دخولتسجيل الدخول

الحلقة 28

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا فيما مضى من الحلقات عن المراحل التي مرت بها مسيرة الحديث النبوي الشريف وذلك بشكل مختصر، وأيضاً ذكرنا سيرة بعض أعلام المحدثين، كما أشرنا إلى بعض الكتب التي أُلفت في جمع السنة النبوية، أو الكتب التي أُلفت من أجل فحص الأسانيد ومعرفة أحوال رواة الأحاديث، أشرنا إلى ذلك إشارة، وقد رأيت في هذه الحلقة والحلقات بعدها أن أتطرق لبعض الأحاديث النبوية بالشرح؛ وذلك من باب الفائدة وتعطير المجالس بكلام الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: اقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال له: اقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة. فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أكنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة الراوي: والذي نفسي بيده، إنه تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته. هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه بسند صحيح، وقد روى مسلم نحو هذا الحديث من حديث جندب بن جنادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة»، هذه الجملة تدل على أن بين العاصي والمطيع مواخاة، وأهل العلم يقسمون المؤاخاة إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: مؤاخاة بين صالح وصالح، وهذه المؤاخاة هي المحمودة وهي المطلوبة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 66-67]. فكل خليل يكون يوم القيامة عدواً لخليله، يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين كانت خلتهم على تقوى الله سبحانه وتعالى.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وذكر منها: «أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». وأيضاً في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه». وأيضاً في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي». وكذلك فيه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه». وهكذا في الصحيحين من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرء مع من أحب». هذه هي المؤاخاة الصادقة الصحيحة، وفي الترمذي وأبي داوود أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».

القسم الثاني من المؤاخاة: مؤاخاة وصداقة بين طالح وطالح، وهذه المؤاخاة هي المؤاخاة المكروهة التي هي غالباً ما تنقلب يوم القيامة عداوة وبغضاً، كما قال تبارك وتعالى في الآية التي قرأتها: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا خير في صحبة من تجتمع فيه هذه الخصال: من إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك، وإذا أنعم عليك مَنَّ عليك، وإذا أنعمت عليه كفرك. وعادة ما تكون هذه المؤاخاة والصداقة للدنيا فقط، فإذا كان سبب المؤاخاة وجاهة أو مالاً أو تجارة أو شهرة أو منصباً أو نحو ذلك من الأمور، فسرعان ما تنقلب هذه الصداقة إلى عداوة بذهاب هذه الأسباب. ولله در الشاعر حيث يقول: ولا خير في ود امرئ متلون ... إذا الريح مالت مال حيث تميلُ جوادٌ إذا استغنيت عن أخذ ماله ... وعند احتمال الفقر عنك بخيلُ فما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليلُ

وقد روي عن بعض السلف أنه قال: لا تواخِ الأحمق ولا الفاجر؛ فأما الأحمق فمدخله ومخرجه شين عليك، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنك مثله. وروي عن بعضهم: خالط المؤمن بقلبك، وخالط الفاجر بخلقك. هذا هو القسم الثاني.

القسم الثالث: المؤاخاة بين الصالح والطالح، وهذه عادة تكون لأمر من أمور الدنيا، إما نسب أو مصاهرة أو تجارة أو نحو ذلك من الأمور، وقد تكون لله سبحانه وتعالى بالنسبة للصالح إذا كان قصده من مؤاخاة العاصي صده عما هو عليه ومحاولة هدايته، كما قد تكون لله بالنسبة للعاصي أيضاً إذا كان قصده من مؤاخاة الشخص الصالح الاستفادة من دينه. لكن دوام هذه المؤاخاة بين الصالح والطالح إنما تجوز إذا كان الصالح يأمل هداية الآخر ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ولا يجالسه على منكره، وإلا كانت وبالاً عليه.

وقوله في الحديث: فقال: «خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟»، هذا اللفظ لا ينبغي أن يجعله يكسل عن ذلك؛ الصالح إذا قيل له الذي ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، إذا قيل له «خلني»، لا ينبغي أن يكسل عن ذلك ويتهاون عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وليتذكر نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام، قال: ﴿رَّبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: 5-9]. يعني ما ترك طريقاً إلا وفعلها.

وهذا الصالح الذي في الحديث الذي كان مواخياً لذلك المذنب وكان ينهاه فيقول له: «اقصر»، هذا أمر منه مستحسن؛ لأن ذلك هو الواجب عليه، والأدلة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، من ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً».

