دخولتسجيل الدخول

الدرس 7 - بقية أدلة المذهب (الجزء الأول)

نايف آل الشيخ مباركالشيخ نايف آل الشيخ مبارك
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. نتناول في هذا الدرس إن شاء الله تعالى عدداً من الأصول الأخرى لمذهبنا المالكي، وهي: عمل أهل المدينة، قول الصحابي، والاستحسان، وسد الذرائع، والاستصحاب. هذه والأدلة التي ستأتي في الدرس المقبل: المصلحة، شرع من قبلنا، والاستقراء؛ فهذه أيضاً من الأدلة المعتبرة عندنا في مذهبنا المالكي.

والفت نظركم أولاً إلى أن هذه الأدلة، كما هو معلوم، هي تأتي في كتب الأصول بعد الأدلة الأربعة الأولى، فتلك أدلة متفق عليها بين الأصوليين: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. هذه أدلة تأتي في رتبة أخرى وهي أقل مباحث كذلك من تلك الأدلة، كما أن بعض الاصوليين في تصنيفهم يصنفون بعض الأدلة التي هي من أدلة مذهبنا يصنفونها في الأدلة غير المعتبرة.

أردت أن ألفت نظركم حتى إذا قرأنا كتاباً أصولياً من الكتب الأصولية العامة، قد نجد بعض الأصوليين يعتبر بعض الأدلة ها هنا من الأدلة غير المعتبرة. أما في مذهبنا، أو باعتبار المذهب المالكي حيث درسنا وحيث مقررنا الأصولي هذا، فإن هذه الأدلة تعتبر من الأدلة الشرعية المعتبرة عندنا في مذهبنا.

ومن أول هذه الأصول الخاصة بمذهبنا المالكي: عمل أهل المدينة، وهو الأصل الذي تميز به مذهبنا به إمامنا مالك رحمه الله تعالى، الذي كان فقيه المدينة، والذي روي فيه أو الذي روي بأن رواية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة».

عمل أهل المدينة من الأدلة المعتبرة ومن الأدلة المعتد بها في مذهبنا، وهو دليل شرعي يخصص به إمامنا مالك الأدلة النصية الواردة في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سنرى. ما سبب اعتبار هذا الدليل دليلاً شرعياً معتبراً؟ ما هي المدينة؟ هي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم المعروفة العلم بالغلبة كما يقول النحويون، فهي المدينة، وإن كانت كلمة المدينة تطلق على كل مدينة لكنها هي المدينة، فالمدينة هي المدينة المنورة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وعمل أهل المدينة يقصد بأهل المدينة هم من أدركهم إمامنا مالك من التابعين ومن قبلهم من الصحابة كذلك. لكن أن إمامنا مالكاً رحمه الله تعالى في موطئه حينما يذكر الأمر المتفق عليه عندنا أو الأمر المجتمع عليه عندنا، حينما يروي ذلك أو ينسب بعض الأقوال أو الأحكام إلى هذه الطريقة أو بهذه الطريقة، فإنما يقصد بها من أدركهم من التابعين.

على الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى: من هم أهل المدينة؟ هل هم فقط الفقهاء السبعة؟ أو هم الصحابة فقط؟ أو الفقهاء السبعة، أو من أدركهم إمامنا مالك؟ وهذا هو ما عليه الأصوليون.

من أصول مذهبنا، قبل أن نتناول أقسام عمل أهل المدينة، لابد أولاً أن نزيح وهماً يتوهمه كثير من المعاصرين من طلبة العلم تتبعاً لتوهُم كثير من الأصوليين رحمهم الله تعالى في ردِّهم لهذا الأصل في مذهبنا باعتباره تابعاً؛ فكثير من الأصوليين شنعوا على إمامنا أو لنقل شنعوا على مذهبنا اعتبار عمل أهل المدينة أصلاً. وكيف يكون أصلاً، والإجماع كما رأيت وتعرفنا على أحكامه وضوابطه أنه إجماع كافة المجتهدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فما هي الخصوصية التي يجعل فيها إمام مالك فقط إجماع أهل المدينة هو الإجماع المعتبر، وهم بعض الأمة وليسوا جميع الأمة؟

وهذا وهم غير صحيح؛ إن إمامنا مالكاً لا يقصد البتة بعمل أهل المدينة إجماعهم، وإنما يقصد بعمل أهل المدينة كما سنتعرف بعد قليل نقلهم عن من قبلهم، إما نقلهم للسنة العملية المتواترة عمن قبلهم من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك كان القاضي عياض رحمه الله تعالى قد ذكر في غير ما موضع من كتبه أن ارباب المذاهب الأخرى من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر شنعوا على المذهب أو أنهم خطئوا إمامنا مالكا رحمه الله تعالى، كما قال: مخطئون لنا فيها بزعمهم، محتجون بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة.

