دخولتسجيل الدخول

أسئلة الشباب 04 | سؤال الوالدين

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فحياكم الله إخواني وياكم، وسدد الله على طريق الخير خطانا جميعًا.

هذا اللقاء الثاني بعنوان أسئلة الشباب. ذكرنا في اللقاء الماضي بعض المشكلات التي يكاد يشترك فيها أكثر الشباب، وهي مشكلة الزواج، مشكلة الجامعة، مشكلة الوظيفة، والجمع بينها وبين العمل، أو ما ذكرنا. كما ذكرنا مشكلة السهر.

أود أن أتكلم في هذا المجلس عن كذلك مشكلة كبيرة، ولاحظت بأنها منتشرة بشكل كبير جدًا، وهي مشكلة غريبة أن تكون مشكلة، لكنها حقيقة في هذا العصر مشكلة كبيرة: التعامل مع الوالدين. لاحظت أن كثيرًا من الشباب عنده إشكال كبير جدًا في التعامل مع والديه.

حقيقة أنا تأملت وجلست مع نفسي وأخذت أتفكر؛ كيف الشخص يدخل في مشكلة مع أناس لهم نصوص خاصة بهم؟ كيف شخص يدخل في مشكلة مع والدته؟ ويدخل في مشكلة مع والده؟ من أجل ما يظنه هو أنه حق. نعم، قد يكون الأب مخطئًا، وقد تكون الأم مخطئة، بل أنا أجزم أن أكثر الآباء والأمهات في هذا العصر مخطئون في كثير مما يفعلونه. أنا لا أريد حتى أن نبرئ أحدًا على حساب أحد، ولكن الكلام ليس في خطأ الأب الآن أو خطأ الأم، إنما الكلام في تعامل الابن.

ممكن نعم الأب يخطئ؛ لأنه هو في النهاية ابن المجتمع، ليس عمر بن الخطاب ولا عثمان بن عفان، هو إنسان عادي عاش في مجتمع معين فشكل وفق ثقافة المجتمع الغالب، طبيعي جدًا أكثر الناس يشكلون في هذه الطريقة إلا من اصطفاه الله سبحانه وتعالى. كذلك الأم، هي بنت المجتمع وعاشت في مجتمع معين خاضع لثقافة معينة فاصطبغت بهذه الثقافة.

لكن المشكلة ليست هذه، إنما المشكلة في الابن نفسه؛ لما يأتي الابن ويتعامل مع والديه التعامل كأنه يتعامل مع أناس بعيدين عنه، يتعامل مع أبي جهل، مع أبي لهب، مع عبد الله بن أبي، يتعامل مع الوالدين بهذه الطريقة. ثم بعد ذلك يأتيك ويسألك أسئلة غريبة، ثم بعد ذلك هو لا يوفق ويتعجب بأنه غير موفق.

الإسلام بين بأن هناك ذنوبًا تقطع الإنسان عن الله سبحانه وتعالى تمنعه. هذا الذنب عظيم لدرجة أنه يمنعك عن كثير من الخير الذي تريده والذي تقصده، قد تكون مهيأ لهذا الخير ولكن هذا الذنب الكبير يقطعك ويمنعك. ولا يمنع الإنسان من الأعمال الصالحة إلا بذنوب كبيرة، خذها قاعدة: مستحيل شخص يريد أن يطلب العلم ما يوفق، يريد أن يكون مصلح عصره وإمام زمانه ما يوفق. هو يسعى ويبحث ويدخل في برنامج فلاني، ثم يخرج، ثم يدخل في برنامج فلاني، ثم يستمع لشيخ فلاني، ثم ما يدع شيخًا إلا ويسأله، والمشكلة ليست في السؤال ولا في البرامج ولا في المواد، إنما المشكلة في الذنب الذي أنت واقع فيه.

