دخولتسجيل الدخول

الحلقة 29

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمعنا اليوم حديث قدسي يرويه تابعي جليل من أهل الشام وهو أبو إدريس الخولاني، وكان الإمام أحمد رحمه الله عليه يقول: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث. وكان راويه أبو إدريس الخولاني رحمه الله عليه إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.

والحديث هو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».

هذا الحديث حديث جليل كما قال الإمام أحمد: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث، وكان أبو إدريس يجثو على ركبتيه إذا حدث بهذا الحديث. وفيه من المعاني الشيء العظيم؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه وتعالى يقول: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي». الله حرم الظلم على نفسه، بمعنى منع نفسه من ظلم عباده، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]. ويقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

بل الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، يجازي بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، يتوب على المذنبين ويقبل توبة التائبين، كما قال تبارك وتعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [القصص: 84].

وفي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف». يضاعف الحسنات، والسيئات لا تكتب إن لم تعمل، وإنما تكتب واحدة إن عملت. ولله در البدوي في منظومته في المغازي يقول عن الله سبحانه وتعالى: "أحن وأرأف من الأم بنا، وهكذا كان رسوله لنا. يدخلنا الجنة إلا من شرد عنه وعن توحيده يأبى وصد، يقرب بالذراع أو بالباع، ومن أتى يمشي أتاه هرولة. فضاعف الأجر له وأجزل، يضاعف الأجر لسبعمائة ففوق، يؤجر بحسن النية". من لطفه أن صحائف الذنوب وهي كثيرة تروع القلوب، لا تزن التهليل في بطاقة، كأنها الظفر في الدقاقة. وهو يشير إلى الأحاديث المشهورة المعروفة عند الناس. ولذلك جاء في الحديث القدسي الآخر: «ولا يهلك على الله إلا هالك». وجاء في آخر حديثنا هذا: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه أكثر مما بحسب كرمه سبحانه وتعالى، وإلا فالعبد لا يهلك على الله إلا هالك كما قال عليه الصلاة والسلام قوله عن ربه عز وجل.

وقوله سبحانه وتعالى: «وجعلته بينكم محرماً.. فلا تظالموا»، يعني أني قد منعتكم من الظلم فلا يقع منكم، وإلا كانت عاقبة ذلك وخيمة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]. ويقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45]. والآيات في هذا كثيرة.

وهناك أحاديث كثيرة في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. والشاعر يقول: أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم

والآخر يقول: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم مرتعه يفضي إلى الندم تنام عينك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وهكذا في المسند وفي سنن الترمذي وغيره وحسنه الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم»، وذكر منهم المظلوم، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: «وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». والشاعر يقول: أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء

وأيضاً في صحيح البخاري النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم»؛ يعني يوم القيامة ليس هناك التعامل بالدينار والدرهم، وإنما بالحسنات، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، فحمل عليه فألقي في النار. أسأل الله سبحانه وتعالى العافية.

ومن القصص العجيبة في التحلل في الدنيا وإعطاء الحق في الدنيا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُقيد بـ "بدر"، لما جاءه سواد بن غزية كان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل الصفوف بقدح كان في يده، فيقول لهذا: استوِ، ويقول لهذا: تقدم، فطعن سواد أو ضربه، رآه مستنتلاً من الصف قد بادياً صدره، فطعنه بالقدح وقال: «استوِ يا سواد»، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه، فالتزمه سواد يقبله، يقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على هذا؟» قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر عهدي من الدنيا أن يمس جلدي جلدك. فعند ذلك دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير.