يعني ما الذي يميز المدينة عن غيرها؟ ولذلك حتى في كتب الأصول يذكر إجماع أهل الكوفة وإجماع العترة كذلك وإجماع أهل البيت. وضع عدد من الأصوليين من غير المالكية مثل هذا الإجماع لمن يرون أن فيهم تميزاً في بلدهم لوجود عدد من الصحابة أو غير ذلك.

على كل حال، يقول القاضي عياض رحمه الله: وعدي مثالبها وهم يتكلمون في غير موضع خلاف، فمنهم من لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أطالها وأضاف الينا ما لا نقوله فيها، فأوردوا عنا في المسألة ما لا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به أو يحتج به على الطاعنين في الإجماع. ذكر هذا في ترتيب المدارك.

وقال أيضاً في موضع آخر من هذا الكتاب بعده بصفحات قال: وأكثر بعض الأصوليين في تحريف ما نقل عن مالك فقالوا: إن مالكاً لا يعتد إلا بإجماع أهل المدينة دون غيرهم. وهذا ما لا يقوله هو ولا أحد من أصحابه، وحكى بعضهم أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، وهذا ما لم يقله ولا روي عنه.

إذاً، فقط هذه مقدمة حتى نتبين أولاً أن هنالك وهماً حاصلاً؛ فحينما نقرأ بكتب الأصول الأخرى لغير مذهبنا فسنجد تخطئة، أو سنجد رداً وعدم اعتبار على أقل حال لعمل أهل المدينة في كونه من الأدلة الشرعية المعتبرة أو التي يستدل بها.

إذاً، هذا هو عمل أهل المدينة أو هذه مقدمة أولى لما يتعلق بعمل أهل المدينة. الآن نتعرف على المقصود بعمل أهل المدينة حينما يروي إمامنا مالك ذلك وحينما ينقل فقهاؤنا رحمهم الله تعالى مسألة ويستدلون لها بكونها كانت أو كان عليها عمل أهل المدينة، أو أن أصل هذه المسألة في الاستدلال كان من عمل أهل المدينة، هو ينقسم إلى قسمين:

ما كان لا مجال فيه للرأي. وهذا الذي يعبر عنه الأصوليون بما كان طريقه التوقيف أو يكون الغالب منه ذلك، فهذا حجة؛ أي هذا حجة شرعية فيما كان طريقه التوقيف. ما معنى طريقه التوقيف؟ يعني ليس من مجال الاجتهاد، وإنما ما ينقله هؤلاء التابعون رحمهم الله تعالى في مسائل لا يمكن أن تكون مجالاً للاجتهاد.

كالآذان وألفاظه، والإقامة كذلك، والمد من بين ذلك، كذلك إسقاط الزكاة؛ زكاة الخضر؛ فإن أهل المدينة لا يرون وجوب الزكاة في الخضروات. وهذا لا مجال فيه للاجتهاد لأنه غالباً سيكون فيه تعبد، لأن الزكاة قد فرضها الله سبحانه وتعالى في كتابه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ من أموالهم صدقة»، تأخذها من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فاذا هذه لا مجال فيها للاجتهاد، فغالباً ستكون مقولة عن من قبلهم من الصحابة، وهؤلاء قد اخذوا فيها حكماً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الآذان مما يروى في هذا الأمر تحديدا ما أورده القاضي عياض رحمه الله في ترتيب المدارك أن يحيى بن أكثم وعبد الملك بن ماجشون رحمهما الله تعالى، والأول ليس مالكياً. حينما جاء المدينة وزار عبدالملك وتباحث في أمر العلم قال: أنتم بالمدينة، نحن رحلنا إلى المدينة وأنتم فيها، وتوانيتم عن طلب العلم، وليس من رحل وبذل كمن كان في المدينة وتوانا.