يأتي شخص يقول: «طيب أنا ما كنت أعرف أنه ذنب»، كيف لا تعرف والله يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. هل بلغ والدك إلى درجة أنه جاهدك على الكفر؟ ويصر إصرارًا كبيرًا أنك تكفر بدين محمد عليه الصلاة والسلام؟ ما وصل هذا عند أكثر الآباء، إلا من يعيش في بيئة كافرة، وهذا له حكم خاص، وكذلك هذه الآية تنزل عليهم بالأصل.

لكن نتكلم الآن عن شخص عاش في بيئة مسلمة، والده مسلم ووالدته كذلك مسلمة، ولكن هم في النهاية أبناء المجتمع. فهذا الأب وهذه الأم ربما تصر على ابنها بما تصر عليه عامة الأمهات في هذا العصر، بالدراسة مثلاً والاهتمام بها، والاهتمام مبالغ فيه؛ هذه المبالغة خطأ، وكلنا نقول بأنها خطأ، حتى لماذا أنت تقابل هذا الخطأ بالشدة والغلظة والإصرار؟ وكأن الابن يريد من والديه أن يخضعا له وليس العكس، الله أمر الابن بأن يخضع لوالديه، وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. هو ينظر هكذا، والده يتعامل معه على أنه عبد عنده ويعتذر وهو يفعل كذا، ووالدته نفس الشيء.

يا أخي، ولو والدك ظلمك وفعل ما فعل معك، ما يجوز لك أن تظلمه، ما يجوز لك أن ترد الإساءة بالإساءة مع الوالد، لا يجوز. نعم ممكن أن تعترض، ممكن أن تبتعد، لكن لا يجوز لك أن ترد الإساءة بالإساءة. ثم بعد ذلك يأتي ويلتمس أي كلام لأي عالم في سياق يختلف تمامًا عن السياق الذي يقصد هذا العالم، ويذهب وينزله على والده؛ أمر عجيب، ويكون سببًا في فتنة أبيه.

القصد من ذلك أن هذه المشكلة، مشكلة التعامل مع الوالدين، لابد أن نربطها بمعيار الإسلام. أول شيء لابد أن نعرف بأن الله سبحانه وتعالى عظم هذين الشخصين وجعل لهما منزلة عظيمة، والإنسان يسأل يوم القيامة أسئلة كثيرة جدًا عن أشخاص كثر جدًا: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وأخص من ستسأل عنه يوم القيامة بعد صحة الإسلام وإقرار التوحيد والتعامل مع الله سبحانه وتعالى واتباعك للنبي عليه الصلاة والسلام، بأبيك وأمك؛ سؤالك عن والدتك ماذا فعلت معها في هذه الحياة؟ والله ستندم.

الله سبحانه وتعالى عظم البر على الجهاد بالأصل، يعني بر الوالدين أعظم من حيث الأصل من الهجرة والجهاد. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أحب الأعمال إلى الله؟» فقال: «الصلاة على وقتها»، ثم قال: «بر الوالدين»، ثم قال: «الجهاد في سبيل الله». يعني بر الوالدين، أي طاعة الوالدين وحسن التعامل مع الوالدين، أعظم من حيث الأصل من الجهاد في سبيل الله.

بل نص جماعة من العلماء على أن أهل الأعراف، الذين يكونون بين الجنة والنار، هم أناس قتلوا شهداء ولكنهم عصوا آباءهم وأمهاتهم، أي وقعوا في مشكلة العقوق وعندهم كذلك حسنة الجهاد؛ حسنة عظيمة جدًا، يكونون من أهل الأعراف، ما يدخلون في النصوص الواردة في فضل الشهداء وهكذا، أن الله أعد للمجاهدين مئة درجة، ما يدخلون في هذا الشيء، هؤلاء يكونون في الأعراف. هل يغفر الله لهم؟ هل يتجاوز عنهم؟ بين الجنة والنار، تصوروا!