وفي هذا يقول البدوي رحمه الله عليه: وابن غزية سواد استنثل من صفه ... ورام أن يعتدل نبينا فمسه إذ ألم مس قدحه أوجعتني ... فاعطني القود وجد في أن كان باشر الجسد

لا شك أن أسوأ الظلم وأشد الظلم هو ظلم السلاطين، لأن ظلم السلطان مفضٍ إلى ظلم الناس بعضهم بعضاً، وإذا ظلم الناس بعضهم بعضاً وانتشر الظلم ذهبت الدول. ولذلك كان أهل العلم يقولون إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. وأيضاً كان يقال: الملك يبقى مع العدل ومع الكفر، إذا اجتمع العدل والكفر، ولا يبقى مع الجور والإيمان. الشاعر يقول: عليك بالعدل إن وليت مملكة ... واحذر من الجور فيها غاية الحذري فالملك يبقى على عدل الكفور ... ولا يبقى مع الجور في بدو ولا حضري

وكانوا يقولون: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان؛ يعني من المطر ومن النبات. وأيضاً كان يقال: الناس تبع لإمام في الخير وفي الشر، والناس أيضاً على دين ملوكهم. ولذلك لما أُتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكنوز كسرى، وكانت كنوزاً عظيمة جمع الناس لقسمتها، فلما كشفوا الثياب عنها رأى منظراً لم يره من قبل، رأى الذهب والياقوت والزبرجد واللؤلؤ تتلألأ، فعند ذلك بكى ورفع يديه وقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً"؛ يعني كان يخاف رضي الله عنه. ثم دعا بسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي وألبسه سواري كسرى، وهذا تحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: «كأني بك يا سراقة وقد لبست سواري كسرى». فلما لبسهما، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الحمد لله الذي أراني سواري كسرى قد لبسهما سراقة بن جعشم أعرابي من بني مدلج".

ثم إن عمر بعدما قسم تلك الكنوز أو بعدما نظر إلى تلك الكنوز وأراد تقسيمها، قال: "إن الذي أدى هذه الكنوز لأمين"، فقال له رجل: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله تعالى، فإن رتعت رتعنا. عند ذلك قال: صدقت. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قوله: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم»، هذه الجمل تدل على أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله سبحانه وتعالى في جميع مصالحهم في الدنيا وفي الآخرة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ [الكهف: 17]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2]. وكذلك الرزق بيد الله، يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: 17]. ويقول: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].

وقوله سبحانه وتعالى في هذا الحديث: «فاستهدوني أهدكم، فاستطعموني أطعمكم، فاستكسوني أكسكم»، أي اطلبوا مني الهداية واطلبوا مني الرزق واطلبوا مني الكسوة. وهذا الطلب ليس معناه فقط الدعاء، هو يشمل التوجه إلى الله بالدعاء ويشمل أيضاً استعمال الأسباب، فاستعمال الأسباب طلب من الله. وهذا المعنى -وهو التوجه إلى الله بالدعاء مع استعمال الأسباب- يستوي فيه طلب الهداية ويستوي فيه طلب الرزق. لكن هناك إشكال في الفهم أحياناً من بعض الناس؛ من يجتهد في طلب الرزق بالأسباب الجالبة له من التكسب والعمل، وأيضاً يتوجه إلى الله بالدعاء لأن يرزقه سبحانه وتعالى، بينما في طلب الهداية يكتفي فقط بالدعاء: "لو شاء الله أن يهديني لهداني"، ويقول: يا ربي اهدني، لكنه لا يتخذ الأسباب؛ يعني لا يجتهد في طلب الأسباب الجالبة للهداية. والحديث في الحقيقة قد سوى بين الأمرين، بين طلب الرزق وبين طلب الهداية. ولذلك نجد الناس ينتقدون من يجلس في بيته أو في المسجد ويقول: رزقي مكتوب، أو أنا متوكل على الله، فتجدهم يقولون: أنت متواكل ولست متوكلاً. التوكل لا ينافي التسبب، وهذا هو الصحيح، فإن الله سبحانه وتعالى أمر مريم -وهي امرأة نفساء- أن تهز جذع النخلة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، مع أن الجذع كبير والمرأة ضعيفة، وهزها للجذع لن يؤثر فيه أصلاً، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يرشد العباد إلى العمل على الأسباب. لذلك يقول الشاعر: ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزة ... جنته ولكن كل شيء له سبب

وهذا معنى الحديث: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». من الناس من يحتج بهذا أن الطير لا تعمل، لا، من قال أنها لا تعمل؟ هي تتحرك، هي تذهب وتجيء، وهذا هو التسبب؛ لا تقعد في أوكارها. فالله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله»، التوكل الذي يصحبه السبب، «لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». وهكذا يقال بالنسبة للهداية، لا تقعد وتقول: لو شاء الله أن يهديني لهداني، بل لا بد أن تجتهد في استعمال الأسباب، أسباب الهداية من مصاحبة الصالحين وتغيير البيئة أحياناً، البيئة هي المؤثرة، تكون البيئة سيئة فالانتقال من بيئة سيئة إلى بيئة...

