دخولتسجيل الدخول

الدرس 5 - الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد

الشيخ نايف آل الشيخ مبارك
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نتناول في هذا الجزء عدة مباحث تندرج لكونها من أنواع الظاهر، وهي: الأمر، والنهي، والعام، والخاص، والمطلق، والمقيد. لماذا اندرجت هذه المباحث، وهي أبواب مستقلة من أبواب علم أصول الفقه، لماذا اندرجت تحت الظاهر؟

لاننا تعرفنا فيما سبق أن الظاهر ما كان يدل على معنيين أو ما كان محتملاً لمعنيين، هو في أحدهما أرجح من الآخر. فكما سنرى بعد قليل في دلالة الأمر وفي دلالة النهي، أن الأمر يدل على الوجوب في حقيقته، لكن هنالك احتمال أن يدل على غير الوجوب؛ أن يدل لعل الندب، أن يدل على الإباحة، أن يكون الأمر في دلالة على الامتنان، على التكوين، على التوبيخ، وغير ذلك، أو الإرشاد، وغير ذلك من معاني الأمر المختلفة. وكذلك النهي، فإن الأصل في النهي أن يدل في حقيقته على التحريم، لكنه قد يدل على الكراهة، والأصل في النهي أن يدل على الفساد، لكنه في بعض المواضع لا يدل على الفساد. وكذلك العام والخاص، الأصل أن العام يستغرق جميع أفراده، وقد يكون هذا العام مخصوصاً، وقد يكون هذا العام أريد به الخصوص، وكذلك المطلق والمقيد. الشاهد، سنتعرف من خلال تفصيل هذه المباحث في مثل هذا المقرر، على أن هذه المسائل (الأمر، والنهي، وكذلك العام والخاص، والمطلق والمقيد) هي من الظاهر، أي أنها لا تدل دلالة قطعية على ما تدل عليه.

أول هذه المباحث مبحث الأمر، وهذا المبحث تندرج تحته عدة مسائل، من بين هذه المسائل حده، أي تعريفه، وكذلك صيغته الدالة عليه، وبعض القواعد أو المسائل المندرجة تحته. أما حده أو تعريفه فهو اقتضاء الفعل بالقول. الاقتضاء أي الطلب، أي أن هذا الأمر يعني به أو يقصد به عند الأصوليين القول الطالب للفعل؛ هنالك قول طالب لفعل الشيء، أي لفعل العبادة أو لفعل المأمور به، وهنالك النهي كما سيأتي بعد قليل ونتعرف عليه وهو القول الطالب للترك. إذاً نحن في الأمر نتحدث عن القول الطالب للفعل، عن اقتضاء الفعل، أي طلب الفعل بماذا؟ بالقول.

هذا له ما يدل عليه، أي صيغته التي تدل على الأمر كما ذكر الأصوليون هي صيغة فعل الأمر (افعل)، هذه هي صيغة الأمر، وكما جاء في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وغير ذلك من الآيات كما سنرى بعد قليل في المواضع وفي الصيغ. إذاً صيغته التي تدل على الأمر صيغة افعل، فعل الأمر افعل، بل كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله. هذا كله صيغة أمر، سواء طبعا كانت بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع، المهم هو أن يكون فعل أمر، ففعل الأمر من صيغ الأمر. وكذلك المضارع المقترن بلام الأمر، المضارع يفعل لكن إذا اقترن بفعل الأمر ليفعل، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]، فهذه أيضا من صيغ الأمر. كذلك اسم فعل الأمر، هذه من الصيغ اللغوية كذلك التي تدل على الأمر، وهي فعال كما في قولنا حذاري مثلاً، حذاري هو صيغة أمر للتحذير، كما في قوله أو صيغة أخرى كذلك كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، هذه أيضا من صيغ فعل الأمر.

وكذلك قول الصحابي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمرنا، وإن كان بعض الأصوليين يدرجها فيما يرد في السنة من دلالة الأمر على أمره صلى الله عليه وسلم. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرنا بكذا، هذه أيضا تدخلها الاحتمالات، لذلك كانت من الظاهر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه واضحة، لكن أمرنا كما ذكر الأصوليون تحتمل أن تكون أمرنا يعني من الخلفاء أو من الامراء، ولكن طالما أن الصحابي يقول ذلك فإنه يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرهم. هذه هي الصيغ التي يمكن أن تأتي في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتدل على الأمر.

أما بعد ذلك ستدخل ضمن ما يتعلق بمباحث الأمر في البحث عن ما تدل عليه تلك الصيغة؛ الآن هي صيغة أمر نعم، إذا دخلت في الأمر، لكن هنالك كما يقال إذا اردنا أن نتجاوز في التعبير هنالك مرحلة أخرى لدراسة هذه الصيغة: هل هي تدل على الوجوب؟ هل تدل على أمر آخر؟ وكذلك الدلالات الأخرى المتعلقة بالزمن، والمتعلقة بالتكرار، والمتعلقة بالفور، وغير ذلك من أيضا ما يتعلق بمبحث الأمر، ما يتعلق بدلالته، ما معنى هذا الأمر؟ أو ما معنى هذه المسألة؟ عفوا، الأصوليون يعبرون عنها بقولهم: الأمر المجرد عن القرائن، أو الأمر المطلق، أي أنه لو جاءنا أمر مقيد بقرينة تفيد أي شيء من تلك المعاني فإنها مباشرة ستنصرف إلى تلك القرينة.

