دخولتسجيل الدخول

أسئلة الشباب 03 | سؤال الجامعة

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السؤال الثالث المتعلق بالدراسة كان من ضمن الأسئلة الكثيرة جداً: كيف أجمع بين طلب العلم وبين الدراسة الجامعية؟ كيف أجمع بين الدراسة الشرعية وبين تخصصي الأكاديمي؟ أقول لك: لابد أن تتعامل مع الدراسة الجامعية على أنها بلاء أو شر؛ لا أقول لابد منه، بل شر، لا تتعامل معها على أنها خير. لا تتعامل مع الجامعة على أن الجامعة خير وأن الجامعة سأحصل منها على كذا وكذا، بل قل إن الجامعة فخ شيطاني حتى يأخذ منك زهرة شبابك.

الأمر خطير جداً، وأنا لا أعرف شخصاً فتح الله عليه فتحاً كبيراً وكان يعطي الجامعة أكبر من حجمها. بل بالعكس، لما تأتي وترى شخصاً متفوقاً بالدراسة الأكاديمية فهذه علامة سوء؛ طبعاً علامة سوء بالعمل الدعوي، لأنه كيف يجمع بين التفوق الدراسي وبين طلب العلم والحفظ والدعوة إلى الله؟ مستحيل، لا يمكن، الوقت لا يكفي. فدعوا عنكم المثاليات التي تقال أحياناً وهي ليست صحيحة، كلامي الآن صحيح ونحن في جلسة مصارحة.

لكن ليس معنى هذا أن الشخص يخرج من الجامعة، فقد ذكرت لكم أن التمرد لابد أن يكون معه فقه. يعني لا يكون تمرداً عشوائياً، لأنك إذا تمردت بطريقة غير صحيحة تخسر. الجامعة شر، وبلاء كبير، فكيف أتعامل مع هذا البلاء؟ أقول لك: إذا كنت تستطيع ألا تداوم فلا تداوم، يعني تستطيع أن تنتسب، ففي كثير من البلدان الجامعات يكون فيها انتساب؛ خلاص انتساب فقط بالاختبارات، واجعل وقتك في الدعوة إلى الله وطلب العلم وتحصيل الخير.

تقول لي: طيب أنا ما أستطيع، لا بد أن أداوم، فأقول لك: اختر التخصص الذي تنصر من خلاله الدين، وليس التخصص الذي تحصل وظيفتك الدنيوية فقط منه. تقول لي: كيف؟ أقول لك: التخصصات الأكاديمية كثيرة جداً، فما هو التخصص الذي من خلاله تنصر الدين أو ترى بأن عندك قدرة إذا تخصصت في هذا المجال أن تنصر الدين في المستقبل؟ ادخل به. أما إذا ما اخترت تخصصاً بهذه الطريقة، فأقول لك: ستضيع كثيراً من وقتك؛ تتخصص في ثغر ما تستفيد منه في نصرة الدين، وغالباً لن تعمل به. طيب لا أنت الذي نصرت الدين من خلاله ولا أنت الذي عملت به وكفيت نفسك، ضاع عمرك، ومن سيعوضك هذه السنوات الأربع أو الخمس؟ وهي أعظم سنوات العمر. السن من 18 إلى 23 سنوات ذهب، لا تعوض، ومن فاتته فقد فاته خير كبير جداً، ولن يدركه إلا بعبادة عظيمة، لأن سن القوة قد ذهب. والإنسان يعيش بعد هذه المرحلة على ما عمل عليه وما أسس في تلك المرحلة، فالخسارة هنا كبيرة جداً لا تعوض ولا تقدر بثمن.

ماذا أفعل؟ أنا أقول لك تعامل مع الجامعة بهذه الطريقة: إذا كان التخصص في نصرة للدين، فنفس التخصص سيكون عبادة لله، فلن تخسر بإذن الله. وإذا ما كان فيه نصرة للدين، فهذا التخصص لا تبالِ به، وليكن همك فقط كيف تتخرج وتنجح وتحصل على الشهادة، وخذ من الجامعة الحد الأدنى؛ اقبل بـ جيد أو مقبول، ولا تفكر بـ امتياز مع مرتبة الشرف، انسَ هذا من الآن، إلا إذا كان التخصص نفسه فيه نصرة حقيقية للدين، فهنا أمر مختلف. لكن في الأصل لا، وأكثر الدراسات الأكاديمية بشتى فروعها، حتى في العلوم الإنسانية، ضعيفة جداً؛ فالشخص لما يقرأ في العلوم الإنسانية خارج الجامعة بسنة واحدة، يكون أفضل من قراءة أربع سنوات ودراسته في الجامعة، لأن قوة المنهج تكون بقوة المواد وبقوة المعلم، وعامة المعلمين في الجامعات ضعفاء أياً كانت تخصصاتهم، شرعية أو غير شرعية. فالشخص هنا يحصل شهادة فقط حتى ينصر الدين من خلالها.