وهكذا في الصحيح قال: «نهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم إذا كثر الخبث». وحديث السفينة هذا وحديث القائم على حدود الله والواقع فيها يدل على أن المعاصي شؤم على الناس، ينبغي لهم أن ينكروها كما ينكر أصحاب السفينة على من يريد خرقها. وقد ذكر في بني إسرائيل قصة عن موسى عليه الصلاة والسلام وهو يستسقي، ذكرها ابن قدامة في كتاب التوابين، قال: خرج موسى يستسقي ومعه الصلحاء والرهبان، فدعوا الله وكان في السماء شيء من السحاب فانقشع، فتعجب موسى وقال: يا ربي لم تسقنا؟ فقال: إن فيكم رجلاً لم يطعني، أو عاصياً لي طول حياتي. فالتفت موسى عليهم، وهذا يدل على أن العصيان له أثره على الناس، فالتفت موسى وقال: يا أيها العاصي اخرج، فقد منعنا القطر بسببك. فهذا العاصي عرف نفسه، فهمهم في خاطره وقال: يا ربي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، إني تبت إليك ورجعت إليك. فما أتم كلامه حتى جاء السحاب من هاهنا وهاهنا، وجادت السماء كأنها أفواه القرب، فتعجب موسى وقال: يا ربي سقيتنا ولم يخرج أحد! فقال: يا موسى، سقيتكم بمن منعتكم به. فقال: يا رب ومن هو هذا العبد؟ فقال: يا موسى، إني قد كنت أستر عليه وهو عاصٍ، أفأفضح بعدما تاب؟ سبحانه وتعالى ما أحلم وما أرحم الله.

يقول في آية أخرى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 163-166].

هذه القصة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قرية من قرى بني إسرائيل، كان محرماً عليهم الاصطياد يوم السبت، فكان السمك يأتيهم يوم السبت شرعاً على وجه البحر أفواجاً أفواجاً، حتى لو أن أحدهم أخذ بيده لأخذه، فإذا غربت الشمس ذهب عنهم وتمنع في البحر فلا يقدرون على شيء منه، وهذا ابتلاء واختبار من الله سبحانه وتعالى في أدائهم لما أمروا به. فمكثوا على ذلك زمناً، ثم اشتدت شهوتهم للحم، فصاروا يحتالون على السمك، يعني يوم الجمعة يحفرون ويجرون الماء في أخاديد تسيل من البحر ثم يحفرون حفراً عميقة، فتأتي السمك يوم السبت فإذا جاءت مع تلك الأخاديد المائية ونزلت في الحفر، ثم رجع الماء فلا تقدر هذه الأسماك أن ترجع، فيأخذونه يوم الأحد، يتركونه يوم السبت ويأخذونه يوم الأحد. فلما فعلوا هذه الحيلة ولم يأتهم عذاب ظنوا وقالوا، تجرؤوا، وقالوا لعل حرمة الصيد يوم السبت قد رفعها الله، ثم صاروا حتى ما زالوا يتدرجون حتى صاروا يأخذون ويصطادون السمكة عياناً ويملحونه ويبيعونه في الأسواق.

فصاروا ثلاث طوائف: طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، والثانية طائفة نهتهم، ولما قالوا لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، والطائفة الثالثة هي التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، يعني هم ما أمروا بالمعروف، وقالوا هؤلاء سيهلكهم الله. فالطائفة الناهية هي التي قالت: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. والله سبحانه وتعالى بين أن الذين اعتدوا في يوم السبت عذبهم عذاباً بئيساً وهو أنه مسخهم قردة، فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، والطائفة التي نهت أنجاهم الله كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وبقيت الطائفة الثالثة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، لم يذكرهم الله سبحانه وتعالى.

وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية يبكي، يقرؤها ويبكي ثم يقول: أرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نتكلم، فكأنه خائف على نفسه رضي الله عنه.

وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105]، فليس معناها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قد يفهمه بعض الناس من ظاهرها. هذه الآية فقد قال غير واحد من السلف بأن معنى هذه الآية: أي لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل، وإذا أنتم أطعتم وقمتم بفرض الله عليكم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعبادة، فلا يضركم بعد ذلك مخالفة الآخرين. وهذا قاله أبو بكر الصديق كما ثبت ذلك في مسند أحمد وفي سنن أبي داوود والترمذي وابن ماجه، خطب الناس فقال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير ما وضعها الله.

أيُّها الناس، يا أيُّها الذين آمنوا، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم. قال ﷺ: «إن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب».

نقف هنا قليلاً، ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا تكلمنا قبل الفاصل عن معنى أول الحديث، وأما قول النبي ﷺ: «إنه قال والله لا يغفر الله لك»، يعني ذلك الصالح، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض الله روحه، وقال من هذا المثالي: «ألي أو هل تقدر على كنت على ما في يدي قادراً»، ثم قال: «اذهبوا به إلى النار»، وهذا «اذهبوا به إلى الجنة».

هذه العبارة من الحديث فيها أمور؛ الأمر الأول: أن من أعظم الذنوب التآلي على الله سبحانه وتعالى، وذلك بأن يقسم أحد أن فلاناً من أهل النار أو أن الله لا يغفر له، هذا لا يمكن أن يكون إلا بعلم من الله وبرهان من عنده، وأما أن يحلف على غيب بلا علم فهذا هو التآلي الممقوت الذي يوبق الدنيا والآخرة.

