نتناول في هذا الدرس جزءاً جديداً من مقرر أصول الفقه التابع لحقيبة التأهيل الفقهي لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
هذا الدرس نتناول فيه أصلاً معتبراً ودليلاً من الأدلة المتفق عليها بين الأصوليين، وهو القياس وما به من مباحث. القياس الذي يعتبر مجال الاستثمار الحقيقي في الاجتهاد ومجال الاستثمار الحقيقي في الأدلة، الذي قال عنه العلماء رحمهم الله تعالى كما ذكر الإمام ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إن القياس ميزان العقول وميدان الفحول، فإنه مناط الاجتهاد ومنبع الآراء، وكاشف تفاصيل الأحكام عند تشاجر الغوغاء والمسترسل على جميع الوقائع والموجود إذا فقدت النصوص واختلفت الاقوال وظن ضيق المسالك وانسداد الذرائع.
وكذلك قال غيره، كما قال الإمام الزركشي: النظر فيه أوسع من غيره من أبواب الأصول؛ فلهذا خصوه بمزيد اعتناء. وقال إمام الحرمين مبيناً شرفه رحمه الله تعالى: القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية. لماذا؟ بين ذلك الإمام الجويني بقوله: فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة، ومواضع الاجماع معدودة مأثورة، فما ينقل منها تواتراً فهو المستند إلى القطع، وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد من علماء الاعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها، وهو الذي يقصد الأصوليون بقولهم: إننا نعلم، وإن الله سبحانه وتعالى له حكم، أو أن لكل نازلة نزلت لله تعالى فيها حكم. لذلك قال الأصوليون: فهو أحق بالاعتناء، أي هذا باب القياس أحق باعتناء الدارس وباعتناء الأصولي وباعتناء الفقيه أكثر من غيره.
هذا المجال، هذا الباب، هذا الأصل -أصل القياس- كما رأيناه، إذاً هو مجال الاستثمار الحقيقي، لماذا؟ لأن النصوص متناهية. نحن تعرفنا على أصل الكتاب وأصل السنة وأصل الإجماع، وهذه الأصول الثلاثة أو الأدلة الثلاثة متناهية؛ الكتاب محصور بين دفتي المصحف، الآيات محصورة بين دفتي المصحف، والسنة كذلك محصورة بمراتبها المختلفة، والإجماع كذلك. كما ذكر الإمام، القياس هو استثمار لتلك الأدلة في الوقائع غير المتناهية؛ الأزمنة تتغير، الناس يتكاثرون، تحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور كما يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. هنالك وقائع، نحن في عصرنا رأينا الوقائع المستجدة فقط في كثير من المجالات، في عبادات وفي معاملات وفي أنكحة وفي جنايات؛ كيف يتعامل معها الفقيه؟ كيف أصل الإسلام وأصلت الشريعة للاجتهاد في مثل هذه المسائل عبر أدلة أصول الفقه المختلفة ومن بينها هذا الأصل الأصيل القياس؟ ولذلك كما قال بعضهم: إذا أعيا الفقيه وجود نص تعلق لا محالة بالقياس.
إذاً هذا درسنا نريد أن نتعرف فيه على معاقل هذا الأصل؛ معاقل القياس وأهم مسائله وأهم مباحثه من حيث التعريف، ومن حيث أهم مباحث هذا الأصل وهي الأركان الأربعة. وأهم هذه الأركان الأربعة من حيث البحث ومن حيث تفرع المسائل هي العلة. قبل أن نتعرف على أاركان القياس وشروطه، نتعرف أولاً على تعريفه. وتعريفه يحتوي على أركانه: الأصل والحكم، وكذلك الفرع والعلة. وقبل أن نتعرف على تعريفه اصطلاحاً، تعريفه لغة: القياس يعني التقدير، حينما نقول قست الثوب أو قست الغرفة أو قست هذه، أي قدرت مساحتها بشيء أقدره به، إما أن يكون متراً وإما أن يكون ذراعاً أو غير ذلك. سأرجع لتعريف القياس اصطلاحاً بإيراد لعدة تعريفات أوردها الأصوليون رحمهم الله تعالى حتى نستكمل هذه الأركان الأربعة بالتعرف عليها، ثم بعد ذلك أعرض هذه التعريفات مقارناً بينها بعد فهمنا لهذه الأركان.
أول ركن هو الأصل. أولاً، هذه الأركان تعني أن القياس لا يقوم إلا بها، لا يقوم إلا باجتماع هذه الأركان الأربعة، متى ما تخلف ركن واحد منها انخرم القياس فلا قياس. إذاً أول هذه الأركان: الأصل، الأصل أي المقيس عليه أو المشبه به. دعوني أضرب لكم مثالاً يضربه أو يمثل به الأصوليون في كثير من المواضع في هذا الباب، كالخمر على سبيل المثال حينما نريد أن نقيس عليه بعض الأشياء المشابهة له في العلة وهي الإسكار. فالخمر ثبت حكمه في نصوص الشريعة، ولكن هنالك أشياء جدت مسكرة مشابهة للخمر في علتها. فالأصل إذاً هو الخمر الذي يقاس عليه أو يشبه به الفرع الجديد الذي سنشبهه به.
إذاً هذا هو الأصل، له شروط يذكرها الأصوليون رحمهم الله تعالى، لكن هذه الشروط في حقيقتها التي يذكرها أو في عند التحقيق كما يذكر الأصوليون كذلك أنها عند التحقيق ترجع إلى الحكم أو إلى العلة. يعني أن هذه الأركان الأربعة لها شروط، هذه الشروط بعضها يكون في الحقيقة أو عند التحقيق شرطاً لركن آخر. ومن بين ذلك الأصل، فالأصل من الشروط التي تذكر له شروط متعددة، عند التحقيق هذه الشروط إما أن ترجع للحكم، يعني الحكم الأصلي الخمر ما حكمه؟ حكمه محرم. إذاً هذه الشروط التي تذكر في الأصل حقيقةً أو هي عند التحقيق تكون شروطاً للحكم، لكن من بين تلك الشروط أنهم يذكرون أن الأصوليين يذكرون أن يكون ثابتاً بنص أو إجماع، أي أنه لا يقاس على ما لم يثبت أصلاً، فلا بد أن يكون الأصل ثابتاً إما بنص من كتاب أو من سنة؛ لأننا سنقيس على حكم ثابت في الشريعة.
وهذا أيضاً بالمناسبة يفتح ذهننا إلى أن نستوعب أن القياس وإن كان ها هنا في طريقة آلته أو في آلياته عمل عقلي بقياس فرع غير مذكور غير محكوم عليه على أصل محكوم عليه، إلا أنه في الحقيقة إعمال لنصوص الشريعة بمختلف مجالاتها؛ فهو إلحاق فرع بأصل منصوص عليه أو محكوم عليه في الشريعة عموماً. وكذلك وإن كان عمل عقلياً، إلا أنه تدخله كثير من قواعد اللغة كما سنرى بعد قليل في مسالك العلة؛ فتلك المباحث التي أوردت معنا في المبحث العام والخاص والمطلق والمقيد وما يتعلق بدلالة الإشارة والإيماء دلالات المطابقة والتضمن واللزوم، كل تلك المباحث اللغوية سنحتاجها هنا، وسنرى دخولها ها هنا في أركان القياس، وهذا يعني كذلك أن مباحث الأصول متداخلة فيما بينها.
إذاً الأصل من شروطه أن يكون حكمه ثابتاً بنص أو إجماع فلا يقاس على ما لم يثبت، كذلك ألا يكون فرعاً مقيساً عليه، فإذا كان هو فرعاً مقيساً عليه إذاً سنذهب للأصل الذي قسنا عليه هذا الفرع الثاني ونستغني عن هذا الفرع، فهذا مما يذكر من الشروط. كذلك أن يكون، وسنرى هذا الشرط كذلك مكرراً مرة أخرى. إذاً هذا هو الأصل، وفي التحقيق شروطه تكون تابعة للأركان الأخرى.