بل إن رجلًا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام رحل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأراد أن يجاهد وهاجر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأراد أن يجاهد معه، ولا يوجد جهاد أعظم من جهاد مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يا رسول الله أتيت إليك وتركت أبواي يبكيان».

فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما. وكلنا يعرف قصة كلاب مع عمر بن الخطاب، لما سمع رجل والد كلاب يدعو على عمر. لا تستعدي على الفاروق يا رب، وأخذ هكذا ينشد الأبيات التي يتوجد فيها على ابنه، يقول فيها بأنه سيدعو على عمر بن الخطاب لما يذهب إلى مكة.

فاستمع هذا الرجل إلى دعوات هذا الإنسان، وذهب إلى عمر وقال له: هنا شيخ كبير يدعو عليك. فدعاه عمر وسأله عن سبب هذا الشيء فخاف، وعمر رجل مهيب. ثم ذكر له بأن ابن كلاب قد ذهب إلى الثغر الفلاني وأنت أرسلته، وليس لي ولولدته ابن غيره، هو رجل كبير والأم هكذا عجوز كبيرة في السن.

فمباشرة عمر أرسل إلى الثغر أن يعود كلاب على البريد، والبريد يعني بسرعة؛ كانوا يضعون مسافة مجموعة من الخيول فيضربون الخيل حتى يصل إلى أقصى سرعة عنده، ثم لما يتعب يركبون خيلا ثانية حتى يصل، يقطع المسافة بمدة يسيرة.

ثم جاء، فلما جاء قال له: حدثني عن أبيك، ولم يعلم والده به. فذكر له بره، ثم قال: أريد أن أذهب إلى أبي. قال: ما تذهب؟ ماذا تصنع لأبيك؟ فذكر له كيف أنه كان يبرد الحليب من الناقة وكيف يخرجه وكيف أنه كان يبرده وكيف يقدمه لوالديه. قال: اصنع له كما تصنع له، فصنع له.

ثم لما صنع له، أخذ عمر اللبن، وأمر بأن يعزل عن المكان الذي هو فيه، ثم أدخل والده قال: اشرب يا أبا كلاب. فلما قدم وكان شيخا كبيرا قد عمي، فلما أدنى الإناء منه شم رائحة ثم أرجعها، قال: يا أمير المؤمنين، والله إني أجد ريح كلاب بها. ثم أمر عمر بأن يدخل عليه ابنه وتعانق هو مع والده، ثم قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه: «الزم هذا، الزم هذا إن أردت الجنة».

حتى يموتا، فإن مات فشأنك بنفسك، تذهب للجنة وتذهب للجهاد وتترك أمك وأبيك. طبعا هذا الكلام في فرض الكفاية ليس في فرض العين، حتى لا يأخذ الحكم الآن، لكن فقط الآن أريد أن أبين عظم حق الوالدين في الدين وطاعة الوالدين في غير معصية الله سبحانه وتعالى.

بالأصل هي لازمة، إلا إذا كان في ذلك إضرار على الابن وليس هناك مصلحة للأب أو الأم، فنعم هنا لا يجوز له أن يطيع والديه، ولكن يتعامل معهما بالحسنى. في كل الحالات والأحوال التعامل لابد أن يكون مع هذين الشخصين بالحسنى وليس بالشدة والغلظة. القصد من هذا الكلام أن الابن إذا أراد أن يفوز عند الله بالدرجات العالية لابد أن يعرف كيف يحسن إلى والديه.

وهنيئا وهنيئا وهنيئا لمن من الله عليه ببر والديه وبرضا والديه عنه؛ فدعوة واحدة من الأم ودعوة واحدة من الأب شأنها عند الله سبحانه وتعالى عظيم جدا، أعظم من كثير من الأعمال التي تقصدها. والإسلام، قضى الله وقدر بأنه لا ينتصر بعمل العاملين إنما ببركة عمل العاملين.