فقال عبد الملك على الفور متعجباً: اللهم غفرا يا أبا محمد، وأمر أحدهم أن ينادي ابن سعد وهو مؤذن معروف، فحينما أتاه وهو كان رجلاً كبيراً، قال: منذ متى تؤذن؟ قال: منذ كذا وكذا؛ أربعين سنة، وكان أبي وكان جدي يؤذن. قال له: أذن. فحينما أذن وسمع يحيى هذا الأذان قال له: هذا الأذان الذي يرفع على رؤوسنا خمس مرات في اليوم، أفترانا لا نصلي يا يحيى؟ يعني هل مثل هذا يحتاج إلى حديث وارد حتى نقول: قال رسول الله، أو الصحابي كان يحكي أذان فلان من الصحابة ومن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا أمر عملي يراه التابعون ويراه أهل المدينة ممن أدركهم الإمام مالك ثم بعد ذلك أخذ الإمام مالك عنه عنهم، وأخذ بعد ذلك عن الإمام مالك تلاميذه من طلابه من المدنيين وغير المدنيين.

فحينما قال له: أترون لا نصلي؟ وقد خالفتمونا في ذلك، فانتم في مخالفتنا في غير هذا أحرى؛ إذ يختمون في أمر ظاهر يرفع خمس مرات في اليوم. أفترون أنكم لا تخالفون عمل أهل المدينة، أعني السنة المتواترة، ألا تخالفونها في غير ذلك؛ يعني من دقائق المسائل التي اخذ بها مالك؟

وها هنا أيضاً نتذكر كذلك كلمة ذهبية قالها الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى حينما قال: أعيا الفقهاء كثرة السنن. الفقهاء امامهم كم كبير من الأحاديث، لنقل إنها صحيحة أو أنها في درجة المقبول من ناحية الاحتجاج، أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة وأقواله متعددة، منها المتقدم ومنها المتأخر، ومنها النص ومنها الظاهر، كما تعرفنا على ذلك سابقاً. هذا غير كذلك ما يكون في إثبات كل حكم في آية، ويأتي حكم آخر في حديث: هل يخصص الحديث الآية؟ وغير ذلك من المباحث.

قال: أعيا الفقهاء كثرة السنن، فلما اخذ مالك بما عليه الأمر انضبط له الامر على يسر والحمد لله. هذا أمر جعل الإمام مالكاً كما نقول يرتاح من الناحية الاجتهادية؛ هو أمامه حديث وأمامك عمل ينقله ألف عن ألف عن ألف، وأمامه حديث ينقله شخص أو عشرة وهو لا يعدو درجة الظن، كما يقرر حتى غيرنا من الأصوليين ومن العلماء أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن، ومع ذلك يجب طبعا العمل بها مقررهم، وقرر ذلك الأصوليون.

لكن أن استدل بعمل أو رواية ألف عن ألف، ذلك أحب من الاستدلال برواية واحد أو خمسة أو عشرة لا تدري، أو كما ذكرها غير واحد من العلماء رحمهم الله تعالى.

فاذا هذا هو المقصود بعمل أهل المدينة حينما يكون هنالك دليل في البخاري في مسلم، بل ربما يكون هنالك دليل يرويه امامنا مالك نفسه في موطئه ولا يعمل به. وهذا أمر دعا كثيراً للأسف حتى من المالكية أن يتعجبوا من رواية الإمام مالك لحديث ولا يعمل به.

وهذا كما قال أيضاً بعض ربما ابن الماجشون أو غيره حينما سئل: لماذا تروون الحديث ولا تعملون به؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه. لأن القضية قضية بث للحديث، قضية عمل؛ ليس القضية الآن قضية نسخ وأحكام، إنما القضية قضية تقديم وتأخير، تعارض وترجيح، رتب للأدلة في الظهور في الدلالة، فهذه هي العملية الاجتهادية.

فحينما يأتي الإمام مالك ويعمد إلى إقرار حكم أو إلى حكم معين بناه على عمل أهل المدينة ولو قد كان رواه هو، روى حديثه رحمه الله تعالى في موطئه، أو كان من جاء بعده ممن روى حديثاً في البخاري وفي مسلم، ومالك هو الذي انتهت إليه الحديث وهو وهو أمير المؤمنين وهو النجم كما ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، والتعليلات التي يذكرها: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث أو لعل... كلها تعليلات ضعيفة جداً.

