دخولتسجيل الدخول

الحلقة 30

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فحديثنا اليوم في هذه الحلقة حديث فيه بشارة عظيمة لأهل التوحيد، وأهل الدعاء، وأهل الرجاء، وأهل الاستغفار. حديث فيه حلم وكرم عظيم، وفيه ما لا يحصى من الفضل والإحسان والرأفة والرحمة والامتنان. حديث نختم به بإذن الله حلقات هذا البرنامج المبارك، وهو ما رواه الترمذي وغيره من طرق متعددة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك إن أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي»، في هذا دلالة عظيمة على مكانة الدعاء وعلى مكانة الرجاء وفضلهما، وأنهما من أسباب المغفرة، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة. فمن تلك النصوص في فضل الدعاء قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. وهذه الآية فيها لفتة عجيبة؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى في سائر الآيات التي فيها سؤال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم يكون الجواب فيها مبدوءاً بـ (قل)، كقوله تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 215].

لكن لما جاء السؤال عن الدعاء قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، لم يقل: قل، وإنما جاء الجواب مباشرة من الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. كأن الله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها العبد، الدعاء لا تحتاج فيه إلى واسطة بينك وبين الله؛ في سؤال الأحكام تحتاج إلى سؤال أهل العلم، وأما في الطلب من الله فمباشرة. وفي المسند والسنن الأربعة من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

وفي مستدرك الحاكم، وهو حديث لا بأس به في الفضائل، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك، فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجته عنك؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم ترَ فرجاً؟ قال: نعم يا رب. فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يدع دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة». قال: فعند ذلك يقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل لي شيئاً من دعائي؛ يعني يا ليت أن الدعاء كله ادخر لي في الآخرة، لأن الذي في الدنيا ذهب مع الدنيا وإنما بقيت الآخرة.

وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وغير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يدع الله غضب الله عليه». الله يحب أن يُدعى سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الشاعر: لا تسألن بني آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب أن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب

والدعاء له آداب؛ منها تحري الحلال، كما هو معروف. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمطعمه وملبسه ومشربه حلال، فأنى يستجاب لذلك؟». يقول: إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ إذاً من آداب الدعاء أن الإنسان يتحرى الحلال، ومنها استقبال القبلة، ومنها رفع اليدين، ومنها الثناء على الله سبحانه وتعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها الإلحاح في الدعاء: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي». لا تمل وإن طالت مطالبه، إذا استعنت بصبر أن ترى فرجاً، أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته، ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

وابن الجوزي يقول: إذا جلست في الظلام بين يدي الملك العلام فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا طلب شيئاً فلم يعطَ بكى حتى يأخذه؛ يعني تضرع وتوجه إلى الله بالدعاء. ومن أهم الأسباب كثرة الدعاء في الرخاء قبل الشدة؛ يعني التعلق بالله والتوجه إليه والإنسان في الرخاء، كما جاء في الحديث: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، إذ ليس من الأدب أن ينسى الإنسان ربه وقت الرخاء، ثم إذا جاءت الشدة رفع يديه وصار يدعو الله سبحانه وتعالى. يقول: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: 12].

وفي بعض الأحاديث القدسية أو بعض الآثار: «يا ابن آدم، أمرتك فتوليت، ونهيتك فتمادت، وسترت عليك فتجرأت، وأعرض عنك فما باليت. يا من إذا مرض شكى وبكى، وإذا عوفي تمرد وعصى، يا من إذا دعاه العبيد عدوا ولَبّوا، وإذا دعاه الجليل أعرض ونأى. إن سألتني أعطيتك، وإن استغفرتني غفرت لك، وإن أقبلت قبلتك، وإن تبت تبت عليك، وأنا التواب الرحيم».