لكم أن تستوعبوا مثلاً، إذا قال لنا أحد، أو قال لك مثلاً أمر، أو قال لك أبوك والدك مثلاً: اذهب الآن على سبيل الحتم مثلاً اشتري لي من المتجر الشيء الفلاني. هذا أمر مقيد بقرينة أولاً الآن حينما قال هذا، يعني أنه لا يمكن لك (أي لا يجوز لك) أن تتأخر، وإن كان ليس القضية هذه هي قضية شرعية أو غير شرعية، المهم ولا يجوز لك أن تتأخر، ولو قلنا بانها قضية شرعية لأن طاعة الوالد واجبة. اذهب الآن على سبيل الحتم، يعني على سبيل الوجوب، فهذا أمر لا اشكال فيه في دلالته. البحث الاصولي قائم على الاوامر المجردة عن القرائن، على ماذا تدل؟

لذلك في دلالة الأمر عندنا دلالتان؛ ما يدل بنفسه، يعني الأمر المطلق عن القرائن، فهذا كما قرر الأصوليون أن الأصل فيه أن يدل على الوجوب. ما معنى هذا الكلام مرة أخرى؟ أي أن الأمر الوارد في الشريعة يدل على معان كثيرة، أوصلها بعض الأصوليين إلى ثلاثين معنى من المعاني، هو يدل على واحد من تلك المعاني في الحقيقة، ويدل على بالمجاز، أي أننا إذا بحثنا أو وردنا دليل شرعي في كتاب الله تعالى أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة من صيغ الأمر الواردة قبل قليل، اما فعل أمر أو المضارع المقترن بلام الأمر أو اسم فعل الأمر، فان الأصل فيه أي أن الحقيقة في هذا الأمر الوارد أن يدل على الوجوب، هذا هو الحقيقة، إذا ما لم يصرفه صارف، أي ما لم تأتي قرينة أو يأتي شيء يصرفه عن الوجوب إلى معنى آخر من المعاني الواردة في الأمر.

المعاني كثيرة كما ذكرت، أوصلها بعضهم إلى ثلاثين معنى، بعضها متداخل، ولكن من بين تلك المعاني ما ذكره الإمام التلمساني، الشريف التلمساني رحمه الله تعالى في مفتاح الوصول، أن من المعاني الواردة في الأمر أن تدل على الايجاب، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، أن يدل على مطلق الإذن، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، وهذا سيأتي بعد قليل أن ورود الأمر بعد النهي إنما يفيد الإباحة. كذلك قد يدل الأمر على الإرشاد: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، هذا أمر الآن لاحظوا، وأشهدوا هذه صيغة أمر، لكنها ليست على الوجوب، لماذا لم تكن للوجوب؟ صرفتها قرائن، إما أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه باع ولم يشهد، أو أن ذلك إنما يكون للإرشاد لمصالح الآخرة، أو لحق النفس، أو لحق الغير، كما يذكر الأصوليون، فهذه قرائن تصرف الأمر عن الوجوب أي عن حقيقته إلى معان أخرى.

كذلك من معاني الأمر التأديب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مما يليك»، فهذا ليس على الوجوب، فهذا مما يذكر الأصوليون بما أنه يفارق الإرشاد؛ الإرشاد يتعلق لحق النفس، والتأديب يتعلق لحق الغير. من معاني الأمر كذلك التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40]، وكذلك التسوية: ﴿فَصَبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: 16]، وكذلك من معاني الأمر الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، وكذلك من معاني الأمر الاحتقار: ﴿فَقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72]، وكذلك من معاني الأمر الامتنان: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، هذا في سبيل الامتنان ليس على الوجوب، وكذلك الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، التعجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، الدعاء: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران: 16].

إذاً هي معاني كثيرة لا حاجة لي أن نبسطها، المهم أن نستوعب أن هذه المعاني كلها من معاني الأمر، لكنها حقيقة في واحد من تلك المعاني وهو الوجوب كما قرر الأصوليون، مجاز في المعاني الأخرى، وهي الندب، والإباحة، والإرشاد، والتأديب، وغير ذلك. إذاً هذا أول مبحث من مباحث دلالة الأمر، أنه بنفسه، يعني إذا كان أمراً مجرداً عن القرائن الذي يطلق عليه الأصوليون قولهم الأمر المطلق، فإنه يدل على الوجوب.

كذلك من دلالاته؛ دلالته على الفور، هل هو يدل على الفور أو يدل على التراخي؟ فإنه يدل على الفور كذلك، هذه من دلالات الأمر، وهنا تختلف المسائل المندرجة تحت هذه القاعدة، فمن بين ذلك ما يذكره علماؤنا رحمهم الله تعالى في اختلاف قول الإمام مالك، في خلافهم أصلاً في الحج هل هو على الفور أم على التراخي، في الخلاف بين رواية المدنيين ورواية المغاربة.

كذلك من مسائل الأمر دلالته على التكرار أو على المرة. ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا إذا جاءنا أمر فيه جاءنا دليل فيه أمر من الأوامر الشرعية، هل يدل ذلك على التكرار؟ يعني أننا إذا فعلنا الأمر وامتثلنا، هل هذا الدليل نفسه يدل على طلب تكرار الفعل مرة أخرى، أم إنه يدل على المرة؟ الذي استقر عليه الأصوليون، وهو خلاف كبير بينهم، أنه لا يدل على التكرار ولا يدل على المرة، لكنه يكون لطلب حقيقة المأمور به في الخارج التي لا تتحقق إلا بمرة واحدة، يعني أن الدلالة نفسها لا تدل لا على تكرار ولا تدل على مرة، وإنما حتى يتحقق المأمور به في الخارج، لأن وردنا أمر شرعي، لا يتحقق هذا المأمور إلا بأن يؤتى به مرة واحدة. فهو من حيث الدلالة المطلقة المجردة من القرائن لا يدل على تكرار ولا يدل على مرة.