ومن الأركان الركن الثاني: وهو حكمه، أي حكم الأصل الذي يستوي فيه مع الفرع. نحن نريد أن نقيس الفرع على الأصل بحكم نلحقه أو نثبته للفرع بناءً على هذا الحكم الذي ثبت للأصل، التحريم على سبيل المثال كما رأيناه في الخمر. فمن شرطه أن يكون الحكم محكماً أي غير منسوخ فلا نقيس على حكم منسوخ، كذلك أن يكون معقول المعنى أي معللاً، فإن كان تعبدياً فلا يقاس عليه. هنالك أحكام كثيرة ثبتت في الشريعة بالنصوص الشرعية من الكتاب ومن السنة لكن تعبدية، فإذا كانت تعبدية فالأحكام التعبدية لا يقاس عليها، إما أن تكون هذه الأحكام متفقاً على أنها تعبدية وإما أن يكون الفقيه نفسه يرى أنها تعبدية.
فإمامنا مالك رحمه الله تعالى يرى أن غسل الإناء من ولوغ الكلب أمر تعبدي، في حين أن غيره يرى أن ذلك للنجاسة الموجودة في الكلب، ونحن تعرفنا على أن الكلب طاهر ولعابه طاهر وما يتعلق به من عرقه وغير ذلك من الخارج منه، فإمامنا يرى أن هذا الأمر أو هذا الحكم الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم تعبدي. ماذا يعني ذلك؟ أنه لا يقاس عليه. أما غير الإامام مالك ولعلهم الجمهور فرأوا أن ذلك معلل وأن العلة فيه النجاسة فقاسوا عليه غيره من الحيوانات كالخنزير وغير ذلك، قاسوا على هذا الحكم حكماً آخر. إذاً من الشروط المتعلقة بالحكم أن يكون معقول المعنى فإن كان تعبدياً فلا يقاس عليه، إذاً هذا هو الشرط الثاني المتعلق بالحكم.
أما الفرع، وهو المشبه أو المقيس، الفرع الذي سنشبهه إما بالأصل أو سنقيسه على الأصل فله كذلك شروط ذكرها الأصوليون رحمهم الله تعالى، من بين تلك الشروط وجود العلة فيه بتمامها أي من حيث نوعها جنسها، فلا يكتفى بمجرد الاشتراك بل لا بد من المساواة الكاملة بين ماذا؟ بين الأصل وبين الفرع.
الآن أنا أعرض لكم التعاريف التي يذكرها الأصوليون للقياس؛ فمن بين تلك التعريفات أنهم يذكرون من تعريف القياس أنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، مثل الحكم -التحريم على سبيل المثال- حكم معلوم في معلوم آخر؛ لماذا؟ لاشتراكهما في علة عند المثبت، المثبت هو القائس. وهنالك تعريف آخر: أنه رد فرع إلى أصل بعلة تجمع بينهما في الحكم، العلة التي هي الإسكار تجمع بينهما في الحكم. التعريف الثالث: حمل معلوم على معلوم، يعني فرع على أصل؛ لماذا؟ لمساواته في علة حكمه عند الحامل. ولهذا اختار كثير من الأصوليين هذا التعريف، لماذا؟ لأن من الشروط التي يذكرونها بالقياس في الفرع أن العلة لا بد أن تكون مساوية لعلة الأصل، فلا يكتفى بمجرد الاشتراك أو بقاسم مشترك بينهما أو بجامع بينه وبينه، لا بد من وجود العلة فيه بتمامها.
كذلك من الشروط: ألا يكون منصوصاً عليه بعموم أو خصوص وإلا فلا يعد هذا فرعاً، إذاً فإنما هو مشمول بالنص. لو كان هنالك نص فيه أفراد، وقد درسنا تعرفنا على المقصود بالعموم وأن العموم يشمل جميع أفراده على الاستغراق ما لم يخصص، فإذا كان هذا الفرع أو هذا الحكم الذي نريد إثبات الحكم فيه كان ثابتاً أو مشمولاً أو مندرجاً تحت عموم، فإذاً لا يعد فرعاً يقاس على أصل وإنما هو أصل من أفراد ذلك العموم. فإذاً ألا يكون منصوصاً عليه بعموم أو خصوص، يعني بعموم المشمول اللي فيه أو استثني من العموم بخصوص، كذلك أدخله في شيء آخر.
كذلك ألا يكون بينه وبين الأصل فارق معتبر. ألا يكون بينه وبين الأصل فارق معتبر، المقصود بفارق معتبر أي لا مطلق فرق؛ بمعنى أنه لا بد أن يكون هنالك تساوٍ بين الفرع وبين الأصل، فإذا وجد فارق بسيط هذا هو المطلوب؛ لأنه إذا أولاً حتى تترتب المسألة إذا لم يوجد فرق أصلاً بين الفرع وبين الأصل، إذاً هذا من أفراده. نفترض أننا نريد أن نقيس حكماً جديداً، فرع هو خمر أصلاً ليس من المشروبات الحديثة أو أنه على كل حال عقد من العقود أو غير ذلك من العقود المستجدة، هو أصلاً مثل الحكم الأصلي الأصل أو مثل حكم الأصل الذي نريد أن نقيس عليه، إذاً هذا هو هو، فإذاً هذا عدم الفرق أصلاً يجعله مماثلاً للأصل فإذا هو من أفراد الأصل.
وهنالك درجة أقل: أن يكون هنالك فارق يسير جداً، فهذا يعني أن يكون هنالك فارق يسير جداً هذا هو المطلوب. أما أن يكون هنالك فارق معتبر فارق كبير جداً فهذا هو الممنوع من الشروط؛ بمعنى أنه إذا كان هنالك فارق كبير فإذاً لا يصح قياس هذا الفرع على ذلك الأصل. إذاً ألا يكون بينه وبين الأصل فارق، فإذا وجد فارق بسيط هذا هو المقصود في بحثي يختلف الفرع عن الأصل.
أما العلة، وهي لباب أصول الفقه وهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع، هي العلة الخيط الرابط الآن بين الأصل وبين الفرع كما رأيناه، الحكم هو التحريم ولكن لدينا أصل ولدينا فرع نريد أن نقيس هذا الفرع على ذلك الأصل، ما هو الخيط الرابط بين هذين الامرين؟ هو العلة التي هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع، وهي مأخوذة من علة المريض أي التي تؤثر فيه، حينما نقول هذا المريض عليل أو أنه مريض أي أن هنالك علة أثرت فيه.
فمن بين تلك الشروط المتعلقة بالعلة أن تكون متعدية أي ألا تكون قاصرة على الحكم الذي هو حكم الأصل؛ بمعنى أن هنالك أحكاماً أولاً كما رأينا قبل قليل أن تكون تعبدية، فهذه إذا كانت تعبدية وغير معقولة المعنى فإذاً لا يمكن أن نفهم العلة حتى نعديها إلى غيرها. قد تكون الأحكام أحياناً مفهومة المعنى ولكن تكون قاصرة على الحكم الأول أو الحكم الأصل أو الحكم الأول الأصلي الذي ثبتت فيه تلك العلة، مثل يمثل الأصوليون رحمهم الله تعالى لمثل هذا الشرط برضاع الكبير، الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قاصر على تلك الحالة في حالة سالم رضي الله تعالى عنه ولا تتعدى إلى غيره. من بين ذلك كذلك شهادة خزيمة الذي شهد للنبي صلى الله عليه وسلم فجعل شهادته عن اثنين؛ لأنه صادق، صدق النبي صلى الله عليه وسلم حينما جحده الأعرابي في بيع كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فشهد له سيدنا خزيمة ولم يكن قد حضر البيت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على هذا؟» قال: أصدقه بشيء أعظم من ذلك، يعني هو يصدق النبي صلى الله عليه وسلم في خبر السماء، جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته عن اثنين. فهذا كذلك لا يقاس عليه غيره لو جاءنا رجل صادق موثوق علمنا فيه علامات الصدق.