نعم، الإمام مالك قد يبلغه الحديث وقد لا يبلغه الحديث كذلك، لكن الذي نحن نقر به ونعرفه منه رواية أئمتنا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى وتمحيصهم لأقواله أن كثيراً من المسائل بناها على عمل أهل المدينة. هذا هو بمحاولة اختصار كما يقال فيما يتعلق بعمل أهل المدينة.

إذاً، هو على قسمين فيما لا مجال للرأي فيه، ويعني ما كان طريقه التوقيف أو يكون الغالب منه ذلك، فهو حجة في هذه الأمثلة.

بقي النوع الثاني وهو ما كان فيه مجال للاجتهاد؛ فهذا اختلف حتى أصحابنا، أي أئمتنا المالكية أنفسهم رحمهم الله، في اعتباره دليلاً أو عدم اعتباره دليلاً، لكنه على التحقيق ليس دليلاً، عفواً ليس معتبراً، ليس هذا النوع أو هذا القسم ما كان من طريق الاجتهاد ليس معتبراً كما حققه كثير من الأصوليين، في المقابل هنالك عدد من أئمة المذهب رأوه، أي رأوا هذا النوع مما يحتج به، في هذا النوع من عمل أهل المدينة.

من الأدلة كذلك: مذهب الصحابي قولا أو فعلا. أولاً، من هو الصحابي؟ الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، أي مات على الإيمان. وهذا التعريف يتحرز به من عرفه عن التعريف الذي وضعه بعضهم بقوله: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا يخرج من كان من الصحابة أعمى.

إذاً، هذا هو الصحابي. وهนالك طبعاً تعريفات أخرى فيها رأي العلماء أو بعض العلماء أنه لابد أن يكون قد اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم وطال ذلك به، أو روى عنه صلى الله عليه وسلم. ولكن التعريف المعتمد هو أنه لا يشترط في تعريف الصحابي، أي في اعتبار الصحابي في رتبة الصحابة، أن يطول، بل لو اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يطول اجتماعه، كما قال الناظم: حد الصحابي مؤمن لاقى الرسول ولو بلا رواية عنه وطول.

طيب، إذا الصحابي في حادثة أو قال قولا أو حكم بحكم، هل يعتبر قوله هذا حجة نعتمد عليه؟ اختلفت في ذلك أنظار العلماء.

وقول الصحابي هذا أولاً له عدة تصنيفات أو له عدة اعتبارات؛ فإن كان قول الصحابي مما لا يقال فيه بالرأئي، كأن يقول قولاً متعلقاً بعدد الركعات أو مقادير أنصبة الزكاة، أو ما يتعلق بالكفارات أو الحدود أو الدية، فهذا لا يقال فيه بالرأي، وإنما يكون ذلك مستنداً إلى الشرع من يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا له حكم الرفع.

وهذا له حكم الرفع، يعني كما مر معنا في أنواع السنة وأن من بينها ما يقوله أبي من السنة كذا، أو كنا نفعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كذا، وهذا ليس محله خلاف بل هو اتفاق بين الأصوليين، بل نقل الإجماع أنه يعني من قبيل السنة، نقل الإجماع على ذلك الإامم أبو بكر الباقلاني رحمه الله، والامام الآمدي، والامام ابن الحاجب رحمهم الله تعالى.

وإذا كان هذا الصحابي قال قولاً وأجمع عليه الصحابة صراحة، هذا له حكم الإجماع وهو حجة. وهذا النوع يقابل النوع الثالث، وهو إذا انتشر بينهم ولم يعلم له مخالف. يعني الآن النوع الثاني أنه قال قولاً وأجمع عليه الصحابة صراحة، يعني صرحوا بموافقتهم لقول الصحابي، فهذا له حكم الإجماع وهو حجة اتفاقاً، وهذا مثله توريث الجدة السدس الذي كان في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وجمع المصلين على إمام واحد في التراويح الذي كان في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكذلك الأذان الأول الذي كان في عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فهذا صرح الصحابة بموافقتهم لهذا القول.