خذوا هذه المسألة وإن كانت ليست تطبيقا دقيقا بعد استقرار القاعدة لكونه يدل على تكرار أول مرة، مثلاً على سبيل المثال مما يمثل به الأصوليون في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. هذا أمر أليس كذلك؟ فاغسلوا وجوهكم، الأمر فيه للوضوء، فكان إذا من خلال دراستنا الآن هذه اليسيرة أنه يدل على الوجوب أليس كذلك؟ فالوضوء واجب، ويدل كذلك إذا قمتم إلى الصلاة، ويدل كذلك وإذا طبعا ارتبط بالصلاة، والمفترض أنه يدل على تكرار على رأي من يرى أنه يدل على التكرار، ماذا يعني ذلك؟

أنه كلما قام الإنسان أو المكلف إلى الصلاة فينبغي أن يغسل فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، بمعنى أنه ينبغي أن يتوضأ حتى لو لم ينتقض وضوءه، أي أنه إذا توضأ لصلاة الظهر ثم دخل وقت صلاة العصر وأراد القيام لصلاة العصر، فينبغي له أن يجدد وضوءه وكذلك المغرب وكذلك العشاء، حتى لو لم ينتقض، امتثالاً للامر الذي يفيد التكرار. طيب لماذا جاز لنا حين بعد ذلك أن نصلي عدة صلوات بوضوء واحد؟ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في يوم واحد عدة صلوات بوضوء واحد، فكأن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم خصص هذه القاعدة، أو أخرج هذا الأمر المقتضي للتكرار عن اقتضائه للتكرار إلى كونه يجوز الوضوء مرة واحدة لعدة صلوات.

طيب ماذا عن التيمم؟ التيمم بقي على هذا المقتضى مقتضى التكرار: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، ففي كل مرة لا يجد المكلف فيه ماء، فإنه يتيمم صعيداً طيباً، لاقتضاء الأمر ها هنا التكرار، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم تيمماً واحداً لعدة صلوات. أنا فقط أقرب الصورة لهذه القاعدة وإلا فإن القاعدة تتحدث العلماء وتحدثوا عن هذا المثال على وجه الخصوص. إذاً هذه من مسائل أو من مباحث الأمر في كتب الأصول، يعني حينما نتحدث عن الوجوب والفور وتكرار المرة، نحن لا نقول إنه يقتضي كذا وكذا، وإنما هذه مباحث؛ فهو يقتضي الوجوب ويقتضي الفور، أما التكرار أو المرة فإنه لا يقتضي واحداً منهما، لكن لا يتحقق في الخارج إلا بالامتثال الذي يعني الإتيان بالمرة.

كذلك مما يتحدث عنه الأصوليون أن الأمر يقتضي النهي عن ضده، وهذا كما يذكر الأصوليون للتقابل بين الأمر والنهي، بمعنى أن الأمر يدل على طلب الفعل، هو اقتضاء الفعل بالقول أو القول الطالب للفعل، فهذا يدل على طلب الترك، لا يتحقق الامتثال في الأمر إلا بترك ضد المأمور به، سواء كان هذا ضد واحد أو أكثر من واحد. كذلك من مسائله وجوب قضاء المؤقت إن فات، التي يعبر عنها الأصوليون: هل الأمر بالقضاء بأمر جديد أو بالامر الأول؟ يعني أن الدليل نفسه الذي فيه الأمر، هل هو يتضمن كذلك وجوب القضاء فيما لو لم يأتي المكلف بالمأمور به في الوقت؟ ماذا إذا دخل وقت الصلاة وقد وجبت الصلاة: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، لم يأتي المكلف بهذا المأمور؟

خرج الوقت، يعني خرج النهار غربت الشمس ولم يصلي الظهر ولا العصر. هل يجب عليه بعد الغروب أن يقضي الصلاة؟ هل هذا الوجوب بقضاء الصلاة بعد غروب الشمس واجب بالدليل الأول الذي هو أقم الصلاة لدلوك الشمس، أم أنه بأمر جديد؟

هذه مسألة خلافية بين العلماء، يعني يذكرون أنه إنما يكون بأمر جديد لا بالأمر الأول؛ لأن الله سبحانه قال تعالى، كذلك قال في آية الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]. كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».

ولذلك حينما لم تسقط الصلاة أو لم يسقط القضاء عن النائم والساهي: «من نام عن صلاة أو نسيها أو ناسيها»، استدل العلماء من باب أولى -هذا من باب مفهوم الموافقة الأولوية كما تعرفنا سابقاً في الدروس السابقة- من باب مفهوم الموافقة الأولوية أن الساهي والنائم أو الناسي والنائم إذا كان الشرع لم يراعيهما وهما معذوران -يعني رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وكذلك النائم ممن رفع عنه القلم- فإن التارك للصلاة عمداً من باب أولى. هذا أيضاً من المسائل أو من مباحث الأمر.

إذاً، هذه دلالته أو المباحث المتعلقة بدلالته بنفسه؛ أي الأمر المطلق المجرد عن القرائن. أما دلالته بغيره، يعني أنه جاء مقترناً أو مقروناً بقرينة تدل على أمر معين، فإذا جاء مقترناً على سبيل المثال بالوجوب فإنه يدل على الوجوب، فهذا يكون بحسب دلالتها؛ يعني هذه الصيغة التي ستأتي وهذه القرينة التي سترد مقترنة بالأمر فإنها ستكون سائقة لهذا الأمر إلى ما تدل عليه. إن كانت تدل على الندب فستدل على الندب، إن كانت تدل على الإباحة فستدل على الإباحة، وكذلك إن كانت تدل على التراخي فستدل على التراخي.