ومن الأخبار في الدعاء وقت الرخاء ونفعه وقت الشدة قصة ذي النون عليه الصلاة والسلام؛ ذو النون خرج مغاضباً من قومه ثم ركب السفينة، فلج بهم البحر وصاروا يريدون أن يتخففوا ممن ركب في ذلك القرقور، فاستهموا فيما بينهم، فوقعت القرعة على يونس عليه الصلاة والسلام، فقالوا: هذا رجل صالح، فأعاد القرعة مرة ومرتين وثلاثاً، فلما وقعت عليه في الثالثة علم أنه هو المقصود، فرمى بنفسه في البحر، وكان قد خرج مغاضباً لقومه دون أن يستأذن من ربه سبحانه وتعالى. فأرسل الله له حوتاً من قاع البحر كما يقول ابن مسعود وغيره من الصحابة، وجاء وأمره الله أن يلتقم يونس عليه الصلاة والسلام دون أن يأكل له لحماً أو يهشم له عظماً. فلما استقر به في قاع البحر اللُجّي المظلم، سمع صوتاً فسبح الله: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

في ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فنادى في الظلمات، والله سبحانه وتعالى سماها ظلمات؛ ظلمة البحر، ظلمة الموج الذي فوقه موج، وفوقه ليل. يقول تبارك وتعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40]. فهنا ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فذهبت هذه الدعوة حتى وصلت إلى العرش، وسمعها الملائكة، فقالوا: يا رب، دعوة معروفة، يعني صوت معروف لكن لا ندري أين هو ومن هو؟ فقال: لم تعرفوا أنه عبدي يونس؟ قالوا: يا ربنا، ألا ترحم حاله، فإنه ما زال يرفع إليك عمل صالح من يونس عليه الصلاة والسلام؟ فقال: نعم. فأخرجه الله سبحانه وتعالى وأنجاه. فهو دعا بهذا الدعاء: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].

ورد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وفي سنن الترمذي وغير ذلك من الكتب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد بن أبي وقاص: فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني وأن يدخل إلى منزله، ضربت برجلي الأرض فالتفت، وقال: من أبو إسحاق؟ فقلت: نعم يا رسول الله. قال: فما؟ فقلت: يا رسول الله، إنك ذكرت دعوة ثم جاء أعرابي فشغلك. فقال: نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإن هذه الدعوة لم يدعُ بها مؤمن ربه في شيء قط إلا استجاب الله له. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تكلمنا قبل الفاصل فيما يتعلق بالدعاء في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني». أما الرجاء في قوله: «ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي»، فإن هذا دليل عظيم على فضل الرجاء، وأنه سبب من أسباب المغفرة. والرجاء واجب كما يقول أهل العلم؛ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: 5]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني». وفي مسلم أيضاً من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».

ولذلك كان الأئمة عند الموت يغلبون جانب الرجاء، وقد ذكروا أن الإمام أحمد لما حضرته الوفاة قال لولده عبد الله: اذكر لي أحاديث الرجاء، حتى يعظم الرجاء في قلبه. وقد ذكرنا أن المزني دخل على الشافعي وقال له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلة، وإخواني مفارقاً، وعملي ملاقياً، وبكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظم ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وذكرنا أيضاً قصة أبي نواس وأنه غفر الله سبحانه وتعالى له بأبيات قالها، ووجدوها تحت الوسادة، يقول فيها: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم أدعوك ربي ما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم

لكن ينبغي على المؤمن أن يكون رجاؤه صحيحاً؛ أن يأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى حصول ما يرجوه، وإلا كان متمنياً ومغروراً. ولذلك يقول أبو العتاهية: أيا عجباً للناس في طول ما سهوا ... وفي طول ما اغتروا وفي طول ما لهوا يقولون نرجو الله دعوى مريضة ... ولو أنهم يرجون خافوا كما رجوا

والله سبحانه وتعالى في هذا الحديث يقول: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي». وهذا يدل على مكانة الاستغفار، وعلى أنه سبب لغفران الذنوب العظيمة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. ومن عظم مكانة الاستغفار أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يمنع به نزول العذاب، قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