عدالة المطلقة فهذا لا نعدي كذلك الحكم عليه، فإذا هذا هو المقصود بالعلة؛ أن تكون متعدية، يعني ألا تكون قاصرة، أو كما يعبر الأصوليون، هذا جزء من تعبيرهم: ألا تكون معدولاً به عن سنن القياس، يعني هذا الفرع أو القياس نفسه معدول به عن سنن القياس، يعني عن قاعدة القياس. ومن بين ذلك أن تكون العلة متعدية، كذلك ألا ترجع على الأصل بالابطال، وكذلك من الشروط ألا تخالف نصاً أو إجماعاً، وكذلك الظهور والانضباط والاضطراد. هذه الشروط الثلاثة يذكرها الأصوليون في التعريف في تعريف العلة حينما يقولون العلة أنها هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويقولون هي الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم.
الظهور والانضباط والاضطراد؛ ثلاثة صفات لابد من توافرها في العلة: فالظهور، فلا يعلل بالعلل الخفية التي لا تظهر. وكذلك الانضباط، لا بالعلل غير المنضبطة التي تتفاوت. وكذلك الاضطراب، التي قد توجد في فروع ولا توجد في فروع أخرى، فلا بد أن تكون العلة مطردة، متى ما وجدت هذه العلة وجد الحكم، فمتى تخلف هذا الأمر؟ فإذاً هذه العلة غير مطردة.
من الأمثلة التي تمثل على هذه الشروط الثلاثة، مثلاً أن كثيراً من الأحكام الشرعية عللت على سبيل المثال بالسفر ولم تعلل بالمشقة؛ لأن المشقة غير منضبطة. حينما أبيح الفطر في رمضان، أبيح لعلة السفر، وحينما رخص في الجمع في السفر، رخص لأجل السفر، لم يرخص لأجل المشقة؛ لأنها متفاوتة بين الناس، فقد يسافر الشخص ولا يجد مشقة، ويسافر آخر بطائرة ويجد مشقة، فهذه أمور غير ظاهرة. حتى كما تعرفنا كذلك في عقود في عقد البيع أنه ينعقد بما يدل على الرضا، هذا الذي ورد في كتاب الله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. كيف هذا الرضا؟ لذلك وضع العلماء الإيجاب والقبول دلالة على الرضا أو على عدم الرضا الذي يمكن أن تعلق به الأحكام.
فلابد إذاً أن تكون العلة ظاهرة فلا يعلل بالأشياء غير الظاهرة، وكذلك أن تكون منضبطة غير متفاوتة، وكذلك أن تكون مضطردة. هذه هي أركان القياس على سبيل الإجمال وعلى سبيل الاختصار، هنالك تفصيلات وتفريعات كثيرة جداً يذكرها الأصوليون، لكن حسبنا أن نتعرف على هذه الأركان الشروط لهذه الأركان، وهي في الحقيقة مجمل أو أهم أو هي لب الشروط التي يذكرها الأصوليون للقياس، فغيرها سيكون مندرجاً في بعض هذه الشروط أو أنها ستكون مما قد يكون فيه خلاف بين الأصوليين.
ثم ننتقل للحديث عن مسالك العلة. مسالك العلة؛ مسالك جمع مسلك، والمسلك هو الطريق الموصل، أي أن هذه المسالك هي الطرق الموصلة للعلة. هذا يعني أن المجتهد عند لجوئه إلى القياس، فانه لابد أن يسلك مسلكاً يأتي فيه بالعلة التي تجمع بين الفرع والأصل، أي أنه لا يأتي بهذه العلة من الفراغ، فلابد له من مستند أو لابد له من طريق يوصله إلى تلك العلة.
نحن تعرفنا قبل قليل أن لدينا أصلاً ولدينا حكم الأصل، ولدينا فرعاً نقيسه على ذلك الأصل، ولدينا علة تجمع بينهما، أي أن المجتهد لابد له من خطوات قبل عملية القياس: الخطوة الأولى أن ينظر أولاً في هذا الأصل الذي ثبت حكمه في النص، هل هو تعبدي أم أنه معقول المعنى؟ فإن كان تعبدياً سيقف هذا المجتهد ولا يلحق به الفرع لأنه أصل تعبدي، فإن كان هذا الأصل الذي ثبت حكمه غير تعبدي، سيبحث بعد ذلك في خطوة ثانية، سيبحث المجتهد بعد ذلك عن هذه العلة حتى يقيس عليها، وهو ما يتحدث عنه الأصوليون في مسالك العلة، ثم بعد ذلك سيبحث في هذه العلة وما يتعلق بها من مباحث كما سنرى بعد قليل، ثم بعد ذلك سيلحق الفرع بالأصل.
إذاً هي خطوات لابد أن يخطوها المجتهد، هذه الخطوات لها شروطها ولها ضوابطها، ومن بين تلك الضوابط ما يتعلق بمسالك العلة، أي الطرق الموصلة إلى العلة. هذه المسالك نسردها إجمالاً في هذه الشريحة ثم نتناولها تفصيلا بعد قليل بإذن الله تعالى في كل مسلك من المسالك على حدة. أول هذه المسالك: الإجماع، ثم النص، ثم الإيماء والتنبيه، ثم الاستنباط، ثم بعد ذلك الصبر والتقسيم، والمناسبة، والإخالة، والشبه، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق. لا تهولنكم هذه المصطلحات التي قد تكون جديدة على البعض منا، وإنما سنرى بعد قليل أنها يسيرة بإذن المولى تبارك وتعالى.
أولاً وقبل كل شيء لابد أن نتعرف على أن للأصوليين طرقاً عدة في تعداد مسالك العلة. الأصل أن هذه المسالك تجتمع في ثلاثة أمور؛ إما أن تكون العلة ثبتت عن طريق الإجماع، أو أن تكون ثبتت عن طريق النص -والنص ينقسم إلى صريح وإلى ظاهر، ومن بين كذلك ما يتعلق بالنص دلالة الإيماء والتنبيه التي تتبع للنص- ثم بعد ذلك الطريقة الثالثة أو المسلك الثالث هو الاستنباط، الذي تندرج تحته المسالك الأخرى.
إذاً حتى نرتب هذه المسالك في أذهاننا هي ثلاثة: أولها الإجماع، ثانيها النص بقسميه الصريح والظاهر -أو كما ذكر غير واحد من الأصوليين أن النص ينقسم إلى صريح وإلى إماء وتنبيه، المهم أن نستوعب أنها تابعة للنص، أما أن يكون النص صريحاً أو ظاهرا، واما أن يكون مسلك العلة عن طريق الإيماء والتنبيه الذي سيكون عن طريق ماذا؟ عن طريق النص-. الإيماء والتنبيه -يعني دلالة الإيماء والتنبيه- أن يقرأ من الوصف، أن يذكر الوصف لدى ذويه أو أن يقرأ الوصف بأن يقْرن الحكم بوصف، إن يكن لغير علة يعبه منفط كما تعرفنا سابقاً في الدلالات. ثم بعد ذلك الاستنباط الذي تندرج تحته هذه المسالك الأخرى.
ومن الأصوليين من يعدها تعداداً هكذا دون ترتيب، يعني لا يذكره، وهذا قد صنعه كذلك الإمام ابن السبكي وكذلك تبعه الشيخ العلوي رحمه الله تعالى في مراقي سعود، فقد عدوها عدا، ولكن في الشرح يبين الشراح أنها تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة. وكذلك المسالك التي ذكرت ها هنا، بعضهم يدرج بعض المسالك في مسلك من المسالك أيضاً، كما سنتعرف بعد قليل أن بعض الفروع المتعلقة ببعض المسالك يختلف الأصوليون فيها.
الذي اريد أن أصل إليه بعد هذه المقدمة؛ أننا نريد أن نفهم هذه المسالك من حيث الإجمال، ومن حيث معرفة كل مسلك على حدة، حتى نفهمه، حتى نستوعبه، حتى إذا قرأناه أو اطلعنا على موضعه في كتب الأصول أو في كتب الفقه، نستوعب المضمون، أما الترتيب فهذا خاضع للاصطلاح كما يقال بين الأصوليين في ترتيبهم.