بل قد تكون مثلاً هذه الأمور تدل على الفور كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُو﴾ [آل عمران: 133] مثلاً، أو تكون هنالك قرينة -كل ما يذكر الأصوليون عن الأمر بعد الحظر- كما ورد في النهي عن الصيد للمحرم، طيب، ثم بعد ذلك جاءت الآية: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]. هذا الآن أمر: فاصطادوا، لكنه جاء بعد نهي، قال العلماء: فإن هذه القرينة تدل على الإباحة.

كما أيضاً في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]، ثم بعد ذلك: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. فإن الأمر بعد النهي يعتبر قرينة صارفة، صارفة عن ماذا؟ صارفة عن كون الأمر الأصل فيه أن يدل على الوجوب. ولكن هذه القرينة حينما جاءت هذه القرينة -قرينة وجود أو ورود الأمر بعد الحظر- صارت هذه قرينة دالة على الإباحة وغير ذلك من الدلالات التي ستسوق أو ستخرج عن حقيقته أو عما يقتضيه من وجوب أو من فور وغير ذلك إلى القرينة أو إلى الدلالة التي تدل عليها تلك القرينة.

أما النهي فإنه مقابل للأمر؛ كما رأينا قبل قليل أن الأمر هو اقتضاء الفعل بالقول، فإن النهي هو اقتضاء الترك بالقول أو هو القول الطالب للترك. وهو أيضاً له صيغة تدل عليه، هذه الصيغة هي صيغة لا تفعل؛ أي صيغة النهي، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: 32]، وقوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ﴾ [النساء: 2]. فإذاً هذه الصيغة هي صيغة النهي، وأيضاً قول الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهينا، كما مر في التفصيل السابق في موضعه في الأمر.

أما دلالته فكذلك هو مثل الأمر في قسميه. فاما أن يدل بنفسه؛ أي النهي المطلق عن القرينة، أنه يدل على التحريم حقيقة ويدل على غيره مجازاً، كما رأينا في صيغ الأمر المختلفة الواردة، فان النهي كذلك له صيغ، فهو في صيغته يدل على النهي حقيقة، كما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُم سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]. لكن كذلك هذا يدل على التحريم.

لكن كذلك وردت صيغ أخرى فيها نهي لكن لا تدل على تحريم، كما في قوله تبارك وتعالى في الذي يدل على الدعاء: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]. فإذاً هذا ليس أمراً وإنما هو دعاء. وكذلك مما جاء في معاني النهي؛ أي في معاني هذه الصيغة -عفواً صيغة لا تفعل- أنها لبيان العاقبة، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. ومنه اليأس كذلك كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التحريم: 7]؛ يعني تحقيق اليأس أو التيئيس.

ومنه كذلك الإرشاد، كقوله تبارك وتعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]. وكذلك التحقير أو التقليل، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]. وغير ذلك من المعاني التي يذكرها الأصوليون. الذي يهمنا أننا كما تعرفنا أن الأمر يدل على الوجوب حقيقة ويدل على غير الوجوب مجازاً، فكذلك في صيغة لا تفعل فإنها تدل على التحريم حقيقة وتدل على المعاني الأخرى مجازاً، أي أنها لا تنصرف إلى تلك المعاني إلا بقرينة صارفة.

من مباحث ذلك النهي أنه يدل على الفساد، فإن النهي يدل على فساد المنهي عنه؛ عبادة كانت أو معاملة. فإذا كانت عبادة دل النهي على فسادها، كما في النهي عن صلاة الحائض أو صيامها، وكذلك النهي عن صيام يوم العيد مثلاً؛ فمن صام يوم العيد صيامه لا ينعقد أصلاً، يوم عيد الأضحى أو يوم عيد الفطر فان صيامه لا ينعقد ولا يؤجر عليه. وكذلك النهي عن صلاة النفل في وقت طلوع الشمس وقت غروبها، هذا أيضاً النهي يقتضي الفساد؛ فساد المنهي عنه.

وكذلك النهي إذا كان في المعاملات فإنه يقتضي أيضاً فساد المنهي عنه: الربا، النهي عن الغرر، النهي عن الغش. طبعا هذه الأصل فيها، لكننا تعرفنا في مقرر المعاملات أن هنالك معاملات ورد فيها نهي لكنها لا تقتضي الفساد، أما لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نهيه عن هذا الشيء صحح تلك المعاملة، كما في المسراة، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصروا الإبل»، ولكن بعد ذلك أجاز العقد إذا رد الشاة ومعها صاعاً من تمر. إذاً النهي بنفسه أو النهي المطلق من القرائن يقتضي الفساد.

كذلك هو يدل على الفور ويدل كذلك على التكرار، هذا بخلاف الأمر؛ الأمر فيه خلاف حتى في دلالته على الفور، وإن كنت أنا قد ذكرت مثالاً للحج وذكرت الخلاف الوارد عن إمامنا، لكن في النهي فان النهي يقتضي الفور ويقتضي التكرار دون خلاف. فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». فهذا يقتضي الفور ويقتضي كذلك التكرار؛ إن هذا الأمر النهي عن الزنا، في النهي عن التجسس، في النهي عن الغيبة، في النهي عن أكل مال اليتيم أو أكل أموال الناس بالباطل، هذا يقتضي التكرار، لا يحتاج إلى تكرار الدليل، وإنما الدليل نفسه يتبعه تكرار النهي بذاته.