وفي تفسير هذه الآية قال غير واحد من أهل العلم: إن الله سبحانه وتعالى قد جعل لهذه الأمة أمانين من عذابه؛ الأول هو النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذهب عليه الصلاة والسلام إلى ربه، وبقي أمان واحد وهو الاستغفار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، ثم يغفر الله لهم». وأيضاً في سنن أبي داوود من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب». لكن ينبغي للمستغفر أن يقلع عما هو عليه من الذنوب ولا يصر؛ لأن في ذلك ظلماً لنفسه. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

بعض العباد يقول استغفارنا يحتاج إلى استغفار؛ لماذا يحتاج إلى استغفار؟ لأن المستغفر هو يستغفر وهو يذنب، فهذا يحتاج استغفاره إلى استغفاره. ولذلك يقول الشاعر: أستغفر الله من لفظٍ تلفظتُ به، بدرت فخالفتُ معناها، وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد، سددتُ بالذنب عند الله مجراها.

وأما قوله تعالى في هذا الحديث: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة»، فهذا هو السبب الأعظم للمغفرة؛ فمن فقد التوحيد فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسبابها. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فمن جاء بالتوحيد وجاء مع التوحيد بقراب الأرض أو ملئها خطايا، لقيه الله سبحانه وتعالى بقراب الأرض مغفرة.

ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وهو ردفه على الرحل: «يا معاذ»، فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار». قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: «إذاً يتكلوا». فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً؛ أي خوفاً من الإثم. وفي مسند أحمد وسنن أبي داود عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة».

وهذا الحديث قد وقعت له قصة في عهد الأئمة النقاد أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي في سنة 244، توفي أبو زرعة الرازي وحضره أبو حاتم وأصحابه، فأرادوا تلقينه الحديث حتى يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، فاستحيوا وقالوا: تعالوا نذكر الحديث. فذكروا أول الحديث، قال أحدهم: حدثنا، قاله محمد بن مسلم بن وارة، قال: حدث الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي... وسكت، وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي... وسكت، وسكت الباقون. فقال وهو في سوق الموت: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وخاتمته صارت بقول لا إله إلا الله.

والناس يخافون من الموت ويخافون من الآخرة، والآخرة هي الدار وهي المستقر، هي التي ينتقل إليها الناس، وهي التي يعمل إليها الناس. وأختم هذه الحلقة بهذه الأبيات الرائعة لمحمد بابه، حيث يقول لنا: من الموت فر بادي والموت نعمة على العباد، فهو انتقال طيب الأرواح إلى بلاد الأمن والأفراح، فليفرحن ذو الحجا حين وقت فراقه لدار المحن، ولا يبالين بذاك الكرب فإنه منقطع بالقرب، والعيش إن طاب وطال وانقضى فإنما هو كبرق أومضا، ولو رأى البارئ للأبرار خيراً بطول العيش في ذي الدار، لكان رسوله به أولى بغير شك، ولكن ليس في ذلك خير، وليس يختار لنفسه اللبيب إلا الذي اختار الكريم للحبيب، وهو قد اختار له ما عنده سبحانه مما له أعده، على الخلود بين أطواد الذهب وفضة تذهب أينما ذهب، فشجع نفسك الخوار، وارض بما العدل الحكيم اختاره، وأحسن ظنك بالمولى الكريم غافر ذنب صغُر أو ذنب عظيم، فهو بسقي الكلب سامح التي قد كثرت ذنوبها وجلت، وقاتل المئة عنه قد عفا لما تندم على ما أسلف.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا جميعاً. إلى هنا نأتي إلى ختام هذه الحلقة، وبها ختام هذا البرنامج المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن يتجاوز عن تقصيرنا. اللهم اختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة أعمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا، واصب سجال عفوك على ذنوبنا، ومنَّ علينا بإصلاح عيوبنا، واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا، وعليك توكلنا واعتمادنا. إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة، وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.