شخص ممكن يعمل باليوم ساعات طويلة ولكن عمله ما يتجاوز مكانه، ويؤلف كتبا كثيرة ولا يتأثر به أحد، ويطلب العلم سنوات طويلة ويموت معه علمه، وشخص آخر ما يفعل مثل ما يفعل الأول ولكن فيه بركة. تحصل هذه البركة من خلال بره لوالديه، فتجد هذا الإنسان محفوظا بحفظ الله، يوفق ويهدى ويسدد ويرشد، ويبارك الله سبحانه وتعالى فيما يقوم به.

لذلك أنا أوصي الشباب بالإحسان إلى الوالدين. والإحسان شيء والطاعة شيء، مثل ما ذكرت؛ الإحسان إلى الوالدين ومعرفة طريقة التعامل. وليس من الصواب أن الشخص يؤذي والديه، حتى لما يأمرك مثلا بشيء أنت لا تريده، في الظاهر هكذا تمثل بأنك أنت معه، لا تجرح الوالدين، لا تجرح والدك ولا والدتك بالكلمات ولا حتى بالأفعال، ولا تظهر بأنك تخالف أمر الوالدين ما لم يكن فيه معصية ظاهرة.

إذا كان في معصية ظاهرة هنا نعم يجوز لك أن تخالف، بل يجب عليك أن تخالف؛ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، ولكن هذه المخالفة تكون بحسن المعاملة، ولا تكون بشدة وغلطة. وأنا أذكر موقفا أعظم جنازة شهدتها في حياتي؛ شخص مات ابنه، والرجل هو قوي وصاحب دين نحسبه ولا نزكي على الله.

فلما مات ابنه، وابنه كان مقصرا كثيرا معه، وكان الابن لم يكن ملتزما أو متدينا تدين قويا، فلما مات وحضرنا الجنازة وتم تكفينه ثم تم دفنه وإهالة التراب عليه، قام الأب وأخذ يناجي الله سبحانه وتعالى مناجاة أبكت كل الحضور، بما فيهم شخص قريب مني جدا ولم أره في حياتي يبكي.

فأخذ يناجي الله مناجاة والله تهز القلوب، يرفع بصره إلى السماء ثم يقول: يا حليم يا كريم يا لطيف، أنت قلت وقولك الحق بأن دعوة الوالد مجابة، وأنا أسألك بأحب أسمائك إليك أن تثبته في كلمة التوحيد. ثم ينظر إلى القبر وينادي ابنه باسمه يقول: يا بني، هل أتاك الملكان؟ ثم يبكي ثم يعظ الناس، يقول: مات في عز شبابه، ويل لتاركي الصلاة.

جمع بين دعاء وبين موعظة وبين مناجاة، فبكى الناس وتأثروا تأثرا كبيرا. فلما خرجوا بعد يومين أو ثلاث أيام، أرسل لي هذا الشخص وقال: أبشرك بأن ابنتي رأت في المنام رؤيا عظيمة جدا، بأن الله استجاب لأبيك في ابنه. هذا الابن كان مقصرا، وقد يكون هذا التقصير يورثه -والعياذ بالله- المهالك، الله يحاسب على ما اقترفته يداه من تقصير في حق والديه إلى آخره، ولكن لأن والده دعا له، وهذا يستأنس به طبعا من هذه القصص. رأت ابنته في المنام بأن قائلا يقول لها بأن الله قد استجاب لأبيك في ابنه، ثم رأته في المنام بأنه لابس ثياب بيضاء.

القصد الإخوان من هذا، أن الأم أو الأب إذا كان على قيد الحياة فالإنسان يستطيع أن يصيب الفردوس الأعلى، الطريق إلى الفردوس الأعلى ميسر له. ولكن إذا لم تكن الأم أو لم يكن الأب على قيد الحياة فالطريق إلى الفردوس الأعلى جدا صعب. هذه كلمة ثقيلة. الصلاة مع بر الوالدين تملأ الإنسان البر والبحر عبادة.