أما إذا انتشر بينهم ولم يعلم له مخالف، فهو حجة كذلك عند من يرى حجية الإجماع السكوتي، كما تعرفنا سابقاً على أنواع الإجماع؛ فمن يرى حجية الإجماع السكوتي، فهذا من قبيل الإجماع السكوتي. يعني انتشر قوله بين الصحابة ولم يعلم له مخالف، يعني لا يعلم له منكر، فهذا حجة كذلك عند من يرى الإجماع السكوتي، ومن أمثلته ما مر بنا ربما في أحكام الصلاة، في ألفاظ التشهد: أن إمامنا مالكاً رحمه الله تعالى اختار لفظ سيدنا عمر بن الخطاب لأنه قاله على المنبر بمحضر ومجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

أما إذا قال قولاً ولم يعلم انتشاره ولم يعلم له مخالف، فهو حجة عندنا في المذهب المالكي، وهو محل البحث حقيقة، هذه النوع الأنواع أو الصور الأخرى هي في كثير منها محل اتفاق، فهذا هو محل البحث، أي أنه إذا قال قولاً ولم يعلم انتشاره بينهم، لو علم انتشاره بينهم فإما أن يوافقوه صراحة وإما أن لا يعلم له مخالفة فهو من النوعين السابقين.

فإذا لم يعلن انتشاره ولم يعلم له مخالف فهو حجة، وهذا يعني من أدلة العلماء رضي الله تعالى عنهم الذين رأوا ذلك: أن الصحابة هم أقرب الناس زمناً للنبي صلى الله عليه وسلم، وشاهدوا نزول الوحي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، فكانوا هم الشهود. فعلى كل حال هو محل خلاف بين الأصوليين، لكنه في مذهبنا حجة، أي أن قول الصحابي هذا في هذه الرتبة أو في هذا النوع وفي هذا التصنيف يعتبر حجة.

أما قوله على صحابي مجتهد آخر فليس بحجة، لماذا؟ لأنهم يختلفون أصلاً في الحكم، ويختلفون في الاجتهاد، ويختلفون في الآراء، وينكر بعضهم على بعض، فهو حجة على من بعدهم وليس على أنفسهم يعني في الصحابة فيما بينهم، فكل واحد منهم بلغ رتبة من بلغ رتبة الاجتهاد، فلا يكون قول غيره حجة عليه. وهذا كما نقل في كثير من كتب الفقه ومدونات الفقه، وكذلك حتى كتب السنن: أن عدداً من الصحابة يختلفون في القول الواحد وفي المسألة الواحدة.

من الأدلة كذلك الاستحسان، والاستحسان له عدة تعريفات في الاصطلاح، بل إن الاستحسان ابتداءً اختلف الأصوليون فيه، أي في اعتباره دليلاً وحجة يعتمد عليها أو دليلاً يستدل به، بل من الأصوليين، بل من الأئمة من شنع كثيراً على الاستحسان، ومن بينهم الإامم الشافعي رحمه الله تعالى الذي ينسب إليه قوله: من استحسن فقد شرع.

لكن على كل حال اختلف في تعريف الاستحسان بناءً على الاختلاف في المقصود منه أصلاً، هل هو يعني كذا أو يعني كذا؟ ولذلك اختلفت آراء الأصوليين بناءً على تعريفه. فمن بين تلك التعريفات: ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص بمعارضته ما يعارضه في بعض مقتضياته. هذا هو التعريف الأقرب للاستحسان؛ لأن هنالك من عرفه كالامام الباجي بأنه الأخذ بأقوى الدليلين، وهذا هو عمل المجتهد، أنه هو الأصل أن يأخذ بأقوى الدليلين.

وهنالك من عرفه بقوله: ينقدح عند المجتهد يعجز عن التعبير عنه لا يقوى على التعبير عنه، هذا مما شنع عليه الأصوليون أصلاً؛ كيف أن يكون هذا المجتهد الذي يتعامل مع الكتاب والسنة وألفاظهما ومدلولات تلك الألفاظ، ينقدح في ذهنه أو ينقدح عنده دليل لا يستطيع أو يعجز عن التعبير عنه؟ فلذلك، بسبب هذا الاختلاف -كما ذكرت قبل قليل- الاختلاف في تعريف الاستحسان، اختلف الأصوليون في اعتباره أو عدم اعتباره.

فالدليل التعريف الأقرب للاستحسان هو أنه: ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص بمعارضته ما يعارضه في بعض مقتضياته. أو بألفاظ أقل هي مقاربة لهذا التعريف: قولهم العدول بالمسألة عن نظائرها لدليل خاص. أي أن المسألة هذه أو أن فرعاً من الفروع كان ينبغي أن يكون منسجماً وفق قاعدة أو وفق أصل أو وفق قياس معين يقتضي بناءً على ذلك حكماً معيناً كالتحريم أو الإيجاب أو غير ذلك، فأخرج من هذا القياس أو استثني من هذا الأصل على سبيل الاستثناء لأجل الترخص بدليل آخر، أو لأجل اقتضاء دليل آخر.

