هي الطريقة التي من خلالها أنصر الدين؟ أنا أقول لك: قبل أن تسأل هذا السؤال، كن حسن العبادة مع الله. كن حسن العبادة مع الله، ادع الله كثيرًا، تملق الله، تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال التي لا يتقرب إليها أكثر الناس.

ليكن من جدولك اليومي قراءة سورة البقرة، ليكن من جدولك اليومي ذكر الله سبحانه وتعالى، ليكن كذلك من جدولك اليومي إعانة الناس. ودائمًا تستحضر بأنك عبد الله، وتشكر الله سبحانه وتعالى لما يفتح عليك، هذه كلها اختبارات؛ الله يفتح عليك بعمل معين، يعني مثلاً هذا الحضور، هذا المجلس، لو ما حضرت هذا المجلس، ممكن تنشغل بشيء مباح. طيب، أيهما أعظم؟ المباح أو الانشغال في ذكر الله؟ هل شكرت؟ هذا اختبار يومي نحن نبتلى به. لذلك لما ترون الذي يسلك طريق العلم كثر، ويستمر قلة، هذا القليل الذي يستمر هو يدعو الله، هو يشكر الله. يعني لما يحضر جلسة يقول: اللهم لك الحمد أنك مننت علي بهذا الدرس، بأنني استمعت في هذا البرنامج، بأنك فتحت علي بالاستمرار، بأنك حفظتني. هذا يستحضر هذه المنة الإلهية والعطية الربانية، هذا يا إخوان هو الثقل، وهذا هو الشق الأكبر في إجابة هذا السؤال.

أما ما سوى ذلك فنبدأ ننظر، نقول بأن الإنسان يختار ثغره ويدخل في دائرة السبب. ثانيًا: يدخل في دائرة السبب، ما هي قدراتك التي تملكها؟ هل أنت تملك موهبة عقلية قوية جدًا؟ هل أنت تملك ذكاءً نادرًا؟ هل عندك قوة ذاكرة؟ إذًا توجه للعلم. هل أنت تملك قدرة دعوية؟ تجد بأنك إنسان الله فتح عليك بالحديث مع الناس وقدرة وتحمل الناس وتعرف كيف تتعامل مع الناس؟ أقول لك تخصص في الدعوة. إنسان عندك رحمة كبيرة وتعرف تتعامل مع الطلبة الصغار وتشعر بأن الطالب لما يأتيك تستطيع أنك تشكله وأنك تغيره؟ أنا أقول لك انشغل في الثغر المتعلق بالتربية. وهكذا فالثغور متنوعة بتنوع القدرات.

والله سبحانه وتعالى فتح هذه الأبواب على جميع البشر، فلا يوجد إنسان ليس له ثغر يناسبه، لا يوجد. نعم ممكن أنت ما وصلت إلى ثغرك، لكن قطعًا هو موجود. قطعًا موجود. هذا الثغر ما يختاره الإنسان يقبل نفسه، يعني ليس بالقوة. بعض الناس يتعاملون بطريقة خاطئة كذلك؛ يعني هو يريد أن يصبح بالقوة عالمًا، وهو ما يملك موهبته أو القدرات الغريزية التي يملكها العلماء. هو يريد أن يصبح عالمًا وهو لا يملك! كيف تصبح عالمًا؟ يعني أنت الآن هنا كأنك تشترط، والصحابة ما اشترطوا. ثابت بن أقرم لما وقعت الراية يوم مؤتة وقال الناس: أنت الأمير. قال: "لم تجدوا لكم أميرًا؟" فقالوا: "أنت الأمير." قال: "لست لها بأهل." ما كان بفاعل حتى أعطاها خالد بن الوليد وقال: "تعلم مني." ما وضع نفسه مكان خالد بن الوليد، ولم يفكر بأن يصبح خالد بن الوليد، وهو أفضل عند الله من خالد بن الوليد لأنه أسلم قبل خالد. فالخلط هذا الكبير الذي يقع عند أكثر الشباب اليوم، وحقيقة هم يتعبون؛ بأسئلتهم الكثيرة وإلحاحهم يخطئون في التعامل، يتعبون أنفسهم ويتعبون غيرهم. لا، خلاص هذا الباب ليس لك، ابحث عن الباب المناسب لك. أنا الباب المناسب لي هو هذا الباب، قدراتي لا تستطيع على أكثر من هذا. هذا الكلام الذي أقوله لا تعظم قدراتك ولا تحقر من هيئتك.