ما هي المقاصد التي يقصدها الشخص في الدراسة الجامعية؟ أقول لك لا تخرج الدراسة الجامعية عن ثلاثة مقاصد: القصد الأول نصرة الدين، القصد الثاني إعفاف النفس، القصد الثالث الدراسة من أجل الدراسة.

القصد الأول الذي فيه نصرة للدين: قبل أن تختاره لابد أن تدعو الله. الشخص الآن في سن 18 يريد أن يتخصص في تخصص معين، أقول لك قبل أن تختار لابد أن تدعو الله وقل له: يا ربي أنت اختر لي لا تخيرني، أنا لا أريد أن أختار، أريد منك أنت أن تختار. فبهذه الطريقة يوفق الشخص بإذن الله إلى إصابة التخصص الذي ينصر الدين من خلاله، مع البحث والسؤال والنظر هل الإسلام يحتاج لهذا التخصص أو لا. فمع وجود الأسئلة ودعاء الله يُهدى الإنسان لإصابة الثغر أو التخصص الذي ينصر الدين من خلاله.

الشق الثاني: أن الشخص يدرس من أجل أن يحصل وظيفة، وأنا أقول لك هذا القصد فيه فخ كبير. أكثر الناس، خاصة في الجيل هذا وفي السنوات الأخيرة، يتخرجون من تخصصاتهم ولا يجدون وظيفة موافقة لتخصصهم، وهذا لمسته من كثير من الناس في سفراتي في كثير من البلدان؛ يتخرج من الجامعة وتخصصه هندسة مثلاً ويعمل سائق أجرة، تخصصه طب ويعمل مدرساً، فالدراسة الجامعية بالحقيقة ما استفاد منها. قبل أن تدخل التخصص انظر: هل هذا التخصص له مستقبل؟ هل ستستفيد من هذه الدراسة في إعفاف نفسك وكفها عن سؤال الناس؟ إذا كان نعم ستستفيد، أقول لك هي وسيلة صحيحة للرزق، لكن لا تبالغ بها كما ذكرت في البداية، اعتبرها شراً وتعامل معها على أنها شر.

الثالث: إذا كان الشخص مستغنياً عن الجامعة والجامعة ليست مهمة بالنسبة له، وعنده رزق أو مستقبله سيكون بعمل مهني مثلاً، ولن تكون الجامعة شيئاً كبيراً في حياته، فأقول لك: الجامعة ليست ضرورة من ضرورات الحياة، لا بأس بأن الجامعة لا تكون بها. طبعاً العقبة ستكون الوالدين؛ الأول والثاني عرفنا كيف نتعامل معهما، أما بالنسبة للثالث الذي يغلب على ظنه بأن الجامعة لن تثمر شيئاً وأنه لن يستفيد منها، إذا كان الوالدان يعارضان فالأمر فيه تقدير؛ تستسمح الوالدين وتطلب منهم وتبحث عن رزق، وإذا سمح الوالدان فالحمد لله. إذا لم يسمحا، فأنت مخير بين خيار اتخاذ القرار مع إرضاء الوالدين واسترضائهما بغاية الوسع والإمكان، وبين خيار الإكمال من أجل رضا الوالدين لتفوز بالبر وتأخذ أجر بر الوالدين، لكن لا تترك الجامعة إلا بالحد الأدنى. وبالنسبة لي، الذي يحسم الأمر شيئان: الأول الدعاء، والثاني طبيعة الوالدين؛ فإذا كان الأب أو الأم من الشخصيات العسرة الشديدة فيتقرب العبد إلى الله بإرضائهما بالاستمرار، لكن لا يعطي الجامعة أكثر من حجمها كما ذكرت، والله سبحانه وتعالى سيعينه ويوفقه. أما إذا كان الأب والأم من الشخصيات اللينة الهينة، فهنا لا بأس باتخاذ القرار الشجاع مع الدعاء حتى يهدي الإنسان في جميع القرارات التي اتخذها.