الأمر الثاني: أن الصالح لا ينبغي أن يغتر بصلاحه، فقد يقول أو يفعل فعلاً يكون سبباً في هلاكه في الدار الآخرة كما حصل لذلك الرجل، ولذلك كان الصالحون من الصحابة وغيرهم لا يزالون خائفين وجلين من عدم العلم بمصائرهم. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أهل الجنة وأنهم يتصفون بهذه الصفة، بصفة الخوف والوجل في الدنيا؛ قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57-61].

تقول عائشة كما في مسند أحمد والترمذي وسنن ابن ماجه: قلت يا رسول الله: الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر، يعني هو يأتي هذه الأشياء وهو قلبه وجل؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، وإنما هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف ألا يقبل منه»، يعني هو طائع ومع ذلك خائف لا يدري هل يقبل منه أو لا.

والله سبحانه وتعالى قد وصف أهل الجنة فقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: 25-26]، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم؛ لأنهم كانوا سابقاً مشفقين خائفين وجلين. ولذلك كان النبي ﷺ يقول للصحابة الكرام وهم صفوة الناس كما في الصحيحين: «قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».

ولذلك كان الصحابة الكرام، كما وصفهم علي بن أبي طالب، من أهل الخوف وإن كانوا عبّاداً. يروى عن علي رضي الله عنه قال: صليت مع علي رضي الله عنه صلاة الفجر، فلما فتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، وهو كان أمير المؤمنين في ذلك الوقت، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح، ثم قلب كفه فقال: «والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صُفراً، شعثاً، غُبْراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، يتلون كتاب الله، قد بات لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكان القوم باتوا غافلين»، يقول مع حالتهم هذه لما أصبحوا وصاروا يبكون، كأنهم البارحة باتوا غافلين، كأنهم باتوا على رقص ومعصية لله سبحانه وتعالى، فاصبحوا يبكون وهم كانوا قد باتوا وهم يصلون. هذا الفرق بين هؤلاء الصحابة، ولذلك قال: «رأيت أصحاب النبي ﷺ فما رأيت شيئاً يشبههم».

الأمر الثالث في هذا اللفظ من الحديث يدل على أن العاصي لا ينبغي أن ينظر إليه الناس بعين الازدراء والاحتقار، ولا أن يشتم، بل ينبغي أن يشفق عليه ويدعى له. في صحيح البخاري: أتى النبي ﷺ رجل قد شرب الخمر فأمر الناس بضربه، قال أبو هريرة: فلما قال اضربوه، فمن الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله! فهنا النبي ﷺ هو قال لهم اضربوه، لكن لما قال له هذه الكلمة: أخزاك الله، قال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان».

وفي الزهد لابن المبارك أيضاً من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إذا قارف أحدكم ذنباً فلا تعينوا عليه الشيطان، تقولون اللهم افعل به، ولكن سلوا الله العافية، فإن أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يقولون لأحد شيئاً حتى يموت، فإن خُتم له بخير قلنا إنه أصاب خيراً، وإن خُتم له بشر خفنا عليه».

بل قد روي أن رجلاً كان ذا بأس، وكان يفد على عمر، وكان يأتي عمر ويقدمه عمر بسبب بأسة وشدته ومكانته في الدين وكان من أهل الشام، ثم إن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع في هذا الشراب، يعني صار يشرب الخمر. فماذا صنع عمر؟ دعا الكاتب وكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان: «سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير». ثم دعا من عنده فقط ذكره بهذه الآيات.

وهذا لما دعا عمر بن الخطاب من عنده ودعوا له أن يقبل الله بقلبه وأن يتوب عليه، لما أتته هذه الصحيفة، جعل الرجل يقرأها: «غافر الذنب»، الذنب قد وعدني الله أن يغفر لي، «قابل التوب»، قد حذرني عقابه، «شديد العقاب»، «ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير»، فلم يزل يرددها هذا الرجل في نفسه، ثم سار يبكي، ثم نزع فأحسن النزع ورجع على سالف عهده. فلما بلغ عمر رضي الله عنه قال: «هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زلة، فسددوا ووفق وادع الله أن يتوب عليه ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه».

الأمر الرابع مما يستفاد من هذا الحديث أو من هذا اللفظ، أن الله سبحانه وتعالى لا يعظم عنده مع عفوه ذنب، هو العظيم وعفوه أعظم من ذنوب الناس كلها.

مهما كان ذلك الذنب فإنه يغفر الذنوب جميعاً، كما قال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. إلا الشرك؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

ولذلك الشافعي رحمه الله عليه لما احتضر ودخل عليه المزني قال له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولعملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشد: جعلت الرجا مني لعفوك سلماً ... تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منه وتكرما

ومحمد بن نافع وهو صديق لأبي نواس يقول: مات أبو نواس، وأبو نواس ماجن رجل معروف بمجونه ولكنه مسلم، فلما مات يقول: رأيته في النوم وكان بينهم جفوة قبل موت أبي نواس، فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت الوسادة. قال: فأتيت أهله فإذا رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة إلا الرجاء ... وجميل عفوك ثم إني مسلم

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.