السؤال الذي يليه: كيف أعرف قدراتي؟ أقول لك تعرف قدراتك من خلال أمرين. الأول: من خلال شخص يوجهك، والأصل أن العلم يتلقى بطريقة التوجيه، وليس بقراءة الكتب أو سماع فقط مجرد. إنما النبي عليه السلام هو الذي كان يوجه الصحابة للثغور المناسبة لهم، يعني ليس الصحابي هو الذي اختار الثغرة، إنما النبي عليه السلام هو الذي يوجه معاذ بن جبل إلى كذا، ويوجه زيد بن ثابت إلى كذا، ويعد الصديق إلى كذا. هذا هو الأصل في التوجيه؛ أن يكون الذي يوجه قادرًا على توجيه الأشخاص. يعني شاب صغير ما يعرف مهما حاول؛ يعني شخص عمره 20 سنة أو 25 سنة يريد أن يوجه نفسه ما يستطيع؛ لأنه ما يعرف كثيرًا من قدراته. فطبيعي جدًا أنه ما يصيب إلا بالله. يعني هنا مثل ما قلت لكم الكلام الآن الذي يقال غير الكلام الأول، الشق الأول هو الأصل، والشق هذا سبب، والسبب ضعيف، ليس قويًا، لكن هو يبقى سبب.

الطريق الأول هو أن يكون هناك من يوجهه. الطريق الثاني أن هو يجرب؛ يدخل في التربية، يدخل في الدعوة، يدخل في العلم، يدخل في كذا وكذا، ثم ينظر هو في أي باب يبدع فيه، وفي أي باب يستطيع أن يؤثر فيه. وهناك فرق كبير يا إخوان بين الرغبة وبين القدرة؛ قد يكون الشخص يريد أن يصبح عالمًا، لكن هو لا يستطيع أن يصبح عالمًا. شخص يريد أن يصبح مربيًا لكن هو لا يصلح أن يكون مربيًا. هذه رغبة، لكن القدرة هي لما يدخل في هذا المجال هل يستطيع أن يؤثر؟ وتأثيره قوي أو عادي؟ هو مع الوقت يبدأ الإنسان يكتشف في نفسه إذا كان محسنًا في الباب الأول. هذا الطريق الذي يتعلق بالتجربة؛ إذا ما كان محسنًا في الباب الأول المتعلق بتملك الله ودعائه والاستعانة به لا يهتدى. لكن لما يكون محسنًا فيه، وهو الآن يجاهد حتى يصيب، الهداية هنا الآن يهتدى، ويوفق، ويسدد، ويعان، ويرشد. إذا ما كان بهذه الطريقة طبيعي جدًا بأنه ما يصيب الثغر. والله يهدي، والله يختار. الله يختار هذا الإنسان الفلاني وهو في أقصى المشرق ويجمع مع شخص في أقصى المغرب حتى يشكل هذا مع هذا عمل إسلامي عظيم. كيف هذا؟ هذا بالله سبحانه وتعالى. هذا يكون بالله سبحانه وتعالى، ولصدق هؤلاء الله سبحانه وتعالى يجمعهم حتى يعظم أعمالهم ويبلغ أثرها إلى النقطة التي لا يستطيعون هم عليها بالتخطيط. إنما الله هو الذي سبحانه وتعالى يحمي دينه ويحفظ دينه، لكن يختار هؤلاء حتى يكونوا قدرًا يحمي دينه. إذا إخوان، هذا القسم الثاني أو هذا السؤال الثاني المتعلق بطبيعة الثغر، وكيف أختار ثغري؟ وكيف أنصر الإسلام؟ إذا فهمت الكلام الذي قيل تعرف كيف تتعامل مع مثل هذا السؤال، وتعرف كيف تجيب عليه إجابة صحيحة.