إن هو العدول بالمسألة عن نظائرها التي كانت مندرجة تحتها لدليل خاص، أو لنقول هو ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص. ستتضح هذه المدلولات من خلال هذه الانواع. لكن مثلاً من بين تلك الأقسام -وإن كانت هنا لم تذكر في الانواع، وأن هنالك استحساناً من الشرع وهنالك استحساناً من المجتهد، وإن كان النوع الأول استحسان الشرع لا يصدق عليه الاستحسان اصطلاحاً المقصود ها هنا- لكن من بين ما يستأنس به هو أن ورد في الشريعة عدد من المسائل استثنيت من أصل معين.

من بين ذلك السلم، السلم الأصل فيه أنه محرم أو أنه ممنوع، لماذا؟ لأنه عقد على معدوم. أليس السلم تقديم رأس المال ثم بعد ذلك بعده بمدة كخمسة عشر يوماً أو شهر وغير ذلك يأتي المسلم إليه بالسلعة؟ أليس هذا بيعاً لمعدوم؟ أليس بيع المعدوم محرماً؟ لأن من شروط البيع أن يكون المعقود عليه موجوداً ومقدوراً على تسليمه، لكن هذا استثناه الشرع، الشرع نفسه هو الذي استثنى هذا البيع وهذا العقد من نظائره التي كان ينبغي أن تندرج تحته هذه المسألة وهو التحريم.

كذلك بيع العرايا، ومثلاً من بين الأمثلة التي يمثل بها الأصوليون: ثم أتموا الصيام إلى الليل، أن من أفطر ناسياً في نهار رمضان، أو لنقل على مذهبنا أن من أفطر ناسياً انخرم صومه، فكان ينبغي إذاً أن يبطل هذا الصوم؛ لأن هذا لم يقع فيه حقيقة الإمساك من أول النهار يعني من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لكن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل فإنما أطعمه الله وسقاه، من شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه»، فهذا دليل لنقل في النفل عندنا، أو ليقل غيرنا من غير المالكية أن ذلك يشمل كذلك حتى رمضان، هذا خروج بالمسألة عن نظائرها.

إذاً له أنواع: استحسان من الشرع، واستحسان من المجتهد. أما استحسان المجتهد فمن أنواعه ومن أمثلته: ترك الدليل للمصلحة، أي مخالفة القياس أو مخالفة الدليل لأجل المصلحة. ومثل هذا، أو مما يمثل لهذا: رد الأيمان إلى العرف، أي الأيمان حينما يحلف الإنسان يميناً ولم يكن هنالك بساط ولا عرف، لم يكن هنالك عذراً في نيته يعني ليس هنالك في نيته شيء أو ليس هنالك بساط ليمين، فإن اليمين ترد إلى العرف. لو حلف مثلاً ليصومن وكان هذا الحلف بالاطلاق، ما المقدار أو ليتصدقن مثلاً أو لينفقن مثلاً مالاً، ما هو المقدار الذي سيخرجه أو وجب عليه؟ هل هنالك نية؟ ليست هنالك نية. هل هنالك بساط ميل؟ ليس هنالك بساط ميل. إذاً يرد ذلك للعرف. من كذلك الأمثلة ها هنا في العرف تحدداً، زيارة مثلاً لا إله إلا الله، مثلاً والله الذي لا أو لا إله إلا هو عفواً، والله الذي لا إله إلا هو، هذا مما قيل بأن زيادته من باب.

كذلك من أنواع الاستحسان: ترك الدليل للعرف، يعني مخالفة المسألة في عمومها أو في قياسها بناءً على العرف، وهذا مثل تضمين الأجير المشترك، والدليل يقتضي أنه الثمن الأجير غير المشترك الأجير الخاص هو مؤتمن فلا يضمن ما كان منه بلا تفريط، لكن لو كان هنالك أجير مشترك بين عدة أشخاص فهذا لو ترت ما كان بيده فيضمنه، من بين ذلك حتى تضمين الصناع الذي يروى عن إمامنا مالك رحمه الله تعالى فهم أيضاً كذلك الصالح ويده يد أمان، لكن إذا كان مما يغاب عليه وكان قد عقد أو نصب نفسه للعمل فإنه كذلك يضمن.