هذا من التسبب، ويدل على ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وجاء إلى عابد فقال له: هل لي من توبة؟ قال: لا، فقتله، فكمل به المئة. ثم ذهب إلى عالم فقال: هل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في قرية سوء، في منطقة سوء، فاذهب إلى كذا وكذا. والحديث مشهور معروف.

وقول الله سبحانه وتعالى في هذا الحديث: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم». كان الله سبحانه وتعالى برحمته وكرمه يعذر عباده، ويقول إنكم خلقتم ومن طبيعتكم الخطأ، لكن عليكم أن تستغفروا حتى أغفر لكم. فالله سبحانه وتعالى يريد من عباده اللجوء إليه، ويريد من عباده الاستغفار والإنابة بين يديه.

وفي الحديث القدسي الآخر: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بمثلها مغفرة».

وقوله في هذا الحديث: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»، يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله سبحانه وتعالى نفعاً ولا ضراً، فإن الله سبحانه وتعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعات هؤلاء العباد ولا يعود نفعها إليهم، وإنما هم الذين ينتفعون بها، ولا يتضرروا بمعاصيهم وإنما هم الذين يتضررون بها. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 176]. ويقول سبحانه وتعالى عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8].

والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يتقيه، وأن يطيعه كما يكره منه أن يعصيه، وأن يصد عنه. ولهذا يفرح الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد إذا تاب إليه؛ «الله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم سقط على راحلته وقد أضلها بأرض فلاة»، وفي بعض الأحاديث: «فأمسك بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح»، الله أفرح من هذا العبد بهذه الراحلة.

ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله عليه: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: من أعظم مني جوداً؟ والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا. فيما بيني وبينهم أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء. من ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أنا الفضل ومني الفضل، وأنا الكريم ومني الكرم. ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني المهرب؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ ولذلك يقول بعضهم: أسأتُ ولم أحسن وجئتُك تائباً وأنا لعبد من مواليه أهربُ يؤمّل غفراناً، فإن خاب ظنّه فما أحد منه على الأرض أخيبُ

وقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». يعني أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، ولو كانوا كلهم على قلب أتقى رجل واحد منهم، كما أنه لا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة، ولو كانوا كلهم على قلب أفجر واحد منهم، فإن الله سبحانه وتعالى هو الغني بذاته عما سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فملكه كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه.

وقوله: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». المراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه وتعالى، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه، ولو كانوا في مقام واحد. وفي هذا حث للخلق على سؤاله سبحانه وتعالى، وعلى إنزال حوائجهم به. وفي الصحيحين النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه»، يعني لم ينقصه أبداً. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]. وهكذا إذا غمس في البحر رجل إبرة أو شرب منه عصفور، هل ينقص من البحر شيء؟ فهكذا لا ينقص من ملك الله سبحانه وتعالى شيء.

وقوله عز وجل: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». يعني أنه سبحانه وتعالى يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها ويجزيهم عليها؛ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30].

والله سبحانه وتعالى يشير في قوله: «فمن وجد خيراً فليحمد الله» إلى أن الخير كله من الله، من فضل الله على عبده من غير استحقاق له، والشر كله من هذا العبد المسكين، فإنه ما جاءه هذا إلا من اتباع هوى نفسه، كما قال تبارك وتعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]. وعلي رضي الله عنه كان يقول: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه. فالله سبحانه وتعالى إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه ووفقه على طاعته، فكان ذلك فضلاً منه. وإذا أراد خذلان عبد وكله إلى نفسه، وخلّى بينه وبين إغواء الشيطان لغفلته عن ذكر الله، واتبع هواه وكان أمره فرطاً، وكان ذلك عدلاً منه سبحانه وتعالى.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.