كما جاء عن سعيد بن جبير أنه قال: «من حافظ على الصلوات الخمس حيث أراد بهن فقد ملأ البر والبحر عبادة». فشخص يحافظ على الصلوات الخمس ولا تفوته تكبيرة الإحرام، وهو مع ذلك قريب من والديه، هذا فُتح عليه فتح عظيم جداً. الله يقول في سياق الحديث عن البار بوالديه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ تَقَبَّلَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: 70].

فالإنسان ما يفرط في دعوة هكذا من والده أو دعوة من والدته يفوز بها عند الله سبحانه وتعالى، حتى لو ما اقترف ذنوباً أو معاصي ويكون صاحب صلاة وصاحب بر. سبحان الله، خاصة هاتين العبادتين تحمي الإنسان من شر كبير جداً، ومن سوء عظيم، وتحميه من الشيطان. لكن الشخص إذا ما كان عنده بر ولا عنده صلاة، أنا ما أدري كيف سيدخل الجنة هذا الإنسان.

وأنا قديماً كنت مع نفسي ما أصاحب إنساناً إلا لما أرى هاتين العبادتين عنده، مستحيل لو قلبي كان يحبه أقطع هذه الصلة، أقطعها بسيف من الفولاذ، ما أمشي معه لو كان ما كان. فما كنت في أيام الشباب، لا أقصد ذاك الوقت بداية كنا في ثانوي وهكذا والجامعة، كنت أشوف شخصاً لما -حتى لو كان ظاهر التدين- هل الصلاة عنده عظيمة؟ ولا عادي هو يأتي إلى ركعة ثانية ركعة ثالثة؟ إذا كان من هذا القسم، ركعة ثانية ركعة ثالثة تفوت اليوم صلاة وعادي، هذا الإنسان ما يصلح أنك تصاحبه. تعظه، تنصحه مرة ومرتين وثلاث، ثم بعد ذلك تقول: هذا فراق بيني وبينك يا شيطان.

وإن كان ظاهراً منه ملتزماً متديناً، فالظاهر لا قيمة له إذا ما كان معه الباطن طبعاً، وكذلك والديه. كيف علاقته مع أمه؟ كيف علاقته مع أبيه؟ هل هو لما والدته تريد منه شيئاً يقدمها على أصحابه ولا العكس؟ الشخص إذا ما كان مع والديه بعد صلاته، أعظم من علاقته مع البقية، هذا إنسان ليس صاحب وفاء بكل صراحة، هذا الإنسان في يوم من الأيام سيطعنك في قلبك إن صاحبته، هذا ما يصلح أنك تصاحبه من البداية.

وكانت -سبحان الله- الزوجات الصالحات قبل أن تتزوج الشخص تنظر إلى صلاته وبره بوالدته. إحدى النساء تقدم لها شخص فسألته عن الصلاة، فتلكأ، لكن أخذت عليه العهد أنه سيحافظ عليها أو سيحافظ على صلاته في المسجد. ثم سألته عن علاقته مع والدته، وهي طبعاً ذكية وصالحة، فسألته سؤالاً فيه فخ، قالت: طيب إذا أنا أردت أن نخرج من البيت، ما أريد أن أسكن مع والدتك، بطريقة فيها اختبار. فقال: نعم، لا شك أن هذا حق لك والذى تريدينه وأنا ما عندي مشكلة أن أسكن خارجاً وهو وحيد أمه.