أول هذه المسالك -ولن تذكر بعد قليل بالشرائح الأخرى- وهو الإجماع، ويبدأ به كثير من الأصوليين لقوته ولحجيته، وبعضهم يبدأ بالنص -عند التعداد بعضهم يبدأ بالإجماع لأنه آكد وأقوى ولأن حجيته قاطعة ولأنه غالباً مستند إلى نص، فلذلك يبدأون به، وبعضهم يبدأ بالنص لشرفه، لشرف النص-. الإجماع من مسالك العلة، أي أن المجتهد إذا أراد أن يقيس فرعاً وحينما يبحث عن العلة التي وجدت في الأصل يبحث عنها، فإذا وجد الاجماع قد أثبت تلك العلة فإنه يسهل عليه بعد ذلك أن يستدل بتلك العلة ويلحق بها، أي يلحق بالأصل فرعاً آخر في العلة الجامعة بينهما.
من بين الأمثلة التي يمثلها الأصوليون مسلك الإجماع في إثبات العلة؛ قوله تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]. الفقهاء أو العلماء رحمهم الله تعالى اجمعوا على أن العلة في حفظ مال اليتيم هي الصغر. الآن ابتلو اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم، الآن هذه الآية فيها بيان حفظ المال من الاولياء مال اليتامى، هذه العلة اجمع الفقهاء انها هي الصغر، ولذلك قاسوا عليها بعد ذلك عللاً أخرى في الولاية حتى على الأبدان، كما أن الولاية على الأموال كانت لعلة الصغر، فكذلك الولاية على الأبدان تكون لأجل الصغر، فيتولى تزويج الصغيرة كذلك كوليها، كما تعرفنا في الأحكام الفقهية التي مرت معنا سابقاً.
من بين كذلك العلل المجمع عليها، ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، هذه العلة اجمع الفقهاء على أنها هي التشويش الحاصل من الغضب أو ما يؤدي إليه الغضب من تشويش جيت الخاطر، لذلك الحقوا بها كل ما يشغل، وهذا أيضاً تعرفنا عليه في مقرر القضاء؛ أن كل ما يشغل، وليس القضاء محصورا فقط، ليس المنع من القضاء محصوراً فقط في الغضب وإنما في كل ما يشوش الخاطر.
من بين ذلك أو من بين الأمثلة التي يمثل بها الأصوليون المجمع عليها؛ ما ثبت في الاشتراك بين القوة التي يدلي بها الأخ الشقيق مقارنة بالأخ لأب، وهذه العلة التي اجمع الفقهاء عليها أنها هي العلة في تقديمه في الأرث، أنه من حيث تقديم الأرث يقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب. فهذا الحكم اجمع الفقهاء على أن العلة فيه هي القوة التي يدلي بها الأخ الشقيق، فهو يدلي من جهتين، من جهة الاب ومن جهة الأم، فلذلك قاسوا عليه كذلك أحكاماً أخرى بهذا الأمر، من بين ذلك أنه يقدم حتى في ولاية النكاح، كما رأينا، فإن الأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب عند وجود عدة أولياء من الإخوة أخ شقيق وأخ لأب فإن الأخ الشقيق يقدم الأخ لأب.
إذاً هذه علة؛ هذا مسلك الإجماع من مسالك العلة يتلوه بعد ذلك النص وسنتعرف عليه استقلالاً، والإيماء والتنبيه كذلك، ثم بعد ذلك الاستنباط الذي تندرج تحته هذه المسالك الأخرى. والاستنباط مأخوذ من ماذا؟ مأخوذ من النبط الذي هو الماء، الذي هو استخراج الماء، فهذا المسلك؛ أي مسلك الاستنباط، يفهم منه أن العلة لم يكن مجمعاً عليها وليست منصوصاً عليها، بمعنى أن الشارع في الدليل الثابت سواء في الكتاب والسنة، إما أن ينص على العلة صراحة كما سنرى بعد قليل وسنتعرف، وإما أن يكون هنالك إيماع أو إشارة للعلة بغير تصريح.
فإذاً مسلك العلة أو العلة أخذت من النص نفسه، لكن قد لا يكون النص الشرعي يحتوي على العلة لا تصريحاً ولا إيماءً ولا تنبيهاً، فيلجأ حينئذ المجتهد إلى مسلك الاستنباط، الذي هو الاستخراج كما هو استخراج ماء لعلمهم الذين يستنبطونه منهم، كما جاء في كتاب المولى تبارك وتعالى بالمسالك المختلفة من مسالك العلة التي سنتعرف عليها استقلالاً.
ننتقل إلى المسلك الثاني، وهو مسلك النص. المسلك الثاني الذي يلي رتبة الإجماع في إثبات علية العلة؛ هذا المسلك -مسلك النص- ينقسم إلى صريح وإلى ظاهر، وكذلك يندرج تحته ما سيأتي بعد قليل، وهو دلالة الإيماء والتنبيه أو الإشارة والإيماء والتنبيه كما يعبر عنها الأصوليون.
الصريح هو ما وضع لافادة التعليل بحيث لا يحتمل غير التعليل، لا يحتمل غير العلية؛ اللفظ الذي يحتوي على العلة أو الذي دل على الحكم وبه العلة تدل، أو هذا النص يدل دلالة صريحة على التعليل كما سنتعرف على طرقها، وهذا قسم.
والقسم الثاني ما يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحاً، ونحن تعرفنا على هذا المصطلح الأصولي، أي أن الظاهر لدينا فيه احتمالان، هنالك كفة راجحة تفيد التعليل لكن تحتمل غير التعليل كذلك، فهي أقل رتبة من الصريح. وهنالك الرتبة الثالثة وهي تابعة للنص كذلك كما سنرى بعد قليل، وهي الإيماء والتنبيه.
إذاً لدينا في مسلك النص؛ مسلك متعلق بالنص يدل على التعليل صراحة، واما أن يدل على التعليل غير صراحة، لذلك يسميه بعض الأصوليين: صريح وغير صريح، أو صريح وشبه صريح، أو كما صنع الشريف التلمساني رحمه الله تعالى في مفتاح الوصول حينما قسمه إلى صريح وإلى إماء -هذه قسمته رحمه الله تعالى: صريح وإماء-.
التقسيم هذا إنما يبين الرتبة، فهذه التقسيمات الصريح وشبه الصريح أو الصريح وغير الصريح، الصريح والإيماء والتنبيه، إنما تبين التفاوت بين هذه المراتب في الدلالة على العلية وتفيد عند التعارض، هذه مما يذكرها الأصوليون أن هذه حينما يكون هنالك اختلاف بين الأدلة في إفادة علية ويكون هنالك تعارضاً بين الأدلة -وهذا سيأتينا إن شاء الله تعالى في آخر دروس هذا المقرر حينما نتعرف على التعارض والترجيح-.
الآن نتعرف على الصيغ الدالة على مسلك النص الصريح في إفادة العلية؛ أولها من أجل، وكذلك أيضاً لفظة كي، وكذلك فإن، أو أن، أو أن، وكذلك المفعول لأجله. بل قبل هذه النوعين أو الأمثلة الأربعة، من بين الأمثلة التي يذكرها الأصوليون لو كان هنالك دليل فيه تصريح بأن الحكم كذا لعلة كذا أو بسبب كذا، فان هذه هي أقوى الدلالات على إفادة العلية، لكن الأصوليين لم يظفروا له بمثال لذلك كثير من الأصوليين تجاوزه ولم يذكره، بمعنى أن الأصوليين من عادتهم أنهم حينما يذكرون مسألة من المسائل فإنهم يذكرون كل تقسيماتها ويذكرون كل احتمالاتها ويذكرون كل مراتبها وأمثلتها، فمن بين مسالك النص الصريحة لو كانت الآية فيها أو الحديث أو الدليل الشرعي لنقل النص الشرعي.