كذلك هو يدل على الأمر بضده، فان النهي يقتضي الأمر بضد من أضداد ذلك النهي. أما دلالته بغيره فبحسب تلك الدلالة، إن كان يدل على الكراهة فيدل على الكراهة؛ فان الأصل كما تبين معنا قبل قليل أن النهي يقتضي التحريم، لكن إن دل على الكراهة فانه يدل على الكراهة. قد أيضاً لا يدل على الفساد، فقد يأتي النهي كما في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان: «لا تلقوا الركبان». لكن هذا النهي لا يقتضي الفساد، وإنما كان لعلة تبينت معنا في موضعها في الفقه لأجل حفظ حقوق كما يقال حقوق الطرفين؛ أما الباعة الذين يأتون من الخارج وكذلك التجار من أهل السوق، مع التفصيل الذي يذكره الفقهاء في مسافة القصر خارج البلد أو غير ذلك.

لكن الشاهد أنه إذا كانت هنالك دلالة جاءت دليل فيه نهي، فإن هذه الدلالة الأصل فيها أن تدل على معانيها كالتحريم والفساد، لكن قد تكون تلك القرينة المتصلة أو المنفصلة تخرج تلك الدلالة عن أصلها أو عن حقيقتها إلى معنى آخر من المعاني التي تدل عليها تلك القرينة.

من المباحث الهامة في أصول الفقه مبحث العام والخاص؛ أي تقسيم اللفظ باعتبار الاستغراق أو باعتبار الشمول. هذا المبحث من أهم المباحث نظراً لكون كثير من الأدلة الشرعية متعلقة بهذا المبحث، والذي يهتم به الأصوليون أكبر هو مبحث العموم والخصوص؛ لأنه هو الذي يدخله الاجتهاد ويدخله الخلاف ويتطرق كذلك إليه الاحتمال: هل هو عام أو ليس عاماً؟ إذا كان عاماً هل هو مخصوص أو غير مخصوص؟ وكذلك يتعلق بدلالته: هل دلالة هذا العام قطعية أو دلالته ظنية؟ وسأبين ذلك بعد قليل.

إذاً، العام والخاص: أما العام فهو اللفظ الدال على جميع افراد الماهية أو اللفظ المستغرق الصالح له من غير حصر. اللفظ المستغرق الصالح له؛ يعني من الأفراد التي تندرج تحت تلك الكلمة أو ذلك المدلول من غير حصر دفعة واحدة، كما عبر صاحب المراقي بقوله: ما استغرق الصالح دفعة بلا حصر من اللفظ كعشرة مثلاً. دفعة يعني أن اللفظ يستغرق ما تحته من أفراد دفعة واحدة؛ أي أنها جميعاً مندرجة تحت ذلك اللفظ أو تلك الكلمة، لا أنها على البدل، على سبيل البدل.

وهذا يخرج المطلق، لأننا سنتعرف بعد قليل أن المطلق تشمل أفراده داخلة تحت اللفظ المطلق، لكنها تحته دخولا بدلياً؛ أي أن الاتيان بأي فرد من تلك الأفراد تتحقق به أو يتحقق به الأمر بالمطلق. في حين أن العام لا بد أن يستغرق جميع الأفراد من غير حصر. فمتى كان هذا الاستغراق محصورا خرج عن العام، كما مثل هو بقوله كعشرة. لفظة عشرة ألا تستغرق واحد واثنان وثلاثة إلى عشرة إلى تسعة؟ نعم، لكنها لما كانت محصورة خرجت عن العام، لأن العام لا بد أن يكون مستغرقاً وغير محصور. إذاً هو اللفظ الدال على جميع أفراد الماهية.

هنالك معيار للاستثناء ذكره الأصوليون، وهو صحة مجيء الاستثناء بعده، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]. الإنسان هل هو إنسان واحد؟ (ال) هذه العهدية أو الجنسية المستغرقة لجميع الأفراد. فلما جاء الاستثناء بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوكَ﴾ شملت دل ذلك على أن اللفظة أو أن الكلمة مدلولها عام؛ أي أن الإنسان مسلما كان أو كافرا، صغيراً أو كبيراً، ذكرا أو أنثى، عاصيا أو طائعا، كلهم في خسر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3].

اللفظ العام له صيغ تدل عليه. أول هذه الصيغ وأقواها كما ذكر الأصوليون: كل. وكذلك جميع؛ (كل) كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، و(جميع) أيضاً كما نقول مثلاً: أكرم جميع العلماء. وكما جاء في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

كذلك من صيغ العام الدالة عليه: المعرف بأل. سواء كان هذا المعرف بأل وهذه الصيغة صيغة مستفادة من قرينته كما يذكر الأصوليون؛ يعني أن هذه القرينة دلت على أن هذا اللفظ يدل على العموم، سواء كان المعرف بالالف واللام جمعاً أو كان مفرداً، مفرداً كما في الآية السابقة: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]، أو كان جمعاً معرفاً بالألف واللام: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]. فهذا أيضاً من صيغ العموم.

كذلك المضاف إلى معرفة؛ المضاف إلى معرفة سواء كانت المعرفة كلمة معرفة بأدوات التعريف المختلفة للتعريف، أو كانت كذلك أو كان ضميراً وهو أقر المعارف. فمما يكون مضافاً إلى معرفة كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، (أولاد) أضيفت إلى ضمير، فهذا يعني أنه يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ أي أنها تشمل جميع الأولاد.

وكذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] (أموالهم) أضيفت إلى معرفة، فينبغي أن تشمل جميع الأموال. لكن لاحظوا الآن أن هذين الدليلين مخصوصان؛ سيأتي بعد ذلك تبين لأنهما خصا. فالأولاد خص بالاجماع أن العبد لا يرث. وكذلك: خذ من أموالهم صدقة، الأموال حتى نستوعب الآن المدلول حينما نقول بأن هذه كلمة تدل على العام، أي أن العام يستغرق جميع الأفراد المندرجة تحته، ماذا يعني ذلك؟

أن قوله تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] أن تشمل هذه الكلمة جميع الأموال؛ كل ما صدق عليه أنه مال ينبغي أن تخرج منه الزكاة. ولذلك استدل الأحناف بهذه الآية على أن الواجب في الزكاة جميع الخارج من الأرض، سواء كان قد بلغ النصاب أو لم يبلغ النصاب، حتى لو لم يبلغ خمسة أوسق، وحتى لو كان من الخضر، بل بقول فإن الزكاة فيه واجبة، استدلالا منهم بهذه الآية أو استدلالا منهم بهذا العموم المستغرق لجميع الأفراد ولم يخصصوه بالأدلة الأخرى، وقد ذكرت ذلك في أول المقرر أن هذا من أمثلة الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. الأحناف قالوا دلالة العام... هذه من المسائل التي لم تذكر في هذا.

قال الحنفية إن دلالة العام على أفراده دلالة قطعية. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنه لا يخصص إلا بدليل قطعي مثله، وهذا قد ذكرته سابقاً، يعني أن هذه الألفاظ حينما وردت في القرآن بدليل قطعي -عفواً-، والعام عندنا يقولون إنه دلالة قطعية على جميع أفراده، فلا يخصص هذا العام إلا بدليل قطعي. في حين أن الجمهور قالوا إن دلالة العام على أفراده دلالة ظنية، فلا بأس أن يخصص بدليل ظني، وهذا من الفروق كذلك بين العام والنسخ. النسخ رأينا سابقاً اشتراط أن يكون النسخ فيما يتعلق بنسخ الكتاب بالسنة، بالسنة المتواترة، أو السنة المتواترة بالآحاد وغير ذلك. العام لما كانت دلالته ظنية، جوز الأصوليون من الجمهور غير الحنفية أن يخصص بدليل ظني.

من صيغ العموم كذلك النكرة في سياق النفي أو النهي. النفي كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، فهذا نفي لكل أنواع الريب. والنكرة في سياق النهي، أو كذلك حتى النهي أو النفي في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، لا صيام، هذه نكرة "صيام" وفي سياق النفي "لا صيام"، يعني لا صيام مجزئ، أو أنه على سبيل النهي كذلك، يعني لا صيام مجزئ. هذه النكرات تعني أن هذا الصيام يشمل صيام الفرض، صيام النفل في رمضان وغير رمضان.

كذلك من صيغ العموم أدوات الشرط بمختلف صيغها، سواء كانت "من" أو غيرها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، أو كانت "حيثما" الشرطية، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، هذا أيضاً من صيغ العموم.

كذلك من صيغ العموم الأسماء الموصولة، سواء كانت "الذي" أو "التي" أو "اللذان"، يعني سواء كانت للمفرد المذكر والمؤنث والمثنى والجمع، فهذا أيضاً من صيغ العموم، أو كانت حتى بالتي لا تدل على العاقل، كما أو التي تدل على العاقل وغير العاقل، لكنها في العاقل أكثر، مثل "من". فمن صيغ العموم في الأسماء الموصولة قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: 16]، وكذلك في: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه﴾ [النساء: 123]، وكذلك في قوله تبارك وتعالى فيما تكون موصولة: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]، وغير ذلك من الصيغ التي يذكرها الأصوليون في الأسماء الموصولة.

هذه الصيغ، هنالك صيغ أخرى بسطها كذلك الأصوليون. أما أنواعه -هو أي العام-، إما أن يكون عاماً باقياً على عمومه، وإما أن يكون عاماً مخصوصاً، وإما أن يكون عاماً يراد به الخصوص، وهذا سنتعرف عليه في الصفحة التالية.

القسم الأول من أقسام العام: العام الباقي على عمومه، وهذا هو الأصل، لكنه نادر. الأصل بمعنى أن الأصل في اللفظ العام أن يدل على جميع أفراده، الأصل بقاء ذلك، لكنه نادر كما ذكر الأصوليون؛ لأنه ما من عام إلا وقد خصص.

القسم الثاني: العام المخصوص، وهو محل البحث هاهنا. العام المخصوص يعني الذي دخله التخصيص. التخصيص ما هو؟ إخراج بعض ما يتناوله الخطاب العام. ألم نرى قبل قليل في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]، حينما جاءت هذه الكلمة وهي لفظة عامة كان ينبغي أن تدل على جميع الأفراد، لكن حينما جاء استثناء بعد ذلك فقد جاء التخصيص، أخرج بعض أفراد العام وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، كما سنرى أيضاً في الأمثلة بعد قليل.

من أنواع التخصيص، فهذا هو المقصود بالمخصوص؛ عام، لفظة عامة تشمل جميع الأفراد، لكنها خصصت بأداة أو بوسيلة من وسائل التخصيص، سواء كانت منفصلة أو متصلة.

أما التخصيص بالمنفصل، فإاما أن يكون بالحس، أحد الحواس هي التي خصصت هذا العام، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، فهذه الريح رأى الحس أنها لم تدمر السماء ولم تدمر الأرض، فهذا تخصيص لذلك العموم، "تدمر كل شيء" فخصص الحس هذا العموم بإخراج بعض الأفراد.

كذلك التخصيص بالعقل، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، طيب هذا لفظ عام ينبغي أن يستغرق جميع الأشياء التي تدخل تحت مسمى شيء، وقد ذكر المولى تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، والعقل قد خصص هذا، وأيضاً أن الخالق لا يخلق نفسه.

ومن أدوات التخصيص المنفصلة: الإجماع، كما خصص العلماء قول المولى تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، وقد أخرجوا العبد وشطروا عليه الحد.