فقالت: طيب. ثم رجعت إلى أبيها وقالت: لا أريده. هو ذهب الأب وقال للبنت: أنا ما الذي فعلته؟ أنا مستعد أن أقدم.. فقال: هي لا تريدك، فقال: لا أريد أن أعرف ما السبب؟ فسأل ابنته، فقالت: يا أبتي، هذا مقصر في حق والدته، فأبنائي ماذا سيفعلون معي إذا كان هذا أبوهم؟

شوفوا انظروا للعقل! تقول إن هذا مقصر في حق أولى الناس ببره، الجنة تحت رجليها. ثم تعرفون ايش الجنة؟ ألا إن سلعة الله الجنة، سلعة الله مو سلعة البشر. ألا إن سلعة الله غالية. هذه الجنة ما تأخذها إلا ببذل عظيم، الجنة بحّت لها حناجر العلماء وسُفكت لها دماء الشهداء، هذه الجنة ثم عند رجليها. في حديث معاوية بن جاهمة: «الزم رجلها، فثم الجنة». الجنة حتى بليس عند رجليها، يعني الجنة موجودة أمامك وتذهب وتبحث عن غيرها!

أمر غريب والله، أمر عجيب. وأنا أعرف بعض الأشخاص من الصالحين ممن قصر في حق والدته حتى ماتت، والله كل ما يذكر والدته يبكي بكاء الثكلى، يقول: منذ ماتت أمي وما كنت أتوقع أنها ستموت، هو ما كان في ذهنه أنها ممكن تموت الآن، المنايا متى يأخذها الله سبحانه وتعالى وترجع إلى باريها سبحانه وتعالى. يقول منذ وفاة والدته أكثر من عشر سنوات، ما سجدت سجدة إلا ودعوت لها، متقطع قلبه حسرة على هذا التقصير.

حتى نرى الرؤيا بعد ذلك سبحان الله، هذه الأم كان عندها ابنان؛ ابن بار في حياتها، وهذا الابن الذي كان منصرفاً عنها. بعد وفاة هذه الأم رأت ابنتها في المنام، وكان تأويل الرؤيا أن الابن الذي لم يكن باراً بها هو البار، والذي كان باراً بها في الحياة انقطع بره. ففعلاً لما سُئل هذا قال: أنا ما تصدقت صدقة إلا أشركت أمي معي، ولا سجدت سجدة إلا دعوت لأمي، ولا كان إلا فعلت لأمي. أما الثاني لم يفعل لها شيئاً، خلاص نسيها، ما كان باراً في حياتها وهذا محروم.

فالقصد يا إخواني من هذا الكلام كله أن الشخص إذا كانت أمه حية فهو الآن عنده طريق سريع إلى الجنة، تعرفون الطريق الآن مسافة 500 كيلو وهذا 50 كيلو، 50 كيلو تجعلك تصل الجنة. إذا ما كانت حية تدعو الله، ماذا تفعل؟ تدعو الله، ما قطعوا البر، لكن يبقى الآن هي لم تدعُ لك وهي في قبرها، لو كانت في حياتها ممكن تدعو لك دعوة تجد السعادة بعدها إلى أن تلقى الله، لكن هي ليست موجودة، فالآن تبذل الذي تستطيع.

فلذلك أنا أوصي الشباب وصية كبيرة جداً وعظيمة، وأن هذا الأمر ليس من الأمور الثانوية، هذه الأمور معظمة في الدين. أنا أعرف بأن شرائع الإسلام كثيرة، وأعرف بأننا جميعاً لا نستطيع أن نحصي هذه الشرائع كلها ونأتي بها كلها، لذلك جاء رجل للنبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بعمل أتشبث به. قال: «لا، لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل». فأخبر بعبادة معينة، ما نستطيع أن لا يوجد شخص يستطيع أن يفعل كل شيء.

ممكن يشارك، وهذه فتوحات طبعاً خاصة على بعض البشر. ولكن هناك عبادات التقصير بها لا يكون فيه خطر كبير، كالتقصير في الصلوات الخمس، والوتر، وسنن الرواتب، وكل ما يتعلق بالصلاة، والتقصير في الذكر. أما التقصير في الوالدين، فهذه أمور ليست من عامة العبادات؛ ممكن شخص يقصر في عبادة أخرى، ممكن يقصر في الصيام، أو في الصدقة، لكن هذه العبادات عظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

والذي تصنعه مع والدك ووالدتك هو الذي سيصنع لك في المستقبل. دعوا عنكم الخرافات -وأنا أقول خرافات بهذا السياق- كالعناية بالتربية والعناية بالأبناء وتربية الأبناء إلى آخره وأنت كنت مقصر مع والديك؛ كل ما تفعله من تربية هذا لا قيمة له. بروا آباءكم، تبركم أبناؤكم.