فيه تصريح بأن الحكم كذا لعلة كذا أو بسبب كذا، فهذا ليس له مثال لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك لم يذكره عدد من الأصوليين. لكن على كل حال هذا مما هو في مرتبة عليا، ويليه رتبة لو كان مثلاً فيه تصريح بالحكمة؛ أي لحكمة كذا أو لأجل كذا، ومثلوا له بمثال على كل حال أيضاً تجاوز الأصوليون مثل قوله تعالى: حكمة بالغة.
الشاهد الذي عليه العمل، والذي عليه المقصد الثمرة من الناحية الأصولية ومن الناحية التطبيقية، هذه الأنواع من أجل، وكذلك كي، وفإن، وأن، وكذلك المفعول لأجله، من أجل، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32]. وكذلك كي، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]، أو فيما جاء في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23].
فإن أو أن من أمثلتها ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الهرة حينما بين أنها ليست بنجس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنها من الطوافين عليكم». وإن كان هذا المثال، وإن كانت هذه الرتبة أيضاً يجعلها بعض الأصوليين في رتبة النص شبه الصريح أو غير الصريح، وهذا أشرت له سابقاً بأن كثيراً أو بعضاً من الرتب، أو بعضاً حتى من الأمثلة، أن الأصوليين يختلفون فيها هل تدرج في الصريح أو في الظاهر؟ ولذلك أنا أؤكد مرة أخرى: الذي يهمنا هنا أن نخرج بفهم المسألة وفهم الصورة لهذه القاعدة الأصولية والتقسيمات عموماً، بغض النظر عن كونها في هذا الجانب أو في هذا الجانب، فإن ذلك مثار خلاف بين الأصوليين رحمهم الله تعالى.
كذلك المفعول لأجله، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، فأيضاً هذا مما يعتبر فيه دلالة صريحة أو ما يدل على التعليل دلالة ظاهرة؛ أي إنه أقل رتبة في رجحان التعليل، لكن يحتمل كذلك غير التعليل. الأمثلة السابقة أو الأنواع السابقة أو المراتب السابقة لا تحتمل غير التعليل. فمما يدل على التعليل دلالة ظاهرة -يعني ليس صريحاً أو يحتمل غير التعليل- اللام، وكذلك الباء، وكذلك أن.
واللام تنقسم إلى: وجودها وإفادتها للتعليل إما أن تكون ظاهرة وإاما أن تكون مقدرة. فمما مثله الأصوليون للام الظاهرة الموجودة التي تفيد التعليل في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]. والمقدرة التي قدرت في الكلام -يعني ليست موجودة- فيما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: 14-15]؛ يعني لأن كان ذا مال وبنين.
أما الباء فكما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. وما جاء أيضاً في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160]. وقوله تعالى كذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 13]. وكأنَّ هذه كما أيضاً جاءت في الآية: ﴿إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾.
أكرر مرة أخرى أن هنالك عند الأصوليين تمثيلات أخرى أيضاً، ما يكون فيه دلالة صريحة للتعليل وإن لم تكن موجودة ها هنا؛ يعني من الأمثلة مما يمثل به الأصوليون للدلالة على العلة دلالة صريحة أو أنها في قوة التصريح، لو كان ذلك باسم الإشارة، في قوله يعني في ذلك، مثلاً في لفظة ذلك، وهي اسم إشارة كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: 24]. وكما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وكذلك اللام يعدها بعض الأصوليين إذا كانت ظاهرة أنها في قوة التصريح.
المهم أن نضبط، كما ذكرت القاعدة قبل قليل، نضبط القاعدة ونضبط هذا التقسيم، ثم بعد ذلك يسهل علينا إن شاء الله تعالى أن هذه المرتبة التي نريد أن نتعلم منها هذه الصور العامة ونتعلم منها هذه القواعد العامة في مثل هذه المرتبة إنما تؤهلنا لفهم ما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتب الأصول المقررة المعتمدة في المذهب وغير المذهب؛ فتلك هي الغاية التي نريد منها أن نتعرف على هذه المباحث وعلى هذه المسائل.
المسلك الثالث -إن أردنا أن نعتبره مسلكاً مستقلًا بعد الإجماع والنص، وإن أردنا أن نعتبره نوعاً من أنواع مسلك النص؛ أي النص الصريح والظاهر، ثم بعد ذلك الإيماء والتنبيه- على كل حال لا مشاحة في الاصطلاح كما تعرفنا قبل قليل. فالإيماء والتنبيه والإشارة دلالتها على العلة تابعة للنص.
الإيماء والتنبيه والإشارة تعرفنا على هذه المصطلحات ومدلولها عند الأصوليين فيما مضى فيما يتعلق بدلالة الألفاظ؛ أي أنها تفيد العلية من خلال اقتران الوصف بحكم، لو لم يكن الوصف أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من الفصاحة. لدينا وصف يأتي في دليل شرعي فيه وصف لنجاسة، وصف للإنسان في حالة معينة، وصف للحكم، وصف للحالة مقترنة بالحكم من إباحة أو من إيجاب أو من تحريم أو من كراهة أو من ندب. هذا الاقتران في الدليل، سواء كان من الكتاب أو من السنة، لو لم يكن هذا الوصف للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من الفصاحة.
لو لم يكن الوصف أو نظيره -يعني قد يذكر النبي صلى الله عليه وسلم وتأتي الآية ببيان النظير ويستفيد المجتهد الحكم في نظيره الآخر- يمثل الأصوليون لذلك كمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتي لو كان على أبيك دين»؛ أن أبينا أن أبي قد نذر أن يحج كما في حديث الخثعمية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟». فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين لله تعالى، وأراد الإشارة إلى نظير الحكم فاستفيد منه حكم آخر هو المقصود بهذه الدلالة أو بدلالة الإيماء والتنبيه. فهذا هو مقصود الأصوليين: لو لم يكن الوصف -الوصف المذكور أو نظيره- للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من الفصاحة.
من بين تلك الصور المتعلقة بدلالة الإيماء والتنبيه على العلية اقتران الحكم بالوصف؛ سواء كان ذلك عقبه أو كان قبله، كان مرتباً بالفاء أو غير مرتب بالفاء، مقروناً بصيغة الجزاء أو صيغة الجزاء، فتلك صور يذكرها الأصوليون صور متعددة، والذي يهمنا هو ذكر الحكم مقترناً بالوصف.
من بين ذلك ما رأيناه في الأمثلة التي جاءت في الدرس السابق في دلالة الألفاظ، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. الآن هذا وصف الزنا مقترن بالحكم، أو مقترن هذا الوصف مقترن بالحكم. كذلك في الآية الأخرى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. كذلك في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. هذا وصف؛ إذاً وصف الحيض متعلق بوجوب الاعتزال.
في كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه، أو من أحيا أرضاً ميتة فهي له، أو من مس ذكره فليتوضأ». هذه كلها جاءت فيها أوصاف إما مقرونة بالحكم -تسبق الحكم- أو أنها مقرونة بالحكم بعد ذلك. فهذه كلها تفيد العلية؛ أي أن هذه الأوصاف لو لم تكن هي العلة، كما نفهم الآن، لو لم تكن هي العلة لكان ذلك معيباً في كلام -ينزه عنه كلام الشارع- كلام المولى تبارك وتعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفصح الفصحاء.
كذلك من صور الإيماء والتنبيه وقوع الحكم بعد حادثة رفعت للنبي صلى الله عليه وسلم. من بينها قصة الأعرابي الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم ينتف شعره وقال: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان. هذه الحادثة وبعدها بين النبي صلى الله عليه وسلم الكفارات التي عليه. وكذلك يمكن أن يكون ذلك أيضاً في صور أخرى؛ كما رفع للنبي صلى الله عليه وسلم أو بين للنبي صلى الله عليه وسلم كما في المثال مر معنا قبل قليل في دلالة النص غير الصريح في سؤالهم للنبي صلى الله عليه وسلم عن الهرة فقال: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم». فهذا حكم بعدما رفع للنبي صلى الله عليه وسلم من السؤال. بعض الأدلة تكون تابعة لنوعين ومندرجة تحت صورتين من الصور المتعلقة بإثبات العلية.