من بين ذلك أيضاً أو من أمثلة ذلك: أجرة الحمام، الذي يدخل الحمام ليغتسل سيستهلك ماءً غير محدد يختلف بين الناس في كميته، وهو لا يعرف كذلك هذا الماء ونوعه، فهنالك جهالة في هذا العقد ومع ذلك فأجاز الفقهاء دخول الحمام بناءً على ذلك. هذا هو المقصود، هو ترك لأمر كان مثلاً في أجرة الحمام الماء غير معلوم ومقداره غير معلوم، ومع ذلك أخرجت هذه المسألة واستثنيت عن طريق الاستثناء أو الترخص من نظائرها إلى حكم آخر. وكذلك تضمين الصناع وتضمين الأجير.

من أنواعه كذلك: ترك الدليل لإجماع أهل المدينة، مثل إيجاب عموم القيمة على من قطع ذنب بغلة القاضي. المقصود هنا أن القاضي من ذوي الوجهات وذوي المروءات وذوي الوجاهة الاجتماعية والمقام الاجتماعي، الأصل أن من قطع ذنباً من بغلة فإنه يضمن ما كان فيه نسبة العيب هذه في الذنب، فتحدر يقدر هذا الضرر ثم بعد ذلك يقدم لصاحب البغلة هذا المقدار، لكن لما كان القاضي أو حتى من مثله حتى غير القاضي لو كان من ذوي الوجاهة والمروءات، فلا يكتفى بقطع لا يكتفى بالتعويض والضمان في ذنب البغلة فقط، وإنما يضمن قيمة البغلة كاملة، بل مثل الفقهاء لذلك حتى بعمامته أو قلنسوته لو أتلف جزءاً منها أحد فإنه يضمن قيمتها كاملة.

من بين الأنواع كذلك للاستحسان: ترك الدليل للتيسير ورفع الحرج، مثل إجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكبيرة حينما يكون هنالك مراطلة في في في نقدين، فإن التفاضل اليسير أم لا يمكن ضبط المناطلة بتحديد دقيق جداً، فأجاز الفقهاء استحساناً التفاضل اليسير الذي يكون بسبب الكثرة أو سبب كثرة النقد في الجانبين، فلذلك أجازوا التفاضل اليسير.

من بين الأمثلة كذلك التي تمثل أنها من الاستحسان: جواز قراءة الحائض للقرآن، فهذا أيضاً استحسان، وفي مذهبنا فهذا أيضاً استحسان منهم لكي لا تنسى القرآن ولكي لا تبتعد من غير مسجد للمصحف. يروى عن إمامنا مالك رحمه الله تعالى أنه صرح بالاستحسان في أربع مسائل، هذه المسائل يعني من بينها مما يرويه الفقهاء: الشفعة في الثمار، والقصاص بشاهد ويمين، وكذلك أنه أوجب خمساً من الإبل في أنملة الابهام -نسيت المسألة الرابعة-.

هذه المسائل صرح فيها إمامنا بالاستحسان، وقد قال بغيرها كذلك استحساناً، لكن هذه المسائل ذكروا فيها أنها لماذا خصوها بالذكر؟ لأن الإمام مالكاً صرح فيها بالاستحسان ومع ذلك انتقد هذا التوجيه بأنه أيضاً صرح في غيرها. ولكن الحقيقة أن هذه المسائل الأربعة الثلاثة التي ذكرتها ونسيت الرابعة لم يقل بها أحد قبل الإمام مالك رحمه الله تعالى، فهو استحسان منه ابتداءً، أي أنه استحسن هذه المسائل اجتهاداً، إنه لم يسبقه أو لم يوافقه أو لم يقل بهذه الاقوال التي استحسن فيها إمامنا مالك رحمه الله تعالى غيره من الفقهاء.

من بين الأدلة كذلك ومن بين الأصول: سد الذرائع. الذرائع جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة، وسدها يعني منعها أو يعني إغلاق بابها، هذا هو المقصود بالذرائع، وسنتعرف بعد قليل على المقصود بسد الذرائع تحديداً.