كذلك من التخصيص بالمنفصل: التخصيص بالنص الخاص، وهذا إما أن يكون تخصيصاً للكتاب بالكتاب، وإما أن يكون تخصيصاً للكتاب بالسنة، وإما أن يكون تخصيصاً للسنة بالسنة، وإما أن يكون تخصيصاً للسنة بالكتاب.

أما تخصيص الكتاب بالكتاب فكما جاء في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221]، فهو عام يشمل كل مشركة، فسواء كانت كتابية أو غير كتابية، لكن خصص ذلك بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فأجازت الآية نكاحهن، فخصص العموم الوارد في الآية السابقة باية واردة في الكتاب.

من أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، هذه الآن اللفظة العامة "يوصيكم الله في اولادكم" لأنها مضافة إلى معرفة كما رأينا قبل قليل، فهي شاملة لجميع الأولاد ذكوراً وإناثاً، كانوا أولاد أنبياء أو لم يكونوا أولاد أنبياء، لكن خصص ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». وهذا من المسائل التي استدل بها العلماء في لفتاتهم اللطيفة على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أصوليين بالسليقة، من مما ذكرناه في أول درس من دروس هذا المقرر، أن غيره كان له سليقة، حينما ذكر صاحب المراقي أول من ألف في الكتب، محمد بن في علم الأصول، أن الإام الشافعي إنما دونه في الكتب، وأن من كان قبله كانت لديهم أدوات الأصول سليقة، حينما جاءت سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها تطلب حقها من مال رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تستدل بهذا العموم هذا الذي ذكره الأصولي، لكن غاب عنها أن هذا العموم قد خصص، لذلك استدل عليها سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».

فإذاً هذه من الأمثلة اللطيفة أنها استدلت بعموم وهو رضي الله تعالى عنه استدل بخصوص، فأيضاً مما خصص هذا العموم في قوله تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». هذا أيضاً تخصيصه للعموم الذي كان ينبغي أن تندرج تحته أفراد كثيرة في اللفظ السابق في الآية.

من أمثلة تخصيص السنة بالسنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر»، فهذا لفظ عام يشمل كل ما سقته السماء مما يخرج من الأرض، لكن خصصه قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».

أما تخصيص السنة بالكتاب، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أخذ من حي فهو ميت»، هذا لفظ عام ما أخذ من حي فهو يعني أن... وقد تعرفنا على ذلك في مقرر العبادات أن ما أُبين من حي فحكمه حكم ميتته، لكن هذا وهذا يعني بالطبع أن مثلاً ما أخذ من أي حيوان، أخذ جلده، قطعت أذنه أو قطعت يده، وكان هذا الحي مما ميتته طاهرة كالإبل مثلاً على سبيل المثال أو الشاة، فإن ما أخذ منها فهو ميت، يعني حكمه حكم نجس. لكن هذا العموم خصص بما جاء في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80].

هذه من أمثلة التخصيص للنص الخاص من الكتاب والسنة في المتقابلات التي رأيناها.

كذلك من تخصيص العموم بالمفهوم، يعني يقصد به المفاهيم التي مرت معنا في قسمي المنطوق والمفهوم، مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، أن ما ورد من عموم في القرآن أو السنة في حكم من الأحكام يخصص بالمفهوم، وهذا من الأمثلة التي يمكن أن يمثل بها هذا النوع ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، أي أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبيث، هذا يخصص العموم مثلاً في قوله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه» إلا ما غلب طبعا على لونه أو طعمه أو ريحه.

من أنواع التخصيص: قول الصحابي إذا ورد عنه تخصيص لدليل عام من قوله، قول الصحابي أو كذلك من فعله؛ ولأنه غالباً على أن هذا التخصيص سيكون من استدلال منه من الصحابي؛ لأنه لن يخصص هذا العام إلا بدليل سند فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك مما يخصص به العموم: القياس، وهذا إما أن يكون في الكتاب، وإما أن يكون في السنة، كما في قول المولى تبارك وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، فهذا عام يشمل الحر والعبد. لكن لما جاء في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النسا: 25]، قاس الفقهاء العبد على الأمة في تشطير أو في تنصيف الحد.

كذلك من تخصيص السنة بالقياس كذلك ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أخذ من الحي فهو ميت»، وبينا قبل قليل استدلال العلماء في تخصيصهم لهذا الحديث بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80]، قيس كذلك حتى عليه الريش، يعني قيس على الشعر وكذلك على الوبر، وخص به الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما التخصيص بالمتصل، فإنه يكون بالاستثناء، وذكر الأصوليون كذلك غير الاستثناء كالشرط، وكذلك الصفة. لكن الاستثناء وهو من أقوى المخصصات، كما في قوله تبارك وتعالى في الذين آمنوا، وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن أن يقتل شيْ من شجر في مكة، لا يختلى خلاها، فقال له سيدنا العباس رضي الله تعالى عنه: إلا الإذخر يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إلا الإذخر». فهذا الاستثناء أخرج الإذخر من هذا العموم الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمثلة ذلك في الاستثناء كثيرة واضحة بينة.

تقسيم آخر للفظ، ولكن ليس باعتبار استغراقه استغراقاً شمولياً، وإنما باعتبار استغراقه أو شموله شمولاً بدلياً، وهو المطلق والمقيد.

العام كما رأينا قبل قليل يشمل جميع أفراده أو يستغرق جميع أفراده دفعة بلا حصر، أما المطلق فهو ما تناول واحداً غير معين باعتبار حقيقة كاملة لجنسه، أو كما عرفه الأصوليون بتعريف آخر: كل لفظ دال على فرد شائع في أفراد جنسه بحيث يصح شموله شمولاً بدلياً.