كذلك من بين الأنواع أو الصور المتعلقة بالإيماء والتنبيه ترتيب الحكم على الوصف؛ أي أن هذا يكون مختلفاً باقتران الحكم بالوصف. الوصف مثل اقتران الحكم بالوصف يختلف عن ترتيب الحكم على الوصف. إن الصورة الأولى كما في قال تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، بينما ترتيب الحكم على الوصف في -يعني قد لا يأتي بالفاء أو يعني مثل هذه الآية- ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ﴿مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ﴾، ﴿مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ﴾، ﴿مَنْ أَحْيَا الْأَرْضَ مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ﴾.
هذه كما يفرق الأصوليون بينها وبين الرتبة الثانية أو الصورة الثانية التي هي ترتيب الحكم على الوصف؛ أنها تأتي بلا فاء أو أنها غير مقرونة بالفاء، كما يأتي في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: 2]. الآن هذا وصف ترتب عليه الحكم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾، فجعل من المولى تبارك وتعالى سبباً عن التقوى، أو أن التقوى هي العلة لهذا المخرج. فهذا أيضاً من الصور المتعلقة بالإيماء والتنبيه.
أو تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمين، وهذا التفريق إما أن يكون بالصفة، وإما أن يكون بالغاية، وإما أن يكون بالشرط، وإما أن يكون بالاستثناء، وقد يكون كذلك بصور أخرى غير هذه. فهذا التفريق منه صلى الله عليه وسلم يستفاد منه من خلال دلالة الإيماء والتنبيه والإشارة إلى ما تكون سبباً للعلة، أو ما يكون فيه إفادة للعلية بين هذين الأمرين أو بين هاتين الصورتين المتعلقة بهذه الصور في تفريق.
قد يكون التفريق منه صلى الله عليه وسلم بين حكمين مختلفين بالصفة، كما في تفريقه عليه الصلاة والسلام حينما أعطى الفارس سهمين وللرجل سهماً. فهذا تفريق، الآن هذه الصفة الآن التي يستحق لأجلها الفارس سهمين والرجل سهماً، أو يمكن أن نقول بأن الفارس حينما استحق السهمين والرجل استحق سهماً فإن الفارس استحق سهماً له ولفرسه، فهذا التفريق بالصفة يفيد التعليل؛ أي أن العلة وجود الفرس التي استحقت سهماً. هذا من التفريق بالصفة.
من التفريق بالغاية في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ويسألونك عن المحيض قل هو أذن فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، وفي قول المولى تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
كذلك التفريق بالشرط، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي بين فيه أصناف الربا وحكمها: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم». فهذا تفريق بالشرط، يعني يفهم منه من دلالة الإمامة -لاحظوا الآن الفرق بين هذه الدلالات وما قبلها- في دلالة النص الصريح هنالك تصريح بالعلة من أجل ذلك كي وغيرها من أساليب التعليل، أو أنها تفيد كما رأينا في اللام باقي وأنها تفيد لكن بغير صراحة، لكن هنالك فيه إفادة للعلية. الآن هذه العلة استفيدت من غير ريح من غير تصريح بأساليب التعليل في النص.
فتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الأصناف الربوية بقوله: «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم» يفهم منه أن العلة هي اتحاد الجنس، كما تعرفنا في المقرر الفقهي بأن اتحاد الجنس يمنع ربا النسا وربا الفضل معاً، باختلاف الصورتين سواء كان في النقد أو في المطعومات. فهذا من أمثلة أو من صور دلالة الإيماء والتنبيه على العلة.
كذلك من بين الصور إفادة التعليل بالاستثناء، كما يكون في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، يعني هذا يفهم منه أن عدم العفو مثبت لماذا؟ مثبت لشطر المهر أو لنصف المهر للزوجة إذا لم تعفو عما فرض لها؛ يعني: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.
صفة الغاية، الشرط، الاستثناء، بعض الأصوليين يدخل في ذلك كذلك الاستدراك أنه يفيد كذلك التعليل من هذه الجهة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225]، لكن الاستدراك حينما جاء أيضاً أفاد التفريق بين حكمين في الدليل الشرعي. إذاً هذه أيضاً من الصور التي تفيد.
كذلك من الصور التي يستفاد منها أو تؤخذ منها العلة وهي من مسالك العلة عن طريق الإيماء والتنبيه الجواب على سؤال تضمن أوصافاً، فكما وصف أو سأل النبي صلى الله عليه وسلم يعني حينما سئل عن بيع الرطب أو عن بيع التمر بالرطب فقال عليه السلام: أينقص الرطب إذا يبس أو ينقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: إذاً فلا.
فهذا الآن جوابه صلى الله عليه وسلم مبيناً هذا الحكم المترتب على أوصاف، فكذلك حتى في قصة الأعرابي إن أرادنا أن ندخلها في هذه الصورة أيضاً لأنها تضمنت يعني أوصافاً كما ذكر، وإن كانت هذه أيضاً يذكرها الأصوليون على حقيقة أنها من تنقيح المناط، لكن وصفه صلى الله عليه وسلم أو ذكره لحكم بعد حادثة رفعت له صلى الله عليه وسلم تتضمن أوصافاً ماذا تفيد؟ تفيد أن تلك الأوصاف هي سبب العلية.
فلذلك لما قال عليه الصلاة والسلام إذاً فلا يعني يفيد أن السبب أو أن العلية هي التفاضل الذي سيكون في بيع الرطب بالتمر، لأن الرطب الآن رطب لكنه بعد فترة سيجف، الآن أنت ستبيع كيلو بكيلو لكن هو على التحقيق بعد فترة هذا الرطب سينقص، فإذا نقص صار هنالك تفاضل بين مبيعين من جنس واحد، فهذا منع البيع لعدم التماثل أو لعدم تحقق التماثل، وهذا مما يمثل به الأصوليون وخاصة فقهاء مذهبنا باعتبار المآل في استدلالهم بهذا الكلام أو بهذا الفعل أو بهذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً على كل حال الآن عدة صور في دلالة الإيماء والتنبيه على العلية ندرجها تحت النص مع قسميه السابقين الصريح وغير الصريح أو الصريح والظاهر.
ننتقل للحديث عن مسالك العلة الأخرى التي هي من طريق الاستنباط، أي أن العلة فيها لم تثبت لا بالإجماع ولا بالنص مستوياته الثلاثة: الصريح وغير الصريح والإيماء والتنبيه. هذه المسالك متعددة وهي أيضاً متفاوتة في الحجية، بعضها قريب في الاستنباط وبعضه بعيد متكلف، لذلك يختلف الأصوليون في عد بعض المسالك أو بعض الأنواع من مسالك العلة المعتبرة، وأيضاً كل مسألة من المسالك كما سنرى فيه تفصيلات وتفريعات بعضها مقبول وبعضها مردود.
من بين تلك المسالك: السبر والتقسيم، وهو من أقوى المسالك. والسبر والتقسيم يعني حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإبطال ما لا يصلح للتعليل بدليل، فيتعين أن يكون الباقي علة. حتى نستوعب المضمون، نفهم أولاً ما هو المقصود بالسبر وما هو المقصود بالتقسيم؟ السبر يعني الاختبار والتقسيم يعني الحصر.
أولاً هذا يعني أن الدليل الوارد فيه الحكم متفق على تعليله عند الفقهاء، لكنهم اختلفوا في تعيين العلة. أولاً لم يثبت تعليل هذه، أو لم يثبت إثبات العلة لم يكن عن طريق الإجماع ولا عن طريق النص، وإنما سيستخرجها المجتهد الآن وسيستخرجها الفقيه، يأتي إلى دليل ثبت فيه حكم، ولنمثل بما يمثل به الأصوليون فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأصناف الربوية: البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح.