أولاً: نتعرف على أنواع الذرائع؛ فمن الذرائع ما هو مجمع على سده، وهذا إذا كان كان أفضاؤه إلى الممنوع محققاً أو مظنوناً غالباً كحفر الآبار في طريق المسلمين، فهذا مجمع على سده؛ لأن فيه ضرراً، أو أي حكم أو فعل كان في أصله مباحاً ونعلم أنه يفضي إلى ممنوع تحقيقاً أو ظناً غالباً، فهذا هو المقصود وهذا مجمع على سده يعني مجمع على سده عند المالكية وغير المالكية لأن هذا مما اختلف فيه، فهذا هو المقصود مجمع على سديه يعني عند المالكية وعند غيرهم.

وهنالك من الذرائع ما هو مجمع على عدم سده، لماذا؟ لأنها إما لا تفضي إلى المفسدة، أو أنها إذا كانت ستفضي إلى المفسدة فذلك على سبيل الندرة، والنادر لا حكم له، وهذا مثل زراعة العنب، الأصل في زراعة العنب أنه مباح.

ومع ذلك قد يترتب على زراعة العنب أن تعصر خمرا أو أن يصنع منها الخمر، لكن هذا مجمع على عدم سده؛ لأن هذا إما أنه نادر أو أنه بعيد، الأصل في المسلمين أنهم لا ينوون ذلك أو أنهم لا يقصدون من زراعة العنب بذلك، فهذا مجمع على عدم سده، هذا يعني أننا لا نمنع زراعة العنب.

أما لو كان هنالك غلبة ظن أن زراعة العنب في هذه المنطقة لأجل أن تعصر خمرا، فهذا إذا مما هو مجمع على سده من النوع الأول. ومن بين الأمثلة كذلك الشركة في سكنى الدار الواحدة خشية الزنا، يعني أنها لا تمنع وإن كانت قد تفضي في غير المحارم إلى الزنا، لكن ذلك أيضا مجمع على عدم سده.

النوع الثالث هو المختلف فيه، الذي اعتبار المالكية الذريعة فيه خلافا لغيرهم، وهذا مما يمثل له بيوع الآجال. هنا نرى تميز المذهب المالكي عن المذاهب الأخرى؛ بأن المذاهب الأخرى لديها سد للذرائع وإن كان بعض غير المالكية يرده، لكن في الحقيقة هو يعمل به، لكن الفرق -وهذا أيضا ملمح لابد أن نتنبه له- أن هذه الأصول، وإن شاركنا بعض هذه الأصول الأخرى -يعني غير الكتاب والسنة، غير الأصول الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس- وإن شاركنا فيها غيرنا، إلا أنها بالمالكية أَلصَقُ، أن المالكية يعتبرونها أصلا لا يلجأون إليها عند الضرورة، وإنما يعتبرونها أصلا ودليلا شرعيا معتبرا.

من بين لذلك سد الذرائع، الذرائع كما بينت قبل قليل وعرفتها بأنها الوسائل، فممن عرفها في هذا السياق الأصولي القاضي عبد الوهاب حينما قال: هي الأمر الذي ظاهره الجواز إذا قويت التهمة في التطرق إلى الممنوع، وعرفها كذلك الإمام ابن رشد في المقدمات الممهدات بقوله: هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور. لهذا غلب ها هنا جانب سد الذريعة، أي لأجل كونها قد تفضي إلى ممنوع، فغلبوا جانب سد الذريعة وحرموا هذه المسألة وحرموا هذا الفرع بناء على ذلك.

مثل بيوع الآجال التي رأينا تفصيلها في مقرر فقه المعاملات، ورأينا أن هذه المعاملات أصلا عند غيرنا هي من قبيل العقود الجائزة، لكن قلب إمامنا مالك رحمه الله تعالى فيه التهمة، غلب فيها -يعني في هذه العقود بيوع الأجل- قلب فيها التهمة لأجل القصد الفاسد، ولأجل ما يترتب عليها كذلك من المنهيات في العقود مما يتعلق بالربا.

إذا هذا هو المقصود بسد الذرائع، وله أمثلة كثيرة في مذهبنا، مما يتعلق بكراهة الإمام مالك أو نهيه عن بعض المسائل حتى في العبادات، في نهيه عن لأجل ألا يظن الجهال فيها الوجوب مثلا لأجل سد الذريعة، فهذا أيضا مما يستشهد به أو يمثل له في مثل هذا الأصل أو في مثل هذه القاعدة.