بمعنى، دعوني أمثل بهذا المثال، حينما يقول مثلاً رجل لابنه: "أكرم"، فإنه يجب عليه أن يكرم جميع العلماء لأن هذا اللفظ لفظ عام، كما رأينا أن المعرف بأل من صيغ العموم. لكن حينما يقول: "أكرم عالماً"، أعطاه شيئاً من الكتب مثلاً وقال: "أعطها عالماً"، فإنه متى ما أعطاها عالماً -لاحظوا عالماً، كان عالماً نحوياً، كان عالماً شرعياً، كان عالماً في تفسير- فإنه قد خرج عن العهدة بإعطائه لأي عالم من العلماء. إذاً هذا هو المقصود بالفرق الآن بين العام والمطلق؛ أن العام لابد أن يستغرق جميع الأفراد، والمطلق أن أي فرد من تلك الأفراد أوتي به فإنه قد أتى بالمطلوب؛ لأنه مطلق، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92].

المقيد: ما دخله تعيين ولو من بعض الوجوه كالشرط مثلاً والصفة وغير ذلك. مثلاً حينما قال له قبل قليل: "أكرم عالماً"، لو قال له: "أكرم عالماً إن كان مثلاً نحوياً أو إن كان فقيهاً"، أو مثلاً: "إن كان غريبًاً"، أو مثلاً قال له: "أكرم عالماً كبيراً في السن" أو "أكرم عالماً فقيراً"، فهذا تقييد له من بعض الوجوه، كما في تقييد قوله تبارك وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].

إذاً هذا هو الفرق بين المطلق والمقيد، وكذلك من قبل ذلك الفرق بين العام والمطلق؛ أن العام يستغرق جميع الأفراد، والمطلق يشمل جميع الأفراد لكن شمولاً بدلياً.

أما ما يتعلق بالمقيد، فهو ما يتعلق بمتى يقيد الدليل المقيد الدليل المطلق؟ لدينا عدة احتمالات أو لدينا عدة حالات هي أربعة حالات تتعلق بالسبب والحكم. متى ما اتحد السبب والحكم، فإنه يقيد اتفاقاً، إلا فيما يروى أو ينسب للإمام أبي حنيفة، متى ما اتحد السبب والحكم يعني أن دليلاً واحداً جاء فيه مثلاً إطلاق ودليل آخر جاء فيه...

تقييد، لكن كلا الدليلين متحدان في السبب والحكم، كما يمثل الفقهاء لذلك أو الأصوليون لذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين». لاحظوا شاهدين جاءت مطلقة، الآن هذا في اتحاد فيه اتحاد سبب وحكم كما سيتبين الدليل الثاني بعد قليل.

مع رواية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم في ذات الحكم، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل». الدليل الأول كان مطلقاً وشاهدين، يعني كان الشاهدان عدلين أو لم يكونا عدلين أصلاً، والدليل الثاني فيه تقييد وشاهدي عدل، فإنه يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، يحمل المطلق، يعني دليل المطلق الذي ليس فيه بيان للعدالة، على المقيد الذي فيه بيان للعدالة في الشاهدين اتفاقاً بين العلماء.

النوع الثاني أو الحالة الثانية، اتحاد الحكم واختلاف السبب. اتحاد الحكم واختلاف السبب كما جاء في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، هذا مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].

فالرقبة مطلقة في الآية الأولى: ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة، ومقيدة في الثانية: ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، والحكم فيهما متحد، ما هو الحكم؟ هو إيجاد تحرير الرقبة في كلا الحالتين، سواء في الظهار ولا في قتل الخطأ. فالحكم فيهما متحد، ولكن السبب مختلف، فالأولى فيها ظهار والثانية فيها قتل، فها هنا لا يقيد، اختلف يعني الحكم في النسبة إلى إمامنا مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة، هل يحمل المطلق على المقيد أو لا يحمل؟ لكن لا يحمل، لا يقيد، يعني لا يحمل المطلق على المقيد.

الحالة الثالثة، اختلاف الحكم واتحاد السبب. وهذا أيضاً لا يقيد، يعني اختلاف الحكم واتحاد السبب في مثلاً في قوله فيما جاء في قوله تبارك وتعالى في تقييد غسل اليدين في الوضوء بالمرافق: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] وأطلقتا في التيمم، فكلاهما اتحدا، يعني السبب فيهما وهو الطهارة، والحكمان مختلفان، السبب فيهما واحد الذي هو الطهارة أو رفع الحدث، الحكم فيهما مختلف، فها هنا لا يقيد، يعني لا يحمل المطلق على المقيد، وهذا الذي استقر عليه القول في مذهبنا، فإن الواجب فقط في غسل اليدين، عفواً، في التيمم في مسح اليدين في التيمم، إنما هما إلى الكوعين وليس إلى المرفقين.

إذاً، هذه الحالة الثالثة اختلاف الحكم واتحاد السبب فلا يقيد. أما الحالة الرابعة فهي اتفاق، إذا اختلف الحكم واختلف السبب فلا يقيد، أي لا يقيد المطلق بالدليل قيد، أو لا يحمل المطلق على المقيد.

إذاً الخلاصة، إذا اتحدا في واحد فقط فلا يقيد، فلابد أن يتحدا في الأمرين، يعني يتحدا في السبب وكذلك في الحكم، حتى يحمل المطلق على المقيد. وأنبه أن هاتين المسألتين، اتحاد الحكم واختلاف السبب واختلاف الحكم واتحاد السبب، فيهما خلاف داخل المذهب في تقرير الأصوليين رحمهم الله تعالى في كونه يحمل أو لا يحمل، لكن هذا الذي رأيته فيه كثيراً من الأصوليين قد نسبوا هذا الحكم، أو نسبوا هذه القاعدة إلى المذهب في هذين أو في هاتين الحالتين.