يأتي الأصولي ويأتي الفقيه المجتهد وينظر في هذه المذكورات بأن فيها عدة أوصاف، هنالك أوصاف مطرودة أصلاً كونها سمراء أو كونها لينة أو كونها يابسة هذه لا مدخل لها في التعليل، لكنها أولاً مطعومة، وثانياً كذلك مقتاتة ومدخرة أي أنها قوت وأنها كذلك تدخر، وكذلك هي مكينة أو موزونة. كل مجتهد من المجتهدين كما يأتي المالكي ويطرد بعض الأوصاف ويقول إن كونها مطعومة لا تصلح للتعليل، وكونها كذلك مكيلة أو موزونة أي أنها تعاير بالوزن أو بالكيل أي تقدر بالوزن أو بالكيل كذلك لا تصلح للتعليل، إذاً أنا أثبت كونها مقتاتة ومدخرة.
يأتي الشافعي ويقول العكس أو يأتي في الجهة المقابلة ويثبت كونها مطعومة، يلغي الأوصاف الأخرى، يلغي كونها مقتاتة أو مدخرة أو مكينة أو موزونة. ويأتي الحنفي ويثبت كونها مكينة أو موزونة، طبعاً هذه لها أدلة وكل واحد من المجتهدين هؤلاء يلغي الأوصاف الأخرى بدليل.
الذي يهمنا هنا أنه بعد أن يثبت العلة المذكورة هذه كونها مثلاً مقتاتة ومدخرة كما رأى المالكية، سيلحق بها كل ما كان مقتاتاً ومدخراً كما تعرفنا على ذلك في مقرر الفقه. سيأتي الشافعي الذي أثبت كونها مطعومة ويلحق بها سائر المطعومات حتى لو لم تكن مقتاتة ومدخرة، فالشافعي سيدخل الخضار والفواكه مثلاً سيدخل التفاح والمالكي لن يدخل التفاح، الحنفي سيدخل كل مكين وموزون مكيل بالحجم وموزون بالوزن.
فهذا هو المقصود بحصر الأوصاف، أي أنها أوصاف موجودة فيما ذكر فيه الحكم الشرعي لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم العلة، لم يصرح بالعلة كما رأينا في مسلكي الإجماع أو النص بمختلف مستوياته، وإنما يستخرجها الفقيه المجتهد. إذاً هذا هو المقصود بالسبر والتقسيم. والسبر يأتي بعد التقسيم حقيقة، لذلك ذكر بعض الأصوليين أن الحق أن يكون التقسيم والسبر لأن الحصر هو الذي سيُبدأ به تحصر الأوصاف ثم بعد ذلك تختبر تلك الأوصاف.
ومن أفضل ومن ألطف من تحدث عن هذا المسلك ومثل له بمثل هذا المثال الإمام القرافي في شرح التنقيح، فحينما تحدث عن هذا المسلك في هذا الحديث تحديداً في حديث الأصناف الربوية كانت له إشارات لطيفة فلتراجع في موضعها. الشاهد أن حق ذلك أن يكون التقسيم والسبر، لكن لشرف السبر ولأنه هو المقصود قُدِّم، بل بعض الأصوليين ذكر أن المسلك يسمى مسلك السبر ولم يذكر مسلك السبر فقط ولم يذكر التقسيم.
إذاً حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإبطال ما لا يصلح بدليل فيتعين أن يكون الباقي علة.
من المسالك كذلك: المناسبة والإخالة ويسمى استخراجها تخريج المناط، وهو تعيين العلة لمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنص ولا بغيره. المناسبة والإخالة هي الفيصل بين الشرع والتعبد الشرعي التعبدي وبين المعقول من القلة الشرعية، بمعنى أنه متى ما أدرك العقل وجود مناسبة أو علاقة بين الوصف والحكم كان ذلك يترتب عليه لإثبات المناسبة إثبات العلاقة، فإذا لم توجد مناسبة لم يدرك أو لم تدرك العلاقة بين الوصف والحكم كان ذلك مثبتاً بأن هذا الحكم حكم تعبدي أو حكم شرعي تشريعي ليس معقولاً.
سيأتي تفصيل ذلك أو لنرجئ تفصيل ذلك لما سيأتي إن شاء الله تعالى في دليل المصلحة المرسلة، لأن المناسبة أصلاً تنقسم إلى مناسب مؤثر، وإلى مناسب ملائم، وإلى مناسب غريب، وإلى مناسب مرسل. وكل قسم من الأقسام له أمثلة مما يتعلق إثبات فيما يكون فيه تأثير الوصف في عين الحكم أو تأثير الوصف في جنس الحكم وغير ذلك من التقسيمات، نرجئ الحديث عنها إلى موضعها إن شاء الله تعالى.
لكن على كل حال بما أنها ذكرت ها هنا في مسالك العلة وأنها من المسالك نتحدث عنها ولا نتجاوزها بالكامل، فهذا هو المقصود بالمناسبة والإخالة أنه يسمى استخراجها تخريج المناط وهو تعيين العلة لمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنص ولا بغيره، بمعنى أن العقل أو أن المجتهد يدرك العلاقة بين الوصف والحكم من خلال ما يكون أصلاً متفقاً عليه، كما يدرك المناسبة بين إقامة حد الزنا على الزاني أن في ذلك حفظاً للعرض والنسل، في إقامة حد السرقة على السارقين أن في ذلك حفظاً للممال. وهذه كلها من الضروريات الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
من المسالك كذلك: الشبه. وهو تردد الفرع بين أصلين شبهه بأحدهما في الأوصاف المعتبرة أكثر. سيأتينا في الصفحة التالية مسلك من المسالك وهو الطرد. الشبه في منزلة بينه وبين المناسبة، يعني المناسبة ثم بعد ذلك في مرتبة أدنى منها الشبه، ثم بعد ذلك في مرتبة أدنى منها الطرد، هو في منزلة إذاً بين بينهما بين المناسبة والطرد، لأن الطرد لا مناسبة فيه أصلاً.
المناسبة كما رأينا إدراك العلاقة بين الوصف والحكم إدراك المناسبة بينهما، الطرد لا مناسبة فيه، فهو يشبه الطرد الشبه ها هنا يشبه الطرد من حيث إنه غير مناسب بالذات ليس بين الحكم المناسبة، ويشبه المناسب الذي تعرفنا على جزء منه قبل قليل من حيث التفات الشرع إليه في الجملة، يعني أن الشرع حينما نتأمل فإنه يلتفت إلى بعض الأوصاف كالذكورة والأنوثة وهذه تترتب عليها أحكام كثيرة، فهذا يدرك العقل المناسب بينها، ولكن في الجملة لا في كثير من الأحكام، فهنالك أحكام لا مدخل للأنوثة والذكورة فيها.
هذا هو المقصود بالشبه: أنه تردد الفرع بين أصلين، لدينا فرع ويتردد بين أصلين شبهه بأحدهما في الأوصاف المعتبرة أكثر. بالمثال يتضح المقال كما يقال، يمثل الأصوليون لذلك بالعبد، العبد فيه شبه كبير بالانسان من حيث إنه مكلف بكثير من التكاليف الشرعية في زكاته في وجوب الصلاة في ما يتعلق بالاحكام الشرعية من منهيات، وهو كذلك يشبه البهيمة في كونه يباع ويشترى، فلذلك في بعض الأحكام في الضمان وغير ذلك من المسائل فيما يتعلق بجنايته بأييهما يلحق بأي الصورتين أو بأي الأصلين شبه العبد بهما أكثر؟
مثال آخر: المغمى عليه، المغمى عليه فيه شبه بالنائم وفيه شبه كذلك بالمجنون، لكن أي الأصلين هذين يكون المغمى عليه شبهه بهما أكثر؟ لذلك سيترتب عليه ما يتعلق بأحكام النائم أو بأحكام المجنون من قضاء الصلاة أو من عدم وجوب قضاء الصيام.