عندنا أمور قدرية، وعندنا أسباب شرعية. السبب القدري هو هذه التربية؛ أن تحسن تربيته وتعرف كيف تربيه وتعرف طبعه، هذا الكلام الذي يقوله التربويون. وعندك أسباب شرعية سببين: الأول أن تبر والدك أو والدتك، فبر الأب والأم ثمرته بر الأبناء حتى لو كنت مقصر في السبب القدري. والثاني السبب الشرعي: الدعاء؛ ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. هذا هو السبب الشرعي الثاني، أنا شخص يدعو الله سبحانه وتعالى كثيراً بأن يهدي أبناءه وأن يحفظ أبناءه.

وأذكر أحد الأشخاص من المعاصرين، شيخ فاضل وأسرته يضرب بها المثل بالتربية، أبناؤه كلهم حفظة، وكل أبنائنا نحسبهم هكذا صالحين وفيهم خير. فسألته مرة، وكان جالساً في جانبي في السيارة، زارنا قبل سنوات كثيرة، قلت له: شيخ كيف بدأت هذا المشروع؟ وكيف قمت به؟ قال: كل أسباب النجاح غير موجودة، وجميع أسباب الفشل موجودة، ما كان عندي إلا سبب واحد للنجاح، قلت: ما هو؟ قال: الدعاء. قال: ما كنت أصلي إلا أدعو، أدعو أدعو أدعو، فبالدعاء الله سبحانه وتعالى حفظ لي هذه الأسرة ومنّ الله علي بها.

أما تأتي عند البقية تجد الأب يبذل ويبذل، ومع ذلك سبحان الله أبناؤه يعقونه ولا يبالون به لأنه كان مقصراً مع والده. هو كان مقصراً مع والده، فلذلك الذي يعيش الآن فوق الأرض ووالده ووالدته موجودين فلا يقصر بحق الوالدين حتى لا يندم ندماً لا يستطيع أن يعوضه إذا مات الوالدان.

نسأل الله أن يهدينا وإياكم ويعيننا وإياكم على بر الوالدين وعلى إدخال السرور عليهم. إذا كان أعظم الأعمال عند الله السرور الذي تدخله على مسلم، فالسرور الذي تدخله على الوالدين هو أعظم هذه الأعمال؛ لأن أعظم المسلمين بالنسبة للشخص في حياته هم والده ووالدته، فلما تدخل السرور على هذه الوالدة وتبتسم، هذه ابتسامة عظيمة جداً.

ورضا الله سبحانه وتعالى في رضا الوالدين، يكفي أن الله ربط رضاه وتوحيده في الوالدين، ثم يأتي هذا الابن ويتعامل مع الوالدين بطريقة غريبة جداً والنصوص واضحة، ما يعذر الإنسان؛ ليس لأن الابن مثلاً ما كان فاهماً أنه يعذر، لا ما يعذر، لأن النص هذا ظاهر ليس نصاً خفياً، ليست المخالفة في شيء في الدين غير بين أو غير ظاهر، إنما هذا الشخص محروم، ولذلك لابد أن يتوب ويحسن التعامل مع الوالدين، ويحصل كنز عندك في البيت كل يوم تحصل منه وتغرف منه ما تشاء وتشتهي.

نعم، هذا بالنسبة للأمر الذي رأيت أن هناك فيه تقصيراً كبيراً، وحتى حدثني بعض الشباب وقالوا بأن هذا الأمر أكثر الشباب لا يستحضرونه، ولا يفكرون بأن في بيتهم كنزاً.