إذاً، هذا ما يتعلق بالجامعة ومشكلة الجامعة وطريقة التعامل مع هذه الأسئلة المتعلقة بالدراسة الجامعية. إذا الشخص أعطى الجامعة التبع وليس الأصل، طبيعي جداً أن يكون وقته أكثر منصب في الثغر الذي فتح الله عليه فيه، سواء كان بالتربية أو الدعوة أو العلم. إذا ما فعل هذا الشيء، لا نعيش الأوهام؛ أكثر شباب اليوم يعيشون أوهاماً عجيبة، يريد أن يصبح طبيباً وعالماً وداعية وذاكراً، لن تصبح، وبصراحة هذه مواهب؛ رجل مثل ابن تيمية هذه موهبة، هذه عطايا إلهية، ليس الكل مفتوحاً عليه بهذه الطريقة. بعض الناس ذكاؤه نادر، وهذا يجعل يختصر الوقت، طبيعي جداً أن الشخص الذي يكون ذكاؤه نادراً ينجز في ساعة ما ينجز غيره في أيام، هذا عطاء وفتح خاص، وهذا لا يدخل العبد به، والأجر معلق بحسن عبادة الله سبحانه وتعالى.

لا نخلط بين هذه الصور والمسائل، ولا يقيس الشخص نفسه على غيره؛ هذا خطأ شنيع، ويظلم الإنسان نفسه لما يجعل نفسه في مقابل غيره. نعم إذا كنت تملك الموهبة والقدرة وهو أحسن منك، نعم هنا تلوم نفسك، لكن لما يكون عنده أشياء ليست موجودة عندك فليس من الصواب أن تجعل نفسك خالد بن الوليد، إما أن أكون خالد بن الوليد وأصير القائد الأول وإلا فلا؛ هذه موهبة وشيء إلهي ليس من خالد بن الوليد، إنما الله هو الذي مَنَّ عليه وملكه هذا الأمر ليستعمله، ومع هذا كل المهاجرين والأنصار أفضل من خالد بن الوليد لأنهم آمنوا قبله. فلا نخلط بين هذا الأمر والأمر الآخر.

التعامل مع الله لابد أن يكون خالصاً، الشخص لا يتعامل مع الله وهو يريد شيئاً، فقط يريد رضا الله. الشخص ينظر إلى الشيخ الفلاني الله أكبر كيف عنده هذا العلم وهذه المعرفة، وبالقوة يريد أن يصبح مثله، أقول لك تصبح مثله لماذا؟ حتى الناس يقولون عنك أنك ذكي؟ أو حتى ترضي الله؟ إذا كنت حتى ترضي الله سواء وصلت إلى درجته أو ما وصلت، قد تفوز عند الله بأعلى من درجته بالعبادة الباطنة. أحياناً الشخص تأخذه نفسه، يريد أن يصبح مثل فلان بالقوة، وإذا ما وصل يجزع ويترك، هذا ما عبد الله، هذا عبد هواه؛ وهذه أبواب دقيقة في هوى النفس، النفس تتقلب على الإنسان بصور شتى، ما يوقى الإنسان من شر نفسه إلا بالله سبحانه وتعالى حتى يكون عبداً.

الزبير بن العوام كان يقاتل في اليرموك ولا أحد يعرفه، كان جندياً من ضمن الجنود، وهو أحد أفضل ثلاثة في هذه المعركة ممن هم من العشرة المبشرين بالجنة؛ أبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وسعيد بن زيد. أبو عبيدة كان في مجلس الشورى، أما سعيد والزبير فلم يكونا فيه، طيب هؤلاء إيش وضعهم؟ هؤلاء من ضمن المقاتلين. حتى خالد بن الوليد لما قسم الجيش، جعل الزبير بن العوام ضمن الكراديس، ولما تقرأ في تاريخ فتوح الشام تقول بأن الزبير أصلاً ما كان موجوداً، إي الزبير موجود لكنه يتعامل مع الله أنه عبد، لا يتعامل مع الله بأنه لازم يكون موجوداً وظاهراً. ليس بالشرط أن تكون بهذه الطريقة؛ ففي عبوديتك لله كن عبداً.

يوم القيامة سنصدم جميعاً بمراتب الناس، قد تجد شخصاً معك في برنامج لا يؤبه به ولا أحد يعرفه، يكون أعظم ممن صنع البرنامج وممن نال الثناء والشكر والمدح؛ لماذا؟ لأن هذا العبد ما كانت نيته فيها أي شائبة من الشوائب، فقط يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. أما الذي يكون مشرفاً أو مبرزاً فهذا أدنى إلى الفتنة، فشخص ما يطمح أصلاً أن يكون في هذا المقام إلا من أجل نصرة الدين، فكم سيسلب من رصيد الإنسان الأخروي بسبب تقلب النفس عليه. القصد أن الإنسان يتعامل مع ربه بهذه الطريقة.

لا يعرف من هو المختار، ولا يعرف مقامات البشر عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. كثير من الصحابة في بدر، لما تقرأ في سيرة ابن هشام وتمر على أسماء كثيرة لا نعرفها ولا تُرجم لها، هؤلاء هم خير الناس. هؤلاء هم ممن اصطفاهم الله في يوم بدر ولم يأخذوا حظًا كبيرًا من التاريخ.

﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. غابوا في ذاكرة التاريخ، ولكنهم لم يغيبوا في الميزان يوم القيامة، لن يغيبوا عند الله سبحانه وتعالى. هؤلاء تعرفهم الملائكة، هؤلاء يوم القيامة منازلهم عند الله عالية منيفة، أعلى من درجة كثير ممن يأخذ ثناء وشكر عبر القرون والأجيال.

فالقصد يا إخوان أن الإنسان هكذا يتعامل مع الله، هكذا يكون تعامله مع الله سبحانه وتعالى. وبهذه الطريقة، إذا لعبت وتعلقت مع الله، ستسقط كثير من الأسئلة. كثير من الأسئلة التي يسألها الناس سببها الرئيسي هو أنهم ما فقهوا هذه الأبواب، ولم يحسنوا التعامل مع الرب سبحانه وتعالى. يعلمون أنهم عبيد وأن الله يريد منهم فقط أن يعبدوه.

الله قادر يا إخوان أن يهدي البشر، الله قادر أن يقضي على الكفار، الله قادر أن يعطينا القدس من غير عمل منا ولا بذل، لكن الله سبحانه يمتحن ويبتلي. والدعوة الإسلامية في كل مرحلة من مراحلها لابد أن يوجد بها صراع؛ كل جيل له صراعه، فهذا الجيل يستمر في الصراع ويصل لدرجة معينة، ثم بعد ذلك ينتهي أجله في الدنيا في الظاهر، لكن ليس في الباطن، هو عند الله محسوب وكذلك أثره مرصود عند الله.

لكن يأتي جيل آخر، وهذا الجيل الآن مسؤول عن عمل وعن نصرة للدين موافقة للواقع الذي يعيش فيه، وهي هكذا مستمرة دائمة. فالفتنة والشيطان والصراع، هذه الثلاثة لا تغيب عن أذهاننا في كل مرحلة. وكذلك الفتن وكذلك الشيطان موجود وأتباع الشيطان طبيعي أن يكونوا موجودين، ففي كل جيل له صراعاته؛ مثل زمن موسى صراعه مع فرعون، وزمن النبي ﷺ مع أبي جهل وعبد الله بن أبي، وهكذا في كل جيل له صراعاته، طبيعي جدًا أن تتكرر هذه الصراعات.

والله يريد منا أن نحقق العبودية الموافقة لهذا القدر الذي نعيش فيه. لذلك الدعوات أعمارها ما تتجاوز غالبًا 40 سنة، ممكن تكون أقل، لكن حتى لو أحسن الداعية ولو بذل ما بذل، عمر الدعوة 40 سنة ثم بعد ذلك تنتهي في الظاهر، ويأتي جيل آخر يُطلب منه أن يجدد الدعوة وأن يقوم بعمل وصراع جديد. هذا هو الصراع مع الشيطان، ولن ينتهي هذا الصراع حتى تطلع الشمس من مغربها، وأعظم الفتن وأعظمها فتنة المسيح الدجال.

فقصدي يا إخوان من هذا الكلام كله أن الإنسان يتعرض إلى مثل هذه الفتن، إذا أحسن التعامل مع الله، الله هو الذي سينجيه منها، هو الذي سيخرجه منها. والأسئلة يا إخوان تلي العبادة ولا تسبق العبادة.

مثل ما ذكرت، هذا السؤال الثالث المتعلق بطريقة التعامل معها، في الجامعة فصلنا فيها وقلنا بأن المقاصد ثلاثة: إما أن يكون القصد هو أن الشخص يدرس حتى ينصر الدين، أو أن يكون القصد أن يدرس حتى يحصل شهادة حتى يعف نفسه، أو أن يدرس حتى يؤمم، أو يدرس حتى يرضي والديه مثلاً، أو يدرس من أجل الدراسة العامة، يعني فقط هكذا عرف عام والناس يسيرون في الأعراف العامة من غير أن يتوقفوا عندهم وينظروا لماذا نفعل هذا الشيء. فهنا في كل حالة من هذه الحالات أو صور من هذه الصور، هناك طريقة في التعامل معها.

نقف عند هذا خلاص؟ كأننا أثقلنا عليكم. نقف يا إخوان، في كذلك في أسئلة كثيرة، ممكن نجعل هكذا سلسلة بعنوان أسئلة الشباب بإذن الله. بارك الله فيكم ونفع الله سبحانه وتعالى بنا وبكم، وهدانا وإياكم لما يحب ويرضى. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.