من بين الأمثلة كذلك الجمعة، فيها شبه بالظهر وفيها شبه بالعيد، فأي الصورتين أشبه؟ هذا الفرع أشبه بأي من الأصلين؟ لذلك حينما قَرَّب في هذا الجمهورُ الشبهَ شبهَ الجمعة بالظهر أوجبوا كونها بعد الزوال، وحينما قَرَّب الحنابلة شبهها بصلاة العيد أجازوا إقامتها قبل الزوال. هذا هو المقصود بقياس الشبه وله صور وأمثلة غير ما ذكرته.
كذلك من مسالك العلة: الدوران، وهو وجود الحكم عند وجود العلة وعدمه عند عدمها، ولنكون أكثر دقة لنقول الدوران الوجودي والعدمي، لأن هنالك دوران وجودي فقط ودوران عدمي فقط. في الدوران الوجودي فقط ليس مسلكاً على التحقيق أو ليس مسلكاً على ما صححه الأصوليون.
المقصود بالدوران يعني دوران الوجودي والعدمي أن العلة حينما توجد يوجد الحكم، وأن العلة حينما لا توجد حينما تُعدم يُعدم الحكم. مثل ما يمثله الأصوليون في أمثلة متعددة، من بين ذلك الخمر، العلة فيه ماذا؟ الإسكار. طيب، إذا زال الإسكار عن الخمر؟ زالت العلة، فلذلك إذا تخلل الخمر أو تحجر الخمر كما تعرفنا في المقررات الفقهية زال الحكم، يعني الآن لدينا خمر لكن ما الذي كان سبباً للتحريم؟ أليس الإسكار؟ زال الإسكار لأي سبب من الأسباب بالتخليل أو بفقد خاصية من الخصائص، فإذا فقد هذا الحكم والذي كانت العلة هي سبباً فيه، فهذا هو المقصود بالدوران؛ وجود الحكم أي التحريم مثلاً عند وجود العلة التي هي الإسكار وعدمه عند عدمها.
من المسالك الأخرى التابعة للاستنباط كذلك: الطرد، وهو مقارنة الحكم للوصف أي من غير مناسبة. الدوران كما رأينا قبل قليل هو مقارنة الحكم للوصف وجوداً وعدماً، لكن مع مناسبة. أما الطرد فهو مقارنة له من غير مناسبة. الجمهور الأكثر من الأصوليين على رد هذا المسلك وعلى عدم اعتباره في العلة، لأنه لا مناسبة بينه وبين الحكم، ويمثلون له بأمثلة متعددة من بين ذلك الخل وكونه مائعاً لا تبنى على جنسية القنطرة ونحو ذلك من الأمثلة، لكن على كل حال لا نريد الخوض في هذا التفصيل الذي يعنينا هنا أن الطرد رده كثير من الأصوليين ولم يعتبروه مسلكاً من مسالك العلة.
كذلك من مسالك العلة: تنقيح المناط، وهو أن يدل ظاهر على التعليل بوصف فيحذف خصوصه من الاعتبار بالاجتهاد ويناط بالعموم. كذلك لنفهم المصطلحات حتى نستوعب مدلولها ومضمونها، التنقيح ما هو؟ هو التصفية وهو قريب من مسلك السبر والتقسيم الذي رأيناه قبل قليل.
ألم نتعرف في السبر والتقسيم على أن المجتهد يعمد إلى دليل من الأدلة يسوقه كل العلل التي قد تكون موجودة في الحكم في الأصل، ثم بعد ذلك يلغي بعضها؟ كذلك تنقيح المناط، لكن جعل بعض الأصوليين الفرق بين السبر والتقسيم وبين تنقيح المناط أن السبر والتقسيم فيما لا نص فيه على العلة، وتنقيح المناط فيما ورد عن الشارع بأوصاف متعددة في دليل فيلغي المجتهد تلك الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية.
بالمثال يتضح المقال كذلك كما رأينا قبل قليل في حديث الأعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم الذي وقع أهله في رمضان، فهنالك أوصاف وردت في الرواية عن هذا الأعرابي: أولاً أنه أعرابي، وأنه واقع أهله (زوجته)، وأنه كان ينتف شعره. فهنالك أوصاف الفقهاء حذفوا الأوصاف التي لا مدخل لها في التعليل، يعني نقحوا كما يقال تنقيح المناط، نقحوا تلك الأوصاف أي صفوا تلك الصفات التي لا مدخل لها في العلة، كونه أعرابياً لا شأن له في الحكم، كذلك أنه ينتف شعره كذلك لا مدخل له في الحكم. لكن الذي يهمنا هنا لاحظوا في الوصف أن يدل ظاهر على التعليل بوصف.
يحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط بالأعم؛ يعني سيناط الحكم الآن بالوصف الأعم، وهو الذي فعله إمامنا مالك رحمه الله تعالى، أنه أناط الحكم بالوصف الأعم. ما هو الوصف الأعم؟ هو انتهاك حرمة رمضان، يعني لا مدخل لخصوصية الزوجة، فلو واقع غير زوجته كأَمَتِهِ، بل والعياذ بالله لو كان زناً سيترتب عليه الحكم، ذلك وليس كونه جماعاً فقط، بل لو أكل أو شرب أو انتهك حرمة الشهر سيترتب عليه هذا الحكم؛ لأن الإمام أناط الوصف الذي ورد في الحديث أو أناط الحكم بالوصف الأعم.
لذلك اعتبر انتهاك حرمة الشهر هي سبب الكفارة التي ترتب حكمها في الحديث على هذه الأوصاف. هذا هو المقصود بتنقيح المناط، وكما بينت قبل قليل أنه قريب من السبر والتقسيم، إلا أن السبر والتقسيم لو لاحظتم أن الحديث الوارد في الأصناف الربوية ليس فيها علل لذلك يستخرجها المجتهد، أما هنا تنقيح المناط هنالك أوصاف وردت في الدليل الشرعي وإنما ينقحها المجتهد، أي أنه يزيل أو يحذف تلك الأوصاف غير المعتبرة أو التي لا مدخل لها في العلية.
كذلك من مسالك العلة إلغاء الفارق، أي إلغاء الفارق بين وصفين، وإناطة الحكم كذلك بوصف؛ كإلحاق الأرز البر في تحريم ربا الفضل بإلغاء الفارق بينهما، وهو أدق من تنقيح المناط كما يذكر الأصوليون. هذا المسلك إلغاء الفارق مع الدوران الذي تعرفنا عليه قبل قليل، وكذلك حتى مسلك الطرد عندما يقرر الأصوليون كونه من المسالك على خلاف بينهم في اعتباره أو عدم اعتباره، ترجع إلى نوع من الشبه في مسالك العلة لأنها مسالك لا تعين جهة المصلحة، وإنما بينها تقارب في الشبه.
من أمثلة إلغاء الفارق كذلك التي يمثل بها الأصوليون؛ إلغاء الفارق بين العبد والأمة، بينهما فارق في الذكورة والأنوثة، لكن ألحقوا كل منهما فيما يأتي فيه دليل على إثبات ما حكم المتعلق بالعبد مثلاً في العتق أو غير ذلك، تلحق به الأمة بإلغاء الفارق بينهما، أي بإلغاء الفارق بين الوصفين الذكورة والأنوثة وإناطة الحكم الوارد في الدليل أو الوارد في عين المسألة في الأمة أو في العبد بالوصف الأعم.
هذه هي المسائل على سبيل الإجمال، وإن كنت قد أطلت نوعاً ما في هذا الدرس على غير عادة الأجزاء السابقة واللاحقة إن شاء الله تعالى من هذا المقرر مقرر أصول الفقه، لكن اردت أن نأخذها في مجلس واحد وأن نستوعب هذه المسالك بمختلف اقسامها في جلسة واحدة، سعياً كما يقال لجمع الأفكار وعدم تقسيمها، فهذا ما يتعلق بهذه المسائل وما يتعلق بهذا الأصل الكبير القياس، والحمد لله رب العالمين.